المبحث الثاني: السلطة السياسية Political Authority
أعطى بعض الأنتربولوجيين السياسيين للسلطة معنى مستقى من الأنوية الحضارية الغربية التي ينتمون إليها، حيث نفوا صفة المجتمع السياسي عن المجتمعات البدائية، فالبريطاني تيفارت، يؤكد “أن التنظيم السياسي أمر استثنائي مميز لبعض الجماعات..فكل الشعوب كانت لفترة معينة أو لا تزال، منظمة على أساس آخر “نفس الموقف قال به مالينوفسكي الذي نفى وجود جماعات سياسية لدى جماعات الفيدا وأهالي استراليا الأصليين، هؤلاء الكتاب يعتبرون أن الشأن السياسي يبدأ حيث ينتهي نطاق القرابة، باعتبار أن الجماعات البدائية تلعب فيها صلة القرابة العامل الرئيسي في علاقتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة تتنافى مع العلاقات السياسية -كما سبقت الإشارة-، وحسب هذا المفهوم فإن السلطة السياسية مرتبطة بوجود الدولة، إذن فالمجتمعات البدائية التي لا تعرف السلطة السياسية هي مجتمعات اللادولة .

إلا أن هذه المقاربة التي تنفي صفة السياسي وبالتالي صفة الدولة عن المجتمعات البدائية، تجد من يعارضها ويأخذ بمقولة أرسطو بأن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، فلا يوجد مجتمع بدون حكومة، إن الخلاف في الواقع يكمن في اختلاف مفهوم السياسة لدى الأقدمين عنه عند المجتمعات المعاصرة، فالسياسة بمعنى القيادة موجودة عند كل المجتمعات، إلا أنها عند المجتمعات البدائية لم تكن جهازاً منفصلاً عن الأجهزة الأخرى من اقتصادية واجتماعية ودينية، بل كانت متداخلة معها وكانت كلها تتركز في يد رجل واحد أو مجلس واحد. أما مفهوم السياسة اليوم فمختلف، إنها جهاز مستقل قائم بذاته له أصوله وقواعده، والسلطة السياسية لا تتواجد وتأخذ معناها ومدلولها الحقيقي اليوم إلا في ظل وجود المجتمع المدني، الذي هو مرحلة متطورة في حياة المجتمعات، “إنه حاصل اجتماع عدد كبير من الجماعات التي تختلط دون أن تذوب، إنه كما يقول علماء الاجتماع مجتمع كلي” ، إذن السلطة السياسية لا تتواجد إلا في وجود المجتمعات الكلية.

وفي تحليله للسلطة السياسية عند المجتمعات البدائية يقول بيار كلاستر إن المجتمعات البدائية لم تعرف السلطة السياسية كجهاز قائم بذاته بل كانت مندمجة مع بقية المؤسسات الأخرى، ويميز بين السلطة السياسية وبين نفوذ الزعيم في المجتمعات البدائية، فالزعيم يحظى بالاحترام والتقدير ويمثل الجماعة لدى الجماعات الأخرى، ويفض النزاعات الداخلية، لكنه لا يمتلك أي سلطة قسرية، وغياب عنصر القسر أو الإكراه هو ما ينفي صفة السياسي عن سلطة الزعيم: “إن الزعيم بما أنه المعمم لنشاطات الجماعة الاقتصادية والطبقية، لا يحوز على أي سلطة تقديرية، إنه غير متأكد على الإطلاق من أن أوامره سوف تنفذ” .وعليه فإن السلطة السياسية بمفهومها المعاصر تنتفي في المجتمعات البدائية لانتفاء علاقة حاكمين بمحكومين فالزعيم ليس ملكاً وليس رئيس دولة، وبالتالي لا يحوز على أي نفوذ أو سلطة إعطاء الأوامر الملزمة، فناس القبيلة ليسوا ملزمين بإطاعة الأوامر: “إن مجال الزعامة ليس مكاناً للسلطة وصورة الزعيم الهمجي لا تمثل في شيء صورة المستبد المقبل، إن جهاز الدولة لا ينتج مطلقاً من الزعامة البدائية” .

إن سلطة زعيم القبيلة التي هي سلطة شخصية تمارس من قبل صاحبها الذي يتصرف وكأنه القانون، هذه السلطة يمكنها أن تتحول إلى سلطة سياسية إذا أخذت طابعاً مؤسساتياً أي سلطة محددة في الواقع بقواعد قانونية وأصول إجرائية تحول دون أن يتصرف من يملكها وفق رغباته الشخصية، وبمعنى آخر فإن ما يميز “الدولة” بالمفهوم القديم عن الدولة الحديثة أن السلطة في الأولى كانت فردية بينما في الدولة الحديثة السلطة هي المؤسسات والأجهزة، حتى وإن كان هناك حاكم مستبد فإن هذا لا يستطيع أن يمارس سلطته الاستبدادية بصفة شخصية، بل يمارسها عن طريق المؤسسات أو الأجهزة القمعية.وقد عرفت غالبية دول إفريقيا ودول آسيوية هذه الحالة ، فقبيل الاستعمار كانت هذه الشعوب تعيش كقبائل محكومة من زعمائها دون مؤسسات سياسية واضحة ، وعندما جاء الاستعمار، وضع حدود وهمية بين القبائل ونصب زعماء القبائل ملوكا ورؤساء وخلق مؤسسات سياسية وهمية،إلا انه إلى اليوم ما زالت هذه المجتمعات تعاني من حالة التداخل والصراع ما بين المجتمع القبلي والدولة واستحقاقاتها السياسية. 

هذا الفصل بين الزعامة وبين السلطة السياسية، سبق أن تطرق إليه العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حيث ميز بين الرئاسة التي تعني الزعامة دون سلطة إكراه، وبين الملك الذي يعني القهر والغلبة فيقول: “إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع، وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلابد أن يكون متغلبا عليهم وألا لا تتم قدرته وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة، لأن الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع، وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر” .

ومع ذلك فقد أشار العديد من الانترلولوجين السياسيين إلى صعوبة وضع تحديد دقيق بين المجتمعات السياسية والمجتمعات غير السياسية، وبالتالي ما بين السلطة السياسية والسلطة غير السياسية، نعم يمكن تحديد ذلك داخل المجتمع الكلي، مثلاً في الدولة نميز بين سلطة الدولة كمجتمع سياسي والسلطة التي تمارسها المجتمعات الأدنى “الفرعية”، كالأحزاب والنقابات، والطوائف، والقبائل والأسر، ولكن ما بين المجتمعات الكلية وبعضها البعض وخصوصاً فيما يتعلق بلحظة التأسيس، يصعب تحديد متى انتقل المجتمع من مرحلة اللادولة – المجتمع اللاسياسي – إلى مرحلة الدولة أو المجتمع السياسي، وبالتالي متى ظهرت السلطة السياسية، وقد أشرنا إلى التداخل بين مفهوم الزعامة ومفهوم السلطة، وبالتالي صعوبة الفصل الواضح بين سلطة الزعيم التقليدي، وسلطة الحاكم السياسي، أيضا فيما يتعلق بالقول بأن المجتمعات اللاسياسية تقوم فيها العلاقات على أساس القرابة ومن القرابة تستمد “السلطة” أما المجتمعات السياسية فتنتفي فيها علاقات القرابة كمحدد رئيس، لتحل محلها علاقات تراتبية ووظيفية، هذا القول ليس دقيقاً تماماً فالأنتربولوجيا السياسية “بدلاً من أن تتصور القرابة والسياسة كعبارتين مانعتين الواحدة للأخرى أو متعارضين الواحدة للأخرى، كشفت الروابط المعقدة القائمة بين هذين النظامين…وهكذا أظهرت دراسة التنظيم النسبي وامتداده في المكان وجود علاقات سياسية مبنية على استخدام مبدأ التحدر خارج نطاق القرابة الضيق، كذلك تقدم القرابة للسياسي، في هذه المجتمعات نموذجاً ولغة .

لقد بينت دراسات انتربولوجية سياسية، أن علاقات القرابة والجوار أو الأرض المشتركة، بالإضافة إلى الصراع والحرب كلها أمور لعبت دوراً في إعطاء مضمون سياسي للمجتمعات التقليدية – المجزأة…وهذا ما يفسر لنا إطلاق ابن خلدون لفظ دولة على السلطة القائمة في البادية، وواقع السلطة السياسية في كثير من مجتمعات العالم الثالث اليوم بما فيها المجتمعات العربية يدل على التداخل ما بين القرابة والسلطة السياسية، حيث نجد سلطة تقليدية مستمدة من الوراثة أو الأصول وفي حالات كثيرة تُمتَلك السلطة من قِبل أفراد الأسرة المالكة، فالحكم هو حكم الأسرة أو القبيلة والأسرة والعشيرة محددان أساسيان في السياسة.

وما دمنا تطرقنا إلى مفكر مسلم، فيستحسن أن نشير إلى موقف الإسلام من السلطة والدولة، ففي اللغة العربية كلمة سلطة تحيل إما إلى التسلط والإكراه، وهو المعنى الأكثر تداولاً وقبولاً في الفكر السياسي العربي، أو تحيل إلى معنى السلط والسليط، أي طويل اللسان، بمعنى أن السلطة تستمد من سلاطة اللسان أي حدته وفصاحته، ولكن كلمة سليط تعني الزيت التي يضاء به، فكأن السلطة هنا تعني الإنارة والقدرة على قهر الظلام، ومن هنا نجد كلمة سليط تحيل إلى السلطان، فالسلطان “موئل السلطة ومركزها” معناه باللغة العربية، الحجة والبرهان، وكأن هذا المعنى يدل أن السلطان صاحب السلطة لا يعني فقط التسلط والجبر بل القدرة على امتلاك الحجة والبرهان لإقناع الناس وإنارة طريقهم إلى الصواب.

أما فيما يتعلق بظهور المجتمع السياسي في المجتمع العربي الإسلامي، فقد بين ابن خلدون ذلك بتمييزه ما بين مجتمع البدو المتسم ببساطة العيش وبانقسامه إلى قبائل متطاحنة ومتحاربة ومجتمع الحضر – المدن – المتميز بتعقد الحياة الاجتماعية وطرائق العيش وخفوت حدة العصبية القبلية، فالأول هو الذي يعرف السياسة أما المجتمع القبلي السابق له فهو مجتمع لا يعرف السياسة، هذا الرأي يتفق معه الكاتب محمد سليم العوا الذي ينفي وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية في المجتمع البدوي العربي قبل ظهور الإسلام “فلم يكن لمثل هذه السلطة وجود في مجتمعات البدو أو وحداتهم التي ينتمون إليها”، فالمجتمع السياسي لم يظهر إلا بعد ظهور الإسلام، ولكن ليس مباشرة فحتى عندما كان المسلمون في مكة لم يشكلوا مجتمعاً سياسياً، فهذا لم يظهر إلا بعد العقبة الثانية وما تلاها من هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة .

من كل ما سبق ما هي مؤشرات وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية؟
يذهب غالبية علماء السياسة والاجتماع إلى القول إن السلطة السياسية هي السلطة التي تتبلور مع وجود الدولة أي السلطة المقترنة بعنصر الإكراه أو القوة، حيث يشهد التاريخ أنه لم تقم سلطة سياسية بغير قوة، كما أنه لم تنهار سلطة سياسية بغير القوة أيضاً، فبغير القوة – بمفهومها الواسع – يصبح من المشكوك فيه أن تتمكن سلطة سياسية من إشاعة الاستقرار والنظام داخل المجتمع.

قد لا يكون هذا القول كافياً لتعريف السلطة السياسية، وبالتالي تعددت المقاربات للتعرف على السلطة السياسية، فهناك مقاربة تقول إن السلطة تكون سياسية عندما تمارس في المجتمع الكلي، ومن هنا يمكن الحديث عن سلطة سياسية في مقابل سلطات اجتماعية في المجتمعات الفرعية – سبق التطرق إلى ذلك – ومقاربة أخرى تعتبر السلطة سلطة سياسية عندما تكون سلطة سيدة، بمعنى أن ممارسيها لا يخضعون لأي سلطة أخرى . وهو الأمر الذي يطرح عند الحديث مثلاً عن السلطة الفلسطينية ومدى السيادة التي تتمتع بها وسنشير إلى ذلك لاحقاً. 

وهناك مقاربة أخرى تُعرف السلطة السياسية تعريفاً وظيفياً، فتعتبر السلطة السياسية هي الفعالية الاجتماعية التي تتكلف – مستعينة بالقوة المرتكزة على القانون غالباً – بتأمين السلامة من أي خطر خارجي وتأمين الوفاق والانسجام الداخلي لأي مجتمع، وهذا القول يتفق مع ما قال به بريلو Marcel Prelot من تلازم المجتمع والدولة والقدرة – السلطة – وصعوبة الفصل بينهما “فالدولة – المجتمع تستدعي الدولة – القدرة، والدولة – القدرة تستدعي الدولة – المجتمع” .

أما “جورج بالاندييه” فيضع عدة مؤشرات يستدل منها على وجود مجتمع سياسي وبالتالي سلطة سياسية وهذه المؤشرات هي: 
أولاً: الاستدلال بطرائق التنظيم المكاني:
حسب هذا المعيار يُفهم الميدان السياسي أولاً كنسق تنظيمي عامل في نطاق محدد ووحدة سياسية، أو كحيز مشتمل على جماعة سياسية، وحسب هذا المعيار أيضاً ميز ماكس فيبر النشاط السياسي – بمعزل عن اللجوء المشروع إلى القوة – بكونه يجري داخل أرض ذات حدود معينة” من القرابة إلى الأرض” فالسلطة السياسية مرتبطة بالدولة ذات الإقليم المحدد.
ثانياً: الاستدلال بالوظائف:
بمعنى أن المجتمع السياسي يتميز بوظائف خاصة به، فهو يؤمن التعاون الداخلي والدفاع عن سلامة المجتمع ضد المخاطر الخارجية، وقد شدد “ج. الموند A. Almond” على أن جميع الأنظمة السياسية تتشارك بخاصيتين: تأدية الوظائف نفسها من قبل جميع الأنظمة السياسية، والتعددية لجميع البنى السياسي.
ثالثاً: الاستدلال بطرائق العمل السياسية:
يرى “م.ج. سميت” أن الحياة السياسية مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية ونظام عمل، فالعمل الاجتماعي يكون سياسياً عندما يسعى إلى السيطرة أو التأثير على القرارات المتعلقة بالشؤون العامة.
أما “د. اسيتون Easton” فيرى أن العمل يكون سياسياً عندما يرتبط ارتباطاً شبه مباشر بصياغة وتنفيذ قرارات ملزمة بالنسبة إلى نظام اجتماعي معين، ويرى بالانديه أن هذا التعريف الأخير مرن إلى حد كبير، ذلك أن الأسرة أو الجمعية مثلاً تعد نظاماً اجتماعياً، لكن أي منها لا تشكل تنظيماً سياسياً أو مجتمعاً سياسياُ، فالنظام السياسي ينطبق فقط على “مجمل النشاطات التي تضمن اتخاذ قرارات تهم المجتمع الكلي وفروعه الكبرى”.

رابعاً: الاستدلال بالخصائص الشكلية:
يلاحظ “ج. بوربون” أن كل طاعة ليست بالضرورة سياسية – سبق أن تطرقنا للموضوع – فداخل كل جماعة توجد مجموعة من الأنظمة قد تدخل في تنازع مع بعضها البعض، الأمر الذي يؤدي إلى سيطرة أحدهما على الآخرين، وهنا يبرز المفهوم السياسي أنه تفوق بنية معينة على البنى الأخرى في مجتمع محدد.

إن المؤشر الأخير لوجود المجتمع السياسي يقربنا من مفهوم السلطة السياسية في التفسير الماركس، فالماركسيون يرون أن السلطة السياسية وجدت مع وجود المجتمع الطبقي أي المجتمع المنقسم إلى طبقات اجتماعية متباينة ومتصارعة، فالسلطة السياسية تفرض نفسها عندما تسيطر طبقة على أخرى والسلطة “هي قدرة طبقة اجتماعية معينة على تحقيق مصالحها الموضوعية الخاصة” .
ونخلص إلى القول أن السلطة ليست مفهوماً محض سياسي، وإنما هي واقعة اجتماعية مثلها مثل القانون الذي هو أيضاً واقعة اجتماعية، لأن السلطة السياسية لا تكون إلا حيث يوجد مجتمع وتوجد علاقات اجتماعية، وإن كانت السلطة السياسية أو السلطة المؤسسية هي أرقى أنواع السلطة، فإن السلطة بصورة عامة سابقة للسلطة السياسية ومصاحبة لها أيضاً، حيث نجد أن الفرد يخضع في آن واحد إلى سلطة سياسية وسلطة اجتماعية، قد تكون سلطة رب الأسرة أو سلطة حزب أو جمعية أو سلطة العادات والتقاليد للمجتمع الذي يعيش فيه.

كما نشير إلى أن السلطة السياسية عرفت تطوراً تواكب مع تطور المجتمعات، فبعد أن كانت هذه السلطة تستمد من – وتتمحور حول – رئيس القبيلة حيث كانت له سلطة شخصية هو موئلها، أصبحت بعد ذلك تستمد من أصول دينية، فالزعيم أو الملك إما أن يكون إلهاً أو يدعي أنه يستمد سلطته من الإله، وفي مرحلة أخرى ومع ظهور المجتمع المدني ظهرت إرادة الأمة التي منها تستمد السلطة وأصبحت هذه الأخيرة تعتمد في شرعيتها على إدارة الأمة التي منها تستمد السلطة وأصبحت الدولة هي المحتكرة لممارسة السلطة بما يعنيه ذلك من احتكارها لممارسة الإكراه المصاحب لممارسة السلطة السياسية.

المبحث الثالث :السلطة السياسية والشرعية Legitimacy

كما سبق الذكر فالسلطة توجد داخل مجتمع مكون من مكونات الدولة توجد حيث يوجد جهاز – أجهزة رسمية – أو أشخاص يحتكرون عملية اتخاذ القرارات العامة ولديهم القدرة على فرض هذه القرارات. ولكن وجود السلطة شيء وشرعيتها شيء آخر، وإن كان موريس دفرجيه اعتبر أن السلطة السياسية لا تكون إلا إذا تلازمت مع الشرعية، بمعنى أن السلطة السياسية بالضرورة سلطة شرعية، إلا أن العديد من علماء السياسة يقرون بالوجود الواقعي للسلطة السياسية بغض النظر عما إذا كانت شرعية أو غير شرعية، حيث غالباً ما تضفي الشرعية على السلطة بعد أن تصبح واقعاً.

والسؤال هو ما المقصود بالشرعية؟ وما هي مقومات أو عناصر السلطة الشرعية؟ ومن أين تُكتسب الشرعية؟.
بالرغم من تداول مفهوم الشرعية بشكل واسع سواء على المستوى السياسي كقولنا نظام شرعي أو غير شرعي، أو اجتماع شرعي أو غير شرعي، أو سلوك شرعي أو غير شرعي، أو قرار شرعي أو غير شرعي الخ، أو على المستوى الفردي حيث تضفي صفة الشرعية على كل تصرف يحضى بالقبول أو الرضى من طرف الأشخاص المعنيين بهذا التصرف أو الذين يتجه إليهم.ومن هنا فالمعنى العام لكلمة الشرعية تعني توافق السلوك مع قناعات ورضى الناس. ولكن هذا المعنى العام ليس بهذه السهولة التي يعتقدها البعض فكيف يمكن أن نقيس رضى الناس ونعرف إن كان رضاهم على حكامهم ناتج عن قناعة أم هم مجبرين على إظهاره خوفاً ممن في يدهم السلطة؟ وهل يمكن أن يكون النظام شرعياً إلى ما لانهاية؟ أم أن هذه الشرعية تتقيد باستمرارية حالة الرضى التي عليها الناس؟ وأخيراً ما هي العلاقة بين الشرعية بمعنى الحكم بالقانون والشرعية بمعنى الحكم بما يرضى الناس؟ وهل دائماً حكم القانون أو بالقانون يعني التوافق مع رضى وقناعات غالبية أفراد المجتمع؟.

أولا: الشرعية لغوياً
في اللغة العربية الشرعية مشتقة أصلاً من الشرع، والشرع في اللغة العربية هو البيان والإظهار، وشرع الشيء أي بينه وأوضحه، والشرع مرادف للشريعة وهي ما شرع الله لعباده من الأحكام. كما أن الكلمة تطلق على الطريق المستقيم ويقصد العلماء المسلمون بكلمة الشرعية “الأحكام التي شرعها الله لعباده على لسان رسول الله وغيره من الرسل” ثم تطور مفهوم الشريعة وأصبحت تعني كل أحكام النظام الإسلامي، ما تعلق منها بالدين وما اختصت بالتشريع سواء وردت في القرآن أم في السنة أو في الإجماع أم في التفاسير وبالتالي الشرعي – نظام أو سلوك – هو المنسوب إلى الشرع أو الذي يتصرف ويسلك بمقتضى الشرع، والنظام الشرعي هو النظام الذي يلتزم في سلوكه ما جاءت به الشريعة الإسلامية، هو ما شرعه الله ورسوله .

ويعتقد سعد الدين إبراهيم أن الشريعة في الفقه الإسلامي هي المقابل المصطلحي لمفهوم البيعة، مستنداً على ما ذكره ابن خلدون في مقدمته: “أعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيئ من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأثبته ذلك فعل البائع والمشتري… .

أما في اللغات الأجنبية فكلمة Legitimacy مشتقة من اللاتينية كمرادف للقانون، وهي تعني أيضاً التشريع والمشرع، والسلطة الشرعية: “هي تلك السلطة التي يعترف بها أنها مشروعة أو مبررة من طرف أولئك الذين تطبق عليهم، إنها معترف بها كقانونية، عادلة وصحيحة” .

ثانيا : المعنى الاصطلاحي للشرعية
مفهوم الشرعية اصطلاحاً اختلف بعض الشيء عن المفهوم اللغوي، فالفلاسفة مثلاً يذهبون إلى القول إن الحكومة الشرعية هي الحكومة التي تتولى سلطة يؤمن الشعب أنها السلطة الحقيقية أو السلطة التي تستحق الطاعة دون غيرها.فالشرعية هنا تستمد من القناعة والإيمان، فمثلاً الملكيون لا يؤمنون بسلطة غير السلطة التي تتركز بيد الملك والمؤسسة الملكية، بمعنى أن إيمانهم بالملكية يدفعهم لإضفاء صفة الشرعية على الملك بغض النظر عن صفات هذا الملك. وكذا الأمر بالنسبة لأنصار الديمقراطية، فهؤلاء لا يعتبرون حكومة ما شرعية إلا إذا كانت منتخبة بطريقة حرة ونزيهة. إذن القناعة المسبقة بتصور ما عن الشرعية هو الذي يجعل الناس يضفون صفة الشرعية على نظام ما أو يسقطونها عنه.

أما المعنى الاجتماعي والسياسي للشرعية، فالشرعية هي صفة لنظام يحض برضى الأغلبية من السكان. عرف سيمور ليبست Seymour Lipsetالشرعية بأنها ” اعتقاد المحكومين بأن مؤسسات النظام السياسي القائم في مجتمعهم أفصل ما يمكن تكوينه ” أو ” إن هذه المؤسسات هي الأكثر ملاءمة وصلاحية للمجتمع “.1
وعلى هذا الأساس فالشرعية متبدلة بتبدل الواقع الذي يعبر عنه الشعب أو يريده الشعب، وبالتالي لا تلتزم الشرعية هنا بقيمة ثابتة ونهائية، فقد تكون غالبية الشعب ذات توجه ثوري وبالتالي فإن النظام الشرعي في نظرها هو الذي يعبر عن هذا التوجه، ولكن بعد حين قد ترتد الغالبية عن الثورية وتطالب بالديمقراطية فيكون النظام الشرعي بالنسبة لها هو النظام الديمقراطي المنتخب، ويصبح النظام المعتمد على الشرعية الثورية نظام غير شرعي.

وقد يحدث في بعض الحالات أن ينقسم الناس ما بين شرعيتين فيحدث آنذاك صراع حول السلطة بحيث تسعى كل فئة إلى إقامة نظام يعتمد توجهاتها السياسية والقيمية أي تصورها للشرعية، وفي هذه الحالات قد يحسم الأمر بطريقة ديمقراطية بحيث تعتمد الشرعية التي تؤيدها الأغلبية ويصبح على الأقلية الالتزام بإرادة الأغلبية مع احترام الأغلبية لحقوق الأقلية ، أو أن يحسم الصراع عن طريق القوة فتفرض شرعية الأقوى دون التفات لرأي الأغلبية.

ثالثا: الشرعية القانونية والشرعية السياسية – الشرعية والمشروعية

يطرح السؤال أحياناً، هل أن كل سلطة تَحكم بالقانون هي سلطة شرعية بالضرورة، بغض النظر عن مصدر القانون؟.
مبرر طرح هذا السؤال أننا نجد في بعض الحالات أنظمة سياسية تزعم أنها تحكم بالقانون، وقد يوجد بالفعل قانون ودستور، و بالرغم من ذلك لا يكون الشعب راضياً عن الحكم، بل ومتمرداً عليه. في هذه الحالة إما أن يكون القانون معبراً بالفعل عن إرادة الشعب ووضع بوسائل ديمقراطية ولكن السلطة القائمة تلجأ إلى التحايل على القانون أو تفسيره بما يخدم مصالحها، أو أن السلطة تضرب بعرض الحائط القانون، متجاوزة إياه، إلى ممارسة دكتاتورية ومستبدة، أو أن القانون القائم غير معبر عن إرادة الأمة وليست الأمة هي التي وضعته، بل شخص الحاكم أو الفئة الحاكمة، ويحدث هذا غالباً عندما يقوم شخص أو فئة ما بانقلاب أو تمرد يطيح بالنظام القائم – شرعي كان أو غير شرعي – ويؤسس نظاماً جديداً وحتى يضفي صفة الشرعية على وجوده يضع قوانين بل يمكنه أن يمنح للشعب دستوراً – الدستور المنحة – ويحكم بمقتضى هذه القوانين وبمقتضى هذا الدستور، وفي هذه الحالة، ظاهرياً يبدو النظام شرعياً لأنه يحكم بالقانون وبالدستور ولكنه في العمق والجهور يفتقر إلى المشروعية بمعنى رضى غالبية الشعب.

أثبتت تجارب الشعوب أن الشرعية القانونية والمشروعية السياسية المعبرة عن إرادة الأمة لا تتطابقان دائما، فكم من قوانين جائرة وكم من دساتير منحها الحكام ليضفوا شرعية موهومة على نظامهم؟ وكم من حالة أعلن الحكام أنهم يستمدون شرعيتهم من دستور الثورة وقوانينها أو من القرآن كدستور لأمة الإسلام، ولكنهم مارسوا من التصرفات ما هو نقيض لفكر الثورة التي يزعمونها ولروح الإسلام الذي يتمسحون به !. عنصر الرضا كمعيار للحكم على مدى شرعية نظام ما يكونً ملتبساً ومثيراً للتساؤلات وخصوصاً في دول العلم الثالث حيث تسود الأمية والجهل وتغيب الديمقراطية، فكيف يمكن قياس رضى الشعب عن حكامه؟ وهل مجرد خروج الناس بالمظاهرات وتجمعهم بمهرجانات تنظمها السلطة مرددين هتافات مؤيدة لها ورافعين شعارتها، كافياً للقول بتوفر عنصر الرضى وبالتالي شرعية النظام؟ وكيف نميز ما بين الرضى الظاهر دون قناعة، وبين حقيقة مواقف وقناعات الشعب التي يخشون الجهر بها ؟.

لا شك أن شرعية السلطة أمر ليس من البساطة قياسها أو الحكم المطلق أنها موجودة أو غير موجودة؟ أو أن هذا المؤشر أو ذاك يكفي وحده للقول بشرعية السلطة أو عدم شرعيتها؟ فالشرعية عملية معقدة، فهي قيمة و صيرورة، يتداخل فيها التعود أو العادات والتقاليد مع المصلحة مع الخوف مع القناعة مع الايدولوجيا ، وهي ترتبط بثقافة الشعوب ومستوى التعليم فيها ونوع التحديات التي تواجها ، إن كانت داخلية أو خارجية الخ، فالناس عادة لا يهتمون كثيراً في البحث عن المصادر الفلسفية والقيمية للسلطة بل يهتمون بمدى قدرة السلطة القائمة على تلبية احتياجاتهم الحياتية وضمان مستقبل أجيالهم. فالشرعية تستمد غالباً من القدرة على تلبية حاجات ومصالح، والتعبير عن أحاسيس ومشاعر، أكثر من كونها تستمد من قوانين ودساتير، إلا إذا كانت هذه الأخيرة ضمانة لتلبية الحاجات والمصالح. فلسنوات كانت الأنظمة الشيوعية والشمولية عموما ، تحضا بالشرعية حيث كانت قادرة على توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، ولكن عندما عجزت عن توفير هذه المتطلبات فقدت شرعيتها وتجلى ذلك في خروج الجماهير ضدها.

وفي الختام لابد من الإشارة إلى مفارقة في مصطلح شرعية السلطة، فالشرعية كما قلنا تعني الرضى والقبول بالسلطة، ولكن السلطة هي علاقة خضوع وإكراه، بمعنى أن الشرعية تتضمن الإقرار بإكراه السلطة وتحمل تسلطها. وهنا تكون الموازنة دقيقة، بحيث على السلطة أن لا تمارس من الإكراه والضغط على الشعب ما يجعل معاناته تفوق كثيراً المكاسب والخدمات التي تقدمها له السلطة، لأنه في هذه الحالة سيكون الشعب مضطراً على التضحية بالمنافع الضئيلة للتخلص من العبء الثقيل للسلطة، إن شرعية السلطة تعني ذلك التوازن الدقيق ما بين ضرورة التسلط والإكراه من طرف السلطة ومنافعها من جهة أخرى.

وعليه يمكن الاعتماد على ما قال به فقهاء القانون الدستوري حيث ميزوا بين الشرعية Lgitimite والمشروعية Legalite فالأول تعني الحكم بالقانون أي مطابقة ممارسة السلطة مع القانون القائم أما الثانية المشروعية فهي مطابقة ممارسة السلطة مع القيم العميقة للمجتمع وإرادته سواء كان القانون معبراً عنها أم لا.

رابعا :من أين تستمد السلطة مشروعيتها – مصادر شرعية السلطة-؟

وكما سبقت الإشارة ودون الدخول في جدل نظري حول الفرق بين الشرعية والمشروعية، فإن للسلطة السياسية موائل تستمد منها شرعيتها، وتعتمد عليها في ممارستها وتمرير خطابها، ويعتبر ماكس فيبر من أهم المفكرين المحدثين- سبقه إلى ذلك كل من أفلاطون وأرسطو وابن خلدون ولكن دون توسع- الذين تناولوا مصادر شرعية السلطة بالتحليل، وعلى منواله سار بقية الباحثين في مصادر شرعية السلطة، وقد وضع ماكس فيبر ثلاثة مصادر لشرعية السلطة، وهي الشرعية التقليدية والشرعية الكارزماتية والشرعية العقلانية أو القانونية.

وقبل التفصيل في هذه الشرعيات لابد من الإشارة إلى أن ماكس فيبر وظف منهجه المفضل – منهج الأنماط المثالية – وهذا معناه أن هذه النماذج ليس بالضرورة متطابقة كلياً مع حالات واقعية للسلطة فهي نماذج مثالية أو تشييد ذهني، إن كانت مستمدة من الواقع، فليست هي الواقع، فالنموذج قد يقترب قليلاً من حالة واقعية ما ولكنه نادرا ما يتطابق معها، وكلما توفرت في سلطة ما أكبر قدر من العناصر المكونة للنموذج المثالي لشرعية ما نسبت هذه الشرعية إلى هذه السلطة المقصودة، فيقال أنها شرعية تقليدية أو عقلانية أو كارزماتية.

في دراسته حول السلطة يرى ماكس فيبر أن السلطة تستمد مشروعيتها من مصادر ثلاث أو تقوم على مصادر ثلاثة وهي:

1: السلطة العقلانية Rational authority
وهي أفضل أنواع السلطة، وهي النموذج السائد في الأنظمة الرأسمالية المؤسسة على البيروقراطية والديمقراطية، وفي هذا النموذج نجد نسقاً من القواعد التي تطبق قانونياً وإدارياً وفقاً لمجموعة من المبادئ المؤكدة والثابتة بين كل أعضاء الجماعة. وهدف السلطة هو إقامة نمط من العلاقات بالنظر إلى مبادئ العقل والمعقولية، دون ربطها بأشخاص محددين أو بزمن محدد.
2: السلطة التقليدية Traditional authority
وهي تقوم على الاعتقاد بقدسية التقاليد الراسخة وفي حق أولئك الذين يتولون السلطة في ممارستها. فالسلطة هنا تكتسب مشروعيتها إما من التاريخ أو من قدسية الأشخاص المؤسسين لها.
3: السلطة الكاريزمية Charismatic authority
وتعتمد على ولاء الناس أو الأتباع لفرد معين يتمتع بإمتيازات وقدرات نادرة وخصائص شخصية يندر أن تتوفر لغيره. ويعتقد فيبر أن معظم التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمع الإنساني كانت نتيجة لأفراد ذوي إمكانيات كاريزمية. كما يرى أن السلطة الكاريزمية ارتبطت أولاً بالدين ثم أصبحت تميل في العصر الحديث إلى أخذ طابع سياسي.
من الملاحظ ان مصادر الشرعية الثلاث المشار إليها ما زالت متواجدة في الأنظمة السياسية المعاصرة ، ولكن بدرجات متفاوتة وبتداخل في بعض الحالات ، حيث يلاحظ أن الشرعيتين التقليدية والكارزماتية أخذتا تتراجعان لصالح الشرعية العقلانية ، شرعية صناديق الانتخابات . بالإضافة إلى ذلك ومع تطور وتعقد الحياة السياسية والاقتصادية ، وتراجع اهتمام الناس بالشأن السياسية لصالح الاهتمام الأكبر لتوفير متطلبات الحياة ، ظهر نوع جديد من الشرعية ، وهي شرعية الإنجاز ، فالناس أصبحوا يمنحون ثقتهم للقادة الذين ينجزون أكثر ويتكلمون اقل ، بل يمكنهم تجاهل مصدر الشرعية ومدى التزام الحكام بالقانون سواء الداخلي أو الدولي ، ما دام هؤلاء الحكام يخدمون المصلحة الوطنية التي تعود بالفائدة على المواطنين ، وليس مصلحة حكام تسمى زورا بالمصلحة الوطنية.
المقاربة أعلاه حول السلطة ، ترتبط بالسلطة السياسية في الدول المستقلة ، أي بالسلطة كركن من أركان الدولة ، ولكن هناك سلطة سياسية على شعب ولشعب يفتقر إلى دولة أو تكون دولته خاضعة للاستعمار ، كما هو شأن السلطة السياسية لحركات التحرر.فوجود شعب تحت الاحتلال لا يعنى استسلامه لسلطة المحتل ، بل عليه أن يوجد لنفسه سلطته الوطنية التي تحمل مشروع التحرر وتناضل ضد الاحتلال ، وحيث أن الظروف لا تسمح بإجراء انتخابات ، أو تكون القيادة المنتخبة تعيش في المنفى او في السجن ، فهذا لا يسقط الشرعية عن سلطة حركة التحرر ، وشرعية السلطة في هذه الحال تستمد من التفاف الشعب حول القيادة وتمسك هذه الأخيرة بالحقوق الوطنية وعدم التفريط بها ، فالشرعية هي شرعية ثورية ، وهذا ما كانت عليه سلطة حركات التحرر عبر العالم ومنها الشعب الفلسطيني .
إلا أن الشرعية التاريخية والثورية التي يتمتع بها قادة حركات التحرر ، قد تتآكل وتضعف مع طول أمد النضال وتقدم القادة في العمر دون تحقيق هدف الاستقلال ، وهذا يتطلب من القيادة خلق آلية لتجديد القيادات والنخب السياسية والعمل على مأسسة القيادة . ومن جهة أخرى ،في حالة تحول الثورة إلى دولة أو بداية تأسيس دولة ، فالأمر يحتاج إلى الانتقال من الشرعية الثورية والتاريخية التي محورها الرموز والقيادات الثورية ، إلى شرعية مؤسساتية وديمقراطية وشرعية الإنجاز ، والشعب الفلسطيني يمر بهذه الحالة الأخيرة ، ومن نلمس وجود أزمة على مستوى السلطة السياسية ، وحالة تنازع ما بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية والمؤسساتية. 
وأخيرا ، يجب الإشارة إلى علاقة الشرعية الوطنية للسلطة والشرعية الدولية ، فالوضع الطبيعي يفترض توافق الشرعيتين ، فكل نظام شرعي داخليا يفترض أن يحضا بقبول ورضا المجتمع الدولي وغالبا ما يُعبر عن هذا الرضا بكثافة شبكة العلاقات التي يقيمها النظام السياسي الشرعي مع دول العالم في شتى المجالات ، ويكون المجتمع الدولي ملزما بالتعامل مع السلطة القائمة ما دام الشعب يقبل بها ، فيما النظم السياسية ذات الشرعية المأزومة ، تكون مأزومة أيضا في علاقاتها الخارجية . 

النظرية السياسية الحديثة (بحث شامل) – الجزء الاول

النظرية السياسية الحديثة (بحث شامل) – الجزء الثالث