الفصل الرابع الدول المستهلكة للبترول

          تناول، الفصل الأول تاريخ الشركات المستثمرة للبترول، ومدى سيطرتها على إنتاج البترول في معظم أنحاء العالم، عن طريق اتحاداتها الاحتكارية ومساندة الدول الأجنبية لها.

          وتضمن الفصل الثاني عرضاً للأحداث التي طرأت على موقف الدول المنتجة، ومدى تعاونها معاً على التصدي لهيمنة شركات البترول، وتدرج علاقاتها معها ابتداءً من مبدأ مناصفة الأرباح وعقود المقاولة ومبدأ المشاركة في الملكية حتى تأميم الشركات الامتيازية وبذلك استردت الدول المنتجة نفوذها على ثرواتها الوطنية من البترول، عن طريق عقد مؤتمراتها وقيام منظماتها وأهمها الأوبك والأوابك ومجموعة أيبك (وهي الدول غير الأعضاء في أوبك).

  • وأثر البترول كأداة سياسية لدى الدول المنتجة.
  • وتقييم منظمة أوبك وكيفية المحافظة على مستقبلها.
  • وقيام منظمة أوابك وإقدامها على تنويع أنشطتها وإنشاء مشروعات عربية مشتركة.
  • وكيفية تعاون الدول المنتجة في تنسيق العرض العالمي للبترول.

اشتمل، الفصل الثالث على توضيح تأثير صناعة البترول في اقتصاديات دول المنطقة العربية

  • وكيفية تطور عائدات دول أوبك من الصادرات البترولية.
  • وكيفية تكوين فوائض البترودولار العربية وفرص استثمارها في الخارج ومخاطر ذلك.
  • وكيفية تدوير هذه الفوائض البترودولارية في المنطقة العربية وتأثير أزمة الخليج عليها.
  • ونبذة عن الاقتصاد السياسي لهذه الفوائض وعلاقتها بالنفط كمورد ناضب لا دوام له.

وفيما يلي عرض لموقف الدول المستهلكة للبترول، وتطور مواجهتها للدول المنتجة.

          إن مصلحة الدول المستهلكة للبترول ـ سواء في الغرب أو في الولايات المتحدة الأمريكية ـ تبدو واضحة في بقاء منطقة الخليج ـ باعتبارها المستودع الرئيسي لاحتياطيات البترول ـ في نطاق السيطرة الغربية، وألاّ يخل باستقرارها أي تغيير مع العمل في الوقت نفسه على اتباع سياسة مؤداها:

  1. بناء مخزون من البترول يوفر للدول الغربية وقاية من التغيرات التي قد تؤدي إلى انقطاعات.
  2. إبعاد تغلغل نفوذ أي دولة أخرى إلى هذه المنطقة التي تحتوي على هذا الكنز البترولي.
  3. تشجيع استكشاف البترول واستخراجه في مناطق أخرى بعيده عن هذه المنطقة واضطراباتها.

          لذلك أخذت الدول المستهلكة للبترول العمل على تنسيق سياساتها البترولية للحصول على هذه السلعة الحيوية بطريقة منتظمة وبأسعار مناسبة مستخدمة نفوذها وضغوطها على الدول المنتجة للبترول في مواجهة دائمة.

أولاً: سياسة الدول الصناعية الغربية قبل عام 1973

          ظلت سياسة الطاقة في دول غرب أوروبا حتى قيام الحرب العالمية الثانية تعتمد أساساً على مصدر واحد للطاقة وهو الفحم، حيث كان يلبي أكثر من 90% من احتياجات هذه الدول.

          أما بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الخمسينات، فقد زاد استهلاك المنتجات البترولية بصورة سريعة للأسباب الآتية:

  1. رخص سعر البترول ابتداءً من عام 1957، نتيجة لإعادة افتتاح قناة السويس، وازدياد مبيعات الاتحاد السوفيتي، وازدياد منافسة شركات البترول المستقلة ومواجهتها للشركات المستثمرة للبترول أعضاء الاتحاد الاحتكاري.
  2. سهولة النقل والاستخدام.
  3. نظافة البترول وقلة التلوث المرتبط باستخدامه.

أسباب الاعتماد على بترول الشرق الأوسط

          أخذت دول غرب أوروبا تزيد اعتمادها على بترول الشرق الأوسط بصورة كبيرة، فقد ازدادت درجة الاعتماد من 20% من جملة استهلاك البترول قبل الحرب العالمية الثانية إلى 43% عام 1947 ثم إلى 85% عام 1950، ويرجع ذلك إلى ما يلي:

  1. قرب حقول بترول الشرق الأوسط من السوق الأوروبي.
  2. النفوذ الكبير للدول الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط.
  3. حيث كانت فرنسا تسيطر على دول المغرب العربي (الجزائر)، وإنجلترا تسيطر على دول الخليج (الكويت ودولة الإمارات وقطر والبحرين وعمان).
  4. كذلك كانت الدول الأوروبية تتمتع بامتيازات واسعة لاستغلال حقول بترول دول الشرق الأوسط، عن طريق الشركات التابعة لها، ومنها: الشركة الفرنسية للبترول CFP والشركة البريطانية BP وشركة شل (المملوكة مشاركة بين إنجلترا وهولندا). وقد كانت هذه الشركات تبيع بترولها للدول الأوروبية بالعملات المحلية لهذه الدول.
  5. عدم استطاعة الولايات المتحدة الأمريكية إمداد دول أوروبا واليابان باحتياجاتها من البترول بسبب توقعها حدوث ندرة بترولية عالمية.

ثانياً: سياسة الدول الصناعية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بعد عام 1973

الإجراءات التي اتخذتها الدول الصناعية لمواجهة أزمة البترول عام 1973 ـ 1974

          كان من الصعب في تلك الآونة على الدول الأوروبية أن تضع سياسة موحدة للطاقة تلتزم بها. وذلك لاختلاف ظروف كل دولة من ناحية درجة الاكتفاء الذاتي في إنتاج الطاقة. ونظراً لاختلاف كل منها فيما يتعلق بوجود مصالح بترولية لها خارج حدودها، فقد أدى هذا الاختلاف إلى قلة التعاون بين الدول الأوروبية الغربية عموماً في مجال الطاقة.

          ولكن عقب ارتفاع أسعار البترول في عام 1973/ 1974، اتخذت معظم الدول المستهلكة للبترول خطوات حاسمة للحد من استهلاك البترول. وقد انخفض استهلاك البترول في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD Organization for Economic Co – Operation and Development  في عام 1974/1975، ولكن حوالي ثلاثة أرباع الانخفاض في الطلب كان يرجع إلى الركود الاقتصادي العالمي، الذي حدث في أعقاب رفع أسعار البترول عام 1973، أما الربع الباقي فإنه يرجع إلى إجراءات الحد من الاستهلاك.

          وفي كثير من الدول وخاصة الولايات المتحدة، لم ينعكس الارتفاع الشديد في أسعار البترول الخام 1973/ 1974 على أسعار المنتجات البترولية بالقدر نفسه، وذلك بسبب عدم وجود علاقة مباشرة بين سعر البترول الخام وسعر المنتجات البترولية.

          وتوضيحاً لذلك نذكر، أنه قبل رفع الأسعار عام 1973، كانت حكومات الدول الأوروبية تفرض ضرائب عالية على استهلاك المنتجات البترولية لأسباب خاصة بميزانيات هذه الدول. فلما ارتفعت أسعار البترول ارتفاعاً شديداً في أواخر عام 1973 وبداية عام 1974 فإن هذا الارتفاع لم ينعكس بالكامل على أسعار المنتجات البترولية. وقد تفاوتت الدرجة من دولة إلى أخرى. وقد ظلت أسعار المنتجات البترولية رخيصة بصورة واضحة في الولايات المتحدة الأمريكية، مما شجع ذلك على ارتفاع مستوى الاستهلاك.

سياسة الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية

          أما عن مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية لأزمة البترول في الفترة التالية لعام 1973 فيمكن توضيحه في النقاط التالية:

  1. تم وضع برنامج طموح سُمي “مشروع الاستقلال Independence Project يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج واستهلاك الطاقة بحلول عام 1980، إلاّ أنه تم تأجيل ميعاد تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى عام 1985، حيث اتضح أن الاعتماد على الواردات البترولية لن يتوقف تماماً في عام 1985، بل سوف ينخفض من 38 % من استهلاك البترول عام 1974 إلى 25% فقط عام 1985.
  2. في أكتوبر 1974 أعلن رئيس الولايات المتحدة الالتزام بتخفيض الواردات الأمريكية البترولية بمقدار مليون برميل/ يوم في نهاية عام 1975، وبمقدار 2 مليون برميل/ يوم في نهاية عام 1977. وذلك عن طريق تعديل أسعار البترول لكي ترتفع من متوسط 9 دولارات إلى 13 دولار للبرميل بهدف خفض الاستهلاك. ولكن الكونجرس الأمريكي سمح بحدوث ارتفاع محدود في ثمن البترول، وإعطاء حوافز خاصة لبترول ألاسكا عالي التكلفة بهدف التشجيع على زيادة إنتاجه.
  3. وفي عام 1978 صدر قانون كفل للرئيس الأمريكي حق تكوين “احتياطي إستراتيجي للبترول Strategic Petroleum Reserve”  بهدف الوصول إلى احتياطي قدره 150 مليون برميل في مدة ثلاث سنوات و550 مليون برميل في سبع سنوات. ولكن تحقيق هذا الهدف باء بالفشل.
  4. تدهور وضع الطاقة في الولايات المتحدة في عام 1976 بالمقارنة بعام 1973 وذلك على النحو التالي:

أ. أصبحت الواردات البترولية تمثل 42% من الاستهلاك في عام 1976 بعد أن كانت 33% فقط عام 1973، ومازالت الواردات في زيادة مستمرة.

ب. كانت الولايات المتحدة في عام 1973 تعتمد على الدول العربية لاستيراد 11 % من وارداتها من البترول، بينما زادت النسبة إلى 18% في عام 1976.

ج. أنخفض الإنتاج المحلي من البترول من 9.2 مليون برميل/ يوم عام 1973 إلى 8.04 مليون برميل/ يوم عام 1976.

د. إن إنتاج البترول من المصادر البديلة (على شكل وقود صناعي) مثل زيت السجيل Shale Oil  ورمال القطران Tar Sands والغاز والبترول المنتج من الفحم أصبح يحقق في عام 1976 ما كان يحققه في عام 1973، أي لم تحدث أي زيادة في إنتاج هذه المصادر البديلة.

هـ. عدم وجود حماس كاف لبناء محطات نووية جديدة.

          للاعتبارات المتقدمة أعلنت الوكالة الدولية للطاقة (التي تأسست عام 1974 بضغط من الولايات المتحدة) أعلنت في عام 1976 أن الولايات المتحدة تعتبر أسوأ دولة بين أعضائها (17 دولة) في تحقيق هدف ترشيد استهلاك الطاقة، وذلك على الرغم من وجود إمكانيات كبيرة لترشيد استهلاك الطاقة فيها.

ثالثاً: الوكالة الدولية للطاقة (International Energy Agency (IEA

كيف نشأت الوكالة الدولية للطاقة لمواجهة نفوذ دول منظمة الأوبك؟

          أثناء حرب أكتوبر اجتمعت دول منظمة الأوبك واتخذت مجموعة من الإجراءات لمؤازرة كل من مصر وسورية في حربها مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى لتصحيح الأوضاع في صناعة البترول، وذلك عن طريق اتخاذ زمام المبادرة في أيديها لأول مرة في قضايا الإنتاج والأسعار والأرباح وكل ما يتعلق بصناعة البترول في أراضيها. وذلك بعد أن كانت كل هذه الأمور مركزة في أيدي شركات البترول الكبرى منذ بداية عهد استغلال حقول البترول في دول الأوبك.

          وقد أدى انتصار القوات العربية ونجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس والاستيلاء على خط بارليف وتحطيم الدفاعات الإسرائيلية إلى شد أزر الدول العربية في منظمة أوبك فقامت برفع أسعار بترولها ـ بين أكتوبر 1973 ويناير 1974 ـ من حوالي 2 دولار للبرميل إلى أكثر من 8 دولارات للبرميل أي بنسبة 400%. كذلك تم حظر تصدير النفط إلى الدول المساندة لإسرائيل وهي الولايات المتحدة وهولندا. كذلك قامت الدول العربية بتخفيض إنتاجها من النفط، حيث وصلت نسبة التخفيض في بعض الدول إلى 25% من إنتاجها. وكان الهدف من ذلك الضغط على الدول الغربية لإيقاف العدوان الإسرائيلي على مصر وسورية، خاصة بعد حدوث الثغرة في القوات المصرية غرب قناة السويس يوم 17 أكتوبر 1973 نتيجة لإمدادات الأسلحة الأمريكية لإسرائيل.

وفي أعقاب قرارات منظمة الأوبك ساد الذعر الدول المستهلكة وحاولت بعض الدول استخدام علاقاتها الجيدة مع العالم العربي لعقد صفقات مباشرة وخاصة فرنسا واليابان. إلا أن الولايات المتحدة ثارت على دول منظمة الأوبك وخاصة الدول العربية منها.

          قاد عملية الهجوم هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت. وطالب بتكوين جبهة من الدول المستهلكة تقف في مواجهة دول الأوبك.

          ولما كان رد الفعل لدى الدول الأوروبية فاتراً، لجأت الولايات المتحدة إلى التهديد بسحب قواتها من أوروبا الغربية، وتخليها عن تعهداتها الخاصة بالدفاع عن أوروبا الغربية في مواجهة الاتحاد السوفييتي، كما هددت أيضا بغلق أسواقها في وجه التجارة الأوروبية واليابانية. وكان هدف الولايات المتحدة أيضاً منع أوروبا واليابان من التعامل مع منظمة الأوبك أو مع الجانب العربي في تلك المنظمة. ويؤكد ذلك ما ورد في جريدة التايمز  Times  اليابانية في أوائل يناير 1974 ـ نقلاً عن كيسنجر ـ الكلمات المهدِّدة التالية: “في وسعي أن أقول إن أية محاولة تقوم بها اليابان لمعالجة مشكلتها على أساس قطري خالص، سوف يجعلها أمام مشاكل لن تجد لها حلا تقريباً..”.

          وتحت التهديد والوعيد نجحت الولايات المتحدة في إقناع الدول الأوروبية واليابان بالحضور إلى مؤتمر للطاقة في واشنطن في شهر فبراير 1974. وقد عارضت فرنسا منذ البداية هذا الموقف الأمريكي الذي ينطوي على أساس اتباع أسلوب المواجهة مع دول الأوبك. ورأت ضرورة انتهاج مبدأ التفاهم والتحاور ليس فقط مع الدول المنتجة للنفط، ولكن أيضاً مع دول العالم الثالث المصدرة للمنتجات الأولية المختلفة.

          كان هدف فرنسا من وراء ذلك واضحاً وهو تقوية نفوذها لدى دول العالم الثالث، ورغبتها في المحافظة على علاقاتها القوية مع العالم العربي بصفة عامة ودول البترول الغنية بصفة خاصة. وقد وضع الرئيس ديجول أساس هذه السياسة في عام 1967 في أعقاب العدوان الإسرائيلي على العالم العربي. وقد أدت السياسة الفرنسية المساندة للعالم العربي إلى حصول فرنسا على احتياجاتها من البترول والأموال العربية، فضلاً عن فتح أسواق الدول العربية للبضائع الفرنسية، هذا بجانب صفقات السلاح التي عقدتها الدول العربية مع فرنسا.

          عُقد مؤتمر الطاقة في العاصمة الأمريكية في فبراير 1974. وتحت التهديد تارة والإغراء تارة أخرى، اضطرت الدول التي حضرت المؤتمر ـ وهي دول أوروبا الغربية (عدا فرنسا) وكندا واليابان ـ إلى اتخاذ موقف قريب من الموقف الأمريكي. وتمت الموافقة على إنشاء الوكالة الدولية للطاقة  IEA  من 16 دولة (زاد عددها الآن إلى 21 دولة) وذلك في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OECD . وتم اختيار باريس مقراً لها. وكان الهدف من ذلك واضحاً وهو محاولة إغراء فرنسا للاشتراك في الوكالة فيما بعد، الأمر الذي دعا فرنسا إلى وقف معارضتها لإنشائها، بل وتعاونت معها عن طريق اشتراكها في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والسوق الأوروبية المشتركة. ولكن يمكن القول أن عدم اشتراك فرنسا في الوكالة الدولية للطاقة قد أضعف وحدة الدول المستهلكة والوكالة أيضاً.

          طالب كيسنجر ـ صاحب مشروع الوكالة الدولية للطاقة ـ الدول الأعضاء في الوكالة بالتعاون  فيما بينها بهدف القضاء على احتكار دول الأوبك إنتاج البترول وتصديره وذلك باتباع الوسائل الآتية:

  • ترشيد استهلاك الطاقة.
  • الحد من استيراد البترول.
  • تشجيع مصادر الطاقة البديلة.
  • تشجيع إنتاج البترول والغاز في مناطق خارج دول الأوبك.

          كان كيسنجر بعيد النظر وموفقاً في اعتقاده بأن نجاح الدول الصناعية في انتهاج السياسة المذكورة فيما يتعلق بالطاقة، من شأنه أن يقضي على احتكار منظمة الأوبك في إنتاج وتسعير وتصدير البترول، وأن ذلك من شأنه أن يساعد ـ فيما بعد ـ في خفض أسعار البترول كما تحقق ذلك مؤخراً.

          وعلى الرغم من عدم تحقيق كل أهداف الوكالة الدولية للطاقة ـ كما يتضح بعد ـ إلاّ أن السياسات التي تم اتخاذها فيما يتعلق بترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير مصادر الطاقة البديلة، والتوسع في إنتاج البترول خارج دول الأوبك، هذا فضلاً عن الركود الاقتصادي العالمي طويل الأمد، قد ساعدت كل هذه الأمور في تحقيق هدف هنري كيسنجر في كسر احتكار منظمة الأوبك.

أهداف الدول المستهلكة من إنشاء الوكالة الدولية للطاقة ومدى نجاحها

  1. تحقيق التعاون بين الدول الأعضاء في الوكالة في مجال الطاقة وهي تشمل جميع الدول أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عدا فرنسا.
  2. تطوير مصادر الطاقة الجديدة، والتعاون بين الدول الأعضاء في مجال الأبحاث الخاصة بمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، إلاَّ أن التعاون لم يكن كافياً بسبب تخوف الدول المتقدمة في مجال أبحاث الطاقة من إفشاء الأسرار الخاصة بدرجة تقدمها في هذه المجالات.
  3. الاتفاق على سعر مرتفع للبترول داخل الدول الغربية، بهدف تشجيع وتطوير مصادر الطاقة البديلة المتوافرة في هذه البلاد، وخاصة الفحم والوقود الصناعي، ذلك لأن تكلفة إنتاج الطاقة من هذه المصادر البديلة يفوق تكلفة إنتاج البترول في دول الأوبك. ولكن الدول أعضاء الوكالة الدولية للطاقة فشلت في الاتفاق على رفع سعر البترول داخل بلادها لتفاوت ما لدى كل منها من مصادر الطاقة.
  4. المراجعة السنوية لسياسات الطاقة في الدول الأعضاء، وذلك بهدف حثها على بذل مجهود أكبر لتوفير استخدام الطاقة والعمل على تطوير مصادر جديدة للطاقة. ولكن نفوذ الوكالة كان محدوداً للغاية لعدم وجود سلطة لديها على الدول الأعضاء.
  5. وضع خطة طوارئ لمشاركة الدول الأعضاء في الاحتياطيات البترولية المتوافرة لديها Emergency Energy Sharing plan  ويعتبر هذا أهم أهداف الوكالة التي وضعت في أواخر عام 1974. بمعنى أن كل دولة تقوم بإرسال جزء من مخزون البترول لديها إلى الدولة العضو التي تواجه أزمة في إمدادات البترول.

          ولكن النرويج عارضت خطة المشاركة المذكورة، خوفاً على إنتاجها من بحر الشمال. فضلاً عن أنه من الصعب تطبيق هذه الخطة وقت الأزمات لأسباب مختلفة فنية وغير فنية.

مصادر الطاقة البديلة

زيادة الاعتماد على الطاقة النووية   Nuclear Energy  

          تنفيذاً لأهداف الوكالة الدولية للطاقة فيما يتعلق بتشجيع وتطوير مصادر الطاقة البديلة المتوافرة في الدول الأعضاء، وخاصة الفحم والوقود الصناعي والطاقة النووية، لكسر احتكار دول الأوبك إنتاج البترول وتصديره.

          لم تكتف الدول الصناعية الأوروبية بتنفيذ برنامجها الطموح لترشيد استهلاك البترول حتى لا تقع تحت رحمة الدول المنتجة للبترول، بل إنها بعد تفجر أزمة البترول في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وضعت برنامجاً آخر للطاقة النووية كمصدر بديل للطاقة.

          على سبيل المثال: خططت دول السوق الأوروبية المشتركة لكي يزيد نصيب الطاقة النووية في إجمالي استهلاك الطاقة من 2% عام 1974 إلى ما بين 13-16% عام 1985، أو إلى نصف إجمالي الكهرباء المولدة في دول السوق الأوروبية المشتركة.

          في نفس الوقت، خططت اليابان لكي يزيد نصيب الطاقة النووية في توليد الكهرباء من 6.2% إلى 17%.

          وفي  الولايات المتحدة طالب الرئيس فورد في يناير 1975 ببناء 200 محطة كهرباء نووية بحلول عام 1985 (كان العدد الموجود في ذلك الوقت 50 مفاعلاً نووياً).

          نتيجة لذلك أصبح حجم استهلاك الدول الصناعية للطاقة النووية عام 1984 يساوي أكثر من خمسة أمثال حجم استهلاك الطاقة النووية عام 1973. أما إنجلترا حيث يتوافر لديها بترول بحر الشمال، فإن درجة اعتمادها على الطاقة النووية اتسمت بالبطء الشديد إن لم يكن قد تراجعت إلى الوراء. أما هولندا ـ الغنية بالغاز الطبيعي ـ فقد زاد استهلاكها للطاقة النووية ثلاث مرات فقط. أما النرويج ـ ثاني منتج للبترول في بحر الشمال ـ فقد قررت عدم إقامة محطات للطاقة النووية بها. أما ألمانيا الغربية ـ الفقيرة في مصادر الطاقة ـ فقد زاد نصيبها في استهلاك الطاقة زيادة طفيفة، وذلك للمعارضة الشديدة من قبل الرأي العام الألماني للأسلحة النووية والطاقة النووية وأي شيء مستمد من الذرة.

عقبات في طريق إقامة المزيد من المحطات النووية

          على الرغم من حماس الدول الصناعية للتوسع في إقامة محطات للطاقة النووية، فإن الكثير من هذه المشروعات لم ينفَّذ للأسباب الآتية:

  1. معارضة الرأي العام الشديدة لإقامة المفاعلات النووية.
  2. الارتفاع الكبير في تكاليف إنشاء المحطات النووية.
  3. الركود الاقتصادي في الدول الصناعية وما ترتب عليه من انخفاض الطلب على الكهرباء.
  4. تزايد المصاعب الخاصة بوجود مواقع مناسبة لبناء المحطات النووية، خاصة في الدول المزدحمة بالسكان في أوروبا واليابان.
  5. صعوبة التنبؤ بالطلب على الطاقة بصفة عامة، وعلى الكهرباء بصفة خاصة. ولما كان بناء المفاعل النووي يحتاج إلى فترة طويلة قد تمتد إلى عشر سنوات فإن مشكلة التنبؤ بالطلب ومن ثم تقدير ربحية المشروع تصبح أكثر تعقيداً.

          أدت هذه الأسباب إلى إلغاء الكثير من مشروعات بناء المفاعلات النووية خلال السبعينات. هذا إضافة إلى معارضة الولايات المتحدة التوسع في أبحاث الطاقة النووية. وطلبت من الدول الأخرى أن توقف أبحاثها في هذا المجال. كما طلبت من الدول الصديقة مثل إنجلترا وألمانيا وفرنسا أن توقف بيع مفاعلات نووية لدول مثل باكستان والبرازيل وغيرها من الدول ذات القدرات النووية.

          نتيجة لذلك، أخذت معظم الدول الصناعية تنظر إلى الفحم كوسيلة لتخفيض اعتمادها على البترول المستورد، إلاَّ أنه في أعقاب ارتفاع أسعار البترول مجدداً في عام 1979/1980، أصبح من الضروري التحول بجدية إلى صناعة الفحم. ولكن ابتداء من عام 1982 ـ عندما أخذت أسعار البترول في الانخفاض، وبدأت تظهر الوفرة البترولية في السوق العالمي ـ تراجع استهلاك الفحم، وعادت هذه الدول الصناعية إلى الاعتماد على استهلاك البترول مرة أخرى.

الوقود الصناعي  Synthetic Fuel

          وتنفيذاً لأهداف الوكالة الدولية للطاقة ـ أيضاً ـ فيما يتعلق بتطوير مصادر الطاقة البديلة، وضعت الولايات المتحدة خطة في عام 1975 لإنتاج الوقود الصناعي (عن طريق تحويل الفحم إلى سائل أو غاز) بواقع مليون برميل / يوم بحلول عام 1985.

          لتحقيق هذا الهدف، قامت مجموعة من شركات البترول والطاقة الأمريكية بالتخطيط لإنشاء مشروعات لإنتاج الوقود الصناعي من الفحم أو من زيت السجيل  Shale Oil  ، ولكن سرعان ما أوقفت هذه الشركات مشروعاتها في هذا المجال بسبب الارتفاع الكبير في التكاليف وفي السعر المتوقع للمنتج النهائي، الذي سوف يكون أغلى بكثير من سعر البترول.

          لذلك فإن صناعة الوقود الصناعي لن يُكتب لها النجاح إلا إذا قامت الحكومة الفيدرالية بتقديم الدعم المالي حتى يمكن جعل الاستثمار في هذه المشروعات أمراً مربحاً.

أما دول غرب أوروبا واليابان فقد اهتمت بدرجة أقل بتطوير صناعة الوقود الصناعي، وظلت على اعتمادها الكبير على استيراد البترول من الخارج. ويرجع ذلك إلى:

  • فقر هذه الدول في احتياطيات الفحم، ووجود كميات متواضعة من زيت السجيل.
  • التكاليف الباهظة لإنتاج هذا الوقود الصناعي.

الطاقة الشمسية  Solar Energy

          اهتمت الدول الأوروبية بالطاقة الشمسية عن طريق وضع برنامج لتطوير تكنولوجيا الطاقة الشمسية، من شأنه أن يؤدي إلى إنتاج أجهزة اقتصادية لاستخدام هذه الطاقة.

          ولكن اهتمام دول غرب أوروبا واليابان بالطاقة الشمسية كان محدوداً بالمقارنة باهتمام الولايات المتحدة الأمريكية التي أنفقت أكثر من 100 مليون دولار على أبحاث الطاقة الشمسية عام 1976.

          وعلى الرغم من ضخامة الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة على برنامج الطاقة الشمسية، فإن النتائج ما زالت غير مشجعة من ناحية التطوير التكنولوجي في هذا المجال. وعلى ذلك فإن أجهزة الطاقة الشمسية ما زالت عالية التكلفة مما يعوق استخدامها.

          خلاصة القول، بعد استعراض مصادر الطاقة البديلة: الطاقة النووية، والوقود الصناعي، والطاقة الشمسية، فإن هدف الوكالة الدولية للطاقة، الذي يرمي إلى تطوير هذه المصادر، أملاً في أن تحل محل البترول، لم يكتب له النجاح. واضطرت هذه الدول أعضاء هذه الوكالة إلى الاعتماد على استهلاك البترول واستيراده من الخارج.

          ولعل كيسنجر كان يشعر في قرارة نفسه بعدم رضى أعضاء الوكالة الدولية للطاقة ـ الذين انضموا إليها كرها ـ وأنهم لا يودون مجابهة منظمة الأوبك، حين أوضح ذلك بقوله: “إن معظم حلفائنا مقتنعون ـ من حيث الأساس ـ بأن إمداداتهم النفطية يمكن ضمانها بالتكيف مع المطالب السياسية العربية أفضل من ضمانها بتكوين جبهة متحدة لمقاومة الضغوط” وكان ذلك سبباً في عدم تحقيق كافة أهداف الوكالة الدولية للطاقة في السنوات التي أعقبت إنشائها.

ومع ذلك فقد واصلت الوكالة ـ في مثابرة وإصرار ـ وضع خطط جادة لتنسيق السياسات النفطية للدول الأعضاء المستهلكة للنفط، للعمل على تحقيق أهدافها الخاصة بتطوير مواجهتها للدول المنتجة. وقد تمكنت الوكالة من خلال دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من تقليص الاعتماد على البترول المستورد بوجه عام وعلى بترول أوبك بوجه خاص، عن طريق تطوير مصادر الإنتاج، بالتركيز على زيادة الاستثمارات وتطوير تكنولوجيا الحفر لاستكشاف مناطق بترولية جديدة في مناطق خارج أوبك مثل مصر وعمان واليمن والصين ودول بحر الشمال وغيرها، حيث تحولت هذه المناطق الجديدة إلى مناطق مصدرة للبترول وذلك جنباً إلى جنب مع تنمية مصادر الطاقة البديلة بقدر الإمكان وترشيد الاستهلاك.

          وقد أدت هذه السياسات مجتمعة إلى خفض الطلب العالمي على البترول، وبالتالي إلى خفض الأسعار، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تغيير مسيرة الأسعار، التي تحوَّل على أثرها سوق البترول في نهاية عام 1980 من سوق للبائعين إلى سوق للمشترين ابتداءً من عام 1981. وسوف يتناول  الفصل التالي ـ بإذن الله تعالى ـ هذه الخطط وهذه السياسات بالتفصيل ضمن الحديث عن أسعار البترول في ظل الضغوط على قوانين السوق وأثرها على الاقتصاد العالمي فقد كان لها أثر كبير في انخفاض الأسعار خلال حقبة الثمانينات.

الفصل الخامس أسعار البترول في ظل الضغوط على قوانين السوق وأثرها على الاقتصاد العالمي

تبين مما سبق أن أسعار البترول قد تعرضت وما زالت لضغوط الجهات الثلاث:

  1. الشركات المستثمرة للبترول.
  2. والدول المنتجة.
  3. والدول المستهلكة.

          ويؤدي ذلك إلى حقيقة لا ريب فيها، هي أن البترول ـ على عكس معظم السلع التي تباع في الأسواق العالمية ـ لم يعد مورداً يمكن تحديد المتاح منه من خلال قوانين السوق فقط، بل أصبح سلعة سياسية. بل ويتحدد سعره والمتاح منه بناءَ على عدد لا يحصى من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن قوانين العرض والطلب أيضاً.

          وفوق كل ذلك، فإن نفوذ الشركات المستثمرة للبترول والدول المستهلكة له، والدول المنتجة للبترول (التي استعادت سيطرتها على ثرواتها البترولية عن طريق منظماتها)، هي كلها التي تتحكم في هذه العوامل، بل هي التي تخلقها خلقاً خلال المواجهات الضارية التي تنشب بينها.

          إن الحديث عن أسعار البترول سواء في حالة ارتفاعها الكبير في أعقاب حرب أكتوبر والسنوات التالية له، أو في حالة انخفاضها ابتداءً من شهر مارس 1983، تناول بالتحليل الآثار السلبية التي ترتبت على ارتفاع أسعار البترول في السبعينات، كما تضمن آثار انخفاض أسعار البترول السلبية والإيجابية على الاقتصاد العالمي في الثمانينات.

أولاً: أسباب عدم استقرار أسعار البترول والضغوط التي أدت إلى تدهورها

          قد يكون من المناسب، قبل الحديث عن آثار تذبذب أسعار البترول، الإشارة إلى الأسباب التي أدت إلى ذلك، وتوضيح الظروف التي تحركت الأسعار في ظلها ارتفاعاً،  والكشف عن الضغوط المفتعلة، التي تدهورت بسببها الأسعار انخفاضاً.

أسباب الفورة النفطية (1974 ـ 1981)

          ورد في الفصل الثالث من هذا البحث، كيف تطورت عائدات دول الأوبك من الصادرات البترولية، وتأثير ذلك على اقتصاديات دول المنطقة العربية، حيث تم إنفاقها في الدول العربية النفطية على الواردات والتسليح ومشروعات البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية والاستثمار في الخارج. كما أفادت الدول النفطية وشبه النفطية من تحويلات العاملين والقروض والمنح البترودولارية.

ومن الممكن توضيح أسباب هذه الفورة النفطية لارتفاع الأسعار في الإجابة على هذا السؤال:

هل جاءت الظروف التي أدت إلى هذه الفورة في الوقت الصحيح دون تأخير أو تقديم؟

          استطاعت الدول المصدرة للبترول في الشرق (المشرق والمغرب العربي) وفي الغرب (الولايات المتحدة والمكسيك وفنزويلا وجزر البحر الكاريبي) ـ قبل قيام منظمة أوبك في 1960 وفي ظلها ـ تطوير العلاقات التي تربطها بالشركات الاحتكارية المستثمرة، عن طريق تعديل مبدأ مناصفة الأرباح وعقد اتفاقيات المشاركة في ملكية الشركات، ثم قيام الدول المصدِّرة بالاستثمار المباشر لمواردها النفطية بعد أن انتهت مناهضة الشركات الاحتكارية للتأميم في عام 1974.

          وهكذا فرضت الدول المنتجة للبترول سيطرتها على منابع ثرواتها النفطية. وقامت منظمة الأوبك بالدور الأساسي في الهيمنة على البترول والانفراد بتحديد إنتاجه وأسعاره.

          لذلك يمكن القول بأن الظروف التي أدت إلى هذه الفورة النفطية جاءت في وقتها الصحيح، الذي واكب سيطرة الأوبك على مقدَّرات ثرواتها النفطية، وكفلت لها الحرية الكاملة في استخدام هذه الثروات لدعم المصالح العربية.

          ولو جاءت هذه الظروف قبل ذلك في ظل سيطرة الشركات الإحتكارية المستثمرة، لحرصت هذه الشركات على مجاملة الدول الصناعية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي قد يفجِّر صداماً عنيفاً بين الدول المنتجة للبترول وهذه الشركات العاملة في أراضيها، والتي كان لا بد أن تعوق استخدام النفط لصالح أصحابه لو كان الأمر بيدها. ومع ذلك سيلقي هذا البحث الضوء فيما بعد على موقف هذه الشركات خلال الشهور السابقة على اندلاع حرب أكتوبر 1973 ليوضح كيف استغلت النفط العربي لتحقيق أرباح طائلة.

          عندما قامت حرب أكتوبر 1973، فجأة، واستطاع المصريون عبور قناة السويس واجتياز خط بارليف من أجل تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، فوجئ قادة العرب بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية لإسرائيل بإرسال كافة المعدات العسكرية عن طريق جسر جوي متواصل، واشتراك فعلي في الحرب ضد مصر، لدرجة قلبت الموازين بإحداث الثغرة غرب قناة السويس، تعزيزاً لاحتلال إسرائيل للأراضي المصرية.

          لم يجد قادة العرب لديهم ـ في هذا الوقت العصيب ـ إلاَّ البترول العربي، لاستخدامه ـ استجابة للمشاعر العربية الملتهبة ـ أداة للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، التي تساند إسرائيل رغم الظروف المعقدة دولياً في تلك الفترة. وكانت دولة الإمارات العربية الأولى من بين الدول العربية النفطية، التي أعلنت رسمياً تخفيض إنتاجها وإيقاف ضخِّه إلى الخارج، ثم تلتها بقية دول الخليج الأخرى.

          وفي هذه المناسبة، أطلق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات عبارته التاريخية: “النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي” وقال أيضاً: “إن كرامة العربي هي الأغلى والدم العربي هو الأشرف، ودونهما يرخص المال والثروة”.

          وعلى الفور، قرر مجلس وزراء الدول العربية المصدرة للبترول (أوابك) في 8 أكتوبر 1973 البدء في خفض فوري للإنتاج بنسبة 5% شهرياً، وقطع إمدادات البترول العربي عن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية التي تساند إسرائيل.

          أما المملكة العربية السعودية فقد قامت بخفض إنتاجها بنسبة 10% قبل أن تعلن مع الإمارات والكويت والبحرين وقطر والجزائر وليبيا وقف تصدير بترولها للولايات المتحدة الأمريكية.

          توالت ردود الفعل الغربية إزاء هذا التحرك العربي، فأعلن فريدريك دنت وزير التجارة الأمريكي ـ في ذلك الوقت ـ أن خفض إنتاج البترول أمر يثير قلق واشنطن بعد العجز الذي حدث في الواردات البترولية الأمريكية، والذي تم تقديره حينذاك 200 ألف برميل يومياً. كما تم إخطار شركات الطيران بتخفيض رحلاتها الداخلية والخارجية توفيراُ للوقود، مع الدعوة التي وجهتها الحكومة الأمريكية إلى ترشيد استهلاك الطاقة.

          وفي بريطانيا أعلن المسؤولون أن برنامج مواجهة التضخم أصبح مهدداً بسبب قرارات الدول العربية المصدرة للبترول، الأمر الذي يهدد ميزان المدفوعات البريطاني.

          كما أظهر استطلاع للرأي العام في لندن أن 70% من الشعب البريطاني يطالبون حكومتهم بتحسين العلاقات مع العرب ضماناً للإمدادات البترولية.

          كذلك اتسمت مواقف دول الخليج العربية بالقوة حين أعلن العاهل السعودي الملك فيصل بن عبدالعزيز في برقية إلى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي:

“إن البركان الساكن انفجر، وأن الدمار لن يعم المنطقة وحدها، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية التزام الحيدة”.

          وكان الملك فيصل يرد على رسالة بعثها كيسنجر طالب فيها التوسط لدى مصر وسورية لوقف إطلاق النار.

          وفي غمار هذه المشاعر الفياضة، التي جسَّدت تضامن كافة الدول العربية في المشرق والمغرب العربي وتماسك العرب وتضامنهم، حدثت الصدمة الأولى لارتفاع الأسعار، التي رفعت فيها منظمة أوبك أسعار النفط الخام من 3.2 إلى 10.5 دولار للبرميل. (وكانت المنظمة قد نجحت عقب مؤتمر طهران عام 1971 من خلال مفاوضاتها مع شركات النفط المستثمرة في رفع سعر برميل النفط من 1.8 إلى 2.8 دولاراً. وبعد تخفيض قيمة الدولار الأمريكي مرتين ارتفع سعر برميل النفط إلى 3.2 دولاراً).

          وعندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 تقلَّص إنتاج النفط الإيراني بسبب رغبة حكومتها في تخفيض الإنتاج إلى الحد الذي يكفي الاحتياجات الضرورية لعملية التنمية الاقتصادية فقط. ثم انخفض الإنتاج مرة أخرى بعد اندلاع الحرب مع العراق في شهر سبتمبر 1980، مما ساهم في حدوث الصدمة الثانية لارتفاع الأسعار، التي ارتفع فيها سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً عام 1980 وإلى 34 دولاراً عام 1981.

توجيه النقد لسياسات دول منظمة أوبك وللدول العربية

          هذه هي أسباب الفورة النفطية لارتفاع الأسعار (1974 ـ 1981)، والظروف التي أدت إليها. ويحلو لكثير من المحللين توجيه النقد لدول منظمة أوبك لرفع أسعار البترول أثناء الفورة النفطية الأولى أكتوبر (1974)، وللدول العربية لحظر إمداد النفط.

          كما يوجهون النقد لدول منظمة أوبك لانتهازها قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ثم الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 لرفع معدلات إنتاجها، وخاصة السعودية التي رفعت إنتاجها إلى 11 مليون برميل يومياً. وفي ذات الوقت رفعت أوبك أسعارها الرسمية حتى بلغت 34 دولاراً لبرميل النفط. ولم تضع في اعتبارها سياسات الطاقة التي سارت عليها الدول الصناعية، وخاصة في مجال المخزون الإستراتيجي للطوارئ وترشيد الاستهلاك.

          والحجة التي تذرَّع بها هؤلاء النقاد في ذلك، أن هذه الإجراءات قد أثارت ضغينة الدول الغربية والولايات المتحدة، التي تفنَّنت بعد ذلك في إجبار العرب على رد ما آل إليهم من العائدات النفطية عن طريق رفع أسعار صادراتها من المواد الغذائية والمعدات والأسلحة، فضلاً عن تدبير الخطط لتهميش بترول الخليج وخفض أسعاره.

اتهام الولايات المتحدة الأمريكية بتأييدها رفع الأسعار في السبعينات

          كما يحرص فريق من خبراء الاقتصاد على اتهام الولايات المتحدة الأمريكية بأنها كانت وراء ـ أو كان من مصلحتها ـ رفع أسعار البترول في السبعينات (أي أثناء الفورة النفطية 1974 ـ 1981) حتى يتسنى للشركات البترولية تحويل جزء من استثماراتها إلى الولايات المتحدة، كما أن ارتفاع سعر البترول يقلل من المقدرة التنافسية لمنتجات الصناعة اليابانية والأوروبية وذلك برفع تكلفتها … الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية الممون الرئيسي لليابان وأوربا.

          إزاء هذا النقد الموجه لمنظمة أوبك بشأن رفع الأسعار والنقد الموجه لقادة العرب للحظر البترولي  في أكتوبر 1973. وإزاء الاتهام الموجه للولايات المتحدة بأنها كانت وراء هذا الرفع لأسعار البترول. وإزاء النقد الموجه لسياسة أوبك لرفع الأسعار وزيادة الإنتاج إلى مستويات قياسية عام 1979 ـ 1980، وما يتضمن ذلك من نقد للسعودية، التي رفعت إنتاجها إلى 11 مليون برميل يومياً. وإزاء تكرار هذه الانتقادات في معظم الكتب التي تناولت أحداث ما بعد أكتوبر 1973 حتى وقتنا هذا، ونقلاً عن بعضا البعض. فإنه يتحتم على هذا البحث أن يتصدى إلى سرد حقائق هذه المواقف كلها بالتفصيل، حتى ولو طال به الحديث.

ففيما يتعلق بالنقد الأول

          كان الحرص على توضيح هذه الظروف في إيجاز لاثبات أن تصرف العرب بالنسبة لحظر البترول ـ الذي أصبح بعد ذلك موضع نقد ـ لم يكن إلا تعبيراً عن انفعالهم بأحداث حرب أكتوبر 1973، وأصدق رد فعل على دعم الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية لإسرائيل عسكرياً ودولياً، وإعلاناً لغضب واستياء قادة العرب تجاه الظلم الفادح الذي تمارسه هذه الدول نحو الدول العربية.

          وما كانت العائدات البترودولارية التي آلت إلى كافة دول أوبك بسبب ارتفاع أسعار البترول إلا جزءاً ضئيلاً من مليارات الدولارات التي اغتصبتها الشركات الاحتكارية المستثمرة والدول التي تنتمي إليها طوال عشرات السنين الماضية من استغلال البترول العربي.

          فهل كان من الممكن أن يتجاهل قادة العرب تلك الأحداث، ويستمر إمداد الدول المعادية للعرب بالبترول وبأرخص الأسعار؟

          مع العلم بأن ظروف الفورة النفطية سواء بالنسبة لحرب أكتوبر أو قيام الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية الإيرانية لم تكن إلا نتيجة لازدياد الطلب على النفط العربي وتكالب الدول المستوردة عليه خوفاً من حدوث أزمة بترولية.

          ومما يؤكد سلامة تصرف العرب أثناء حرب أكتوبر 1973 ما جاء في كتاب جديد صدر في لندن في 15 أكتوبر 1998 للسير إدوارد هيث (82 عاماً) زعيم حزب المحافظين في الفترة 1965 ـ 1975، ورئيس وزراء بريطانيا من عام 1970 إلى 1974 بعنوان “مسيرة حياتي” The Course of my life.

          تضمن هذا الكتاب فصلاً عن حرب 6 أكتوبر 1973 وتأثيراتها على بريطانيا وأوربا ودور سلاح البترول العربي في هذه المعركة.

          ويروي إدوارد هيث كيف تصرف من موقعه كرئيس لوزراء بريطانيا لمواجهة تأثيرات استخدام العرب لسلاح البترول. وكيف استطاع العرب بوقوفهم يداً واحدة تغيير وجهة النظر الأوربية بشأن الصراع الإسرائيلي.

          يقول هيث: “إن حرب أكتوبر 1973 قد فاجأتنا كما فاجأت زعماء العالم آنذاك وكانت الأولوية الفورية العمل على احتواء النزاع. ولكن التهديد الأكبر جاء عندما جرى الكشف عن تحركات سوفيتية، وعندما وضعت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها المتمركزة في أوربا بما فيها تلك الموجودة في بريطانيا في حالة تأهب قصوى. وقد فعلت أمريكا ذلك دون إبلاغنا أو إبلاغ أي حكومة أوربية أخرى.

          وكموقف مشترك لكل أعضاء دول المجموعة الأوربية ـ ما عدا هولندا ـ فقد رفضنا السماح للولايات المتحدة بأن تبعث بمعدات وأسلحة إلى إسرائيل من قواعدنا. ولأن قبرص لم تكن متاحة للولايات المتحدة، فإن الأمريكيين زودوا إسرائيل بالأسلحة من جزر الآزور في المحيط الهادي”.

          ويستطرد هيث قائلاً: “في 16 أكتوبر 1973 أعلن وزير الخارجية البريطاني أننا لن نزود أياً من الطرفين بالأسلحة. وفيما يتعلق بقضية البترول، فإن المنتجين العرب أدركوا أن البترول سلاحهم الأكثر فعالية في الحرب من أجل تحقيق تسوية في الشرق الأوسط. ورغم ارتفاع تكلفة السلع في العالم منذ عام 1972، فإن الزعماء العرب لم يقتنعوا بالحفاظ على سعر البترول كما هو. فقد كانوا يرغبون في تنمية اقتصادياتهم. إن منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوابك) زادت سعر البترول مرتين في أوائل 1973 ولكن بنسبة ضئيلة. وبعد اجتماع في الكويت في 16 أكتوبر 1973 تقرر خفض إمدادات البترول بنسبة 5% كل شهر، وفرض حظر كامل على صادرات البترول لأمريكا وهولندا”.

          وكرد فعل على الموقف العربي القومي الموحد، تزعمت بريطانيا ـ حسب قول إدوارد هيث ـ حملة دبلوماسية أوربية للاستجابة للموقف الراهن، حيث صدر في 6 نوفمبر 1973 عن المجموعة الأوربية بيان دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة واحترام حقوق الفلسطينيين تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 242.

          ويقول هيث “إنه نتيجة لالتزامنا بخط الأمم المتحدة جرى ومعاملتنا مع فرنسا كدولة صديقة من جانب الدول العربية المنتجة للبترول وعلى رأسها السعودية”.

ويسترجع هيث ذكرياته ليقول:

          “إن هذه الأزمة البترولية بسبب حرب أكتوبر 1973 أصابت سياساتنا الخارجية بالفوضى، ولكن الأسوأ من ذلك ما حدث على الساحة الداخلية. فبعد أربعة أيام فقط من الحرب، طالب عمال المناجم بزيادة أجورهم بنسبة 50% نتيجة تزايد الاعتماد على الفحم. وعندما عرض عليهم مجلس الفحم الوطني 13% زيادة فقط رفضوا وتصاعد التهديد من جانبهم بالإضراب”.

          ولأول مرة ـ في زمن السلم في بريطانيا ـ بدأ المواطنون في بذل جهود حقيقية لتقليل استهلاك الطاقة. وكانت الأزمة سبباً في إنشاء وزارة مستقلة للطاقة بعد أن كانت تتبع وزارة التجارة والصناعة.

          كما اتخذت حكومة هيث إجراءات عديدة لتخفيض استهلاك البترول، فقد أعلنت الحكومة أمام مجلس العموم البريطاني في 13 ديسمبر 1973 تخفيض أيام العمل إلى 3 أيام فقط في الأسبوع. وأن المؤسسات الصناعية أصبحت تتلقى كهرباء خمسة أيام فقط في الأسبوع. أما التليفزيون فينهى إرساله الساعة العاشرة والنصف مساء كل ليلة. ولم يكن ما حدث في بريطانيا سوى نموذج لما حدث في الدول الأوربية الأخرى. كما أثر ارتفاع أسعار البترول على النمو الاقتصادي في جميع الدول.

          إن الأزمة التي عبَّر عنها هيث بدقة تكشف عن مدى الدور الذي لعبه سلاح البترول العربي، ومدى التغيُّر الذي حدث لمواقف الدول الأوربية، التي كانت تهتم فقط بتأمين احتياجاتها من البترول لمصانعها ورفاهية مواطنيها دون اكتراث بحقوق العرب وقضيتهم العادلة.

          وإذا لم يكن ذلك كافياً لتبرير تصرف العرب الذي أملته عليهم مشاعرهم وضمائرهم لمواجهة ما حدث في حرب أكتوبر 1973، فإن الحقيقة تخلص فيما يلي:

انقضى عشرة أيام كاملة على نشوب القتال، عندما انعقد اجتماع مجلس وزراء منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) لاتخاذ قرار استخدام البترول سلاحاً للضغط على إسرائيل. وكان اجتماع المجلس بناء على دعوة من حكومة جمهورية مصر العربية في 12 أكتوبر 1973 موجهة إلى الوزير بلعيد عبدالسلام وزير النفط الجزائري في ذلك الوقت ورئيس دورة أوابك بعقد اجتماع استثنائي لمجلس وزراء المنظمة إعمالاً للمادة 30 من اتفاقية إنشاء أوابك والتي تنص على أنه:

”          إذا تعرَّض عضو لطارئ مفاجئ وجسيم فله أن يطلب عقد اجتماع استثنائي للمجلس للنظر في وسائل مساندته”.

          وهكذا تحدد يوم 17 أكتوبر 1973 موعداً لانعقاد المجلس في الكويت. وأصبحت الفرصة سانحة لتسوية موضوع الأسعار بقرار من جانب واحد، حيث اجتمع وزراء منظمة أوبك في الكويت يوم 16 أكتوبر 1973 وصدر قرارهم برفع الأسعار المعلنة بنسبة تدور حول 70% فزاد سعر الخام العربي (خام الإشارة) من 3.011 دولاراً للبرميل إلى 5.119 دولاراً للبرميل.

          وفي اجتماع 17 أكتوبر 1973 لمنظمة أوابك تبنَّت السعودية مشروع قرار الحظر البترولي، وتولت صياغته بنفسها، حيث صدر بخفض فوري بنسبة 5% من معدلات سبتمبر 1973 كبداية ثم يزداد بنسبة مماثلة كل شهر. وحظر تصدير البترول إلى الولايات المتحدة والدول الغربية التي تساند إسرائيل.

          وفي 4 نوفمبر 1973 تقرر زيادة الحد الأدنى لخفض الإنتاج إلى 25% على أن يتوالى التخفيض بعد ذلك بنسبة 5% من معدل إنتاج ديسمبر 1973. وقد تحقق خفض فعلي في الإنتاج بنسبة 30% من جانب السعودية والكويت.

          بدأت الضغوط داخل منظمة أوبك تشتد حيث ظهر اتجاهان:

أولهما: استغلال الندرة التي يعاني منها السوق برفع الأسعار إلى أقصى حد ممكن. وتزعم شاه إيران اتجاه رفع السعر إلى 17 دولاراً للبرميل.

ثانيهما: اتجاه الجانب السعودي إلى الاعتدال الذي يؤكد أن سعراً يدور حول ثمانية دولارات للبرميل يُعتبر سعراً عادلاً.

          وشهد اجتماع أوبك في طهران في 22 ديسمبر 1973 معركة حامية حول هذا الموضوع. وكان طبيعياً أن يلقى الموقف الإيراني تعاطفاً من جانب بلدان أوبك الأخرى، بينما أيدت دول الخليج الموقف السعودي، وانتهت المعركة إلى الاتفاق على تحديد سعر 11.65 دولاراً للبرميل لخام الإشارة (العربي الخفيف كثافة 34 درجة) اعتباراً من أول يناير 1974. وهكذا حدث ما يُعرف بالصدمة الأولى لارتفاع الأسعار.

          هذه إحدى حقائق الموقف. ولولا مقاومة السعودية لتحققت زيادة في الأسعار بأكثر من ذلك.

          وهذه هي حقيقة تصرف العرب، إبان تلك الظروف الدقيقة، وكان الأجدى بالكتاب توجيه الشكر بدلاً من توجيه النقد للعرب.

          أما فيما يتعلق باتهام الولايات المتحدة الأمريكية بأنها كانت وراء ـ أو كان من مصلحتها ـ رفع الأسعار في السبعينات.

          فالحقيقة توحي بأن موقف إيران من موضوع الأسعار كان محل موافقة وتأييد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وشركات البترول الأمريكية على السواء، على الرغم من المعارضة الظاهرية لاتجاه رفع الأسعار.

          ولكن كما يبدو كان الموقف الأمريكي ذا وجهين، فأمريكا تبدي ملاحظات ضعيفة للسعودية تُعبِّر بها عن عدم رضاها عن مبدأ زيادة الأسعار، ولكنها من ناحية أخرى تعبِّر للإيرانيين عن رضاها بمستوى السعر الجديد.

          وقد أوضح الشيخ زكي يماني ـ ممثلاً للحكومة السعودية ـ هذا التناقض بقوله: “إن الفائدة الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية هي الاحتفاظ بأسعار البترول في مستوى مرتفع. وإنني لا أذكر أن الدكتور هنري كيسنجر قد أثار موضوع أسعار البترول معنا، مع أنه يتحدث معنا في مناسبات كثيرة، وهو أمر معروف للجميع أن كل مصلحتهم تتركز في زيادة سعر البترول، وهذا قرار سياسي بالدرجة الأولى ثم هو قرار اقتصادي بعد ذلك”.

          ومن الحقائق التاريخية المعروفة أن الرئيس السادات أطلع الملك فيصل في إبريل 1973 على اعتزامه شن حرب محدودة ضد إسرائيل في خريف ذلك العام بهدف تحريك الموقف.

          وقد اعترف فرانك يونجرز ـ مدير شركة أرامكو السعودية ـ أن الملك فيصل قد دعاه على مائدة الغذاء في 3 مايو 1973 ووجه إليه تحذيراً من أن الصهاينة والشيوعيين يتصرفون على النحو الذي من شأنه أن يؤدي إلى طرد المصالح الأمريكية من المنطقة. وإن كل ما هو مطلوب من الولايات المتحدة هو التعبير البسيط عن عدم موافقتها على سياسات إسرائيل وتصرفاتها.

          ومن خلال أرامكو أحيط نيكسون رئيس الولايات المتحدة كما أُحيطت بقية عناصر شركات البترول الاحتكارية العالمية علماً بالتحذير المشار إليه.

          وكان رد الفعل ـ كما أثبتته الأرقام ـ أن بدأت شركات البترول من حوالي منتصف مايو 1973 (أي قبل خمسة أشهر من نشوب حرب أكتوبر 1973) تزيد معدلات إنتاجها من جميع دول الخليج العربي باستثناء الكويت. والواقع أنه لا يوجد تفسير معين لاستثناء الكويت سوى ما ذكره بعض الخبراء بعد ذلك من أن السبب هو رداءة نوعية الخام الكويتي وارتفاع محتواه الكبريتي.

          وقد ورد بمجلة البترول المصرية أنه جاء في تقرير الخبير الأمريكي المعروف الدكتور جون بلير نُشر في عام 1975، أن شركات البترول الأمريكية قد استخدمت كافة الوسائل المتاحة للتخزين، بما في ذلك جميع ناقلات البترول المتعطلة، ومحطات التخزين القديمة المهجورة، وآبار البترول الناضبة المغلقة كمستودعات لتخزين الكميات الإضافية التي سحبتها من حقول الخليج والمناطق الأخرى. وأكد جون بلير في تقريره أن الأرقام الرسمية المعلنة لعام 1973 لا تعبِّر عن حقيقة معدلات الإنتاج في الفترة من مايو إلى أكتوبر 1973. وقد حققت عمليات التخزين، التي انتهزت شركات البترول الفرصة وقامت بتكثيفها، هدفين خلال الفترة المذكورة:

الأول: أن توجيهها إلى المخزون الاستراتيجي قد تم بعيداً عن تيار الإمداد الطبيعي، وبالتالي لم تؤثر هذه العمليات في زيادة الأسعار.

والثاني: أن تلك الكميات تمثل مخزوناً هائلاً تم تكوينه بأرخص الأسعار (كان السعر في ذلك الوقت 3 دولارات في المتوسط) لتباع بأربعة أمثالها بعد حدوث زيادة الأسعار.

كذلك نقلت مجلة البترول المصرية السابقة الإشارة إليها عن Ian Seymour قوله:

”          أن دول الخليج العربي الأعضاء في منظمة أوبك ـ على الرغم من ارتباطها الوثيق بالمعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ـ وجدت نفسها في مواجهة رسمية مع الولايات المتحدة بسبب انحيازها العملي الكامل لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973. ولكن هذا التناقض لم يشكل عائقاً أمام قضية الأسعار، وإنما على العكس كان عاملاً مساعداً على إحكام الخطوات، أغرى الإدارة الأمريكية ومعها شركات البترول وشاه إيران (عن أوبك) على المضي في استثمار الموقف الناشئ عن الحرب والحظر البترولي الذي فرضه العرب.

          وهكذا راحت الإدارة الأمريكية وشركات البترول الدولية تعمل على إشاعة الذعر والاضطراب في كل مكان. ولم تتورع الشركات عن طريق إعادة برمجة شحناتها عن توزيع المتاعب إلى درجة قطع الإمدادات كلية عن بعض الدول الفقيرة في العالم الثالث. ثم أخذت تقيم مزادات عالمية لبترول نيجيريا وإيران واندونيسيا وغيرها. وهي مزادات كانت فيها الشركات هي البائع والمشتري، الأمر الذي جعل الأسعار المحققة في السوق الفورية تطفو إلى ما يتراوح بين 17 و 24 دولاراً للبرميل من النفط”.

          وخلال الأسابيع التي تلت 4 نوفمبر 1973 (الاجتماع الثاني لوزراء البترول العرب الذي تقرر فيه زيادة الحد الأدنى لخفض الإنتاج إلى 25%) جرت اتصالات مستمرة بين نيكسون وشاه إيران انتهت بأن وجَّه الشاه الدعوة إلى دول أوبك لعقد اجتماع في طهران يوم 22 ديسمبر 1973.

          وفي ذلك الاجتماع حدث صدام بين الشاه والشيخ زكي يماني. فبينما طالب الشاه بزيادة سعر خام الإشارة إلى 17 دولاراً للبرميل، بما يتمشى مع سعر السوق الفورية، تمسك يماني بأن يقف السعر عند 8 دولارات فقط، وانتهت المناقشات إلى قرار برفع سعر خام الإشارة إلى 11.65 دولاراً للبرميل من النفط، كما ذكرنا من قبل.

          ويؤكد هذه المعلومات التي وردت مرجعين مختلفين، ما جاء بكتاب سير ادوارد هيث ـ الذي صدر حديثاً في 15 أكتوبر 1998 ـ حيث تطرق الزعيم البريطاني المخضرم إلى دور شركات البترول العالمية ـ التي كانت ضالعة في تشكيل الأحداث السابق ذكرها ـ في تعميق الأزمة بالنسبة لبريطانيا حيث يقول:

”          إن مشكلة بريطانيا الدبلوماسية في ذلك الوقت كانت منصبة على شركات البترول، فقد كان الاعتماد على هذه الشركات مشكلة كبرى، فقد كان سعر البترول في بريطانيا أقل كثيراً مما كان عليه في الدول الأوربية، وكانت الشركات البترولية ترغب في تحقيق أكبر ربح ممكن. وقد دعوت رئيس شركة شل وبريتش بتروليوم للاجتماع بي. ولكنني واجهت معارضة كاملة للتعاون من جانبهما. ولم يكن أمامي سوى اتخاذ أي إجراء ممكن لمساعدة الشعب البريطاني في هذا الوقت الخطير” .

          وبعد سرد هذه الحقائق، يُمكن استنتاج مدى صحة هذا الاتهام الموجَّه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة لرفع أسعار البترول عام 1973، وليس بالنسبة لحظر إمدادها به.

          أما بالنسبة للنقد الثالث الذي يتعلق بعدم سلامة سياسة دول أوبك عام 1979/ 1980، فالحقيقة تتمثل فيما يلي:

          عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 تناقص دور إيران داخل منظمة أوبك، واتجهت السعودية إلى دور الريادة في المنظمة في أواخر السبعينات. وقد ظلت السعودية تقوم بدورها تجاه المنظمة على الرغم من الخلافات المستمرة بصدد سياسات التسعير. فقد كانت السعودية الدولة الوحيدة في أوبك، التي استشعرت خطر الزيادات الكبيرة في الأسعار.

          ففي الفترة من 1979 حتى 1982 رفضت السعودية مسايرة الأسعار المعلنة لخام الأساس في مبيعاتها لشركاتها في مجموعة أرامكو، مما أدى إلى ظهور نظام مزدوج للتسعير. وسعت السعودية عن طريق البيع بأسعار تقل عن أسعار السوق، ورفع مستويات إنتاجها لتحقيق التوازن حتى لا تؤدي الأسعار المبالغ فيها إلى الإسراع بإحلال مصادر الطاقة البديلة وبرامج الحفاظ على الطاقة وترشيد الاستهلاك.

          وفي عام 1983 انخفض الطلب العالمي على البترول، وأصبح سعر أوبك المعلن لخام الأساس 34 دولاراً للبرميل، وهو سعر مرتفع جداً بالمقارنة بأسعار صفقات السوق الفورية وأسعار صادرات بعض أعضاء منظمة أوبك.

          ومرة أخرى أكدت السعودية على ضرورة الحفاظ على السعر التنافسي للبترول واتفقت مع أعضاء أوبك على إعلان خفض سعر خام الأساس رسمياً مع تحديد حصص إنتاج لجميع الأعضاء. ولكن التخفيض بمعدل 15% المعلن رسمياً لم يحقق الهدف المرجو، بل انخفضت أسعار السوق الفورية، وتوسعت الدول غير الأعضاء في أوبك وكذلك بعض أعضاء أوبك في زيادة معدلات صادراتها.

          وعلى الرغم من ذلك استمرت السعودية تفي بالتزامها تجاه منظمة أوبك حتى عام 1985 حيث اقتنعت بعدم جدوى التزامها. فقد وصل إنتاجها في منتصف 1985 ما لا يزيد عن 2 مليون برميل يومياً، وبلغت صادراتها حوالي 1.5 مليون برميل يومياً (كانت صادرات السعودية حوالي 10 ملايين برميل يومياً في أوائل الثمانينات). وهذا يعني أن السعودية قد سحبت من السوق العالمية ما يزيد على 8 ملايين برميل يومياً، مما أدى إلى الحد أو إلى إبطاء تناقص أسعار البترول. وقد أدى ذلك إلى خفض حصة السعودية في السوق الدولية وبالتالي انخفضت عوائد صادراتها من البترول. وجاءت النتائج عكسية بتوسع دول أخرى في حصتها من السوق مثل الاتحاد السوفيتي ودول بحر الشمال.

          كما أدى ذلك إلى زيادة مبيعات الغاز السوفيتي إلى دول أوربا الغربية وتشجيع الاستثمارات في مجالي المحافظة على الطاقة والتحول إلى الطاقة البديلة، فضلاً عن تراجع معدلات طلب العالم الصناعي على البترول بشدة.

          ولما كانت عوائد البترول تشكِّل المصدر الوحيد تقريباً لموارد النقد الأجنبي بالنسبة للاقتصاد السعودي، حيث يُعتبر إنتاج البترول والأنشطة المتعلقة به مصدر ثلثي الدخل القومي.

          فقد بدأ ميزان المدفوعات السعودي منذ عام 1982 ـ نتيجة للسياسة المعتدلة التي تسير عليها السعودية ـ يتأثر بانخفاض عائدات البترول، وظهر به عجز تمت تغطيته بالسحب من احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي. وقد استمر السحب حتى أوائل عام 1986 لدرجة أن احتياطيها النقدي انخفض من 160 مليار دولار إلى ما يقل عن 70 مليار دولار.

          لذلك أعلنت المملكة العربية السعودية ـ مضطرة ـ عن تغيير سياستها البترولية حيث قررت القيام بمشاركة الدول العربية الخليجية باسترداد حقها من السوق العالمية بدلاً من التنازل عنه للدول المنتجة الأخرى. وبدأت المملكة في تنفيذ سياستها التي أطلق عليها (حرب الأسعار) والمطالبة بنصيب عادل في سوق البترول العالمي.

          كانت السعودية تعرف أن هذه السياسة ستؤدي إلى خفض أسعار البترول بشدة، ولكنها نظرت إلى أثر اتفاقيات التصدير في المدى القصير حيث زادت من انتاجها بسرعة تفوق انخفاض الأسعار، وإلى أثرها في المدى الطويل نظراً لإمكانية استرداد حصتها من السوق العالمية. وهذه السياسة تتمشى مع احتياطيات السعودية الضخمة ومع انخفاض تكاليف الإنتاج التي تحظى به.

          ولكن الفوضى التي اجتاحت أسواق البترول العالمية في عام 1986 نتيجة لحرب الأسعار قد أظهرت أن هدف هذه السياسة لم يكن له ما يبرره من الناحيتين الاقتصادية والمعنوية وذلك لأن الآثار والنتائج التي لحقت بصناعة البترول العالمية جعلت الأوبك، ومنها السعودية تراجع حساباتها في أواخر عام 1986. وتم تعيين الشيخ هشام ناظر وزيراً للبترول والثروة المعدنية بالسعودية خلفاً للشيخ زكي يماني. وأعلنت منظمة الأوبك بمبادرة من السعودية خطأ سياسة حرب الأسعار، وضرورة نبذها والعودة إلى نظام التقيد بحصص الإنتاج والسعر الرسمي للأوبك، والعمل على امتصاص الفائض من الأسواق بهدف إيجاد توازن دقيق بين كل من العرض والطلب العالميين للمحافظة على استقرار السوق والأسعار.

          وقد أدى اتباع هذه السياسة إلى تحقيق استقرار ملحوظ في أسواق البترول العالمية، وإلى استعادة الأسعار لبعض قوتها، حيث دارت الأسعار حول 18 دولاراً للبرميل بعد أن تدنت إلى ما دون الدولارات العشرة.

          ويتبين ـ بعد هذا العرض ـ أن رفع السعودية إنتاجها إلى مستويات كبيرة ـ أثناء الفورة النفطية الثانية عقب الثورة الإيرانية ـ كان بهدف تحقيق التوازن، لأنها كانت تبيع بترولها بأقل من أسعار السوق، ولم تكن زيادة الإنتاج بهدف زيادة الأرباح.

          بهذا تناول البحث أسباب الفورة النفطية الأولى (أكتوبر 1974) والفورة النفطية الثانية (عقب الثورة الإيرانية وقيام الحرب العراقية الإيرانية) وظروفها، والرد على الانتقادات الموجهة لمنظمة الأوبك بصدد رفع الأسعار، ولقادة العرب الخليجيين بشأن الحظر البترولي، وللولايات المتحدة بسبب تأييدها لرفع الأسعار.

          ومن المؤكد بعد ذلك أن قيام منظمة الأوبك بتحديد أسعار بترولها ما هو إلاَّ حق أصيل لها كانت الشركات الاحتكارية المستثمرة قد اغتصبته منها طوال عشرات السنين الماضية، وحققت من ورائه والتلاعب بإنتاجه وتسويقه مكاسب طائلة لها وللدول الأجنبية التي تنتمي إليها.

          ويسجل البحث بعد ذلك عتاباً مريراً على وسائل الإعلام الغربية، التي ـ على الرغم من أنها على علم تام بالحقائق المذكورة آنفاً ـ قد افتعلت ضجة كبرى ضد ارتفاع الأسعار بمساندة من حكوماتها وركزت اللوم كله على الدول العربية بما فيه من تجاوز للحدود وتطاول في القول والهجوم، مع أن منظمة الأوبك هي التي رفعت الأسعار تصحيحاً للأوضاع ورفعاً للظلم والاستغلال، الذي مارسته الشركات الاحتكارية طوال عقود، ولم تكن الدول العربية إلا جزءاً من منظمة الأوبك، ولم تكن أزمة البترول إلاّ مؤامرة مفتعلة كما اتضح من خلفيات الأحداث.

          ولكن الإعلام الغربي شنَّ حملات دعائية ضد العرب وساهم في تشويه صورة الدول العربية ومنظمة أوبك في أذهان الناس في الدول المستهلكة للبترول على أنها تمثل الجشع الذي يريد امتصاص ثروات الشعوب. بل وجسَّدت استخدام سلاح البترول في المعركة على أنه كارثة محققة سوف تحل بدول العالم الصناعي. ونسوا أن دول الغرب هي التي امتصت ثروات الدول العربية بما فيها من مواد أولية ومن بينها البترول منذ زمن سحيق.

          ويواصل البحث الحديث عن أسعار البترول في ظل الضغوط على قوانين السوق وأثرها على الاقتصاد العالمي، مع التركيزـ بإذن الله تعالى ـ على النقاط التالية:

  • الاعتبارات التي تؤيد وجهة نظر منظمة أوبك في تحديد أسعار بترولها منذ أن تولت المنظمة هذه المسؤولية في أواخر عام 1973.
  • آثار ارتفاع أسعار البترول في السبعينيات على الاقتصاد العالمي.
  • آثار انخفاض أسعار البترول في الثمانينات على الاقتصاد العالمي.

          وسوف يقتصر الفصل السادس من هذا البحث على الحديث عن تذبذب أسعار البترول ارتفاعاً وانخفاضاً في التسعينات.

ثانياً: الاعتبارات التي تؤيد وجهة نظر منظمة أوبك في تحديد أسعار البترول

          صبح من الثابت أن تسعير البترول الخام يقوم على أساس مبادئ تختلف كل الاختلاف عن المبادئ التي تحدد أسعار المنتجات الأخرى الصناعية أو الزراعية.

          على ذلك فإن الواقع العملي قد أثبت عدم صحة محاولة تحديد أسعار البترول طبقاً لعوامل العرض والطلب، وذلك للأسباب الآتية:

  1. عدم صحة اعتبار السوق البترولية سوقاً حرة، وأن الأسعار تعكس العرض والطلب. ذلك لأن السوق البترولية تحكمها عوامل شبه احتكارية في كافة مراحلها. وبالتالي فإن العرض والطلب يخضعان لشتى أنواع الضوابط والقيود.
  2. كانت شركات البترول الكبرى ـ أثناء فترة سيطرتها على صناعة البترول ـ تحتكر المعلومات المتعلقة بهذه الصناعة في مجالات الاحتياطي والإنتاج وتكاليف الإنتاج والنقل والتكرير والتسويق وأسعار البترول الخام ومنتجاته، الأمر الذي يسَّر لها التلاعب في تحديد الأرباح والأسعار، حيث كانت تسيطر على جميع مراحل الصناعة، وباستطاعتها أن تنقل أرباح مرحلة إلى المرحلة التي تليها دون النظر إلى مصالح الدولة المضيفة. وليس هذا فحسب، بل كانت هذه الشركات تحقق أرباحاً خيالية على حساب الإنتقاص من عائدات الدول المنتجة.
  3. تعرُّض أسعار البترول للتغير السريع تبعاً للتغير في الأحداث المحلية أو التطورات الدولية. وبالتالي، فإن اعتماد تسعير البترول على أُسس تقليدية ثابتة يصبح عديم الجدوى في حالة تغير الظروف.
  4. إن الطلب النهائي على البترول مستمد من الطلب على المنتجات والمشتقات البترولية. كذلك فإن الطلب على هذه المنتجات في أسواق الاستهلاك الرئيسية هو الذي يحدد السعر النهائي للبترول الخام. ومن الجدير بالذكر أن معظم نظريات تسعير البترول تتجاهل هذه الحقيقة.
  5. إن الطلب النهائي على البترول وبالتالي مرونة الطلب عليه تتوقف على الاستخدامات المتعددة له. وأن لكل من هذه الاستخدامات مرونة خاصة تبعاً لمدى توفر البدائل.

وعلى ذلك، نجد أن مرونة الطلب تقل كثيراً جداً بالنسبة لبنزين السيارات أو لوقود الطائرات حيث ينعدم البديل تقريباً، مما يؤدي إلى ارتفاع أثمان هذه المشتقات بالنسبة للمشتقات البترولية الأخرى.

أما بالنسبة للمشتقات البترولية التي تستخدم كمصدر للطاقة أو للاحتراق مثل زيت الوقود Fuel oil حيث توجد بدائل أخرى، فإن مرونة الطلب على هذا المنتج البترولي تزداد وبالتالي ينخفض سعره.

وعلى ذلك، فإن سعر النفط الخام يختلف تماماً عن الأسعار الخاصة بالمشتقات البترولية التي يتم إنتاجها من برميل البترول الخام.

  1. إن الاعتبارات الاقتصادية المتعلقة بالعرض والطلب لم يكن لها أي دور فعّال في تحديد أسعار البترول قبل عام 1973 ، بل كان للعوامل الإستراتيجية والمصالح الخاصة بالدول التي تتبعها الشركات الرئيسية للبترول الدور الأكبر في تحديد أسعار البترول.
  2. إن البترول ليس سلعة عادية تخضع لظروف المنافسة الحرة ومتوسط تكاليف الإنتاج، ولكن البترول أصل معرّض للنفاذ Exhaustible Asset، وأن عرضه محدود على الأقل في الأجل القصير والمتوسط. وعلى ذلك، فإن هذا الوضع الفريد للبترول يجعل سعر البترول مرتفعاً، لأن السعر يتضمن ما يسمى “ريع الندرة” Scarcity Rent، وأن هذا الريع يرتفع بمرور الوقت نظراً لازدياد ندرة البترول كلما زاد معدل استخراجه. وأن سعر البترول سوف يستمر في الارتفاع بمرور الوقت لكي يسمح لريع الندرة بالزيادة بمعدلات تساوي على الأقل سعر الفائدة السائد في السوق.

ثالثاً: آثار ارتفاع أسعار البترول في السبعينات على الاقتصاد العالمي

          ما فيما يتعلق بارتفاع أسعار البترول خلال السبعينات، وما أثير من مناقشات حول آثاره السلبية على الاقتصاد العالمي، نذكر فيما يلي حقيقة هذه الآثار:

  1. ليس صحيحاً أن رفع أسعار البترول الخام قد أدى إلى التأثير سلبياً وبصورة دائمة، على اقتصاديات الدول المستهلكة سواء الدول الصناعية أو الدول النامية المستوردة للبترول.

وإذا كان هناك تأثير على ميزان المدفوعات فإنه يكون فقط في المدى القصير. ولا يلبث أن يتلاشى هذا الأثر بعد عدد قليل من السنوات، وذلك بفعل الأثر الموجب الذي يحدثه تدوير الأموال من الدول البترولية إلى الدول الصناعية والدول النامية وذلك عبر القنوات الآتية:

أ. مدفوعات الواردات

زادت واردات الدول البترولية بصورة هائلة منذ ارتفاع أسعار البترول في عام 1973. فقد ارتفعت قيمة الواردات السلعية من حوالي 20 بليون دولار عام 1973 إلى حوالي 101 بليون دولار عام 1978، ثم إلى 166 بليون دولار في عام 1982.

كذلك زادت مدفوعات الخدمات والتحويلات من صافي 12 بليون دولار عام 1973 إلى حوالي 53 بليون دولار عام 1982.

وهذا يعني عودة جزء كبير من الأموال التي يتم الحصول عليها من بيع البترول مرة أخرى إلى الدول الصناعية بصفة أساسية وإلى الدول النامية إلى حد ما.

ب. استثمار الفوائض البترودولارية

بلغت قيمة الفوائض البترودولارية ونعني بها فائض ميزان العمليات الجارية (أي بعد استبعاد مدفوعات الواردات السلعية ومدفوعات الخدمات والتحويلات) حوالي 433 بليون دولار خلال الفترة 1974 ـ 1981. وقد تم استثمار هذه الأموال خارج البلاد البترولية وذلك على النحو التالي:

(1) قروض ميسرة وإعانات للدول النامية غير البترولية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشر، عن طريق صناديق التنمية العربية والبنك الإسلامي وصندوق الأوبك وغيرها. وقد بلغت جملة هذه الأموال 62 بليون دولار خلال الفترة 1974 ـ 1981.

(2) ودائع في البنوك الخاصة بالدول الصناعية، وقد بلغ صافي الأموال المودعة خلال الفترة المذكورة 160 بليون دولار. وقد تم استخدام هذه الأموال في عمليات الإقراض سواء داخل البلاد الصناعية أو خارجها في الدول النامية أو دول شرق أوروبا.

(3) استثمارات أخرى في البلاد الصناعية وتشمل الأوراق الحكومية والأسهم والسندات الخاصة بالشركات والعقارات وغيرها من وجوه الاستثمارات المباشرة. وقد بلغت جملة هذه الأموال مبلغ 242 بليون دولار خلال الفترة المذكورة.

غير أن المخاوف المتعلقة بسيولة تلك الاستثمارات في حالة حدوث أزمة عالمية قللت من جاذبية تلك الاستثمارات لمعظم الدول المنتجة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاستثمار في الخارج يتيح للدول المستهلكة درجة كبيرة من السيطرة غير المرغوب فيها على الثروة القومية للمنتجين. وقد اتضح ذلك عندما قامت الحكومة الأمريكية بتجميد الأصول الإيرانية في البنوك الأمريكية في نوفمبر 1979.

(4) قروض لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فضلاً عن شراء سندات خاصة بالبنك الدولي، وقد بلغت جملة هذه الأموال حوالي 61 بليون دولار خلال الفترة المذكورة.

  1. إن أسعار المشتقات البترولية في الدول المستهلكة للبترول، والتي تؤثر بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي، تحددها حكومات البلاد المستهلكة. فهناك الضرائب والرسوم الجمركية على البترول المستورد، والتي قد تصل إلى حوالي نصف ثمن بيع البنزين أو السولار. كذلك أرباح الشركات البترولية، التي وصلت إلى معدلات قياسية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول إلى الحد الذي أثار الرأي العام في هذه الدول ضد هذه الشركات.

ومن الجدير بالذكر، فإنه في عام 1978، كان سعر البترول الخام يساوي 12 دولاراً بينما كان السعر النهائي للمستهلك (في صورة مشتقات بترولية) يساوي 30 دولاراً.

وعلى ذلك، فإن رفع سعر البترول الخام لا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع سعر بيع المشتقات البترولية لجمهور المستهلكين حيث يمكن إبقاء الأسعار على ما هي عليه عن طريق تخفيض الضرائب أو الرسوم أو أرباح الشركات أو كل هذه العناصر مرة واحدة.

  1. إن ارتفاع أسعار البترول يعتبر أمراً ضرورياً لصالح جميع الأطراف المنتجة والمستهلكة على حد سواء. وقد أدى الانخفاض الكبير في أسعار البترول قبل عام 1973 إلى الأضرار الآتية:

أ. الإسراف في استخدام الطاقة بصفة عامة والبترول بصفة خاصة.

ب. انخفاض استهلاك الفحم بل وتعرّض صناعته إلى التدهور في البلاد الأوروبية مما أدى إلى تشريد الآلاف من العمال والإضرار بالمناطق الصناعية، التي تعتمد اقتصادياتها على صناعة الفحم.

ج. أدى الاعتماد الكبير على البترول الرخيص المستورد ـ الذي وصل في بعض الدول إلى ثلاثة أرباع جملة استهلاكها من الوقود ـ إلى تعرّض اقتصاديات هذه البلاد إلى الخطر في حالة انقطاع إمدادات البترول أو انخفاضها لأي سبب من الأسباب

د. عدم وجود حافز لتطوير بدائل للبترول سواء من مصادر الطاقة المتجددة أو غير المتجددة، حيث أن هذه البدائل كانت غالية الثمن بالمقارنة بالبترول المنخفض الثمن خلال الخمسينات والستينات وحتى عام 1973.

هـ. عدم تشجيع الدول النامية على القيام بعمل أبحاث جدية لمصادر الطاقة في أراضيها وخاصة البترول والفحم والغاز.

رابعاً: أسباب انخفاض أسعار البترول في الثمانينيات وآثار ذلك على الاقتصاد العالمي

          لقد أدى الانخفاض الكبير والمتواصل في أسعار البترول في أواخر عام 1985 وأوائل عام 1986 إلى زيادة حدة القلق لدى الدول المصدِّرة للبترول سواء كانت من بين أعضاء أوبك أو من خارجها. وذلك على اعتبار أن كل الدول المنتجة سوف تُضار من التدهور الشديد والسريع في أسعار البترول. وقد تمتد الآثار السلبية لانخفاض الأسعار فتشمل صناعة الطاقة بأكملها. وكذلك البنوك الدولية التي أقرضت الكثير من أموالها إلى مشروعات الطاقة في البلدان النامية.

فما هي أسباب صدمة انخفاض أسعار البترول وتراجع الفورة النفطية عام 1986؟

          ذكرنا في الفصل الثالث من هذا البحث، أثر تراجع الفورة النفطية على الاقتصاديات ككل، وما أدى إليه انهيار أسعار النفط من تراجع كبير في بترو دولارات الدول العربية النفطية وانعكاس ذلك على الموازنات والفوائض البترودولارية والاحتياطيات الدولية للدول العربية.

ومن المناسب أن نشير هنا إلى ما قاله دكتور برهان الدرجاني في مؤلفه:

          “إن تراجع الفورة النفطية تم التخطيط له بعناية من قِبل الدول الصناعية المستهلكة للنفط، التي استطاعت أن تفرض شروطها وسياساتها على الدول النفطية. وبالتالي فإن العملية تدخل في باب المباريات السياسية، أكثر مما تدخل في باب التفاعلات الاقتصادية”.

سياسات الدول الصناعية المستهلكة للنفط التي أدت إلى انخفاض الأسعار

  1. عندما انخفضت أسعار النفط الخام في أوائل الثمانينات إلى ما يقرب من مستواها قبل صدمة ارتفاع الأسعار الأولى في ظل حرب أكتوبر 1973، اقترن ذلك الانخفاض بقيام الدول الصناعية المستوردة للنفط ـ وبخاصة في أوربا الغربية واليابان ـ بزيادة الضرائب المفروضة على استهلاك المنتجات النفطية.

وتهدف هذه السياسة إلى الحيلولة دون وصول انخفاض سعر النفط إلى المستهلك النهائي للمنتجات النفطية حتى لا ينعكس أثره في زيادة استهلاك هذه المنتجات، ومن ثم يزداد الطلب على النفط.

كما تهدف هذه السياسة أيضاً إلى حصول تلك الدول على الجانب الأكبر من الريع النفطي الذي يوزع عادة بين منتجي النفط ومستهلكيه، على نحو ما سوف يتم توضيحه بإذن الله في الفصل السابع لدى الحديث عن الحوار بين منتجي النفط ومستهلكيه، حيث ترفض الدول المستهلكة ـ قبل بدء الحوار ـ مناقشة أسعار النفط.

والواقع أن انخفاض أسعار النفط الخام ـ وبخاصة منذ أوائل الثمانينات ـ ثم انهيارها إلى ما يقرب من النصف عام 1986، لم يحدث نتيجة لظروف قدرية أو غير مخططة، بل تحقق الانخفاض نتيجة لخطط وسياسات منسقة وضعتها وقامت بتنفيذها الدول الصناعية المستهلكة للنفط، والتي تنتمي بعضويتها إلى الوكالة الدولية للطاقة. فقد نجحت تلك المجموعة من الدول في امتصاص صدمات ارتفاع الأسعار النفطية، التي واجهتها خلال النصف الثاني من السبعينات، وذلك بوضع وتنفيذ برامج صارمة لترشيد الطاقة عموماً والنفط بصفة خاصة. وبذلك انخفضت كثافة استخدام النفط خلال الفترة 1973 ـ 1989.

  1. ومن أهم هذه السياسات التي اتبعتها الدول الصناعية الغربية تنفيذاً لأهداف الوكالة الدولية للطاقة تكوين مخزون نفطي تجاري استراتيجي كبير على أراضيها، وإسناد إدارته ـ في أغلب الأحوال ـ إلى شركات النفط العالمية لموازنة فترات الحاجة الشديدة والطارئة وتحييد أثرها الصعودي على الأسعار، بل والضغط عليها بقصد الانخفاض. وهذه السياسة بالذات هي السبب المباشر في تراكم فائض بترولي معروض في السوق العالمي، الأمر الذي أدى إلى تدهور أسعار النفط.

هذا إضافة إلى تنفيذ خطة طوارئ لمشاركة الدول أعضاء الوكالة الدولية للطاقة في الاحتياطيات البترولية المتوافرة لديها Emergency Energy Sharing Plan ويعتبر هذا أهم أهداف الوكالة التي وضعتها في أواخر عام 1974. بمعنى أن كل دولة تقوم بإرسال جزء من مخزون البترول لديها إلى الدولة العضو التي تواجه أزمة في إمدادات البترول.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تواصل إسهامها الفعال في تنمية برامج سياسات الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، بالإضافة إلى ما تبذله الحكومة الأمريكية بالتنسيق مع بعض الدول أعضاء الوكالة من جهد من أجل تنمية الاحتياطي الإستراتيجي من الزيت الخام لهذه الدول مجتمعة. ولا تزال خبرة السبعينات ماثلة في أذهان خبراء الطاقة الأمريكيين ( توقف شحنات البترول الخارجية من الدول العربية خلال 1973/ 1974، ثم اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، ثم نشوب الحرب الإيرانية العراقية عام 1980) وما نتج عن هذه الأحداث من ارتفاع أسعار البترول وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي.

لهذا ساندت الولايات المتحدة كافة الجهود المبذولة لوضع البرنامج الدولي للطاقة (IEA) موضع التنفيذ العاجل بتوقيع اتفاقية أمن الطاقة مع الدول الصناعية الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة.

ونتيجة لذلك ارتفع رصيد الزيت الخام عما كان عليه عام 1970، وجاري تنميته ليصل إلى مليار برميل. ويعادل هذا الاحتياطي الإستراتيجي حوالي سنة وتسعين يوماً من الواردات البترولية.

كذلك انتهجت هذه السياسة نفسها دول أخرى أعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث سارعت بتكوين مخزون احتياطي للطوارئ يبلغ حالياً حوالي 400 مليون برميل جاري تنميته أيضاً. وقد بلغ التنسيق ذروته من خلال تشكيل مجموعات استشارية توصلت إلى وضع السياسات التي تحدد أسلوب سحب هذه الأرصدة الاحتياطية في إطار من التعاون والتنسيق يحدد حصص الإنتاج لكل دولة.

وغني عن البيان أن هذه السياسات لم تكن موجودة قبل قيام الوكالة الدولية للطاقة كرد فعل لطفرة ارتفاع الأسعار 1973. ولعل هذا التفصيل يوضح لنا مدى الجدية ـ التي التزمت بها الدول الأعضاء في الوكالة طوال خمسة وعشرين عاماً منذ إنشائها حتى عام 1999 ـ في مواجهة دول الأوبك حتى أصبحت دول الوكالة في مأمن من التعرض لأية مخاطر ناجمة عن ارتفاع أسعار أو توقف إمدادات بترولية. ولا شك أن هذه السياسة تعتبر أحد أسباب تدهور أسعار النفط الخام في وقتنا الحاضر حتى أواخر التسعينات.

  1. كذلك يدخل في إطار تلك السياسات، التي تلجأ إليها الدول الصناعية المستهلكة، ما طرأ من توسع في حجم الأسواق الفورية. وهي أسواق عرفتها صناعة النفط من قديم باعتبارها وسيلة عملية للتخلص من بعض الفوائض النفطية بأسعار مخفضة، ولتحقيق التوازن بين العرض والطلب خارج إطار العقود طويلة الأجل التي كانت تخضع لنظام تسعيري ثابت.

لم يكن نطاق السوق الفورية في الماضي يتجاوز 10 ـ 15% من حجم التجارة العالمية في النفط. ولذلك لم يكن السعر الفوري يؤثر تأثيراً محسوساً على الأسعار المعلنة أو الرسمية، غير أن الاختلال الذي طرأ منذ منتصف الثمانينات، وأدى إلى وجود فائض كبير في العرض العالمي للنفط، واحتدام المنافسة بين المنتجين داخل وخارج أوبك، ثم تخلي أوبك عن نظام التسعير الرسمي حماية لنصيبها من السوق، دفع بالأسواق الفورية إلى مرتبة متزايدة الأهمية بحيث صارت أسعار التعامل فيها سبباً رئيسياً من أسباب عدم استقرار أسواق النفط ومن ثم انخفاض أسعاره. ذلك لأن الأسعار الفورية لا تخضع فقط للقوى الاقتصادية والسياسية، التي تخضع لها أسعار النفط عامة، بل تؤثر عليها أيضاً عوامل تنظيمية ونفسية مما يجعلها عرضة للتذبذب السريع مع انتشار الأخبار والشائعات.

  1. ومع اتساع نطاق الأسواق الفورية، وما أدت إليه من تقلبات شديدة في أسعار النفط، فإنها مهَّدت السبيل لنشأة ونمو المضاربة على تلك الأسعار.

ظهرت تلك المضاربة خلال الثمانينات فيما يُعرف بالأسواق المستقبلية للنفط (البورصات) وهي أسواق عرفها العالم من قديم في مجال السلع التي يخضع عرضها لتقلبات يصعب التنبؤ بها مثل المنتجات الزراعية.

وتعتبر تلك الأسواق ظاهرة مستحدثة بالنسبة للنفط، إذ لا تنتعش إلاَّ في ظل أسعار تتسم بالتذبذب وعدم الاستقرار.

كانت أسعار البترول تتمتع بقدر كبير من الاستقرار عندما كانت تتحدد بقرار من أوبك إلى أن تخلَّت المنظمة عن نظام تحديد أسعار رسمية كما ذكرنا، وصارت تكتفي بتحديد سقف الإنتاج مع ترك الأسعار لقوى السوق. والأصل في السوق المستقبلية أنها تحقق لمشتري النفط، وهو في العادة مصفاة للتكرير، تأمين احتياجاته المستقبلية مع ضمان حمايته ضد تقلبات السعر خلال فترة الانتظار، التي يصعب التنبؤ خلالها باتجاه الأسعار في ظروف تتسم بعدم الاستقرار.

غير أن التعامل في الأسواق المستقبلية لم يعد يقتصر على من يحتاج لتأمين احتياجاته من النفط، إذ أخذ فريق من المضاربين يتعامل في تلك الأسواق بهدف تحقيق الربح بالمراهنة على سلامة تنبؤاتهم لحركة أسعار النفط.

كذلك دخلها لنفس الغرض عديد من الشركات العالمية للنفط، التي وقفت منها في البداية موقف المتردد. ومن هنا توسعت المضاربة على أسعار النفط بحيث صارت تتم على مدار الساعة باستخدام شاشات الكمبيوتر في أهم ثلاث أسواق “بورصات” وهي أسواق نيويورك ولندن وسنغافورة.

كما يتم فيها التعامل اليومي على ما يُسمى بالبراميل الورقية ما يزيد عدة مرات على حجم التعامل في براميل الزيت الحقيقية. وبذلك انحرفت تلك الأسواق عن هدفها الأصلي. وتختلف الآراء حول تقويم أثر تلك الأسواق على أسعار النفط. ولكن الرأي الغالب أن دخول عنصر المضاربة في أسواق النفط يؤدي ـ ضمن عوامل أخرى ضاغطة ـ إلى تفتيت وحدة الأسعار وشفافيتها، كما يساعد على ازدياد حدة التقلبات التي تتعرض لها الأسعار في المدى القصير.

  1. وفي تطور مماثل أدى انخفاض الطلب على المنتجات النفطية خلال الثمانينات ـ نتيجة لبرامج ترشيد الاستهلاك ـ إلى تشغيل مصافي التكرير عند مستويات منخفضة (حوالي 70% في المتوسط) مما ألحق بعض الخسائر بأصحابها. ولكن بدلاً من أن يتجه هؤلاء إلى حكومات الدول المستهلكة للنفط لخفض الضرائب النفطية، التي زيدت منذ منتصف الثمانينات من نحو 22 دولاراً إلى 55 دولاراً للبرميل، طالبوا بنقل مخاطر التكرير إلى الدول المصدرة للنفط عبر ما عُرف بتسعير النفط الخام وفقاً للقيمة الصافية للمنتجات النفطية ـ قبل الضرائب ـ ولكن بعد خصم كافة التكاليف بما فيها أرباح المصافي. وبالتدريج صار هذا النظام يحتل مكانة هامة في التسعير، وأضاف عاملاً جديداً من عوامل عدم الاستقرار، حيث تختلف القيمة الصافية وفقاً لمعايير يصعب توحيدها، كما تختلف من منطقة استهلاكية إلى منطقة أخرى.
  2. ومن السياسات التي أدت إلى انخفاض أسعار النفط في الثمانينات أيضاً، اتهام (الجات) للدول النفطية أعضاء أوبك بالمشاركة في إقامة تكتل احتكاري تجاري يهدف إلى رفع الأسعار وتقييد حرية التجارة. وقد شجع هذا الاتهام الكونجرس الأمريكي على اتخاذ إجراءات انتقامية ضد دول أوبك. فقام بإدخال عدد من التعديلات على اتفاقية الجات بهدف حرمان تلك الدول من التمتع بمزايا نظام التفضيلات المعممة، الذي أقرته دورة طوكيو للجات لصالح الدول النامية.

وكان من آثار ذلك الإجراء وغيره من وسائل الضغط أن حاولت اوبك دفع التهمة بالخروج على الالتزام بسعر معين، ومن ثم صار السعر يتحدد بقوة السوق والمنافسة منذ عام 1986.

وقد أدى تخلِّي الدول المصدرة للنفط عن الالتزام بسعر ثابت، وترك تحديده للقوى المنافسة إلى انهيار الأسعار في عام 1986 من 28 دولاراً للبرميل إلى نحو 13 دولار للبرميل.

  1. كذلك كانت السياسات التي تسير عليها الشركات العالمية للنفط تعمل على تعزيز كافة السياسات التي توحي بها الوكالة الدولية للطاقة على النحو التالي:

عندما آلت ملكية صناعة البترول ومسؤولية إدارتها إلى دول الأوبك، وتمكنت الدول العربية من بسط سيادتها القومية على مرفق النفط في ظل حرب أكتوبر 1973، لم تكن هذه السيادة متكاملة، لأن القوة الاحتكارية التي كانت تتمتع بها الشركات العالمية المستثمرة وتكاملها العمودي من المنبع حتى المستهلك النهائي لم تنتقل إلى الحكومات العربية مع انتقال الملكية، بل انتقل إليها فقط ملكية المرحلة الأولى من تلك الصناعة، وهي إنتاج النفط الخام، بينما بقيت باقي المراحل تحت سيطرة الشركات بمساندة حكومات الدول الصناعية المستهلكة للنفط، الأمر الذي أتاح لتلك الدول استعادة هيمنتها على الصناعة وضمان استمرار تدفق النفط لتغذية اقتصادياتها بأسعار متدنية.

وبذلك قامت تلك الدول بوضع السياسات التي تكفل تحقيق تلك الأهداف وأنشأت لذلك العديد من الأذرع التخطيطية والتنسيقية ممثلة في أجهزتها المحلية، فضلاً عن شركات النفط العالمية التي تنتمي بجنسيتها إلى تلك الدول.

جدير بالذكر أن الشركات العالمية المستثمرة العاملة في المنطقة العربية تحولت إلى قواعد تعمل لحساب حكوماتها وتمثل خط المواجهة الأول مع دول المنطقة، وكأنها جهاز المخابرات الدولي الذي يستطيع أن يتصدى لأية محاولات تنطوي على مخاطر أو أضرار لدولها.

  1. لم تكن السياسات التي أدت إلى تدني أسعار البترول الخام بسبب تنسيق المستهلكين لسياساتهم النفطية ـ سواء في ظل الوكالة الدولية للطاقة أو بفعل الشركات المستثمرة العالمية (كما أوضحنا في النقاط السابقة)، بل كان ذلك أيضاً بسبب سياسة منظمة أوبك، وبسبب التناقضات في بنية أوبك ذاتها.

فقد كانت منظمة أوبك منذ إنشائها كياناً حافلاً بالمتناقضات من حيث الظروف الطبيعية أو السكانية بل والبترولية لكل دولة من أعضائها.

وإذا كانت هذه المتناقضات لم تتفجر في شكل خلافات إلاّ في الثمانينات، فإن ذلك يرجع إلى الأسباب التالية:

  • كانت أسواق البترول خاضعة للشركات الكبرى حتى أوائل السبعينات.
  • وكانت هذه الشركات هي التي تضع سياسات الإنتاج.
  • وكان الطلب العالمي على البترول في ازدياد مطرد وبمعدلات مرتفعة استمرت إلى ما بعد منتصف السبعينات.

           وبالتالي كان جميع المنتجين يجدون الأسواق الكافية دون حاجة إلى التناحر فيما بينهم من أجل ضمان حصة كافية من الأسواق.

          وعندما انتقلت مسؤولية تخطيط السياسات الإنتاجية من شركات البترول الخاصة العاملة في دول أوبك إلى حكومات دول المنظمة (أي منذ حوالي منتصف السبعينات) ظهرت هذه التناقضات ووجدت المنظمة نفسها في مواجهتها حيث كثيراً ما تفرض عليها مراعاة الظروف الخاصة لكل دولة من أعضائها.

          ولسوء الحظ تزامن ذلك مع بدء الهبوط الحاد في الطلب على بترول أوبك ابتداءً من عامي 1980/ 1981، وبعد أن أصبح واضحاً أن ضرب الطلب على هذا البترول مستهدف في حد ذاته كما تدل على ذلك حركة الطلب العالمي.

          واستمر ظهور الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن تحديد سقف الإنتاج أو الاستغناء عنه، وحول حصص الأعضاء زيادة أو نقصاناً نظراً لكفاح كل دولة من أجل تصدير كل ما يمكن تصديره من البترول المنتج مراعاة لظروفها الخاصة بالإنتاج وعدد السكان وما لديها من احتياطيات، وهذه هي المشكلة الأساسية التي تدور حولها قضية برمجة إنتاج أوبك كوسيلة لضبط مستويات الأسعار.

          لم يقتصر الأمر على تلك الخلافات بين الدول الأعضاء، بل قامت الحرب بين اثنتين من أعضاء المنظمة هما إيران والعراق طوال ثماني سنوات، ثم دخل العراق في مغامرة جديدة بغزو الكويت، الأمر الذي استنزف جانباً ضخماً من القدرات المالية لدول الخليج العربية. كما انغمست ليبيا في مغامرات سياسية وعسكرية تكلفت بسببها الكثير من عائدات البترول، ولو أن الأمور سارت بشكل طبيعي بالنسبة لدول المنظمة الثلاث لاختلف حال العالم العربي والإسلامي وساد التفاهم بين دول أوبك وما اضطرب إنتاجها من البترول ولزادت المنظمة قوة.

          من الواضح أن اضطراب الأحوال داخل أوبك قد أثر على سياستها. فعلى الرغم من التشابه الذي يبدو في ملامح أزمتي السبعينات 73/ 1974 و 79/ 1980 فقد كان لأوبك موقف مختلف في كل منهما.

          ففي حين بدت أوبك تمسك بزمام الموقف في أوائل السبعينات، حتى أصبحت الجهة المسؤولة عن تحديد الأسعار. فقد انساقت وراء السوق في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. وبدلاً من أن تقوم بتحقيق التوازن بين العرض والطلب العالميين على البترول، فقد أخلَّت بهذا التوازن. (وذلك على الرغم من محاولات المملكة العربية السعودية لوضع سياسة تسعيرية تضمن للأسعار حداً أدنى لا تتجاوزه وتستهدف ربط الأسعار بعدد من العوامل الاقتصادية)، فلم تكن سياسة أوبك في مجال الإنتاج وفي مجال التسعيرة مبنية على أسس سليمة تحددها أوضاع الطاقة وأوضاع السوق العالمي. فقد انتهزت أوبك قيام الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية الإيرانية فرفعت معدلات إنتاجها إلى مستويات قياسية حتى وصلت إلى 31 مليون برميل يومياً في عام 1979 وفي ذات الوقت رفعت أسعارها الرسمية حتى بلغت 34 دولاراً للبرميل ولم تضع في اعتبارها سياسات الطاقة التي سارت عليها الدول الصناعية، خاصة في مجال المخزون الاستراتيجي وترشيد الاستهلاك وتطوير البدائل.

          كانت النتيجة قيام الدول المصدرة للبترول بإغراق السوق بكميات تفوق معدلات الطلب عليه في أوائل الثمانينات، في الوقت الذي كانت الدول المستهلكة للبترول قد استوعبت دروس السبعينات، وأدركت أن عصر الطاقة الرخيصة قد انتهى، وأدى ذلك إلى هبوط الأسعار إلى أقل مستوياتها في منتصف الثمانينات.

          وفي حين ارتفع استهلاك الدول الصناعية المستهلكة بنسبة 80% خلال الفترة 1965/ 1973، لم تتعد هذه الزيادة نسبة 1% خلال السنوات العشر التالية 1973/ 1983. وذلك بسبب سياسة الوكالة الدولية للطاقة لترشيد الاستهلاك.

          وعلى أثر انخفاض معدلات الطلب العالمي على البترول تراجع نصيب أوبك في السوق العالمي من 51.5% في عام 1975 إلى 45% في عام 1980 ثم إلى 29% في عام 1985.

          وخلال الفترة 74/ 1985، حاولت اوبك أن تحقق التوازن في السوق العالمي عن طريق تثبيت الأسعار. ونظراً لغياب التنسيق والتعاون مع الدول الأخرى المصدرة للبترول في العالم، وفي مواجهة انخفاض حصة أوبك مقترناً بانخفاض الأسعار، ولدفع اتهام (الجات) لدول أوبك بالمشاركة في إقامة تكتل احتكاري تجاري، أصدرت المنظمة قرارها التاريخي في ديسمبر 1985 بالخروج على الالتزام بسعر ثابت، والتصدي للدفاع عن حصة عادلة من السوق. وأعقب ذلك انهيار الأسعار في 1986، وتراجع دور أوبك في مجال العلاقات الدولية البترولية لدرجة أن وسائل الإعلام الغربية بدأت تصور المنظمة بأن دورها قد انتهى.

          هذه هي الأسباب التي أدت إلى تدني سعر برميل النفط إلى أقل من 9 دولارات في يوليه 1986 بسبب سياسات الدول الصناعية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة، التي تمكنت خلال ربع القرن الفائت منذ إنشائها من تحقيق أهم أهدافها في كافة المجالات السابق إيضاحها بما أدى إلى خلق فائض في العرض العالمي للنفط واتجاه الأسعار لصالح الدول المستهلكة، وأخيراً العمل على استيعاب أموال أوبك في شكل استثمارات وإيداعات وواردات من الأسلحة، مما يجعل تخفيض الإنتاج في الدول المصدرة للبترول أمراً صعباً في حالات المواجهة مع المستهلكين أو حالات هبوط الأسعار. ولم تكتف الدول الصناعية الغربية بذلك بل تحولت إلى العمل على تحقيق المزيد من التكتل وتقوية أوضاعها وأوزانها التفاوضية باستخدام كافة التجمعات والتكتلات الأخرى مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والسوق الأوربية المشتركة وغيرها من المؤسسات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية والعسكرية والعلمية أيضاً.

آثار انخفاض أسعار البترول في الثمانينات على الاقتصاد العالمي

كان لانخفاض أسعار البترول في أوائل عام 1983، آثاراً على:

الدول الصناعية

والدول المصدرة للبترول

والدول النامية المستوردة للبترول.

بالنسبة للدول الصناعية

من أهم الآثار الإيجابية الناجمة عن انخفاض أسعار البترول:

  1. أدى انخفاض سعر البترول بنسبة 15% في عام 1983، إلى تخفيض قيمة الواردات البترولية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بحوالي 45 بليون دولار في عام 1983، وعلى أثر ذلك تحسَّن وضع موازنات مدفوعات هذه الدول.
  2. كما انخفض معدل التضخم في دول هذه المجموعة بحوالي 1% في السنة المذكورة.

ومن أهم الآثار السلبية الناجمة عن انخفاض أسعار البترول:

  1. انخفاض الاستثمار في مشروعات الطاقة البديلة وقد تم إلغاء بعضها مثل مشروعات الغاز الصناعي وغيرها من المشروعات عالية التكلفة.
  2. تخفيض الاستثمار في عمليات البحث عن البترول في الدول الصناعية وفي الدول النامية خارج منظمة الأوبك.
  3. انخفاض صادرات الدول الصناعية المتجهة إلى الدول البترولية.
  4. أصبحت البنوك الغربية في مأزق شديد نظراً لانخفاض أسعار البترول، ومن ثم انخفاض مقدرة الدول البترولية المدينة على سداد ديونها. وسوف يزداد الوضع سوءاً في حالة قيام الدول البترولية الغنية (مثل السعودية والكويت والإمارات وقطَر) بسحب ودائعها على نطاق واسع من البنوك الغربية. وهذا يفسر لنا مطالبة هذه البنوك بصورة متكررة بوضع حد لاستمرار انخفاض أسعار البترول.

وبالنسبة إلى الدول المصدرة للبترول:

          ونعني بها دول منظمة أوبك بالإضافة إلى المكسيك، التي تعتبر مصدراً رئيسياً للبترول. وقد شهدت هذه الدول زيادة كبيرة في دخلها من صادرات البترول خلال الفترة 1974 ـ 1980 نتيجة للارتفاع المستمر في أسعار البترول إلا أن الدخل انخفض في عام 1981 واستمر في الانخفاض خلال عامَي 1982 و1983 نتيجة لانخفاض أسعار البترول بنسبة 15% في عام 1983 وانخفاض الطلب العالمي على البترول.

والآثار السلبية لهذا الانخفاض تتضمن ما يلي:

  1. انخفاض الإنفاق العام سواء فيما يتعلق بالنفقات الجارية أو النفقات الاستثمارية. فقد خفضت السعودية إنفاقها بنسبة 17% في موازنة عام 1982/1983 بالمقارنة بموازنة عام 1981/1982. وتم ذلك عن طريق الاستغناء عن نسبة من العاملين العرب والأجانب وعن تأجيل بعض المشروعات الاستثمارية.
  2. قيام بعض الدول البترولية وخاصة الدول الخليجية بالسحب من الأموال المودعة في البنوك لتغطية جزء من إنفاقها الجاري والاستثماري.

كذلك قامت دول بترولية أخرى بالاقتراض لمواجهة الموقف مثل المكسيك ونيجيريا وفنزويلا.

  1. قيام الدول البترولية بتخفيض معوناتها المالية المقدمة إلى دول العالم الثالث.

وكان لانخفاض أسعار البترول في الثمانينات آثار إيجابية على الدول المصدرة للبترول، هي:

  1. إن انخفاض الصادرات البترولية أدى إلى انخفاض إنتاج البترول وإطالة عمره بما يفيد الأجيال القادمة.
  2. تشجيع الدول البترولية على توسيع قاعدتها الإنتاجية وتنويع صادراتها بدلاً من الاعتماد الكلي على إنتاج وتصدير مادة أولية واحدة وهي البترول وخاصة بالنسبة للدول التي تمتلك قطاعاً زراعياً أو صناعياً هاماً من قبل مثل العراق وإيران ونيجيريا وإندونيسيا والمكسيك.
  3. تشجيع الدول البترولية ـ وخاصة الدول العربية الخليجية ـ على ترشيد الإنفاق العام والخاص سواء الاستهلاكي أو الاستثماري. وكذلك الابتعاد عن مظاهر الإنفاق الترفي والمظهري والتركيز على مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أما فيما يتعلق بالدول النامية المستوردة للبترول:

فقد كان لانخفاض أسعار البترول في الثمانينات آثاراً إيجابية هي:

  1. انخفاض فاتورة الواردات البترولية.
  2. انخفاض أسعار السلع الصناعية المستوردة، ويرجع ذلك لانخفاض معدل التضخم في الدول الصناعية.
  3. انخفاض أسعار الفائدة وبالتالي انخفاض أعباء الديون التي تتحملها البلاد النامية.
  4. زيادة صادرات الدول النامية من المنتجات الأولية، ويرجع ذلك إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية في الدول الصناعية والذي يعود جزيئاً إلى انخفاض أسعار البترول.

كما كان لانخفاض أسعار البترول في الثمانينات آثاراً سلبية هي:

  1. انخفاض المعونات التي تقدمها الدول البترولية إلى الدول النامية.
  2. انخفاض صادرات الدول النامية من السلع الأولية والسلع نصف المصنوعة والسلع المصنوعة المتجهة إلى أسواق الدول البترولية.
  3. التأثير السلبي على برامج الطاقة في الدول النامية المستوردة للبترول، إذ أن انخفاض أسعار البترول من شأنه أن يقلل من عزيمة هذه الدول في استمرار عمليات تكثيف البحث عن البترول.
Print Friendly, PDF & Email