أحداث عام 1996

اتجاهات السوق والأسعار وتجاوز حصص الإنتاج

  • في يناير 1996 ارتفع إنتاج أوبك من الزيت الخام إلى نحو 25.75 مليون برميل يومياً،في مقابل 25.50 مليون برميل يومياً في ديسمبر 1995 و 25.47 مليون برميل يومياً في نوفمبر 1995

          بذلك تجاوز إنتاج دول أوبك في هذه الشهور الثلاثة الحصص الإنتاجية المقررة لها، والتي تبلغ نحو 24.52 مليون برميل يومياً، بنحو 1.24 مليون برميل يومياً.

          كان ارتفاع إنتاج السعودية إلى نحو 8.1 مليون ب/ ي بسبب ملء مستودعات التخزين الخاصة بشركة أرامكو السعودية في منطقة البحر الكاريبي.

          وكان ارتفاع إنتاج الإمارات بسبب إعادة تشغيل تسهيلات الإنتاج بعد إغلاقها المؤقت بسبب عمليات الصيانة.

أما دول أوبك الأخرى فقد زاد إنتاجها تجاوزاً كما هي العادة بعدم الالتزام بالحصص المقررة.

          وعلى الرغم من ذلك فقد سجل متوسط السعر الفوري لسلة خامات أوبك السبعة[1] حوالي 18.06 دولاراً للبرميل في شهر يناير 1996 بزيادة قدرها 30 سنتاً للبرميل على متوسط شهر ديسمبر 1995، الذي كان يبلغ 17.76 دولاراً للبرميل. وذلك وفقاً للأرقام الصادرة عن سكرتارية أوبك.

وجهات النظر السائدة بين أعضاء دول أوبك

ويبدو أن هذه الزيادات الأخيرة في الأسعار ترجع إلى أسباب طارئة لن تلبث أن تزول.

          إن ارتفاع أسعار البترول الخام إلى معدلات قياسية لم تحققها منذ زمن بعيد، أغرى أعضاء أوبك بأنه يعكس ارتفاعاً حقيقياً في الطلب العالمي على البترول، واعتبروا ذلك مبرراً كافياً لزيادات مقابلة للإنتاج.

          كانت وجهة النظر الصائبة ـ وتمثلها إيران ـ تدعوا إلى تثبيت سقف إنتاج أوبك وقتئذ، الذي تقرر منذ سبتمبر 1993 ويبلغ 24.52 مليون ب/ ي، وذلك بهدف تغطية الطلب الفعلي على بترول أوبك خلال الربعين الثالث والرابع من عام 1996، حيث يدور الطلب حول 23.7 مليون ب/ ي و 25.6 مليون ب/ ي على التوالي، مع الأخذ في الاعتبار التجاوزات الفعلية لحصص الإنتاج والتي تقدر بنحو 1.5 مليون ب/ ي. وبهذا التصرف يمكن إحكام السيطرة على الأسعار كما أنه يمهد السبيل لاحتمالات عودة صادرات البترول العراقية إلى الأسواق، التي ستَفْرض على دول أوبك خفضاً جبرياً على الإنتاج.

أما من وجهة النظر الثانية فقد انساقت وراء احتمالين هما:

  • ارتفاع معدلات إعادة بناء المخزون الاحتياطي في الدول الصناعية المستهلكة للبترول عن المعدلات العادية خلال الربع الثالث من العام.
  • والارتفاع الموسمي في الطلب على البترول خلال الربع الأخير من العام لقرب حلول فصل الشتاء.

          كان هذا الاتجاه يروق لبعض دول الخليج، التي ترى اعتماد معدلات الإنتاج في ذلك الوقت التي تقدَّر بنحو 26 مليون برميل يومياً سقفاً جديداً للإنتاج خلال النصف الثاني من عام 1996 مع إعادة توزيع الحصص على الأعضاء.

          أما وجهة النظر الثالثة  ـ التي كانت تؤيدها فنزويلا ـ فترى التخلص من قيود الإنتاج وإعادة النظر في تحديد دور أوبك في صناعة الطاقة في ضوء إعادة توزيع حركة البترول العالمية وفق أسس إقليمية تحقق التكامل الجغرافي بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

          معنى هذا، أن هذا الرأي يؤيد نبذ فكرة حصص الإنتاج. وهذا يُعد بمثابة مخاطرة بمستقبل أوبك وبالأسعار، فلم يعد لدى دول أوبك المقدرة المالية على مواجهة انهيار آخر في الأسعار وتكرار ما حدث في مسنتصف الثمانينات.

خلال الفترة من 5 ـ 7 يونيه 1996

          عقد وزراء دول أوبك اجتماعهم العادي نصف السنوي رقم 100 بفيينا لبحث السقف الإنتاجي لأوبك وحصص الدول الأعضاء للنصف الثاني من عام 1996، في ضوء وجهات النظر الثلاث سالفة الذكر.

          وتوصلوا إلى اتفاق على سقف إنتاج جديد يبلغ 25.033 مليون ب/ ي بدلاً من السقف القديم الذي كان يبلغ 24.52 مليون ب/ ي، وهي زيادة تكفي لاستيعاب عودة العراق الجزئية إلى سوق البترول العالمي دون الضغط سلبياً على الأسعار، مع تجميد جميع الحصص بحيث تظل كما هي. ويسري هذا الاتفاق الجديد لمدة ستة شهور حتى نهاية ديسمبر 1996.

          وقد قرر وزراء أوبك إضافة حصة مقدارها 800 ألف ب/ ي للعراق. وبذلك يرتفع إنتاج العراق إلى 1.2 مليون ب/ ي، حيث كان ينتج وقتئذ 400 ألف ب/ ي لمواجهة الاستهلاك المحلي.

          كان من المتوقع أن يسفر عن إي قرار بزيادة إنتاج أوبك انعكاسات سلبية على سوق البترول العالمي. وعلى الرغم من زيادة السقف الإنتاجي الجديد إلى 25.033 مليون ب/ ي، (إلا أن الإنتاج الفعلي لدول أوبك ـ حسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة ـ) كان 26 مليون ب/ ي، لكن أسواق البترول تفاعلت بشكل إيجابي مع السقف الإنتاجي الجديد، إذ ارتفعت أسعار البترول إثر الإعلان عن التوصل إلى اتفاق فارتفع سعر خام برنت في لندن يوم 7 يونيه 1996 إلى 18.15 دولاراً للبرميل.

          وعلى الرغم أن الأوساط البترولية توقعت صعوبة المحافظة على مستويات مرتفعة لأسعار البترول مع توقعات زيادة الإنتاج في دول أوبك وخارج أوبك، إلاّ أن هذه التوقعات لم تتحقق ولم تتأثر الأسعار.

          وقد زاد سعر خام برنت المؤرخ من 22.25 دولاراً في 9/ 9/ 1996 إلى 24.67 دولاراً للبرميل في 8/ 10/ 1996.

          كما ارتفع سعر خام العربي الخفيف (السعودية) من 20.62 دولاراً في 9/ 9/ 1996 إلى 22.75 دولاراً للبرميل في 8/ 10/ 1996

وفي يومي 27 و 28 نوفمبر 1996

عُقد الاجتماع الوزاري لأوبك رقم 101 في فيينا بالنمسا.

          وقد قرر المؤتمر الإبقاء على سقف الإنتاج المتفق عليه وهو 25.03 مليون ب/ ي وحصص الدول الأعضاء حتى نهاية يوليه 1997.

          وعن اتجاهات الأسعار، فقد ورد في تقرير الوكالة الدولية للطاقة عن أوضاع السوق البترولي العالمي في ديسمبر 1996:

أنه في شهر نوفمبر 1996 كان سعر برنت المؤرخ 24.6 دولاراً وسعر برميل خام تكساس  25.3 دولاراً

          كما حقق متوسط السعر الفوري لسلة خامات أوبك السبعة في شهر نوفمبر 1996 نحو 22.24 دولاراً وذلك وفقاً للأرقام الصادرة من سكرتارية أوبك.

أما تقرير الوكالة الدولية للطاقة الصادر في شهر يناير 1997

          فقد أشار إلى زيادة إنتاج الدول الأعضاء في منظمة أوبك من الزيت الخام حوالي 26.60 مليون ب/ ي في شهر ديسمبر 1996 مقابل 26.14 مليون ب/ ي في شهر ديسمبر 1996.

          وبذلك تجاوز إنتاج أوبك سقف الإنتاج المحدد بـ 25.03 مليون ب/ ي وعزت الوكالة معظم الزيادة في إنتاج أوبك إلى زيادة إنتاج العراق بنحو 310 ألف ب/ ي بعد استئناف صادراته وعودتها للأسواق لأول مرة منذ ست سنوات. وقد سجل إنتاج العراق في شهر ديسمبر 1996 نحو 860 ألف ب/ ي بالمقارنة بنحو 550 ألف ب/ ي في نوفمبر 1996 (وهو إنتاج البترول للاستهلاك المحلي والصادرات المحدودة إلى الأردن).

          وكان إنتاج السعودية نحو 8.3 مليون ب/ ي بالمقارنة بحصتها التي تبلغ نحو 8 ملايين ب/ ي، وإنتاج إيران نحو 3.7 مليون ب/ ي  بالمقارنة بحصتها التي تبلغ نحو 3.6 مليون ب/ ي

كما زاد إنتاج فنزويلا ليسجل نحو 3.05 مليون ب/ ي  بالمقارنة بحصتها التي تبلغ نحو 2.36 مليون ب/ ي

          كما أشارت الوكالة الدولية للطاقة إلى زيادة العرض العالمي من الزيت الخام في شهر ديسمبر 1996 بنحو 1.3 مليون ب/ ي ليبلغ نحو 74.7 مليون ب/ ي، ويرجع ذلك إلى زيادة إنتاج أوبك والدول غير الأعضاء في أوبك.

          وأوضحت الوكالة أن بدء الإنتاج من الحقول الجديدة في بحر الشمال وأماكن أخرى وعدم إجراء أعمال صيانة أدى إلى زيادة الإمدادات من خارج أوبك إلى مستوى قياسي جديد بلغ 45.4 مليون برميل يومياً في شهر ديسمبر 1996.

          وعلى ذلك فإن من أسباب زيادة العرض العالمي من الزيت الخام ارتفاع إنتاج بحر الشمال وأمريكا اللاتينية في شهر ديسمبر 1996 بنحو 700 ألف ب/ ي، وتجاوز دول بحر الشمال مستوى الـ 7 ملايين ب/ ي لأول مرة. وكذلك ارتفع إنتاج الصين.

          ومن جهة أخرى أشارت منظمة أوبك إلى أن ارتفاع أسعار الزيت الخام في الأسواق العالمية لا يرجع إلى انخفاض العرض العالمي وإنما كان نتيجة لزيادة الطلب خاصة لأغراض التدفئة لمواجهة الطقس البارد في كل من أوربا وغرب الولايات المتحدة الأمريكية مما سيدعم الأسعار بشكل كبير ولفترة زمنية طويلة.

          وقد أشار التقرير الشهري لأوبك إلى ارتفاع أسعار متوسط سلة خامات أوبك من 23.14 دولاراً للبرميل إلى 24.2 دولاراً للبرميل في أوائل يناير 1997، وهو يعتبر سعراً قياسياً لم تحققه الأسعار منذ عام 1986 فيما عدا بعض فترات حرب الخليج الثانية.

          وأوضح تقرير منظمة أوبك أنه على الرغم من استئناف العراق تصدير بتروله لأول مرة، إلى جانب زيادة إنتاج حقول بحر الشمال، وكميات أخرى محدودة من منطقة خليج المكسيك، إلا أن الطلب كان أقوى، حيث استوعب هذه الكميات التي طرحت في السوق العالمي، مما جعل الأسعار تحقق مستويات قياسية بالمقارنة بما كانت عليه عام 1996.

عائدات دول أوبك البترولية في عام 1996

          شهد عام 1996 ارتفاعاً ملحوظاً في عائدات صادرات الدول الأعضاء في أوبك، حيث قفزت من 139.1 بليون دولار عام 1995 إلى 170.5 بليون دولار عام 1996 بزيادة بنسبة 22.6% محققة مستوى قياسي لم يسجل منذ 14 عاماً.

          ويرجع ذلك إلى ارتفاع مستوى أسعار سلة خامات أوبك إلى 21.33 دولاراً للبرميل مقابل 17.4 دولاراً للبرميل في عام 1995 بزيادة بنسبة 22.6% كما ترجع زيادة العائدات أيضاً إلى زيادة الإنتاج إلى حوالي 25.9 مليون ب/ ي بزيادة بنسبة 3.3% أعلى مستوى تحقق منذ 16 عاماً.

وفي أوائل أغسطس 1996

          صدر قانون أمريكي (داماتو) يقضي بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعدى استثماراتها في صناعة البترول والغاز في كل من إيران وليبيا 40 مليون من الدولارات في فترة عام.

          وقد أثار هذا القانون معارضة شديدة من دول الاتحاد الأوربي وكندا واستراليا وهي كلها دول حليفة للولايات المتحدة وتستنكر بقوة الإرهاب الدولي، ولكنها تفضل معالجة الوضع بالحوار وليس بفرض العقوبات.

          وتجدر الإشارة إلى التحدي السافر لهذا القانون، بتوقيع إيران وتركيا لصفقة الغاز التاريخية بينهما، التي تبلغ قيمتها 23 بليون دولار، والتي تستورد تركيا بموجبها الغاز الطبيعي من إيران لمدة 22 عاماً.

          وقد أعلنت تركيا أن اتفاقها مع إيران لا ينطوي على أي استثمار بل يقتصر دورها على مد خط أنابيب في الأراضي التركية ليتصل بخط نقل الغاز الإيراني إليها.

          وفي تجاهل صريح للقانون الأمريكي (داماتو) المشار إليه، وقَّعت شركة توتال الفرنسية في نهاية شهر سبتمبر 1997 عقداً مع الشركة الوطنية الإيرانية للبترول لتطوير حقل غاز جنوب فارس الضخم في المياه الإيرانية.

          وسوف تتولى الشركة الفرنسية (توتال) مسؤولية إدارة المشروع لتطوير الحقل الذي تقدَّر احتياطياته بنحو 8 تريليون قدم مكعب، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج خلال عام 2001

          وقد أشار متحدث باسم توتال الفرنسية أن الصفقة التي تم توقيعها مع إيران تتفق مع القانون الفرنسي ولوائح الأمم المتحدة.

          وعلى جانب آخر أكد الدبلوماسيون الإيرانيون أن توقيع الاتفاق مع توتال يمثل تحدياً للعقوبات الأمريكية، التي تهدف إلى عزل صناعة الطاقة في إيران.

          وأضاف متحدث باسم الخارجية الفرنسية أن شركة توتال تحظى بتأييد الحكومة الفرنسية والاتحاد الأوربي في مواجهة قانون العقوبات الأمريكي. وأن تطبيق قانون داماتو سيشكل سابقة خطيرة في مجال التجارة في القانون الدولي. وأضاف بأن العقد صفقة تجارية وليس سياسية .

          وكذلك وقَّعت إيران اتفاقاً آخر مع باكستان لبناء معمل تكرير مشترك في باكستان طاقته 120 ألف ب/ ي.

سجل موجز للمؤتمرات التي تم عقدها خلال عام 1996

في شهر يناير 1996

انعقد المؤتمر الرابع للبترول والغاز في البحرين.

          وقد أعدت الوكالة الدولية للطاقة IEA  دراسة تضمنت تقديراتها لطاقة إنتاج دول الشرق الأوسط الست الرئيسية خلال عام 2000 (السعودية ـ الكويت ـ العراق ـ إيران ـ قطر ـ الإمارات).

          أعربت الدراسة عن قدرة هذه الدول المنتجة للبترول على مواجهة الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي على البترول عام 2010.

          وتجدر الإشارة إلى أن دول الشرق الأوسط لديها بالفعل الطاقات الإنتاجية الكافية، وبإمكانها تلبية الزيادة المتوقعة في الطلب بشرط أن تواصل مسيرة الإصلاح الاقتصادي. فهذه الدول الست تملك أكثر من 42% من تجارة البترول العالمية، وتنتج حوالي أكثر من ربع الإنتاج العالمي، وتكمن في أراضيها نحو ثلثي الاحتياطي العالمي الثابت من البترول.

          وقد أبدت الوكالة الدولية للطاقة في دراستها التي أعدتها في إطار المؤتمر المشار إليه مخاوفها تجاه الصعوبات التي من المتوقع أن تمثل عائقاً أمام هؤلاء المنتجين وتحُول دون قدرتهم على تلبية الطلب المتنامي والمتوقع على البترول. ولعل أهمها الصعوبات التي تواجه مركزها المالي والاستثمارات المطلوبة للتوسع المستقبلي في طاقات الإنتاج بالإضافة إلى التزامات خدمة الدين.

          وتضمنت الدراسة توقعات الطلب العالمي على البترول في عام 2010، حيث أشارت إلى أنه سيراوح ما بين 85 ـ 105 مليون برميل يومياً.

          والجدير بالملاحظة أن دول الشرق الأوسط تخطط لزيادة طاقتها بحوالي 5.3 مليون ب/ ي في عام 2000 لتصل إلى حوالي 28.2 مليون ب/ ي. وأن هذا التوسع يتطلب استثمارات مالية ضخمة تقدر بنحو 50 بليون دولار.

          وانتهت الدراسة إلى أن أغلب هذه الدول تعاني من انخفاض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وعجز في ميزانياتها وتناقص في أصولها الخارجية وفي دخلها بالإضافة إلى زيادة النفقات العسكرية والتزامات خدمة الدين.

          ولكن هذه الدول ـ على الرغم من ذلك ـ ستكون قادرة على توفير الاستثمارات الضرورية اللازمة لزيادة طاقتها الإنتاجية، حيث انتهجت مؤخراً سياسات لإصلاح هياكلها الاقتصادية بمجموعة من الإجراءات تمثلت في ترشيد استهلاك البترول ورفع الأسعار المحلية وزيادة صادراتها البترولية وتنويعها، وتوسيع قطاع البتروكيماويات وتحديث البنية الأساسية وترشيد أوجه الإنفاق العام وخفض الإعانات المالية الحكومية وغيرها من الإجراءات اللازمة لتوفير تلك الاستثمارات المطلوبة.

في يوليه 1996

          كانت بداية عصر التحالفات الاستراتيجية بين شركات النفط. حيث أصدرت السعودية مرسوماً ملكياً بإدماج كافة حقوق شركة بترومين في مشروعات التكرير المشتركة، بالإضافة إلى معامل التكرير الخاصة بها داخل شركة أرامكو السعودية والتي سوف تقوم بجميع التزاماتها.

          وفي أغسطس 1998 تم الاندماج الضخم بين شركتي بريتش بتروليم وشركة موبل وفقاً لما تم الاتفاق عليه مع الاتحاد الأوربي، وذلك بتجميع موجودات الشركتين بقيمة دفترية مثبتة في الدفاتر يبلغ حجمها 5 ملايين دولار أمريكي. (تفاصيل هذا الموضوع في أحداث عام 1998)

وفي 10 سبتمبر 1996

          عُقد في سنغافورة مؤتمر بترول آسيا/ الباسفيك الثاني عشر. وترجع أهمية هذا المؤتمر إلى النمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده منطقة شرق آسيا، الأمر الذي يجعل منها سوقاً رائجة للبترول. ونظراً لتقارب هذه المنطقة جغرافياً مع منطقة الخليج ـ ذات الاحتياطيات البترولية الهائلة ـ فإن ذلك يزيد من اعتماد كل من المنطقتين على الأخرى.

          وقد أشار وزير البترول السعودي في كلمته التي ألقاها في هذا المؤتمر إلى رغبة السعودية في زيادة الاعتماد المتبادل بينها وبين دول آسيا/ الباسفيك من خلال التكامل والمشاركة في المشروعات البترولية. وأشار إلى مشاركة السعودية في شركة sangyong لتكرير البترول في كوريا الجنوبية وفي مؤسسة بترون في الفلبين، هذا بالإضافة إلى المفاوضات الحالية مع شركات صينية وهندية من أجل تنمية مشروعات تكرير مشابهة.

          ويوضح ذلك استراتيجية السعودية التي تسعى إلى تنويع مصادر دخلها وعدم الاعتماد على صادراتها من البترول كمصدر وحيد للدخل عن طريق زيادة استثماراتها في المشاركة في مشروعات التكرير والبتروكيماويات والتسويق خارج السعودية.

وفي خلال الفترة من 6 ـ 8 ديسمبر 1996

          عُقد المؤتمر العالمي الخامس للطاقة بمنتجع جوا بالهند، وتناول قضايا مستلزمات الاستثمار والتكنولوجيا ومصادر الطاقة البديلة والبيئة.

          افتتح المؤتمر رئيس وزراء الهند بحضور 40 وزيراً وأكثر من 400 عضو من أعضاء الوفود والمشاركين من الدول المنتجة والمستهلكة للبترول والغاز في هذا المؤتمر.

ومن أهداف هذا المؤتمر:

  • العمل من أجل وجود سوق عالمية يسودها الاستقرار خاصة في أسعار الطاقة، التي تمثل حجر الزاوية في استمرار النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة.
  • العمل على مواجهة التحديات المستقبلية لسوق الطاقة من خلال التعاون الإيجابي بين المستهلكين والمنتجين، وتوفير حاجة السوق من الطاقة بما يؤدي إلى مصلحة الجانبين. ووضع أسس معينة لتنظيم هذا التعاون.

          وقد طرحت جريتي فاريمو وزيرة الطاقة النرويجية اقتراحاً بتحويل المؤتمر إلى هيئة تختص ببلورة سياسات الطاقة الدولية على نمط منظمة التجارة العالمية.

          كما طرحت أيضاً فكرة إنشاء صندوق دولي لبحث مصادر بديلة للطاقة، على أن يتم تجميع الأموال للصندوق عن طريق فرض ضريبة مقدارها سنت لكل برميل فقط.

          وقد انتهى المؤتمر على أمل ان تساهم الآراء التي طرحت خلال جلساته في تحقيق جزء ولو ضئيل من الهدف الرئيسي لهذه السلسلة من المؤتمرات وهو تشجيع الحوار والتشاور بين طرفي الاستهلاك والإنتاج في إطار عريض يربط بين الجوانب الاقتصادية ومتطلبات البيئة.

وفي 10 ديسمبر 1996

          استأنف العراق تصدير بتروله لأول مرة بعد مرور أكثر من ست سنوات على غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990.

          وقد يكون من المناسب سرد ما حدث طوال هذه السنوات الست، وما أدى إلى تعطيل تصدير بتروله ـ إشباعاً لفضول القارئ، الذي يعتمل في نفسه سؤال فحواه: ما هي أسباب ذلك؟

          من المعروف أن العراق قد خضع للحصار والعقوبات الدولية المفروضة من قِبل الأمم المتحدة منذ أغسطس 1990 بعد عملية الغزو العراقي للكويت.

          وبعد مرور تسعة أشهر على قيام التحالف الدولي بضرب العراق، صدر قرار مجلس الأمن رقم 678 في عام 1991، وتقضي المادة 22 من هذا القرار برفع الحظر البترولي الكامل عن العراق بعد تلبية بغداد جميع متطلبات اللجنة الخاصة بإزالة أسلحة الدمار الشامل. وقد اعتبر العراق هذا القرار انتقاصاً من السيادة الوطنية للبلاد.

          أعقب هذا القرار صدور القرارين رقمي 706 و 712 في عام 1991. وينصان على السماح للعراق بتصدير ما قيمته 1.6 مليار دولار خلال فترة ستة أشهر وذلك للأغراض الإنسانية. ولكن المفاوضات حول تنفيذ هذين القرارين انتهت بالفشل لاختلاف وجهات النظر.

وفي نوفمبر عام 1993

          وافق العراق على تنفيذ القرار الذي يقضي بوضع أسلحة الدمار الشامل تحت رقابة الأمم المتحدة، وتوالت لجان التفتيش، ولم يسفر الأمر عن التمهيد لرفع الحظر الكلي عن العراق.

وفي أبريل 1995

          صدر قرار مجلس الأمن الشهير رقم 986 بالسماح للعراق بتصدير ما قيمته ملياري دولار على مدى ستة أشهر لشراء أغذية وأدوية تحت إشراف لجنة خاصة من الأمم المتحدة.

          وكان للدبلوماسية الفرنسية دور واضح لإقناع العراق بقبول القرار، الذي أُطلق عليه شعار “النفط مقابل الغذاء” على اعتبار أن قبول العراق هو المدخل الوحيد لبحث موضوع الحظر في مرحلة لاحقة.

وفي 4 فبراير 1996

          أعلنت بغداد رسمياً قبول مبدأ التفاوض، وبدأت جولة من المباحثات تم خلالها مناقشة عدداً من المسائل الفنية المتعلقة بتنفيذ القرار ثم توقفت على أن تُستأنف مرة أخرى في الحادي عشر من مارس 1996.

          خلال هذه الفترة، انحسرت عائدات العراق على قيمة صادراته إلى الأردن، التي لا تتجاوز 50 ألف برميل يومياً. كما انحسر إنتاج البترول الخام إلى نحو 600 ألف برميل يومياً لتغطية الاستهلاك المحلي والصادرات إلى الأردن.

          ونتيجة لتوقف العائدات البترولية إنهار الاقتصاد العراقي، لدرجة أن قيمة الدينار العراقي ـ الذي كان يوازي 3.2 دولاراً قبل الحرب ـ إنحدرت قيمته وأصبح الدولار الواحد يباع أحياناً بنحو 600 دينار عراقي. ولم يكن هناك بديل سوى قبول العراق تنفيذ قرار “النفط مقابل الغذاء”.

جدير بالذكر ان ثلاثة من الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وهي:

الصين وفرنسا وروسيا تؤيد تخفيف العقوبات المفروضة على العراق لدواع إنسانية.

          ويبدو أن الدوافع الإنسانية المشار إليها يقبع داخلها مصالح متبادلة. ففي حالة رفع الحظر عن العراق سوف ينكشف دور الشركات في مجال البحث والتنقيب والتنمية في صناعة البترول العراقية. فقد تم إنجاز اتفاقيتين بين العراق وشركتي “ألف أكيتان” و “توتال” لتطوير وتشغيل عدد من الحقول العملاقة التي تتجاوز احتياطياتها البترولية 30 بليون برميل. كما يقدَّر إنتاجها بنحو مليوني برميل يومياً.

          كما تجري محادثات بين شركات روسية وإيطالية لتطوير عدد آخر من الحقول بمجرد رفع الحظر الكلي عن العراق.

          وقد يرجع اهتمام الشركات الروسية إلى الديون القديمة المستحقة لموسكو، والتي تدور حول عشرة مليارات من الدولارات. هذا بالإضافة إلى أن الشركات الروسية والفرنسية تحاول أن تحصل على معاملة تفضيلية في العراق تفوق ما تحصل عليه في دول أخرى.

وفي 20 مايو 1996

          وقَّع العراق مذكرة التفاهم في شأن تنفيذ القرار رقم 986، الذي سمح للعراق ببيع بترول قيمته بليوني دولار لمدة ستة شهور لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية للعراقيين.

          وتجدر الإشارة إلى أن مذكرة التفاهم قد تضمنت التحفظات العراقية على القرار 986 من جهة تأكيد السيادة وسلامة الأراضي العراقية. وتضمنت كذلك التعديلات الأمريكية والبريطانية على مسودة المذكرة التي تم التوصل إليها في شهر أبريل 1996.

          وبموجب هذا القرار يُقتطع من عائدات بيع البترول العراقي حوالي 130 ـ 150 مليون دولار للأكراد في شمال العراق، ونسبة 30% من العائدات لصندوق تعويضات حرب الخليج، ونسبة أخرى لتغطية نفقات عمليات الأمم المتحدة في العراق.

          كما تنص مذكرة التفاهم على شروط بيع البترول وتوزيع عائداته بإشراف دولي في كل أنحاء العراق.

          إن كميات البترول العراقية المسموح بتصديرها تبلغ حوالي 700 ـ 750 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب تركيا، الذي كان منفذاً للبترول العراقي قبل الحرب، وعبر ميناء البكر في الجنوب. وسوف تتم مراقبة تدفق البترول عند محطات عدادات خط الأنابيب التركي وعند الموانئ المطلة على الخليج. وسوف تحوَّل العائدات من شركات البترول إلى حساب خاص للأمم المتحدة لشراء السلع الإنسانية.

          وفي شأن استيراد السلع مثل المواد الغذائية والأوربية، يتعين على العراق إعداد قائمة بها لكل المناطق، عدا المناطق الكردية في الشمال التي ستتولاها وكالات الأمم المتحدة.

          وافق الأمين العام للأمم المتحدة على الخطة العراقية لتوزيع المواد الإنسانية في إطار اتفاق النفط مقابل الغذاء ـ الذي وافقت عليه الأمم المتحدة في 20 مايو 1996 ـ مُزيلا بذلك عقبة كبيرة أمام إمكانية بدء تصدير حوالي 800 ألف برميل يومياً من البترول العراقي خلال شهر أغسطس 1996.

          ولكن مع عودة التوتر إلى شمال العراق، تم تجميد اتفاق النفط مقابل الغذاء حتى تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه لضمان سلامة قوات الأمم المتحدة المكلفة بالإشراف على توزيع المواد الإنسانية على الأكراد.

          أما فيما يتعلق بمستويات الأسعار بعد تعليق قرار النفط مقابل الغذاء إلى أجل غير مسمى، فإنه بمجرد توارد الأخبار عن التحركات العسكرية الأمريكية وقيامها بقصف العراق، ارتفع سعر برميل مزيج برنت البريطاني إلى 22.75 دولاراً للبرميل، كما حقق سعر سلة خامات أوبك 21.94 دولاراً للبرميل خلال سبتمبر 1996.

          كانت هذه الزيادات لا ترتبط بالعوامل الاقتصادية المؤثرة في السوق، ولكنها زيادات يحركها الخوف من احتمالات تدهور الأوضاع. ومع ذلك فإن هذا الارتفاع الأخير في الأسعار كان يحمل في طياته عدداً من العوامل خلال الربع الثالث من عام 1996 متزامنة مع توقف الصادرات العراقية واقتراب فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي، ومن هذه العوامل:

  • ارتفاع الطلب العالمي على البترول وخاصة في الدول النامية سواء في منطقة آسيا/ الباسفيك أو في أمريكا اللاتينية.
  • إعادة بناء المخزون الاحتياطي في دول OECD.
  • انخفاض الإنتاج خارج أوبك.
  • إجراء عمليات الصيانة الموسمية للمنشآت البترولية في العديد من الدول المنتجة وخاصة بحر الشمال.

          بشمال العراق، أكدَّ نزار حمدون مندوب العراق في الأمم المتحدة أنه تم انسحاب القوات العراقية من شمال البلاد، وأن العراق لم يعد يعتبر الكويت إقليماً عراقياً، وأنه سيحترم الحدود بين البلدين، التي رُسمت بعد حرب الخليج. كما أكدَّ التزام بلاده بعدم التصدي لطائرات التحالف في منطقتي الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق.

          على أثر ذلك، أستأنف العراق تصدير بتروله في 10 ديسمبر 1996 في إطار النفط مقابل الغذاء، الذي وقَّعت عليه بغداد مع الأمم المتحدة في 20 مايو 1996. وقد تم تصدير أولى شحنات البترول العراقي التي تبلغ نحو 450 ألف برميل يومياً، عبر ميناء يومورتاليك التركي. كما تم تصدير شحنة أخرى من البترول عبر ميناء البكر جنوبي البلاد يوم 15 ديسمبر 1996.

          وقد توقَّع خبراء البترول أن يبلغ صافي عائدات العراق من هذه الشحنات حوالي 1.2 بليون دولار كل ستة أشهر، بعد استقطاع نسبة 30% لصالح صندوق التعويضات التابع للأمم المتحدة، ونسبة 15% للأكراد في شمال العراق، ونسبة 2% لتغطية مستحقات العاملين بالأجهزة التابعة للأمم المتحدة بالعراق.

كما سيخصص نحو 800 مليون دولار من هذا المبلغ لشراء الأدوية والحاجات الأساسية.

          وقد شهدت أسعار البترول في الأسواق العالمية بعض الانخفاض في بداية التعاملات الفورية بعد استئناف العراق لتصدير بتروله. كما انخفض أيضاً سعر سلة خامات أوبك إلى 23.20 دولاراً للبرميل في مقابل 23.56 دولاراً للبرميل قبل وضع الاتفاق موضع التنفيذ.

          ومن الجدير بالذكر أن شركة “ألف أكيتان” الفرنسية قد وقعت عقداً مع شركة تسويق البترول العراقية “سومو” لشراء بترول العراق لمدة ثلاثة شهور.

          كما وقَّعت أيضاً شركة توتال الفرنسية عقداً مع العراق لشراء 30 ألف برميل يومياً بعد موافقة الأمم المتحدة.

          ورحبت تركيا ببدء تنفيذ قرار الأمم المتحدة حيث سيتيح لها الفرصة لتعويض خسائرها الناجمة عن الحظر المفروض على العراق.

          ومن المتوقع أن تتم الموافقة على طلب شركة نفط الكويت بمنحها نحو 600 مليون دولار تعويضاً عن الأضرار التي لحقت بها من جراء إشعال القوات العراقية النار في آبار البترول الكويتية في نهاية حرب الخليج، ولذلك بناءً على توصية صادرة عن هيئة من المحكمين المحايدين الذين عينتهم لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة.

          ومن ناحية أخرى يؤكد كثير من المراقبين أن الولايات المتحدة قد حققت فائدتين أساسيتين من وراء هذا الاتفاق هما:

الأولى: التفاهم مع الدول الأوربية والعربية والأسيوية، التي كانت تحث على تنفيذ الاتفاق.

الثانية: تخلصت من الضغط الدولي الذي كانت تتعرض له لمراعاة الظروف الإنسانية للشعب العراقي.

          ولكن الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت نفسه احتفظت من خلال الأمم المتحدة بضرورة تخلص العراق من جميع أسلحته المدمرة قبل رفع الحظر الشامل عنه.

          أما بالنسبة لردود أفعال الدول الخليجية المصدرة للبترول تجاه اتفاق “النفط مقابل الغذاء” فإن حكومات هذه الدول لا تنظر بعين القلق تجاه تدفق البترول العراقي في الأسواق مرة أخرى بعد توقف دام ست سنوات، كما أنها على ثقة من احتفاظها بعملائها.

          ومن الجدير بالذكر أيضاً تطبيق اتفاق “النفط مقابل الغذاء” يُعد أحد التغييرات الهامة فيما يخص الموقف الدولي من العراق، ولا يقل عنه أهمية الجانب العربي حيث تتجدد الدعوة إلى استيعاب العراق وعودته إلى الصف العربي بعد إزالة جميع الأسباب التي أدت إلى هذا الموقف.

وفي الرابع من يونيه 1997

          قرر مجلس الأمن تجديد الاتفاق الذي يسمح للعراق ببيع بترول قيمته بليوني دولار لمدة ستة شهور قابلة للتجديد، يخصص منها 70% لشراء أغذية وأدوية للشعب العراقي و 30% لتعويض المتضررين من الاحتلال العراقي للكويت، ولتمويل عمليات الأمم المتحدة في العراق، وذلك بموجب القرار رقم 986. ويأمل العراق، نظراً لالتزامه بجميع تعهداته حيال الأمم المتحدة، رفع العقوبات المفروضة على صادراته النفطية تطبيقاً للمادة رقم 22 من قرار مجلس الأمن رقم 678.

          وتجدر الإشارة إلى أنه طبقاً لشروط الاتفاق، الذي بدأ تنفيذه في ديسمبر 1996 قام العراق بتصدير حوالي 120 مليون برميل منذ بدء تنفيذ مذكرة التفاهم في 10 ديسمبر 1996، منها حوالي 54 مليون برميل خلال الثلاثة شهور الأولى من عام 1997 و 66 مليون برميل في الشهور الثلاثة التالية. ويرجع ذلك إلى انخفاض أسعار البترول.

          ومن الجدير بالذكر أن العراق قد وقَّع خلال فترة الاتفاق 51 عقداً منها 33 عقداً في الشهور الثلاثة الأولى لسنة 1997 و 18 عقداً في الشهور الثلاثة التالية.

          وقد بلغت عائدات العراق خلال تلك الفترة حوالي 1.07 مليون دولار. وعلى الرغم من هذا فقد عانى العراق من الإيقاع البطيء لإقرار عقود شراء الأغذية والأدوية والسلع الأساسية الأخرى من إيرادات مبيعات النفط، حيث لم يتلق العراق حتى أواخر مايو 1997 سوى ثلث المواد الغذائية المحددة بموجب الاتفاق، ولم يبدأ وصول المواد الغذائية إلا في 20 مارس 1997 والأدوية في 9 مايو 1997.

          وقد وافقت لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة على 300 عقد فقط من إجمالي 540 عقداً قدمتها بغداد وتم تنفيذ أربعين عقداً فقط منذ بدء تطبيق الاتفاق. وبالنسبة للأدوية فإن منظمة الصحة العالمية بدأت في توزيعها على العراقيين حيث أنها مكلَّفة بتوزيع أدوية قيمتها 28.8 مليون دولار وتجهيزات طبية قيمتها 6.4 مليون دولار طبقاً لاتفاق النفط مقابل الغذاء مع الأمم المتحدة.

          أما عن تطبيق تجديد اتفاق “النفط مقابل الغذاء” الذي وافق عليه مجلس الأمن في 4 يونيه 1997 (من يوليه حتى ديسمبر 1997) فقد شهد جدالاً بين الجانبين، حيث تأخر بدء تنفيذه لمدة شهرين احتجاجاً من العراق على تأخر خطط عمليات استيراد المواد الغذائية والأدوية التي أقرتها الأمم المتحدة، حيث طالب العراق بضرورة تعديل خطة توزيع المعونات قبل تدفق صادراته النفطية للأسواق العالمية.

وفي 15 أغسطس 1997

          استأنف العراق تصدير 700 ألف ب/ ي عبر خط الأنابيب العراقي التركي، الذي يبدأ من كركوك في شمال العراق إلى ميناء سيهان في تركيا، و 1.3 مليون ب/ ي عبر ميناء البكر المطل على الخليج.

          وتجدر الإشارة إلى أن ثلث عائدات النفط العراقية تستخدم لدفع التعويضات بموجب قرار الأمم المتحدة.

          كما أقرت الأمم المتحدة تخصيص مبلغ حوالي 6 بليون دولار للتعويضات وعدم السماح للعراق بزيادة صادراته إلا بعد دراسة تقرير لجنة إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية من قِبل الأمم المتحدة.

وفي أوائل ديسمبر 1997

          عقب تجديد مجلس الأمن الدولي اتفاقية النفط مقابل الغذاء للمرة الثالثة لمدة ستة شهور أخرى، والتي تسمح للعراق بتصدير ما قيمته بليوني دولار لتغطية الاحتياطيات الأساسية للشعب العراقي، قرر العراق وقف صادراته البترولية رداً على هذا القرار، الذي لم يطرأ عليه أي زيادة في صادراته البترولية.

          وصرح مصدر عراقي مسؤول بأن العراق قام بتصدير كميات البترول المقررة في المرحلتين الأولى والثانية. ولكن عقود هاتين المرحلتين للغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية الأخرى لم يتم تنفيذها بشكل كامل. بل إن هناك عقوداً معلقة من المرحلة الأولى، في حين لم يُنفَّذ من عقود المرحلة الثانية إلا عدداً قليلاً. وأعلن بأن العراق لن يبدأ تصدير بتروله وفق المرحلة الثالثة لحين المصادقة على الخطة الثالثة وسرعة إنجاز العقود المتراكمة من المرحلتين الأولى والثانية.

          إن مجلس الأمن قد أرجأ إصدار أي قرار بشأن زيادة كمية صادرات البترول العراقية وفقاً لاقتراح فرنسا وروسيا إلى أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً في نهاية يناير 1998 حول الموقف، ويتم بعد ذلك دراسة هذا الاقتراح.

          وقد أدى القرار العراقي بوقف صادراته إلى ارتفاع نسبي في مستويات أسعار البترول التي شهدت انخفاضاً عقب اتفاق دول منظمة أوبك في نوفمبر 1997 الذي عُقد في إندونيسيا بزيادة سقف الإنتاج بنحو مليونين ونصف برميل يومياً.

          وفي ظل حدوث أزمة بين العراق والأمم المتحدة بسبب عمليات التفتيش عن الأسلحة المحظورة وعلى المواقع الرئاسية العراقية، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة خطة جديدة تقضي بزيادة قيمة صادرات البترول العراقية من بليونين دولار كل ستة شهور إلى 5.2 بليون دولار لمواجهة الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي.

          وبعد أن تم التوصل إلى اتفاق بين العراق والأمم المتحدة لإنهاء أزمة التفتيش على الأسلحة وموافقة الأمم المتحدة على الخطة الجديدة، أعلن العراق أن إمكانياته لا تسمح إلا بتصدير ما قيمته نحو 4 بلايين دولار لحاجة المنشآت البترولية العراقية إلى قطع غيار وأجهزة ومعدات التشغيل لصيانة محطات الضخ وإصلاح الآبار ومرافق التصدير تبلغ قيمتها في المرحلة الأولى 300 مليون دولار (210 مليون لإصلاح الآبار و 90 مليون دولار لشراء قطع غيار معامل التكرير).

          وفي ضوء هذه المطالب العراقية، قام فريق من خبراء الأمم المتحدة بزيارة لمنشآت العراق البترولية لدراسة أحوالها، وتم إعداد تقرير شامل تضمن أحوال الحقول والمنشآت البترولية ومعامل التكرير. انتهى إلى وجود فجوة بين حجم الإنتاج المطلوب لتصدير الكمية المسموح بها وبين القدرة الإنتاجية للحقول العراقية.

وفي 19 يونيه 1998

          أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1175 يسمح بموجبه للعراق بشراء احتياجاته من المعدات وقطع الغيار المطلوبة بما قيمته 300 مليون دولار لتعزيز طاقته الإنتاجية وتنفيذ قرار المجلس الخاص بزيادة الصادرات العراقية بما قيمته 5.2 بليون دولار كل ستة شهور، إلاّ أن العراق اعترض على صيغة القرار حيث أنها تضمنت بعض التعديلات التي تعطي استمرارية لاتفاق النفط مقابل الغذاء، وهو ما يتعارض مع رغبة العراق لرفع الحصار في وقت قريب.

          وعقب صدور قرار مجلس الأمن المشار إليه أخذ العراق يستعد لزيادة صادراته البترولية، ففي شهر يوليه 1998 قام وزير النفط العراقي بزيارة لدمشق ـ في إطار الجهود المبذولة لاستئناف العلاقات الطبيعية بين البلدين ـ أدت إلى الاتفاق مع نظيره السوري على مذكرة تفاهم لإصلاح خط الأنابيب، الذي يمتد من حقول كركوك إلى مينائي بانياس وطرابلس. وكانت سورية قد أغلقته في أبريل 1982 إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980 ـ 1988.

وقد شملت مذكرة التفاهم ثلاث اتفاقيات تضمنت:

  • إعادة تأهيل خط الأنابيب العراقي ـ السوري.
  • وضع دراسة مشتركة لإقامة خط أنابيب جديد لنقل البترول العراقي عبر الأراضي السورية بطاقة تبلغ 1.4 مليون ب/ ي.
  • الاتفاق على إقامة معمل تكرير مشترك في بانياس بطاقة تبلغ 140 ألف برميل يومياً وبرأس مال سوري ـ عراقي.

          وقد حذَّرت الخارجية الأمريكية من أن إعادة فتح خطط كركوك ـ بانياس لا يدخل في إطار إمكانات التصدير العراقية المقررة من قِبل الأمم المتحدة في اتفاق النفط مقابل الغذاء.

          ولكن وزير النفط العراقي صرَّح رداً على ذلك، بأن ضخ النفط العراقي عبر سورية لن يحتاج إلى إذن خاص من لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة نظراً لحرص العراق على تضمين الاتفاق الذي تم توقيعه مع الأمم المتحدة في مارس 1996 على فقرة للسماح بضخ النفط العراقي عبر الأراضي السورية. وأضاف أن ضخ النفط عبر الأراضي السورية لا يتعارض مع أحد حيث يتم الضخ إلى ميناء سيهان التركي وكميات أخرى من موانئ على الخليج.

– وبالنسبة للعلاقات العراقية ـ الأردنية

          فقد تم توقيع اتفاق في 20 يناير 1997 بين العراق والأردن يقضي بتجديد اتفاق البترول، الذي يقوم العراق بمقتضاه بإمداد الأردن بالبترول بشروط ميسرة في مقابل حصوله على سلع وخدمات أردنية.

          ووفقاً للاتفاق الذي وُقِّع في بغداد تصل واردات الأردن من البترول في عام 1997 نحو 32 مليون برميل (88 ألف برميل يومياً) من الزيت الخام والمنتجات البترولية. وقد بلغ السعر المتفق عليه لعام 1997 بنحو 19.10 دولاراً للبرميل مقابل 15.25 دولاراً للبرميل في عام 1996.

          ووفقاً لبروتوكول التجارة بينهما، يقوم الأردن بسداد ما قيمته 225 مليون دولار في صورة صادرات غذائية ودوائية وخدمات نقل للعراق، ويسدد 70 مليون دولار كمدفوعات ديون عراقية للأردن التي تبلغ حوالي 1.3 مليار دولار.

– وخلال النصف الثاني من شهر يونيه 1997

          اتفق الجانبان العراقي والأردني عقب محادثات تمت بين وزيري البترول العراقي والأردني على زيادة الإمدادات البترولية العراقية للأردن بنسبة 7% في عام 1997، وتم الاتفاق على زيادة سعر البرميل إلى 19.5 دولاراً للبرميل.

– وفي عام 1998

          تم الاتفاق بين الجانبين ـ في إطار بروتوكول التعاون البترولي بينهما ـ على تنفيذ المرحلة الثانية منه لعام 1998، والذي ينص على قيام العراق بإمداد الأردن باحتياجاته البترولية المقدرة بنحو 75 ألف برميل يومياً.

          وقد أعلن وزير الطاقة الأردني ـ عقب توقيع الاتفاق مع العراق ـ أن احتياجات الأردن الإضافية من الزيت الخام تقدر بنحو 500 ألف ب/ ي لملء المستودعات الجديدة التي تم بناؤها في مدينة العقبة للزيت الخام والمنتجات البترولية.

          وتجدر الإشارة إلى وجود أسطول بري من السيارات الصهريجية مملوك للعراق والأردن يصل عدده إلى 4000 سيارة يقوم بنقل احتياجات الأردن البترولية المقدرة بنحو 4.8 مليون طن سنوياً. وتبلغ تكلفة النقل نحو دولارين للبرميل الواحد، وذلك بموجب استثناء خاص من قرار مجلس الأمن بالحظر الدولي على العراق في أغسطس 1990.

          وكما هو معروف، فإن العراق والأردن يرتبطان ببروتوكول بترولي وتجاري يقوم العراق بموجبه بتزويد الأردن باحتياجاته البترولية مقابل سلع وخدمات أردنية يتم تصديرها للعراق تبلغ قيمتها 255 مليون دولار.

أحداث عام 1997

اتجاهات السوق والأسعار

          أثار ارتفاع الأسعار عام 1996 اهتمام كثير من المحللين الاقتصاديين ودفعهم لمحاولة التعرف على العوامل والظروف التي أثرت على الأسعار وأدت إلى هذا الارتفاع، وعن مدى إمكانية استمرار هذا الارتفاع خلال عام 1997. وباستعراض أحداث عام 1997 تبين ما يلي:

          شهد عام 1997 عودة الصادرات العراقية إلى الأسواق في 10 ديسمبر 1996 لأول مرة بعد توقف دام ست سنوات منذ عدوان العراق على الكويت، الأمر الذي أجبر منظمة أوبك على إعادة توزيع الحصص الإنتاجية للدول الأعضاء حتى يتحقق التوازن في السوق.

          كما شهد عام 1997 أيضاً تحسن إنتاج الاتحاد السوفيتي السابق بعد الانخفاض الملحوظ الذي تحقق منذ عام 1989، وزيادة إمدادات الدول خارج أوبك وخاصة من بحر الشمال وأمريكا اللاتينية، مما سيحد من الطلب على بترول منظمة أوبك. ويرجع ذلك إلى زيادة مستوى الاستثمارات في عمليات التنقيب والإنتاج، التي نتجت عن العائدات الوفيرة التي تحققت خلال عام 1996 نتيجة لارتفاع الأسعار.

          وشهد عام 1997، ارتفاع الطلب على الطاقة بوجه عام وعلى البترول بوجه خاص، نتيجة لاستمرار النمو الاقتصادي في مناطق كثيرة من العالم خارج أوبك منها الدول النامية في آسيا ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية Organization for Economic Cooperation and Development OECD واليابان والصين وأمريكا اللاتينية وفي أفريقيا والشرق الأوسط وفي أوروبا الشرقية.

          أما الزيادة الحادة في الطلب العالمي على البترول خلال عام 1996 فقد أدت إلى ارتفاع إنتاج أوبك من الزيت الخام إلى حوالي 25.8 مليون برميل يومياً، وإنتاج الدول خارج أوبك من البترول في عام 1996 إلى 42.1 مليون برميل يومياً.

          وفي عام 1997 زادت إمدادات الدول خارج أوبك إلى حوالي 44 مليون ب/ ي أما دول أوبك ـ ففي ظل زيادة الطلب العالمي وزيادة إنتاج الدول خارج أوبك ـ فقد زادت إنتاجها إلى ما يقرب من طاقتها الإنتاجية القصوى، الأمر الذي يشكِّل تحدياً لها يتمثل في تخفيض الحصص، ويضاعف من هذا التحدي تجاوز بعض دول أوبك للحصص المقررة لها.

          وإذا كان متوسط سعر تصدير سلة خامات أوبك قد سجَّل

في شهر ديسمبر 1996، 23.51 دولاراَ للبرميل فإنه في شهر يناير 1997، انخفض إلى 23.19 دولاراَ للبرميل، وفي شهر فبراير1997، 20.48، وفي شهر مارس 1997، 18.64 وفي شهر أبريل 1997، 17.46.

          مؤدى ذلك أن أسعار البترول العالمية شهدت خلال فبراير ومارس وأبريل 1997 هبوطاً تدريجياً من أعلى مستويات حققتها منذ 6 سنوات. وذلك ضمن موجة يرى بعض المحللين أنها تمثل عودة السوق البترولية إلى مجرياتها الطبيعية في ظل ارتفاع مخزون البترول في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. إضافة إلى زيادة إمدادات البترول وتباطؤ الطلب العالمي بعد انتهاء فصل الشتاء الذي كان معتدلاً.

خلال 25 ـ 26 يونيه 1997

          أنهى مؤتمر دول أوبك الوزاري العادي رقم 102 في فيينا أعماله بالاتفاق على الإبقاء على سقفف الإنتاج وهو 25.03 مليون ب/ ي، وبنفس الحصص الإنتاجية للدول الأعضاء لمدة ستة شهور أخرى تبدأ من أول يوليه 1997 للمحافظة على استقرار أسعار البترول في الأسواق العالمية.

          وقد سبق عقد هذا المؤتمر نشاط مكثف لرئيس منظمة أوبك وزير البترول الليبي مع سكرتير عام أوبك أسفر عن زيارات متعددة لعدد من دول أوبك من أجل تنسيق المواقف والتفاهم حول صيغة ملائمة للحفاظ على استقرار أسعار البترول ودعمها.

          وقد أعرب دكتور لقمان سكرتير عام أوبك ـ في مؤتمر صحفي ـ عقده بعد نهاية الاجتماع الوزاري، عن خطورة تجاوز الحصص الإنتاجية، لكنه عبَّر عن ثقته بالتزام جميع الأعضاء بتعهداتهم التي قدموها إلى المؤتمر، والتي أكدت على الحد من الإنتاج وخفضه إلى المستوى المتفق عليه.

وقد أشار وزير البترول الليبي في المؤتمر إلى تدهور معدل سعر سلة خامات أوبك من 24.3 دولاراً للبرميل في أوائل يناير 1997 إلى 16.9 في الأسبوع الثاني من أبريل 1997

زيادة سقف الإنتاج للمرة الأولى منذ عام 1993

ففي 26 نوفمبر إلى أول ديسمبر 1997

عُقد مؤتمر أوبك العادي رقم 103 في جاكرتا بإندونيسيا

          كانت المؤشرات تشير إلى عزم السعودية للضغط ـ ومعها كل من الإمارات والكويت ـ على باقي أعضاء أوبك من أجل زيادة سقف الإنتاج الذي ظل ثابتاً منذ عام 1993 (25.03 مليون ب/ ي). وتنحصر أسباب هذا الموقف فيما يلي:

  • قدرة السوق البترولي على استيعاب أكثر من مليوني ب/ ي على سقف الإنتاج المقرر الذي يبلغ 25 مليون ب/ ي.
  • بعض الدول أعضاء أوبك تتجاوز حصصها الإنتاجية بمقدار أكثر من مليوني ب/ ي وقد استوعبتها السوق. ولا زالت الأسعار مستقرة نسبياً.
  • حلول فصل الشتاء الذي يشهد عادة زيادة موسمية في الطلب العالمي على البترول.

          وسط هذه الظروف ولهذه الأسباب تقرر زيادة الحد الأقصى لسقف الإنتاج من 25.03 مليون ب/ي إلى نحو 27.5 مليون ب/ ي بزيادة بنسبة 10% خلال الشهور الستة الأولى من عام 1998.

          ولكن ليبيا والجزائر وإيران تحفظت على زيادة سقف الإنتاج ـ أثناء المناقشات ـ حرصاً على عدم انخفاض أسعار البترول بعد التحسن والاستقرار خلال العام الماضي 1996.

أما المحللون والمهتمون بشؤون البترول، فقد أعربوا عن عدم قلقهم إزاء حدوث هبوط حاد في الأسعار، والحجج التي يتذرعون بها هي:

  • إن قرار أوبك بزيادة سقف الإنتاج لن يكون كافياً لحدوث انهيار في الأسعار خاصة مع توقع استمرار النمو في الطلب العالمي على البترول خلال عام 1997 .
  • كما أن هناك بعض الدول في أوبك مثل إندونيسيا وإيران وليبيا من المتوقع ألاّ يزيد إنتاجها بنفس النسبة نظراً لصعوبة الوصول بطاقتها الإنتاجية إلى المستوى المطلوب .
  • وفي المقابل من المتوقع أيضاً حدوث تجاوز في الحصص الإنتاجية لكل من فنزويلا وقطر ونيجيريا.

          وفي النهاية فإن النتيجة الأساسية تتوقف على مدى احترام دول أوبك ككل لحصصها الإنتاجية المقررة، وكذلك على التعاون بين أوبك والدول المنتجة خارج أوبك لتحقيق الاستقرار والتوازن في السوق العالمي.

          هذه هي الآراء التي تم طرحها خلال المناقشات التي دارت في الاجتماعات خلال الفترة من 26 نوفمبر ـ أول ديسمبر 1997 (ستة أيام) التي استغرقها مؤتمر أوبك العادي.

نتائج قرار أوبك في نوفمبر 1997 بزيادة سقف الإنتاج

          كانت كل الدلائل تشير إلى حدوث زيادة في أسعار البترول خلال موسم الشتاء عام 1997/ 1998 نتيجة لزيادة الطلب العالمي. إلاّ أن العديد من العوامل والمؤثرات تدخلت لتؤدي إلى هبوط أسعار البترول إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات مضت.

          أهم هذه العوامل أن دول أوبك لم تستوعب آليات السوق ولا الإنذار المبكر لانهيار الأسعار في أسواق البترول. وبدلاً من خفض إنتاجها للحفاظ على استقرار الأسواق قررت أوبك زيادة سقف الإنتاج بنسبة 10% في اجتماعها نوفمبر 1997 اعتباراً من أول يناير 1998 ولمدة ستة شهور.

          بعد هذه الزيادة في سقف الإنتاج حدث تراجع ملحوظ في أسعار البترول العالمية خلال الشهرين التاليين (ديسمبر 1997 ويناير 1998) حيث وصل متوسط سعر سلة خامات أوبك إلى 15 دولاراً للبرميل في بداية يناير 1998 مقابل 16.89 دولاراً للبرميل في ديسمبر 1997.

ثم توالى الانخفاض ليسجل 10.91 دولاراً للبرميل في منتصف مارس 1998

وفي 3   أبريل 1998    13.22 دولاراً للبرميل

وفي 10 أبريل 1998   12.40  دولاراً للبرميل

          أدى ذلك إلى تهافت الدول المنتجة داخل أوبك وخارجها إلى زيادة إنتاجها لتعويض انخفاض عائداتها. كما أعلنت وكالات الأنباء العالمية تجاوز بعض الدول مثل فنزويلا وقطر ونيجيريا، الأمر الذي نتج عنه زيادة المعروض من الزيت الخام.

          وقد تزامن ذلك مع استئناف العراق لصادراته البترولية بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء بعد تجميده من جانب العراق.

          وعلى جانب الطلب: أدى الركود الاقتصادي المتصاعد الذي يشهده اقتصاد دول منطقة جنوب شرق آسيا إلى انخفاض الطلب على البترول بنسبة 30% في الربع الأخير من عام 1997، مع العلم بأن اليابان كانت تستورد وحدها 50% من إنتاج دول الخليج من البترول.

          هذا وقد أضاف إلى حدة الأزمة انخفاض الطلب في دول أوروبا وأمريكا نتيجة لاعتدال الطقس خلال شتاء 1998.

          سادت حالة من القلق والترقب على أسواق البترول العالمية من جراء اختلال العرض والطلب وانخفاض الأسعار لدرجة أدت إلى اضطرار بعض الدول المنتجة إلى تعديل موازناتها التقديرية في ضوء الانخفاض الحاد للعائدات البترولية وصعوبة بالغة في التنبؤ بأسعار 1998.

          ولا شك أن انخفاض الأسعار قد أثَّر بشكل مباشر وأساسي على حجم الاستثمارات المطلوبة لتمويل الصناعة البترولية في شتى المجالات، وخاصة في مجال البحث والإنتاج لتغطية الاحتياجات في المستقبل.

          كذلك أصبح انخفاض الأسعار يشكل تحدياً لدول أوبك على وجه الخصوص لاعتماد معظم أعضائها على البترول كمصدر هام للدخل القومي. ويمكن القول إنه إذا ظلت أسعار البترول في تدنيها فإن دول أوبك لن تتمكن من تأمين الاستثمارات اللازمة للمحافظة على طاقاتها الإنتاجية أو تطوير طاقات جديدة تمكنها من تلبية الاحتياجات المستقبلية للدولة المستهلكة للبترول.

          أما عن التأثير المزدوج لانهيار الأسعار على الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء، فمن الطبيعي أن يؤدي انخفاض الأسعار إلى انخفاض عائدات الدول المصدرة للبترول وانكماش موازناتها. وبالتالي انخفاض معدلات التنمية الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية من الدول الصناعية المستهلكة للبترول. وهذا يعني أن الكساد الذي يصيب الدول المصدرة للبترول ينتقل عدواه إلى الدول المستوردة بحيث يضر بصناعاتها لأنها لن تجد من تبيع له إنتاجها، وعليها في هذه الحالة ان تواجه المشكلة.

مؤتمرات واجتماعات عام 1997

          في 13 مارس 1997، نظَّمت مؤسسة الشرق الأوسط ـ التي تتخذ من ولاية واشنطن مقراً لها ـ مؤتمراً عن العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الشرق الأوسط واليابان نظراً للعلاقة الوطيدة بين هذه الدول اقتصادياً وسياسياً والمصالح المشتركة التي تربط بينها.

          وقد وُجهت الدعوة للعديد من الخبراء والسياسيين أبرزهم وزير الطاقة الأمريكي السابق جيمس شليسنجر، الذي تولى منصب وزير الدفاع خلال الفترة من 75 ـ 1997، قبل أن يصبح وزيراً للطاقة خلال الفترة من 77 ـ 1979.

          وقد وجَّه شليسنجر انتقادات عنيفة إلى سياسة الولايات المتحدة الأمريكية حيال منطقة الخليج العربي. وأوضح أن العقوبات الأمريكية قد أدت ـ على عكس ما تهدف ـ إلى زيادة دخل إيران من البترول بحوالي 2.5 بليون دولار حيث تسببت في ارتفاع الأسعار. وأن اتباع سياسة متشددة فيما يتعلق بدخل العراق والمواد الغذائية والطبية، التي يحتاج إليها الشعب العراقي، تؤدي إلى الإساءة إلى الصورة الأمريكية لدى الشعوب العربية، على الرغم من أن عدداً كبيراً من الحكومات العربية يؤيد هذه السياسة ولكن على مضض.

          وأضاف بأنه لا غنى لمنطقة الخليج عن المظلة الأمنية الأمريكية على الرغم من أن ثلثي بترولها يُصدَّر إلى آسيا، وأنها ستبقى القوة الرئيسية التي تضمن أمن الخليج على الرغم من تراجع وارداتها منها.

          كما أوضح الآثار المترتبة على فرض العقوبات الأمريكية على العراق وإيران بأنها تهدد بنسف أمن الطاقة في الدول المستوردة للبترول، وخاصة بالنسبة لليابان التي تعتمد بدرجة كبيرة على بترول الشرق الأوسط في تغطية 76% من احتياجاتها على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعمل على تنويع مصادرها البترولية حيث لا تعتمد على بترول الشرق الأوسط إلاّ في تغطية 12% فقط من احتياجاتها البترولية.

وفي أوائل شهر مارس 1997

          عُقد مؤتمر الشرق الأوسط للنفط والغاز في أبوظبي، حيث دعت دولة الإمارات إلى فك الارتباط بين أسعار الغاز وأسعار النفط الخام، للحصول على سعر أفضل للغاز.

وخلال الفترة من 17 ـ 19 مارس 1997، عُقد مؤتمر الدوحة الدولي الثاني للغاز الطبيعي تحت شعار: “غاز الشرق الأوسط … الآفاق والتحديات”

          وفي شهر مايو 1997، اجتمع وزراء الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة في باريس. حيث تلقوا تحذيراً من التقاعس عن حماية أمن الطاقة، الذي لا يزال على قمة أولويات الوكالة.

          وسبب ذلك أن ألمانيا وضعت خطة لبيع حوالي 7.3 مليون طن من البترول تمثل نسبة 20% من إجمالي الاحتياطي الاستراتيجي على مراحل كوسيلة لخفض العجز في الميزانية للوفاء بمتطلبات الاقتراض الصارمة التي تقضي بها اتفاقية الوحدة النقدية والاقتصادية الأوربية.

          وأشار مسؤول بالوكالة الدولية للطاقة إلى أن هذا الاقتراح أمر مؤسف، موضحاً أن احتياطي ألمانيا ـ في حالة تنفيذ هذه الخطة ـ سيكفي استهلاك 90 يوماً فقط، وهو المستوى الذي حددته الوكالة.

          أشار بعض المحللين إلى أن الخطة الألمانية المذكورة تعكس موقفاً اكثر استرخاء بشأن أمن الواردات على مستوى كبير في أكثر اقتصاديات أوروبا اعتماداً على واردات البترول.

          ليس هناك تعليق على هذا التصرف سوى الإشارة إلى إصرار الوكالة الدولية للطاقة على ضرورة التزام الدول أعضائها بسياسة تنفيذ المخزون الاحتياطي الاستراتيجي وعدم التهاون في الاحتفاظ به حتى لا يزداد الطلب على البترول في السوق العالمي وتظل أسعاره منخفضة.

Print Friendly, PDF & Email