Migration and identity problems in the contemporary world

ط.د. محمد خيدون/جامعة ابن طفيل، المغرب

PhD student:Mohamed KHAIDOUNE/Univeristy of Ibn Tofail

مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 63 الصفحة 67.

 

ملخص:

ترتبط الهوية بشكل أساسي بالانتماء، كما ترتبط أيضا بالغيرية وديناميات التفاعل بين الثقافات والاثنيات، وهو الأمر الذي يجعلها في ارتباط وثيق بالهجرة، فهذه الأخيرة تحدث تغيرات عميقة في روابط الانتماء لدى المهاجر، كما تجعله أمام سؤال أصالة هويته، هذا السؤال الذي ينم عن أزمة حقيقية لدى المهاجر، والتي تحدث أساسا بسبب عجزه عن بناء روابط انتماء متينة مع البلد المستقبل في الوقت الذي الذي تتلاشى فيه روابط انتمائه في البلد الأصلي، ويتكرس هذا الوضع بشكل كبير جدا عندما لا تسهل سياسيات الدولة في الهجرة عملية بناء الانتماء هذه، ويؤدي كل هذا، كما أشار فرانسيس فوكوياما، إلى تشكل جماعات تطالب بالاعتراف بالهوية، كما يؤدي في أقصى حدوده إلى تشكل جماعات متطرفة من قبيل جماعات الاسلام الراديكالي.

الكلمات المفتاحية : الهوية، الهجرة، الانتماء، الحداثة.

Abstract :

Identity is linked primarily to belonging, otherness and dynamics of interaction between cultures and ethnicities. Thus it is in deep relation with migration. This phenomena causes deep changes into the immigrants’ ties of belonging, it also put his original identity into question, while making him incapable of building new ties and new belongings. This crisis gets more complicated when migration policies do not make enough efforts to help immigrants get out of this dilemma, and it gets worse –as Francis Fukuyama points out- when it becomes a central cause of terrorism.

key words: Identity, migration, belonging, modernity

 

تقديم:

العلاقة بين الهوية وقضايا الهجرة، هي عبارة عن علاقة ارتباط وثيقة تستمد صلابتها من تداخل اشكالاتهما، فالهجرة بما تفرضه من تغيير اجتماعي وتفاعل ثقافي بين مختلف الإثنيات، وبما تخلقه من اشكالات متعلقة بالاندماج الانسجام الاجتماعي، تتقاطع وتتداخل مع اشكالات الهوية، فالسؤال حول الهجرة هو ـبشكل أو بآخرـ سؤال حول الهوية، وذلك أن المهاجر، كما أشار عبد المالك الصياد، لا يهاجر بحقيبته فقط، ولكنه يهاجر أيضا بثقافته وأفكاره ومعتقداته وقيمه، بعبارة أخرى بهويته. وعلى هذا الأساس فالصل بين إشكاليتي الهجرة والهوية، أو محاولة فهم أي من هما دون الآخر، هو فصل تعسفي لا ينتبه لما يقتضيه فهم كل منهما.

  1. مفهوم الهوية:

يعد مفهوم الهوية من ضمن أكثر المفاهيم الأكثر غموضا واستعصاء على التحديد الدقيق في العلوم الانسانية، حيث نجد عند البحث في معظم المعاجم الفرنسية أنه يتضمن خمس معان على الأقل، إذ يشير إلى معنى التشابه، والوحدة، والهوية الشخصية، والهوية الثقافية، ثم النزوع إلى التحديد أو التعريف (Propension à l’identification) [1].  وعموما فإنه يمكن القول أن مفهوم الهوية لا يتوضح إلا من خلال الوقوف عند أهم التصورات الفلسفية التي شكلت الرحم الذي نشأ ضمنه، على اعتبار أن التحديد الذي نتوخاه للمفهوم هو ليس محاولة وضع تعريف دقيق، وإنما هو محاولة لتقريب معناه من خلال توضيح مختلف الأبعاد التي ينطوي عليها والاشكالات التي يرتبط بها.

ارتبط مفهوم الهوية في العصر الوسيط بالجماعة وكان البعد الأساسي الذي ينطوي عليه هو البعد الجمعي، حيث كان يشير إلى مطابقة الفرد إلى المجموعة التي ينتمي إليها[2]، لكن المفهوم لم يتطور ويأخذ الطابع المتعدد المعاني الذي يميزه إلا مع الفلسفة الحديثة، وكان من ضمن الفلاسفة الأوائل الذين تناولوا مفهوم الهوية ومنحوه بعدا جديدا، هو الفيلسوف الانجليزي جون لوك، حيث تطرق إليها في إطار محاولته الإجابة عن إشكالية وحدة الهوية الشخصية خلال الزمن، والتي أجاب عنها من خلال افتراض أن الشخص هو بالذات قادر على حفظ المراحل التراكمية للوجود داخل النفس، وبذلك أخرج مفهوم الهوية من بعدها الجماعي المحض ليؤسس لما يسمى “بالهوية الشخصية”. وفي القرن التاسع عشر عرف مفهوم الهوية تطورا مهما مع مجموعة من الفلاسفة، أبرزهم فريدريك هيغل، حيث قام هذا الأخير بنقل سؤال الهوية إلى حقل العلاقات الاجتماعية، وذلك عبر اعتبار الهوية نتاجا للاعتراف المتبادل بين الذات والآخر، فهي نتيجة سيرورة صراعية تتشكل عبرها تفاعلات فردية وممارسات اجتماعية موضوعية وذاتية، وبذلك يكون قد أخرج مفهوم الهوية من بعديه الفردي المحض والجماعي المحض، وذلك عبر التأكيد على أن الهوية هي نتيجة تداخل بين الفردي والجماعي داخل الذات الانسانية.[3]

من ضمن الفلاسفة الذين تناولوا مفهوم الهوية في الفلسفة المعاصرة هناك الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، حيث سلط الضوء على بعدين أساسيين لمفهوم الهوية وذلك عبر تمييزه بين مضمونين متناقضين لهذا المفهوم، وهما التطابق Mêmeté  والتمايز أو الاختلاف Ipséité، وذلك أن مفهوم الهوية يحيل في نفس الوقت إلى ما يوحد الفرد ويجمعه بغيره من أفراد الجماعة التي ينتمي إليها، كما يحيل إلى ما يجعله فريدا ومختلفا عن أي فرد غيره.[4]

وهكذا فإنه يتبين من خلال عرض بسيط لبعض أهم الأبعاد التي ينطوي عليها مفهوم الهوية، أن هذا المفهوم هو محط جدال بين تصورات مختلفة، الأمر الذي يجعله غير قابل للاختزال في تعريف دقيق ومحدد، وبالتالي فمحاولة تحديده بشكل واضح دون اختزال معناه يجب أن لا تتعدى تسليط الضوء على الطابع التركيبي والمعقد الذي يميزه، فهوية فرد ما هي كل مركب بين ما يتشاركه بين كل أفراد جماعته، وبين ما يميزه عن كل هؤلاء الأفراد، وهي ذات مستويات متعددة ترتبط بمستويات اتنمائه، وبدرجة انخراطه في الجماعة التي ينتمي إليها، الأمر الذي يجعلها غير ثابتة وفي تشكل مستمر عبر سيرورات من البناء وإعادة البناء.

  1. الانتماء وبناء الهوية الجماعية:

تتضمن سيرورة بناء الهوية الجماعية فعل تفييء، ويحيل هذا الفعل إلى مطابقة الأفراد لصفات محددة أو انتمائهم إلى فئة معينة[5]، وذلك أن بناء الهوية الجماعية هو مؤسس على الانتماء، حيث أن الشعور المتبادل بالانتماء المتشارك بين أفراد مجموعة معينة، هو الذي يجمعهم ويمنحهم الشعور بالوحدة، ويرتكز هذا الشعور على سيرورة ذاتية وعاطفية[6] تربط (أو تفصل) الأفراد فيما بينهم، فإذا كان هذا الرابط متينا أصبح شعور الفرد بالانتماء وبالتالي هويته أكثر ثباتا واستقرار، أما إذا كان الرابط هشا أو حتى منفصلا بفعل الرفض أو الوصم مثلا، فإن شعوره بالانتماء وانخراطه ضمن هذه الجماعة لا يتحقق.[7]

يحيل مفهوم الانتماء ليس فقط إلى سيرورة عاطفية فردية، ولكن أيضا إلى سيرورة انخراط بنيوية وبيروقراطية[8]، وذلك أن قبول فرد ضمن جماعة معينة هو ليس فقط رهين تفاعلات اجتماعية بينه وبين المجموعة التي يود الانخراط فيها، ولكنه مرتبط كذلك بالبنيات السياسية والإدارية التي تلعب دورا حاسما في قبول أو رفض انخراطه ضمن هذه الجماعة. إن بناء الهوية الجماعية هو سيرورة تتداخل فيها عوامل ذاتية عاطفية وأخرى موضوعية مؤسساتية لا تقل أهمية، بحيث تلعب هذه العوامل دورا أساسيا في تسهيل أو عرقلة سيرورة الانتماء وبالتالي بناء الهوية.

  • الغيرية وبناء الهوية الجماعية:

يرتبط البعد الجماعي للهوية بالشعور بالانتماء الذي نملكه إزاء جماعات معينة، وقد اعتبرت بعض التصورات الكلاسيكية (مثال على ذلك دوركايم) أن هذا الشعور مفروض على الفرد بشكل موضوعي خارج إرادته[9]، ومعنى ذلك أن هويته الجماعية محددة بشكل سابق عنه، فبمجرد وجوده داخل المجتمع يكون قد اكتسب هويته. والواقع أن هذا التصور متجاوز اليوم، وذلك بسبب حتميته، وبسبب اهماله لمكانة ودور الفرد في تشكيل هويته الخاصة، وأيضا لكونه يصور الهوية الجماعية باعتبارها جامدة وثابتة، وهو عكس ما تذهب إليه كثير من التصورات اليوم (فوداك Wodak)، حيث  تعتبر أن الهويات الجماعية تتغير باستمرار، وذلك أنها عبارة سيرورة مستمرة من التفاوض والتأكيد، يقوم خلالها الأفراد بالانتماء إلى جماعات معينة والتصرف باسمها وضمن إطارها[10]، وهذا الانتماء على العكس من سابقه، يكون نابعا من وعي وإرادة كبيرين للفرد، وليس مجرد انخراط مباشر ضمن المسار والمكان الذي تحدده الجماعة.

يحيل مفهوم بناء الهوية الجماعية في أعم تعريفاته إلى “سيرورة إنشاء مجموعات تحمل شعورا بالانتماء”[11]، وهذا الشعور لا يكتمل إلا من خلال رسم الحدود بين “النحن” و”الغير، فالغيرية هي عنصر أساسي في سيرورة بناء الهوية، وذلك أن هذه الأخيرة هي عبارة عن عملية تحديد مستمرة لما يشكل الاختلاف بين الذات والغير، وقد كانت الأبحاث الأنثروربولوجية هي أكثر من سلط الضوء على هذا الجانب، وذلك من خلال دراستها لدينامية الاثنيات، ودورها في بناء هوية الأفراد من خلال الانتماء الذي تفرضه بناء على سمات ثقافية أو إثنية معينة[12]، وذلك على اعتبار أن تحديد الجماعة الإثنية لذاتها لا يتم سوى من خلال التقابل المستمر الذي تقيمه بينها وبين باقي الإثنيات الأخرى، فمن خلال هذا التقابل تخلق الهوية وتؤكد وتحفظ استمرارها[13].

  1. الهجرة وحركية الافراد (السياق العام لبروز اشكالية الهوية):

أصبح العالم منذ نهاية القرن العشرين يصير أكثر فأكثر حركية، حيث صارـ حسب تقرير الأمم المتحدةـ عدد الأفراد الذين يعيشون خارج بلد المولد 180 مليون فرد سنة 2005، والذي لم يكن يتجاوز 80 مليونا في العقد السابق، ولا زال هذا العدد مستمرا في التزايد، حيث انتقل إلى 220 مليون سنة 2010، وفي سنة 2017 وصل العدد إلى 258 مليون.[14]

أحدثت العولمة تغيرات جذرية على مستويات كثيرة، ولعل أهم ما جاءت به هو تحرير السوق وتسهيل التبادل الحر بين الدول، تزايد تدفق المعلومات، إضافة إلى تشكل روابط بين أفراد وجماعات من جهات مختلفة من العالم بفعل وسائل الاتصال والتواصل…الخ[15]، والواقع أن هذه التغيرات جميعها تتمركز حول نقطة واحدة، تتعلق بضرورة فتح الحدود أمام مختلف التدفقات (قد تكون عبارة عن سلع، أموال، استثمارات، أو معلومات معلومات…الخ)، الأمر الذي يجعلنا أمام عالم أكثر انفتاحا وترابطا من أي وقت مضى، وأيضا أمام وضع متناقض، حيث أنه في ظل هذا التوجه نحو الانفتاح الذي يميز العالم اليوم، نجد أن القيود على حركية الأشخاص لا تزال ضيقة[16]، ومعنى ذلك أن العولمة لا تمنح مميزاتها للجميع، فهي تتحرك بمنطقين متناقضين، بحيث أنها تقوم بشكل مستمر بابتكار تكنولوجيات عابرة ومحطمة للحدود (كالطائرات مثلا وغيرها من وسائل النقل)، لكنها في الآن ذاته، تضع المزيد من القيود على حركية الأشخاص وحرية التنقل والهجرة[17].

إن كثافة الهجرة التي نشهدها اليوم، هي دليل على أن المقاربة القائمة على تقييد الحركية غير مجدية، ولا تتوافق مع الدينامية التي يعرفها العالم المعاصر، فالقيود على الهجرة لم توقف الهجرة بقدر ما أدت إلى ظهور وسائل وطرق متعددة لاختراق الحدود، والتي تكون في أغلب الأحيان خطيرة ومنافية لحقوق الإنسان[18]، ففي واقع يتميز بحركية وتدفق المعلومات والأموال والأفكار، لا يمكن أن نتوقع سوى أن تكون هجرة الأفراد مكثفة، وذلك لأن هذه التدفقات تمنح الكثيرين المزيد من الطموحات في الهجرة نحو مكان أفضل، حيث تتوفر ظروف عيش أحسن.

  1. علاقات الارتباط بين الهوية والهجرة:

الهجرة على غرار كل التغيرات الهامة التي تمس الوضع الاجتماعي للفرد، تؤثر على أحاسيس الانتماء الاجتماعي، وبالتالي أحاسيس الهوية[19]، وهو الأمر الذي يضع اشكالية الهوية في صلب اهتمام سوسيولوجيا الهجرة، كما يجعل، من جهة أخرى، من الهجرة موضوعا أساسيا لا محيد عنه لفهم ديناميات بناء الهوية، فالهجرة هي ليست فقط حركية مجالية أو تغييرا مؤقتا أو دائما لمكان الاقامة، وإنما هي تغير جذري يمس الروابط الاجتماعية للفرد، ويضعه أماما ضرورة بناء روابط جديدة مع هامش اختيار الحفاظ أو القطع مع روابطه القديمة، وتشكل هذه الدينامية المتمثلة في عملية بناء وإعادة بناء الروابط أساس تشكيل الانتماء الذي يعد بدوره ركيزة الهوية.

تؤثر الهجرة بشكل كبير على هوية المهاجر، حيث تؤدي إلى إضعاف شعوره بالهوية، ويتكرس هذا الوضع من خلال غياب المؤشرات المرجعية داخل البلد المستقبل، إضافة إلى صعوبات الاندماج، وملاقات الرفض وعدم القبول[20] من طرف سكان البلد المستقبل، سواء كان هذا الرفض متجسدا بشكل موضوعي عبر القوانين والمؤسسات، أو مقتصرا على التمثلات والوصم الاجتماعي. تؤثر الهجرة أيضا على الهوية من خلال الانفصال الذي تحدثه بين المهاجر وجماعته الأصلية لاسيما عندما تكون المسافة المجالية كبيرة، حيث ينعكس هذا الأمر على راوبط الأسرة فتنفصل بشكل كلي أو جزئي، كما تتأثر أيضا الروابط التي يقيمها الفرد بالمجال حيث تنفصل صلته “بالتراب” أو “البيت”[21]، ويؤثر ذلك بشكل كبير على هوية المهاجر حيث يصبح تحت ضرورة إعادة بناء هويته عبر إنشاء روابط جديدة داخل البلد المستقبل، لكن بما أن هذا الأخير قليلا ما يعترف بالمهاجرين كأعضاء مرغوب فيهم ضمن المجتمع[22]، فإن هوية المهاجر غالبا ما تصبح هشة، ومنقسمة بين اختيار التشبث بالانتماء للبلد الأصل، واختيار بناء انتماء جديد مع البلد المستقبل، والواقع أن كلا الاختيارين صعب التحقيق، وهو ما أشار إليه عبد المالك الصياد من خلال مفهومه “الغياب المزدوج”، حيث يحيل هذا الأخير إلى أن المهاجر غائب بشكل ملموس في بلده الأصل، وغائب بشكل مجرد في البلد المستقبل.

تفرض الهجرة نوعا من اللااستقرار والحركية الدائمة، كما تفترض أحيانا بحثا مستمرا عن الانتماء وتفاعلا مستمرا مع الشروط البيروقراطية والقانونية للقبول الاجتماعي[23]، وهو الأمر الذي يجعل هوية المهاجر مرنة وانسيابية، كما يفرض على الباحث السوسيولوجي  والأنثروبولوجي، الأخذ بعين الاعتبار مختلف أبعاد الهوية سواء الدينامية منها أو البنيوية، على اعتبار أنها لا تقبل الاختزال في أي من منها، كما لا يتحقق فهمها إلا من خلال تبني مقاربة متعددة التخصصات تتناول اشكالية الهجرة والهوية من مختلف المداخل الممكنة.

  1. الهجرة وبناء الهوية:

يتأسس بناء الهوية لدى المهاجرين على سيرورتين، إحداهما ذاتية تتشكل عبر اختياراتهم الخاصة، والأخرى خارجية تفرض عليهم، وذلك أن هوية المهاجر هي لا تبنى فقط عبر نظرته لذاته والأوضاع التي حددها لنفسه، ولكن أيضا من خلال نظرة الآخرين، والأوضاع التي حددها الآخرون له[24]، فهوية المهاجرين هي منتوج تتفاعل ضمنه علاقة الذات (الجماعية) بالغير، وتتجسد هذه العلاقة في جدلية التفاعل والصراع بين الصورة التي ترسم حول المهاجر على أساس انتمائه إلى إثنية أو ديانة أو لغة…الخ، والصورة التي يرسمها المهاجر حول نفسه سواء عبر مقاومة هذه الصورة أو تبنيها.

تتعارض هذه الفكرة مع التصورات الكلاسيكية للهوية والتي تعتبر هذه الأخيرة ككل قائم ومكتمل، وبالتالي تنظر للمهاجر باعتباره حامل لهوية مشكلة وثابتة، محددة مسبقا من طرف المجتمع الأصلي الذي ينتمي إليه، ومرتبطة بشكل قوي بالمجال والتراب الذي تتشكل ضمنه. ويرى الباحثين سيلفي ولاوسون Silvey and Lawson في المقابل، أن الهويات تبنى داخل سيرورة الحركية، بحيث تستدمج مجموعة من الخبرات المتراكمة ضمن أماكن متعددة في الآن ذاته[25]، فالهوية ليست جوهرا قائما، وإنما هي منتوج دائما في طور التشكل، وذلك أنها مرنة وسائلة، تتفاعل مع مختلف السياقات المتغيرة[26].

وفي هذا السياق يمكن ادراج مثال المهاجرين الإيرانيين في أمريكا، حيث يشير “مبشر” Mobasher إلى أن الثورة الإيرانية سنة 1979، أدت إلى تولد شعور مناهض للإسلام داخل أمريكا، وقد تكرس هذا الوضع من خلال مجموعة من الأحداث التي أدت إلى ربط الاسلام بالإرهاب والتطرف الديني في تمثلات الأمريكيين، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على الأقليات المسلمة في أمريكا وتحديدا الأقليات الايرانية، حيث أصبحت محط نبذ ووصم اجتماعي، فلجأت بذلك إلى إعادة بناء هويتها عبر مقاومة الصورة السلبية التي رسمت حولها، حيث قام مجموعة من المهاجرين بقطع صلتهم بالإسلام سواء من خلال تبني المسيحية أو من خلال إعلان رفضهم لتعاليمه الدينية، في حين قام الهاجرون الذين حافظوا على انتمائهم الديني بشكل تدريجي بإخفاء العلامات الدينية التي توحي بانتمائهم للإسلام[27]. وعموما فإن دل ذلك على شيء، فهو أن هوية المهاجرين ليست ثابتة، وإنما هي منفتحة ومتفاعلة مع السياق الذي توجد داخله، فهي تنتج بشكل مستمر من خلال سيرورة بناء وإعادة بناء تتفاعل داخلها عوامل كثيرة.

  • الهجرة والهوية في تصور فرانسيس فوكوياما:
  1. الهوية والحداثة:

يرى فوكوياما أن السياسات الحديثة المتعلقة بالهوية في الدول الغربية، نابعة من ثغرة في النظرية السياسية التي انبنت عليها الديمقراطية اللبرالية، وهذه الثغرة تكمن في سكوت النظريات اللبرالية عن اشكالية مكانة الجماعات داخل المجتمع اللبرالي، حيث ركزت هذه النظريات بشكل أساسي على ضرورة ضمان الدولة للحقوق والحريات الفردية، لكنها أهملت حرية الجماعات سواء الدينية أو الثقافية أو الإثنية في الحفاظ على هوياتها الجماعية[28]، وهو الأمر الذي أدى في وقت لاحق إلى استنزاف هذا التصور القائم على فكرة الاعتراف بالحقوق الفردية باعتبارها تمثل ما هو كوني في الانسانية، بحيث لم يعد هذا الحق كافيا، وأصبح جليا، من خلال مطالب الجماعات المهمشة (مثل السود في أمريكا والكيبيكيين والمثليين…الخ الذين يطالبون بالاعتراف بهم ليس كأفراد، ولكن كأعضاء في مجموعة) أن الاعتراف الجماعي صار مطلبا أساسيا وتحديا سياسيا مهما داخل المجتمعات الحديثة، ومعنى ذلك أن الهوية في المجتمع الحديث صارت اشكالية أمام السياسة، لكنها أيضا صارت سياسية، وذلك لكونها أصبحت مرتبطة “بالاعتراف العمومي”[29].

  1. الإسلام والهوية:

يرى فوكوياما أن اديولوجيا الإسلام الراديكالي التي حفزت الأعمال العنيفة التي حدثت في مجموعة من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة، هي ليست تعبيرا عن ثقافة إسلامية تقليدية، وإنما هي نتيجة للثغرة الكامنة في النظرية الليبرالية، وانعكاس للسياسات الحديثة للهوية، فالإسلام حسب فوكوياما، هو ديانة تقوم على ضبط السلوك من خلال مجموعة كبيرة من القواعد الاجتماعية، هذه القواعد متوطنة بشكل قوي على المستوى المحلي ومتوافقة مع مجموعة من العادات والتقاليد والممارسات المرتبطة بأماكن محددة، وبالتالي فعندما يغادر المسلمون المجتمعات الإسلامية التقليدية نحو أروربا الغربية خاصة، فإن هويتهم كمسلمين تصبح غير قابلة للتحمل من طرف المجتمعات المستقبلة، ويعاني المهاجرون المسلمون، تحت ضغط ضرورة الامتثال للمعايير الثقافية للمجتمع المستقبل، من شرخ يحصل بين هويتهم الداخلية كمسلمين وسلوكهم الخارجي تجاه الآخرين، فيصيرون محاطين بسؤال حدود انتمائهم وأصالة هويتهم[30].

يرى فوكوياما أن حركات الإسلام الراديكالي والجهادي، تتزايد استجابة للإشكالات الهوياتية التي أصبحت مطروحة بشكل قوي مع الهجرة، بحيث أن أهم ما تقدمه هذه الاديولوجيات هو الإجابة عن سؤال “من أنا؟”، هذا السؤال الذي يطرحه اليوم الكثير من المهاجرين الشباب في فرنسا وهولندا، ويجدون إجابته في الانتماء إلى أمة عالمية تتبنى تعاليم الإسلام الكونية. والواقع أن اعتبار الاسلام الراديكالي شكلا من سياسات الهوية، هوـ حسب فوكوياماـ ما يفسر سبب انخراط الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين ضمنه، ففي الوقت الذي لم يقطع الجيل الأول سيكولوجيا مع مجتمعه الأصلي، وحمل معه ممارساته التقليدية إلى موطنه الجديد، وجد الجيلين الثاني والثالث نفسهما عالقين بين ثقافة آبائهم وثقافة البلد المستقبل، دون القدرة على الاندماج في أي منهما، وهو الأمر الذي جعلهم يستجيبون لنداء الاديولوجيات الكونية للحركات الجهادية المعاصرة[31].

  1. نقد التعددية الثقافية:

يرى فوكوياما أن التعددية الثقافية كما تم تصورها في كندا والولايات المتحدة الأمريكية، كانت بشكل ما عبارة عن “لعبة في نهاية التاريخ”، حيث تم تصور التعدد الثقافي كجزء من التنوع (pluralism) الذي يسم المجتمع اللبرالي ومصدر غنى له، بما يوفره هذا التعدد من تنوع في المأكولات والملابس والعادات النابعة من تقاليد تاريخية مختلفة، وقد تم تصور أن هذا التعدد الثقافي من حيث ممارسته لن يتعدى المجال الخاص، ولن يؤدي إلى المساس بالحقوق الفردية، وإلا فإنه سيهدد النظام اللبرالي، وهو تحديدا ما يفسر المقاومات العنيفة التي تبديها المجمعات الديمقراطية اللبرالية لكل محاولات بالاعتراف بالمجموعات الثقافية، كمجموعات وليس كأفراد[32].

يشير فوكوياما إلى أن المجتمعات اللبرالية الحديثة تقدم نفسها على أنها مجتمعات التعدد الثقافي، وعلى أنها مجتمعات تتجاوز الحدود الضيقة للهوية، والواقع حسب فوكوياما أن الأمر غير صحيح، فالهوية الوطنية لازالت قائمة في كل اللبراليات الديمقارطية المعاصرة، وهو ما يفسر الصعوبات الكبيرة التي لقيها إدماج المسلمين في مجموعة من البلدان كفرنسا وألمانيا وهولندا. ويشير أيضا إلى أن المجتمعات الديمقراطية اللبرالية هي ليست محايدة ثقافية كما قد يعتقد الكثيرون، وذلك لأنها تملك قيمها الخاصة المتعلقة بالمساواة الفردية في الحقوق والكرامة، وبالتالي فالثقافات التي لا تحترم هذه القيم لا تملك نفس الحق في المساوة داخل هذه المجتمعات. فالمهاجرون يملكون الحق في المساواة كأفراد لكن ليس كأعضاء ضمن جاعات ثقافية[33]، ومعنى ذلك أن المهاجرين لا يملكون حق المساواة ضمن المجتمع الديمقراطي الليبرالي، إلا من خلال انتسابهم لهذا المجتمع عبر تشبثهم بما هو فرداني داخلهم.

خاتمة:

ختاما يمكن القول أن الهوية والإشكالات المرتبطة بها، تبرز وتظهر بأشكالها الأكثر جلاء مع المشاكل العديدة التي تطرحها الهجرة، فهذه الأخيرة تساءل الهوية، كما تثير كل الأسئلة الكبرى التي وقفت عندها مختلف المقاربات الفلسفية المؤسسة للمفهوم (من قبيل سؤال التغير والثبات).  وبالتالي فإن أي تحليل للهجرة دون الوقوف عند إشكاليات الهوية هو تحليل غير مكتمل، كما أن أي سياسة هجروية لا تراعي البعد الهوياتي لدى المهاجرين هي سياسة عاجزة، ونابعة من عدم إدراك أصل المشاكل المطروحة مع الهجرة. وفي هذا السياق تحديدا يندرج النموذج الذي أورده فوكوياما حول المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فعدم قدرة هذه المجتمعات الديمقراطية اللبرالية على استمداج الهويات والثقافات الحاملة لقيم لا تتوافق مع قيمها الخاصة (المتعلقة أساسا بالحرية الفردية)، هو الذي أدى إلى ظهور فئات كثيرة تطالب بحق الاعتراف بها كهوية، وضمنها تندرج حركات الاسلام الراديكالي، التي جاءت ـحسب فوكوياماـ استجابة لسؤال الهوية، والذي لم يمكن ليطرح بنفس الشكل والحدة، لو لم تؤدي السياسات الحديثة للهوية إلى تعميق مشاكل الاندماج لدى المهاجرين.

قائمة المراجع:

  1. CALIN Daniel, Construction identitaire et sentiment d’appartenance, Ce texte a servi de base à une conférence donnée le 11 décembre 1998 dans le cadre des Amphis de l’A.I.S. de l’I.U.F.M. de Paris. Texte accessible sur http://dcalin.fr
  2. Caroline B. Brettell and Carolyn F. Sargent, Migration Identity and Citizenship: Anthropological Perspectives, American Behavioral Scientist 2006, Volume 50 Number 1, September 2006 3-8.
  3. Francis Fukuyama, Identity and migration, Prospect Magazine, Issue 131 February 2007.
    1. Ramunė Čiarnienė, Vilmantė Kumpikaitė, The Impact of Globalization on Migration Processes, Socialiniai tyrimai / Social Research. 2008. Nr. 3 (13), 42–48.
  4. Robinson Baudry, Jean-Philippe Juchs« Définir l’identité », Hypothèses 2007/1 (10), p. 155-167.
  5. United Nations, International Migration Report 2017: Highlights, Department of Economic and Social Affairs, New York, 2017.
  6. CEPAL, Globalization and development, ECLAC, April 2002.
  7. Wodak R, Krzyzanowski M. ‘Multiple Identities, Migration, and Belonging: Voices of Migrants’. In Caldas-Coulthard C, Iedema R, editors, Identity Troubles. Basingstoke: Palgrave Macmillan. p. 95-119.

[1] Robinson Baudry, Jean-Philippe Juchs« Définir l’identité », Hypothèses 2007/1 (10), p. 155-167.  P 157

[2] Ibid.,  P 158

[3] Ibid., P 159

[4] Ibid., P 164

[5] Wodak R, Krzyzanowski M. ‘Multiple Identities, Migration, and Belonging: Voices of Migrants’. In Caldas-Coulthard C, Iedema R, editors, Identity Troubles. Basingstoke: Palgrave Macmillan. 2007. p. 95-119. P 99

[6] Ibid., P 99

[7] Ibid., P 101

[8] Ibid., P 101

[9] Daniel CALIN, Construction identitaire et sentiment d’appartenance, Ce texte a servi de base à une conférence donnée le 11 décembre 1998 dans le cadre des Amphis de l’A.I.S. de l’I.U.F.M. de Paris. Texte accessible sur http://dcalin.fr , P 1

[10] Wodak R, Krzyzanowski M. op. cit. p. 95-119. P 98

[11] Caroline B. Brettell and Carolyn F. Sargent, Migration Identity and Citizenship: Anthropological Perspectives, American Behavioral Scientist 2006, Volume 50 Number 1, September 2006 3-8, P 3

[12] Ibid.,  P 3

[13] Ibid.,  P 3

[14] United Nations, International Migration Report 2017: Highlights,  Department of Economic and Social Affairs,  New York, 2017, p 1

[15] Ramunė Čiarnienė, Vilmantė Kumpikaitė, The Impact of Globalization on Migration Processes, Socialiniai tyrimai / Social Research. 2008. Nr. 3 (13), 42–48, P 42

[16] UN. CEPAL, Globalization and development, ECLAC, April 2002, P 230

[17] Ibid., P 233

[18] Ibid., P 230

[19] Daniel CALIN, op. cit., P 2

[20] Ibid., P 2

[21] Ibid., P 2

[22] Wodak R, Krzyzanowski M. op. cit.  P 115

[23] Ibid., P 98

[24] Caroline B. Brettell and Carolyn F. Sargent, op. cit. P 4

[25] Ibid., P 3

[26] Ibid., P 4

[27] Ibid., P 6

[28] Francis Fukuyama, Identity and migration, Prospect Magazine, Issue 131 February 2007, P 1

[29] Ibid., P 2

[30] Ibid., P 2

[31] Ibid., P 3

[32] Ibid., P 5

[33] Ibid., P 5