Print Friendly, PDF & Email
الهوية العربية: صراع فكري وأزمة واقع(دراسة في الفكر العربي المعاصر)

 عامر فؤاد عامر :

«تعرّف الهويّة أنها مجموعة من الخصائص التاريخيّة واللغويّة والنفسيّة التي تفصل بين جماعة وأخرى؛ الأمر الذي يجعلها تخرج من إطار الثبات، فهي نتاج حركة متعاقبة لجملة من الشروط التي تفرض على كل مرحلة مجموعة من التحولات النوعيّة في المجتمعات البشريّة، وتؤدي إلى حدوث نوع من عدم التوازن والاستقرار بين القديم الموروث والجديد الذي يسعى لتعيين وجوده، ولكي نعي هذا التغير والتطور لا بدّ من وعي الخلفيّة التاريخيّة التي ولدت هذا التغير، والعوامل التي أسهمت في حدوثه». هذا مما جاء في مقدمة ومدخل كتاب الهويّة العربيّة صراع فكري وأزمة واقع لمؤلفه د. «عهد كمال شلغين». وكان ذلك تحديداً للمفهوم النظري للهويّة، والتمعن في الدلالة الفلسفيّة واللغوية، وتحديد الشروط التاريخيّة التي نشأ فيها ومن خلالها سؤال الهويّة وتحليلها.

الشرط التاريخي العربي
لظهو ر سؤال الهويّة
في جملة الشروط التي ولدت سؤال الهويّة اليوم يعرض الكتاب لعودة زمنيّة لولادة هذا الشرط، فقد شهد العالم مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر مجموعة من الأحداث على الصعيد الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي والعسكري أثرت في حركة التاريخ العربي فالوطن العربي كان مسرحاً لكثير من الأحداث والاضطرابات. ترافق ذلك مع ضعف الحكم العثماني آنذاك وانبثاق مفاهيم نهضويّة على أيدي مصلحين مثل: «عبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وبطرس البستاني، وإبراهيم اليازجي، وجرجي زيدان، وقاسم أمين، ورفيق العظم، وشكيب أرسلان، وأحمد لطفي السيد، ومعروف الرصافي، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وسلامة موسى». وفي أوج ذلك ظهر ما يسمى الفكر القومي ضمن الدولة العثمانيّة ذاتها.
العرب ومسألة الانتماء

وقد قُسّم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول وقفت عند سؤال الهويّة العربيّة ومناقشته في ضوء الواقع العربي المعاصر؛ من خلال البحث في مجموعة من التساؤلات، ففي الفصل الأول الذي حمل عنوان «العرب ومسألة الانتماء» تمّ تحديد الانتماء كمفهوم والتمييز بينه وبين الولاء، وتوضيح كيف تتجلى مشاعر الانتماء لدى العرب، وتبيان صور وعي الانتماء في الواقع العربي المتعين أو الحادث فعلاً، ومقومات تعيّن الهوية في الواقع العربي كاللغة والدين والدولة، وتمّ البحث في مجموعة من الانتماءات المتعددة عند العرب بين ما هو واقعي وما هو نظري لديهم، وتحديد الثابت والمتغير في الهويّة العربيّة.

بين مفهومي الانتماء والولاء
الانتماء يعكس معنى الكليّة ويحوي في إطارها جميع الهويّات، الرئيسة والثانويّة من هويّات طبقيّة وقبليّة وعشائريّة ومناطقيّة إلى مذهبيّة ودينيّة إلى آخره ومن دون استثناء. في حين الولاء يعكس الدلالة الفرديّة المباشرة لحقيقة وجود الناس في إطار حريّة اختيارهم وفقاً لمصالحهم الحياتيّة، ولاتجاهاتهم وميولهم في الفكر والسياسة.

الهويّة والأيديولوجيّة
الفصل الثاني وعنوانه «الهويّة والأيديولوجية» وتمّ فيه تحليل بعض الخطابات العربيّة المعاصرة اعتماداً على تجلي صور الهويّة في الوعي العربي ضمن ثلاثة محاور رئيسة: الأول الإسلام السياسي «الدين والهويّة»: تحليل لبداية مظاهر الوعي الديني كخطاب أيديولوجي في واقعنا، وكيف تعيّن هذا الوعي عبر مجموعة من التيارات الدينيّة المختلفة في شكل الخطاب رغم التشابه في مضمونها. والثاني الفكر القومي وقضيّة الأمّة والهويّة: وفيه أهم الشروط التي ولّدت الفكر القومي، والمراحل والمحطات التي مرّ بها وكيف ظهر خطاب الهويّة في الأيديولوجية القوميّة. والثالث هو الخطاب الأيديولوجي الإقليمي والهويّة: من خلال البحث في حضور الأيديولوجية القطريّة في الوطن العربي، ومدى أثرها في الواقع المعيش وما ينتج عن هذا الخطاب من أزمات وتزييف للهويّة واصطناع هويّات ضيّقة ومؤقتة.
بداية مظاهر الإسلام السياسي
في الواقع العربي المعاصر

مع بداية النصف الثاني من القرن 18 بدأت تظهر وترتفع أصوات المطالبين بفصل الأمة العربية عن الدولة العثمانية، وتحقيق الاستقلال عنها لتشكيل بدايات الوعي لإبراز هويّة عربيّة مميزة. ومن التيارات الأبرز كان تيار رفع لواء الدين لبناء دولة عربية إسلاميّة متمثلة بالعودة إلى الإسلام الأول ورفض الانحرافات والرواسب البالية. فيما بعد ظهرت فكرة الجامعة الإسلاميّة كهويّة جامعة للمسلمين لكنها اتخذت من تركيزها على السلفيّة الدينيّة طريقاً. وعند هذه النقطة التقت فكرة العروبة بالإسلام أي أسلمة الدولة العربية والتي لم تتحقق بعد.

مستقبل الهويّة في الوطن العربي
في الفصل الثالث الذي حمل عنوان «مستقبل الهويّة في الوطن العربي» ناقش مصير هذه الهويّة في ظل التغيرات سواء الإقليمية أم العالميّة وأثرها في تشكل وعي هوياتي جديد ومدى تأثر العولمة في الهويّة العربية، والأسس التي يمكن أن تبنى عليها الهويّة العربية مستقبلاً.

العرب والعولمة والهويّة
انتهى عصر الاستعمار المباشر في القرن العشرين لتبدأ معه أشكال جديدة من الاستعمار تحت مسميات ومفاهيم مختلفة، مثل مناطق النفوذ والتحالفات العسكريّة والاقتصادية والشركات العابرة للقارات أو المتعددة الجنسيّات، وبما يسمى اقتصاد السوق، وتشكل التحالفات الدوليّة؛ مثل مجموعتي السبع والثماني ومجلس الأمن ودول الأعضاء الدائمين والعالم ذي القطب الواحد، والكوننة، والعالم قرية صغيرة، كل هذه التعابير تنضوي تحت ما يسمى اليوم العولمة وهي قياساً على ما بعد الحداثة هي ما بعد الرأسماليّة أو الرأسماليّة القصوى، هي ما بعد السياسة، هي ما بعد الثقافة، هي ما بعد الدولة والأمّة، هي ما بعد الدين واللغة والهويّة، هي مشروع لإعادة صياغة العالم بعيداً عن المكونات السابقة، هي مشروع مفتوح.
في المصلحة والهويّة

عجز العرب في ظل العولمة عن تأسيس وعي بهويّة مشتركة على مستوى الخطاب القومي والديني والقطري والإقليمي ولو نظرنا للوضع العربي المعاصر لوجدنا أن العرب تجمعهم مجموعة شروط تؤلف خطاباً مشتركاً في المصلحة، كمسألة الغذاء والأمن الغذائي، وأزمة المياه والنفط والمصير المشترك والإرث الثقافي المتقارب والحضارات والجغرافيا واللغة وغيرها من الشروط التي تحث العرب وتنير وعيهم بضرورة العمل على تأسيس خطاب مشترك في الهويّة والمصلحة.

خاتمة وخلاصة
يتبين اليوم أن العرب يعيشون أزمة في انتمائهم لهويّة مشتركة، فهي حاضرة في وعينا وسلوكنا، فلا هويّة كليّة يؤسس عليها الخطاب، فالعرب لم يصلوا حتى اليوم إلى هويّة كليّة منتصرة على باقي الهويّات. وكثرة الانتماءات غالباً ما تتحول إلى أداة للصراع مع الآخر حتى إنها تصل إلى ذريعة للقتل، كما يحدث اليوم، ما يوسع دائرة الخلاف بين العرب أنفسهم، فكل منهم يحاول تأسيس خطابه بناءً على مبادئ وأفكار خاصّة به لا يشترك بها مع غيره. ويقع اللوم هنا على الخطاب القومي الذي ترك فراغاً مع مرور الوقت للخطاب الديني ولاسيما الخطاب الديني المتشدد. والذي اعتمده الإسلام السياسي الذي بنى نظرته للواقع من مبدأ أساسه أن ما في العرب اليوم من تخلف وسوء، إنما هو راجع لابتعادهم عن المنبع الأصيل للدين، مستنداً للعودة للأصول مع ملاحظة تعدد شكل الخطاب الديني من أصولي متشدد إلى إصلاحي إلى معتدل، لكن كلها متفاوتة في الخبرة والنضج ونظرتها للواقع والسلوك، ، كما أن أفكارهم جميعها مبنيّة على أمجاد الماضي وتبرير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالاعتماد على صورة غيبيّة.
إن الهويّة العربية هويّة حقيقيّة وليست زائفة، والمشكلة تكمن أن هذه الهويّة معرضة للخطر، والغزو الحقيقي اليوم هو غزو ثقافي، واستمرار الهويات الإيديولوجية الضيقة اليوم ليس مرده غياب الدولة الأمة فقط بل لعملية ممنهجة خارجيّة للحفاظ على الصراع الداخلي العربي، بالتالي عدم الانتصار لهوية جامعة، ففكرة الدولة الأمة الجامعة لكل الحيثيات هي الحل الأمثل للعرب.