بقلم د. رضا محمد هلال*

تصاعدت منذ أوائل عقد التسعينيّات من القرن العشرين مطالب العديد من الجماعات والحركات الإثنية المطالِبة بالحفاظ على هويّتها المستقلّة، واعتراف الدول التي تقوم فيها بهذه الهويّة المستقلّة التى تتضمّن إعادة دمج هذه الجماعات واستيعابها في السياسات الخاصّة بالتنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ساعد في تصاعد هذا المدّ اعتبارات عدّة يتعلّق بعضها بزيادة قوّة هذه الجماعات والحركات، في مقابل تراجع قدرات الدولة في مجال قمع هذه الجماعات والحركات من جانب آخر، وتغيّر استجابة المجتمع الدولي في التعامل مع الصراعات والحروب الإثنية في الدول النامية؛ فبدلاً من سياسات رفض مطالب هذه الإثنيات، ومعاونة الدولة في كبتها، وإجهاض مقوّماتها، اتّجهت غالبية الدول المتقدّمة إلى استخدام الضغوط المالية والاقتصادية والسياسية كافة (إما بشكل جماعي، من خلال المنظّمات الدولية مثل الأمم المتّحدة، أو الإقليمية مثل الاتّحاد الأوروبي، أو بشكل فردي على مستوى العلاقات الثنائية) على الدول النامية للقبول بتقرير مصير أصحاب هذه الهويّة، وفقاً لمزاعم التدخّل الإنساني، ومنع اندثار جماعات بشرية ذات هويّة أو إثنيّة مختلفة. وجاءت أنماط الاستجابة، إمّا في منح أصحاب هذه المطالب حكماً ذاتياً لامركزياً، أو إقامة كيان أو دولة مستقلّة خاصّة بهم، ما تسبّب في تفكيك دول كبرى شاسعة المساحة وكثيفة السكّان إلى دول صغيرة عدّة في المساحة والسكّان، وأدّى إلى القفز بعدد دول العالم الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتّحدة من 170 دولة في يناير(كانون الثاني) 1992 إلى نحو 199 دولة في بداية أكتوبر(تشرين الأول) 2015.

1-مفهوم الهويّة الجماعية الإثنية وتمييزه عن المفاهيم المختلطة به

ظهر مفهوم الهويّة الجماعية الإثنية في الأساس للتحايل على الدلالات اللغوية المباشرة لمفهوم الأقلّية التي تشير إلى القلّة العددية، وكذلك على ميراثه التاريخي الذي يشير، ولو بطريقة لا شعورية في التراث الغربي، إلى مفهوم التعصّب العنصري، بمعنى إعلاء شأن مَن يمثّل الأصل القومي والتمييز ضدّ مَن لا يمثّله والتشكيك من ثمّ في صدق انتمائه.

ومنذ استخدام مفهوم الهويّة الجماعية الإثنية للمرّة الأولى في العام 1909، فإنّه صار أحد أكثر المفاهيم خلافية، حيث تردّد مضمونه بين التعبير عن جماعة فرعية أو أقلّية، والتعبير عن جماعة أساسية أو أمّة أو الجمع بين المعنَيَيْن، باعتبار أنّ من الشعوب مَن يملك كلّ خصائص الأمّة ومقوّماتها، وإن لم تكن له دولته المستقلّة. فالجماعات الفرعية الإيرلندية واليونانية والإيطالية في المجتمع الأميركي، على سبيل المثال، ليست في حقيقتها إلاّ أمماً بذاتها، وإن لم يعترف المجتمع لها بحقّها في التمايز عنه من منطلق استيعابه مختلف الأقليّات وصهرها في بوتقته.

وقد عبّأ سوءُ استخدام مصطلح العرق لتبرير سياسات تحسين النسل، وذبح ملايين البشر، العلماءَ للهجوم على مفهوم مصطلح العرق بحدّ ذاته. وكان في طليعة هؤلاء الأنثروبولوجي آشلي مونتاجيو الذي أوصى باستبدال مفهوم العرق race بمفهوم “الجماعة الإثنية” Ethnic group، ونصح بأنّ هذا المفهوم الجديد سيفتح المجال لإعادة التثقيف، في ما يتعلّق بالفروق الجماعية، مع إعادة تصحيح المواقف العرقية. واستجاب لهذا المقترح مجموعة من علماء الاجتماع، أصدرت في العام 1952 كتاباً عن منظّمة اليونسكو بعنوان: The Statement on Race حيث استفاد الكتّاب من توصيات مونتاجيو في وجوب إسقاط مصطلح “العرق”، واستبداله بمصطلح “جماعة إثنية”، وهو مصطلح يميّز الجماعات بعضها عن بعض على الصعيد الجسدي. وأشارت مجموعة العلماء في هذا الصدد إلى أنّ “العرق” كمصطلح بيولوجي يعطي انطباعاً بأنّ الفروق في الخصائص الثقافية، شأن الدين والقومية واللغة والسلوك، هي فروق فطرية وغير قابلة للتغيير. أمّا مصطلح “الجماعة الإثنية”، فيتضمّن أنّ هذه الفروق ليست موروثة، بل مكتسبة. وتمّ اعتماد مصطلح “الجماعة الإثنية” كمصطلح ملائم للتعبير عمّا يعنيه البشر عندما يتحدّثون عن العرق. ففي رأيهم سوف لن تحقّق الجهود المبذولة لإبطال استخدام مصطلح العرق أهدافها، إلاّ إذا امتنع البشر عن تعريف الشعوب بالمصطلحات البيولوجية.

2- تغيّر استجابة المجتمع الدولي لصراعات الهويّة الإثنية

افترض “جيري موللر Jerry Mueller”، أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، في دراسته المنشورة في مجلّة “الشؤون الخارجية Foreign Affairs”، عدد مارس/ أبريل 2008، تحت عنوان “نحن وهم: القوة الباقية للقومية الإثنية”، أنّ ” القومية الإثنية هي المؤهّلة لقيادة السياسة العالمية عبر الأجيال القادمة”.

غير أنّه باستقراء التاريخ الحديث والمعاصر، يتّضح أنّ المدّ القومي على امتداد التاريخ الأوروبي، كان شاهداً على تسبّب الإيديولوجية القومية في اندلاع الحربَين العالميّتين في العامَيْن 1914 و1939، حيث تسبّبت الإيديولوجيات النازية والفاشية في حدوث استقطاب طائفي حادّ، الأمر الذي أسفر عن قيام الدول الأوروبية بنبذ القومية إثر ذلك، وتوجّهها نحو عصر ما بعد القومية. وتواكب مع ذلك ذيوع الإيديولوجية الشيوعية وانتشارها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شدّدت على ما يُسمّى “بسيادة المصالح المشتركة ” لسائر الشعوب ، وكوّنت ما يقلّل من الانتماءات الأولية للشعوب السوفييتية؛ ولا شكّ أنّ وجود قطب دولي كبير مثل الاتّحاد السوفييتي السابق قد أسهم في التقليل من حدّة الصراعات الإثنية ومنع انتشارها في جسد النظام الدولي.

وعقب انتهاء الحرب الباردة، وتفكّك الاتّحاد السوفييتي، وانفراد الولايات المتّحدة باليهمنة على قضايا النظام العالمي الجديد، وتزايد مدّ الأحزاب اليمينية المتطرّفة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا، والمطالبة بعمليات تطهير عرقي وديني للأجانب المقيمين فيها، اتّجه العديد من الشعوب والجماعات الإثنية للمطالبة بهويّة مستقلّة عن الدول الخاضعين لها.

3- مطالب جماعات الهويّة الإثنية ومبرّراتها

تطرح الجماعات الإثنية مطالب خاصّة بأبنائها تتعلّق بالنظام السياسي الذي تعيش في ظلّه والمجتمع الذي تنتمي إليه؛ ومن هذه المطالب تأكيد هويّتها واحترامها بتمثيلها في النظام السياسي أو منحها وضعاً خاصّاً في البلاد. وكلّما تباينت قيم الجماعة الإثنية وهويّتها وتمثيلها في المجتمع، ازدادت نزعتها إلى التمرّد والانفصال. وعادةً ما تكون اللغة والدين والعادات والتقاليد أكثر الموضوعات حضوراً في المطالب الإثنية، وقد تمتدّ إلى النشيد الوطني للدولة وأسماء المدن والرموز المختلفة في الدولة.

وعادةً ما يتمّ استخدام الدين للتعبئة والحشد لمصلحة النظام السياسي أو ضدّها، وتنادي الجماعات ذات الأغلبية باعتبار دينها هو الدين الرسمي، والإثنية الأقلّ تطالب عادةً بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة، كما في الفلبين وأندونيسيا والهند وماليزيا وسريلانكا.

ويمكن تصنيف مطالب الجماعات الإثنية بعامّة إلى مطالب ذات طبيعة ثقافية واجتماعية ومطالب أخرى ذات أبعاد سياسية واقتصادية.

4- أنماط إدارة الصراع بين الجماعات والحركات الإثنية والدول الخاضعة لها

يُقصد بأنماط إدارة الصراع الفلسفات العامة الظاهرة والمستتِرة التي تتّبعها النظم في التعامل مع الجماعات الإثنية ومطالبها. وأهمّ هذه الاستراتيجيات: الاستيعاب والدمج، واقتسام السلطة، والاستئصال والترحيل؛ وفي ما يلي توضيح لكلٍّ منها:

– عمليات الاستيعاب والدمج: تستند هذه العمليات إلى أسس ثقافية خاصّة بتكوين ثقافة موحّدة وأنظمة تعليم ومناهج وأساليب تربوية موحّدة، وعمليات استيعاب مادية، بصهر الجماعات بعضها ببعض، إمّا بإلحاقها بهويّة الجماعة الرئيسة أو بتكوين هويّة جديدة. كما تقوم على عمليات استيعاب مؤسّسي بإنشاء مؤسّسات يشارك فيها جميع الأفراد من مختلف الجماعات على أسس غير إثنية. وتُعدّ تجربة دمج الملايو مع الهنود والصينيين من أبرز التجارب الناجحة في هذا الشأن.

– استراتيجية اقتسام السلطة: تقوم هذه الاستراتيجية على تشكيل ائتلاف حاكم ذي قاعدة عريضة تحتوي داخلها الجماعات الإثنية في المجتمع، وقد تمّ تطوير هذا النظام بين الكاثوليك والبروتستانت في هولندا، وكذلك الأمر في سويسرا، والملايو والهنود والصينيين في ماليزيا.

– استراتيجية الاستئصال والترحيل: ترتكز هذه الاستراتيجية على الهيمنة، وهي الأكثر شيوعاّ، وتمارسها الإثنيات الكبرى والأقليّات الحاكمة. وقد تقوم الأنظمة السياسية بعمليات تطهير عرقي واستئصال وترحيل جبري، كما جرى بين اليونان وتركيا وبين موريتانيا والسنغال، وترحيل جماعات التوتسي في رواندا إلى الدول المجاورة، ثمّ حدث العكس عندما سيطر الهوتو؛ وكذلك ما تقوم به الهند فى مواجهة مطالب شعب كشمير، والفلبين في مواجهة مطالب الأهالي المسلمين في إقليم جنوب الفلبين، وسريلانكا في مواجهة جماعة وحركة نمور التاميل، والصين في مواجهة مطالب مواطني التيبت وإقليم سنكيانج فى غرب الصين.

– كفاءة وفعالية المؤسّسات: تمثّل المؤسّسات أهمّية خاصّة في عملية إدارة التعدّدية الإثنية، وهي مؤسّسات حكومية وأخرى غير حكومية. وفي المؤسّسات الحكومية تأتي المؤسّسة التشريعية والمؤسّسة التنفيذية والقيادية والمؤسّسة العسكرية. وفي المؤسّسات غير الحكومية تأتي الأحزاب وجماعات المصالح. وقد يؤدّي الفساد السياسي إلى تأجيج الصراعات الإثنية واستخدامها لأغراض منفعية ومصالح شخصية، وتؤدّي عمليات النهب والترهّل إلى زيادة التوتّر الاجتماعي والتمرّد وتأخير الاندماج الوطني.

– وضع السياسات وتطبيقها: تُعدّ السياسات أدوات النظام في الاستجابة لمطالب الجماعات وترجمتها. ومن أهمّ السياسات المتّبعة في إدارة التعدّدية الإثنية: السياسات الاستخراجية والتوزيعية، وسياسة إعادة التوزيع، وسياسة الضبط وإعادة التنظيم، والسياسات الرمزية. وتقوم السياسة الاستخراجية على حشد الموارد المادية والبشرية وتعبئتها، وتوزيع الموارد القائمة بصيغة جديدة يرى النظام أنّها أكثر حفظاً لأمنه واستقراره؛ وتقوم سياسة الضبط على ممارسة الضبط ومراقبة سلوك الأفراد والجماعات داخل المجتمع. وتستخدم السياسات الرمزية لدعم الشعور بالمواطنة والولاء للنظام وأهدافه.

 

Print Friendly, PDF & Email