اعداد : محمود مدحت مختار عبد الحميد – المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

تعتبر دراسة ابن خلدون هى دراسة غاية في الأهمية لدى دارس النظرية السياسية، إذ أنها تفتح آفاق الدارس على تجربة ذاتية فريدة من نوعها، مرت بالعديد من الأزمات والمواقف السياسية، أضفت على شخصيته صفة السياسي المحنك، بالإضافة إلى كونه منظراً سياسياً ورائداً لعلم الاجتماع وعالماً بعلم التاريخ. وبالرغم من أن القرن الرابع عشر شهد تراجعاً وانحطاطاً في الحياة الفكرية والثقافية في العالم العربي، وخصوصاً في المغرب العربي، فقد كان هناك نخبة قليلة من المفكرين استطاعوا أن يظهروا بمؤلفاتهم من ظلمة هذا العصر، وفي الغالب فإن هذه النخبة انحصرت في بلاط الملوك والأمراء، حيث يعمل ابن خلدون، ومنهم من ذكره ابن خلدون في مؤلفاته ومنهم من لم يشر إليه، لكن الدارس لسيرة ابن خلدون، سيقع نظره على كل منهما. ومن ثم جم الاستفادة التي يمكن جنيها نتيجة النظر إلى فترة من أهم فترات التاريخ العربي والإسلامي.

ولما كان الاحتكاك يعزز المهارة ويثقلها، فكان لا بد من الذهاب إلى الحضارة الأوروبية على الجانب الآخر، لإلقاء نظرة مقارنة على السياق الفكري والتاريخي لها. فبعد ابن خلدون بحوالي قرن تقريباً، ظهر المفكر الإيطالي الشهير نيقولا ميكيافيللي، من رحم عصر وثقافة مختلفة، فقد كان عصره يمثل البداية الحقيقية لما سمي بعصر النهضة الأوروبي وانتعاش الحركة الثقافية والفكرية. وقد وقع الاختيار على ميكافيللي ومقارنته بابن خلدون نتيجة لكثرة النقاط المشتركة بينهم، كما سيتم ذكره.

أولاً: تعريف علم اجتماع المعرفة :

يعتبر مصطلح علم اجتماع المعرفة، شأنه في ذلك شأن معظم المصطلحات في العلوم الاجتماعية، من المصطلحات التي اختلف على تعريفها. فقد عُرِف على أنه “فرع جديد جداً في مجال علم الاجتماع، طور وأصبح على ما هو عليه في حوالي أربعينات القرن العشرين، يعد العقل الانساني، طبقاً لمسلماته الجوهرية، ليس مرآة معصومة من الخطأ، وإنما الأداة التي وضعت في يد الإنسان من أجل مساعدته في النضال من أجل الوجود. يرى الإنسان الأشياء ليس كما هى عليه في الحقيقة، إنما كما تظهر له بأحادياتها فيما يقف في ظرف ثقافي واجتماعي ونفسي معين”[1]. وبأنه “العلم الذي يهتم بالعلاقة بين أنساق الفكر والوقائع الاجتماعية”[2]. وعلى أنه أيضاً ” تحليل لطبيعة العلاقة الموجودة بين أنماط الإنتاج الفكري ومعطيات البيئة الاجتماعية، وتحديد وظائف هذا الإنتاج في المجتمعات ذات التركيب التنضيدي أو الطبقي”[3]. وقد اعتبر البعض أن كارل ماركس يمكن أن يكون هو مؤسس هذا العلم، عندما وضع رؤيته الخاصة بعلاقة الأفكار(أو البناء الفوقي) بعلاقات الإنتاج (أو البناء التحتي)، وأن ماكس فيبر كذلك ساهم في هذا المجال، من خلال دراسته في علم اجتماع الدين (حيث بين علاقة البروتستانيتة بالرأسمالية، وعلاقة الكونفوشية بطبقة المتعلمين البيروقراطيين في الصين القديمة)[4]. وإجمالاً، يمكن القول بأن علم اجتماع المعرفة يعني تحليل ودراسة مدى تأثر الفكر بالواقع والسياق الاجتماعي في زمن معين.

ثانياً: السياق التاريخي لكل من ابن خلدون وميكافيللي:

  1. ابن خلدون:

ولد عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) في تونس، من عائلة ترجع أصولها إلى حضر موت في اليمن، لكنها هاجرت إلى الأندلس في عهد عبد الرحمن الداخل، وعاشت فيها، إلا أنهم فروا منها نتيجة اجتياح الأسبان لعدد من المدن الأندلسية، فأقاموا في تونس حيث ولد ابن خلدون، وقد كانت عائلة ابن خلدون تحظى بمكانة اجتماعية مرموقة في المجتمع التونسي. ونشأ ابن خلدون نشأة علمية، فحفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه، وكذلك العلوم اللغوية المهمة لدراسة القرآن الكريم كالنحو والأدب والشعر، كما درس جوانب هامة من التفكير الفلسفي في الإسلام نتيجة صحبته لصديق والده الشيخ القابلي، وبالتالي اتصل ابن خلدون بأبناء النخبة السياسية والفكرية. وبعد تعرض تونس لاجتياح وباء الطاعون، والذي هلك والدا ابن خلدون جراءه، التحق ابن خلدون بأستاذه القابلي في مدينة فاس بالمغرب، وهناك أسند إليه سلطان فاس وظيفة الكتابة والتوقيع، أي أنه أصبح جزءاً من ديوان السلطان وأحد مستشاريه وكتبة رسائله، ولم تكن هذه الوظيفة ترضي الطموح السياسي لابن خلدون، فقد سعى إلى تولي مناصب سياسية أعلى منها، بعد أن تعرض للسجن لأكثر من مرة، وبالفعل نجح في ذلك نتيجة لاتساع شبكة علاقاته الاجتماعية، فقد عمل في بلاط سلطان غرناطة بنجاح، وشغل كذلك منصب الحجابة (وهو حلقة الوصل بين الرعية و السلطان) في مدينة بجاية بالجزائر. وقد تعرض ابن خلدون بعد أن سجن من قبل أمير بجاية –ورغم اختلاف الآراء حول مدى وقع هذا عليه- لفترة كمون سياسي اعتكف فيها على التدريس والتأليف، فقد ألف كتابه الشهير”العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” وبعدها كتب سيرته الذاتيه “التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقاً وغرباً”، وعندما ذهب إلى مصر-حيث توفي ودفن في مقابر الصوفية- انحسرت حياته في التدريس بالجامع الأزهر وولاية قضاء المالكية[5].

أما بالنسبة لعصر ابن خلدون، فقد شهد التراجع والانحطاط في كافة مجالات الحياة، نتيجة لسقوط عاصمة الخلافة العباسية بغداد (1258م) في يد التتار، حيث حملت الخلافة العباسية لقرون عديدة مظاهر الازدهار سياسياً واقتصادياً وثقافياً في الحضارة والعالم الاسلامي، فتحولت هذه الخلافة إلى خلافة صورية في يد المماليك. ومن ثم عاش ابن خلدون في خضم كل هذه الاضطرابات. فعلى الناحية السياسية، وعلى المستوى الخارجي، نجد انقساماً شديداً وصراعاً في المناطق العربية، فدولة المماليك أصبحت تحتضن صورياً الخلافة العباسية بما فيها من مصر والشام وأجزاء من شبه الجزيرة العربية، وأصبح المغرب العربي الكبير، حيث عاش ابن خلدون معظم حياته، يعاني من أوضاع سياسية شاذة، حيث صارت دوله قبلية تسود الصراعات فيما بينها (فالحفصيون في تونس تحالفوا مع الموحدين في المغرب الذين تم القضاء عليهم من قبيلة بني مرين التي أصبحت هى الحاكمة للمغرب و المتحالفة مع قبيلة بني عبد الواد في الجزائر)، وبالنسبة للأندلس، فعانت من حروب ملوك الطوائف، واقتصر الحكم الإسلامي فيها فقط على غرناطة وبعض المناطق المحيطة بها. وعلى المستوى الداخلي، فقد سادت واستمرت الحروب القبلية والفوضى وحروب العصبيات داخل الدولة القبيلة الواحدة[6].

أما الناحية الاجتماعية، فقد شهدت غاية التراجع والتفكك، نتيجة لسيطرة القبائل والعصبيات، فلم تكن القبيلة هى الوحدة الاجتماعية الرئيسية فحسب، وإنما كانت كذلك هى الوحدة السياسية والعسكرية، فكانت حروب هذه العصبيات، سواء نتيجة لعامل جغرافي وهو البحث عن أرض جديدة رغبة في الطعام والمرعى والكلأ على حساب قبيلة أخرى، أو لعامل سياسي تنظيمي حتى تحافظ القبيلة على مكانتها المستقلة عن السلطة المركزية، هى جزء من الحياة اليومية لها[7]. وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، فلم تكن حروب القبائل والعصبيات لتقوم دون وجود دافع اقتصادي، ويمكن الاستدلال على مدى تردي الأحوال الاقتصادية في المغرب العربي، من خلال النظر إلى أوضاع مصر في بداية حكم المماليك، فقد شهدت مصر تحت الحكم المملوكي العديد من الأزمات الاقتصادية التي نشبت سواء لأسباب طبيعية كالجفاف والأوبئة، أو لأسباب بشرية نتيجة للحروب والفتن الداخلية واحتكار المواد الغذائية وكساد التجارة[8]، وقد أكد ابن خلدون في مقدمته أن نصيب المغرب من الانحطاط والتراجع كان أكبر كثيراً من المشرق العربي نتيجة انهيار الخلافة[9]. ومن الطبيعي أن يؤثر التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الناحية الفكرية والثقافية، فقد غاب التصوف بمعناه الحقيقي وانتشرت الشعوذة والتضليل والإيمان بالسحر، وأغلق باب الاجتهاد في الفقه، حيث اقتصر الناس على اتباع الأئمة الأربعة (أبوحنيفة، مالك، أحمد بن حنبل، الشافعي)، كما اقتصروا على الشروح والملخصات لأمهات الكتب في علوم القرآن والتفسير، وإذا كان هذا هو حال العلوم الشرعية فحال العلوم العقلية كان أسوء كثيراً فمثلاً تم هجر علم المنطق، وكذلك الفلسفة وتكفير من يدرسها واتهامه بالزندقة. لكن بالطبع ظهر في هذا العصر نخبة من العلماء والمفكرين لكنها كانت فئة قليلة تعيش في الغالب في بلاط الملوك والامراء[10].

  1. ميكافيللي:

يعتبر نيكولا ميكافيللي (1469-1527م) هو ممثل حقيقي لبداية عصر النهضة الأوروبي، حيث نقل صورة هذا العصر بكل وضوح وأمانة. وقد تأثر ميكافيللي بأمور ثلاثة وهى: عصر النهضة بشكل عام، وبظروف دولته إيطاليا بشكل خاص، وبتجربته الشخصية بشكل أخص[11]. أولاً، فيما يتعلق بعصر النهضة الأوروبي، فقد تميز بالديناميكية والحركة، ففي الوقت الذي شهدت فيه الحضارة العربية الإسلامية تراجعاً في كافة المجالات، تميز عصر النهضة بالتقدم والتطور في المجالات المختلفة، حيث اعتبر بمثابة حلقة الوصل بين العصور الوسطى الأوروبية (التي سيطر عليها الظلام والخرافات نتيجة الصراع بين السلطة الزمنية وسلطة الكنيسة التي لعبت دوراً سلبياً في أوروبا، ونظام الاقطاع) و العصور الحديثة. فمن الناحية السياسية شهد هذا العصر زوال النظام الاقطاعي الذي تميز بالتحلل السياسي واللادولة (أي عدم وجود سلطة مركزية) وحل محله الدول الإقليمية، والتي أصبحت بعد الثورة الفرنسية دولاً قومية، وانتهى الصراع بين السلطتين الزمنية والدينية لصالح الأولى[12]. ومن الناحية الاقتصادية، فقد بدأ الاقتصاد الأوروبي في التبلور منذ هذا العصر، حيث حل الاقتصاد النقدي تدريجاً محل الاقتصاد العيني الذي ارتبط بالنظام الاقطاعي، وظهرت حركة الكشوف الجغرافية التي أدت إلى اتساع حركة التجارة العالمية. وبالنسبة للحياة الاجتماعية فقد تميزت بصعود الطبقة البرجوازية تدريجياً على حساب الإقطاعيين نتيجة للازدهار الاقتصادي[13]. أما الجانب الفكري، فقد تميز بالثراء الضخم خلال هذا العصر، في إطار السعي لإحياء التراث القديم (كما عرف في العصور اليونانية والرومانية) مع محاولة تخطي ظلام العصور الوسطى، فازدهر فيه الشعر والأدب والكتابة في التاريخ والرسم وغيرها من الفنون والآداب، وكان من الممكن للشخص أن يكون متعدد المواهب فقد يكون شاعراً وسياسياً وأدبياً ورساماً[14].

أما ثانياً، وفيما يتعلق بظروف دولته إيطاليا، فكانت على خلاف دول أوروبية أخرى سبقتها في تحقيق الوحدة السياسية، حيث كانت ايطاليا مقسمة سياسياً إلى وحدات (دويلات أو دول مدنية) أهمها: مملكة نابولي، دوقية ميلانو، جمهورية فلورنسا، جمهورية البندقية، والدولة البابوية في الوسط، وكانت هذه الوحدات أيضاً متنازعة فيما بينها. وترجع أسباب ذلك إلى سببين، الأول وهو تدخل الدول الأجنبية (وتضمن التدخل الغزو العسكري) لمنع وحداتها وتعزيز انقسامها، والثاني هو البابا في روما الذي رغب في جعل إيطاليا مفككة لدرجة أنه كان يستخدم النفوذ الخارجي في تحقيق ذلك؛ لعدم قدرته على توحديها هو تحت رايته. وعاش ميكافيللي في خضم هذه الأحداث وترسخت لديه الرغبة والحماسة الشديدة لتحقيق هدفه الأمثل وهو تحقيق الوحدة الإيطالية[15].

وبالنسبة للتجربة الشخصية، فقد ولد ميكافيللي في جمهورية فلورنسا، لعائلة تمتعت بمكانة اجتماعية مرموقة، ولكنها كانت على عداوة مع الأسرة الحاكمة آل مديشي، ونشأ ميكافيللي وتثقف في التاريخ الروماني والترجمات اللاتينية للكتب الإغريقية القديمة شأنه في ذلك شأن مثقفي عصره، حيث حركة الإحياء الفكري. وقد مارس ميكافيللي العمل السياسي والدبلوماسي، بعد أن نفيت أسرة آل مديشي نتيجة غزو شارل الثامن ملك فرنسا لفلورنسا، حيث عمل مستشاراً وأميناً عاماً للدولة (أي كان من واضعي سياسة الدولة ومخططيها)، وتنقل بين العديد من الدول الأوروبية في مهام دبلوماسية بلغت 24 بعثة وكذلك بين مختلف أجزاء إيطاليا ودويلاتها وقد استمر في  منصبه نحو 14عاماً حتى سقوط جمهورية فلورنسا مرة أخرى عام 1512، حيث عادت أسرة آل مديشي إلى الحكم، فقامت بنفيه من فلورنسا. وكانت فترة نفيه تعتبر بحق فترة ازدهار فكري بالنسبة له، فقد ألف فيها العديد من الكتب أهمها: “الأمير” (الذي كتبه تقرباً للحاكم وطلباً لعفوه كي يعوده من منفاه إلى فلورنسا إلا أن الحاكم أغفل الكتاب)، و”المطارحات”، و”تاريخ فلورنسا”، و”فن الحرب”، بالإضافة إلى تأليفه للعديد من المسرحيات وقصائد الشعر و القصص[16].

ثالثاً: القضية الأساسية لدى كل مفكر والمفاهيم المستخدمة لتناولها:

يعتبر وجود مشروع فكري للمفكر السياسي، نقطة هامة تدل على تميزه، حيث يعتبر المشروع الفكري بالنسبة للمفكر هو بمثابة قضية أساسية يسعى للوصول إلى حل لها أو إجابة عليها، وفي سبيل ذلك قد يعمل على إنتاج عمل فكري كبير أو أعمال فكرية متعددة يربط بينها خيط ناظم هدفه معالجة هذه القضية من كافة جوابنها. وهذه الميزة نجدها في المفكرين محل الدراسة.

فبالنسبة لابن خلدون كانت القضية الرئيسية له هى بلا شك علم العمران البشري الذي ذكر بشأنه في مقدمته أنه علم مستحدث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص، وهو ليس من علم الخطابة أو علم السياسة المدنية، وإنما هو علم مستبط النشأة، أي استنبطه ابن خلدون بنفسه، و أقر أنه لم يقف على الكلام في هذا العلم من أحد قبله، واستفهم لذلك ورأى أنه قد يكون إما لغفلة الناس عنه أو لأن ما كتبوه لم يصل إلى عصره، ورجح الثانية. وقد تناول ابن خلدون هذا العلم في إطار تصوره الخاص لعلم التاريخ الذي رأى أنه لابد وأن يعتمد على باطن الأحداث التاريخية (أي التحقيق بشأنها و العلم بأسبابها ونتائجها) وليس ظواهرها فقط، وكذلك دراسته للمجتمعات البشرية وجعلها مشروطة بأطر زمنية وشكلية معينة، من خلال تنظيره لعمر الدولة بأنه لايزيد عن ثلاثة أجيال (عمر كل جيل 40 سنة، أي 120 سنة هو عمر الدولة) وأن الدولة تمر بخمسة أطوار ثم تسقط بعدها[17].

وقد استخدم ابن خلدون بعض المفاهيم لتناول العمران البشري أو الاجتماع الإنساني، وهى العمران البدوي و العمران الحضري، فقد لاحظ ابن خلدون الفارق بين العمرانين، حيث عاش  العمران الحضري من خلال مخالطته بصورة مباشرة بالطبقة الأرستقراطية، مما أعطاه مزايا اجتماعية، فعاش مترفاً في حياة القصور وتمتع برغد العيش. ومن ناحية أخرى فإنه أدرك العمران البدوي من خلال تعرفه عن قرب على عادات وتقاليد وطبائع وأسلوب حياة البدو نتيجة صلته بالقبائل البدوية والتي كان يتنقل بينها إما هارباً من أمير ما أو مفاوضاُ لها لكسب تأييدها أو تأليبها على أمير معين. ومن ثم برز في تحليلات ابن خلدون الاختلافات والتناقض بين حياة أهل المدينة وأهل البادية، واعتبر هذا التناقض هو المحرك الأساسي للأحداث السياسية والاجتماعية في تاريخ الإسلامي[18]. وقد استخدم ابن خلدون كذلك مفهوم الوازع (أو مصطلح المُلك) وهو سلطان له اليد القاهرة رأه ابن خلدون ضرورياً، نتيجة لما في البشر من طبائع حيوانية كالظلم والعدوان، حتى لا يستطيع أي فرد أن يقوم بالعدوان على آخر. وكذلك استخدم ابن خلدون مفهوم العصبية، فقد رأى أنه في حالة المدينة حيث يعيش السلطان يمكن منع العدوان الداخلي من خلال سلطته لردع الأفراد، وكذلك العدوان الخارجي نتيجة لتحصين المدينة بالأسوار والحاميات العسكرية، لكن في حالة البدو تنشأ العصبية بينهم والتي تقوم مهمتها على منع العدوان الداخلي بين أفرادها من خلال مشايخ القبيلة وكبرائها، وكذلك العدوان الخارجي من خلال فتيان القبيلة وشجعانها المسلحين[19].

أما بالنسبة لميكافيللي، فإن شاغله الأساسي كان هو تحقيق الوحدة السياسية لإيطاليا، وفي سبيل ذلك استخدم عبارته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة”، وهذه العبارة وجهها ميكافيللي بالأساس إلى الحاكم، واعتبر أنه بالنسبة لأفراد الشعب فإنه لابد وأن يتقيدوا بكافة القيم الدينية والأخلاقية في تعاملهم مع بعضهم البعض. ففي سبيل تحقيق الغاية وهى توحيد إيطاليا، يمكن للحاكم استخدام أي وسيلة بشرط أن تساعد في تحقيق هذه الغاية، وبغض النظر عن القيم والاعتبارات الأخلاقية والدينية. ويمكن استخراج بعض المفاهيم التي استخدمها ميكيافيللي وأوصى بها الحاكم في إطار هذه العبارة، منها مفهوم القوة فقد رأى أن القوة هى أساس الشرعية السياسية وأن السياسة يقاس مدى نجاحها بمدى استخدامها للقوة، ومفهومي الفضيلة و المعرفة فقد اتخذ ميكافيللي مبدأ أن “الفضيلة هى المعرفة” واعتبر أن الفضيلة هى تحقيق الوحدة السياسية المنشودة، وبالتالي فهو قام بتسييس الفضيلة وجعلها خالية من أي معنى اخلاقي، كما جعلها نسبية لا تقاس بمعايير مطلقة وإنما تقاس بمعيار ما تحققه من نتائج وأهداف، أما المعرفة فقد اعتبرها هى المعرفة السياسية للحاكم، ورأى أن مهمة المفكر السياسي هى تعريف الحاكم بالأمور السياسية الحقيقية في المجال السياسي. وكذلك مفهوم الحكم المطلق فقد رأى أن أفضل أنواع الحكومات هى التي تقوم على الحكم المطلق وذلك في حالة الفساد والتحلل السياسي، أما في حالة وجود الاستقرار السياسي فإن الحكم الديمقراطي الشعبي هو الأفضل[20].

رابعاً: أوجه الاتفاق والاختلاف بين ابن خلدون وميكافيللي من حيث تأثير السياق على الإنتاج الفكري لكلا منهما:

بالرغم من أن السياق الزماني بين ابن خلدون وميكافيللي لم يكن شديد البعد، فهو يقل عن القرن، إلا أن السياق الثقافي والتاريخي كان مختلفاً كثيراً. فعصر ابن خلدون الذي اتسم بالتراجع والانحطاط، نتيجة لسقوط الخلافة العباسية وتفككها على يد التتار، لم يكن هو ذاك العصر الذي عاش فيه ميكافيللي في أوروبا، والذي عرف بعصر النهضة نظراً لما حدث فيه من نهضة في المجالات المختلفة. ولكن بالطبع لم يكن الاختلاف في العصر سبباً وحيداً في الاختلاف أو التوافق في الإنتاج الفكري لكل منهما، وإنما هناك متغير وسيط يلعب دائماً دوراً في غاية الأهمية، وهو الحياة الشخصية أو التجربة الذاتية للمفكر، فقد نجد مفكرين كُثر يعيشون في نفس العصر ولديهم اختلافات جوهرية، ويرجع هذا لوجود ذلك المتغير الوسيط الذي يتعلق بالتجربة السياسية والفكرية والاجتماعية والحالة النفسية لمفكر معين. وبالنسبة للتجربة الذاتية فنجد أن كلاً من ابن خلدون وميكافيللي مروا بعصر اضطراب وتحلل سياسي وقيام ودول وانهيارها، فقد كان المغرب العربي غاية في التفكك والانحطاط نتيجة لصراعات الدول القبلية والصراعات القبلية والعصبية داخل الدولة الواحدة، وعلى الجانب الآخر كانت إيطاليا دولة مفككة إلى وحدات تشهد صراعات خارجية سواء من البابا أو القوى الأجنبية لمنع وحدة إيطاليا، وكذلك صراعات داخلية بين هذه الوحدات وبعضها. كما أن ابن خلدون وميكافيللي ولد كل منهم لأسرة ذات مكانة اجتماعية مرموقة، و تلقوا تعليماً وتثقيفاً جيداً كحال مثقفي عصرهم، وخاضوا غمار العمل السياسي. والجدير بالملاحظة أيضاً أن كلاً منهم تعرض للاضطهاد فابن خلدون تعرض للسجن، وميكافيللي تعرض للنفي خارج فلورنسا، وأن هذا كان له أثراً في الناحية الفكرية لكل منهم.

ومن ناحية أخرى اختلفت التجربة الذاتية لكل منهم في بعض الجوانب أهمها أنه في حين طغى على عصر ابن خلدون التخلف والتراجع الفكري بشكل عام، كانت حركة الإحياء الفكري والثقافي هى السمة المميزة لعصر النهضة. وأن ابن خلدون تميز على ميكافيللي بأنه لم يكتف بخبراته السياسية ولكنه كرس جهده للدراسة، حيث كانت كتاباته هى انعكاس للتجربة السياسية والدراسة، على عكس كتابات ميكافيللي التي كانت انعكاساً أكثر للتجربة فقط. لكن ميكافيللي خبر العمل الدبلوماسي أكثر من ابن خلدون حيث تنقل بين العديد من الدول الأوروبية في حوالي 24 بعثة دبلوماسية، كما تنقل بين الوحدات الإيطالية المختلفة، في حين أن ابن خلدون ارتبط أكثر بالحكام وتقلب بين الحكومات[21].

لاشك أن عدم التماثل السابق سواء في العصر أو التجربة الذاتية بين ابن خلدون وميكافيللي كان له تأثيراً كبيراً في الإنتاج الفكري لكل منهم، ووجد الباحث أن هناك أوجه توافق فكري بين كل منهم وكذلك أوجه خلاف، كما يلي:

  1. أوجه التوافق:
  • اتفق كل من ابن خلدون وميكافيللي في النظرة التشاؤمية للإنسان، فرأى ابن خلدون أن البشر بهم طبائع حيوانية كالظلم والعدوان. ورأى ميكافيللي أن البشر يتميزون بالأنانية والجبن والخبث[22]. لذلك رأوا حتمية وجود حاكم له السلطان واليد القاهرة على الأفراد.
  • رأى ابن خلدون في مقدمته أن حالة الشهرة والصيت قليلاً ما تصادف موضعها في أحد من طبقات الناس من الملوك والعلماء والصالحين والمنتحلين للفضائل على العموم، وأنه كثير ممن اشتهر بالشر وهو بخلافه، وكثير ممن تجاوزت عنه الشهرة وهو أحق بها وأهلها، وأرجع ابن خلدون ذلك إلى أن الأخبار قد تكون غير مطابقة للوقائع، وأن من أسباب ذلك هو وهم الناس وجهلهم بمطابقة الحكايات للأحوال[23]. ومن ناحية أخرى قدم ميكيافيللي هذا التنظير الخلدوني في شكل نصيحة عملية للحاكم في كتابه الأمير ونصحه بأن يشتهر بالصفات المحمودة وأن يبتعد عن التشهير فيما يتعلق بالرذائل التي يمارسها؛ حيث أن الناس يسهل خداعهم[24].
  1. أوجه الاختلاف:
  • فصل ميكافيللي بين الأخلاق (أو الدين) والسياسة، عكس ابن خلدون الذي رأى وجوب التمسك بالقيم الأخلاقية والدينية[25].
  • اعتمد ميكافيللي على المنهج الاستقرائي التاريخي، فهو لم يكن مؤرخاً وإنما عاد إلى التاريخ كي يستخلص من التكرار ظواهر عامة[26]. في حين أن ابن خلدون اخترع منهجاً جديدأ في التاريخ يعتمد على باطن الحوادث التاريخية وليس ظواهرها فقط.
  • تجاهل ميكافيللي القدر أو الحظ تماماً وشبه الحظ بالنهر الجارف الذي لا يمكن الاعتماد عليه وإنما الاعتماد على الإرادة بشكل كامل (القدر يمكن السيطرة عليه عن طريق الإرادة الإنسانية)[27]. في حين أن ابن خلدون رأى في مقدمته أن هناك أموراً خفية (سماوية) لا قدرة للبشر على اكتسابها، تلعب دوراً مهماً في الأحداث، فرأى أن الانتصار في الحرب لابد له من العدة والعديد، ولكن في النهاية يكون الانتصار من قبيل البخت والاتفاق (خارج عن الإرادة الإنسانية)[28].
  • في حين رأى ابن خلدون أن الدولة لها حداً معيناً للتوسع وإلا ستفقد السلطة المركزية وعصابة الدولة حكمها وتكون موضعاً لانتهاز الفرصة للعدو والمجاور[29]، رأى ميكافيللي أن الدولة لابد وأن تمتلك سياسة استعمارية دائمة وليست مرحلية، وأن هذا يؤمن الدولة ضد أعدائها ويصرف شعبها عن أمور الحكم والحاكم ويشغله بالحروب الاستعمارية[30].

خاتمة:

استنتج الباحث أن الحضارة العربية لها السبق في مجال الواقعية السياسية بمعناها المعاصر من خلال كون ابن خلدون رائداً لهذا المجال، حيث قدم تنظيراً سياسياً للدولة وأطوارها من واقع خبرته العملية ودراسته، دون أن ينحرف عن القيم الدينية والأخلاقية. في حين أن ميكافيللي جاء بعد ابن خلدون ليكون رائداً لهذا المجال في الحضارة الغربية، مع فصله للسياسة عن أي قيم دينية وأخلاقية، وبغض النظر عن اختلاف الآراء حول ما إذا كان ميكافيللي أطلع على أفكار ابن خلدون أم لا، يظل السبق لابن خلدون في هذا المجال. بالإضافة إلى أن ابن خلدون لم يكن رائداً فقط في هذا المجال، بل كان كذلك رائداً في علم الاجتماع والتاريخ من خلال اكتشافه لعلم العمران البشري، وبالتالي يمكن القول أن ميكافيللي كان بالنسبة لابن خلدون كعلاقة الجزء بالكل.

[1] علي الوردي، “في علم اجتماع المعرفة“، لاهاي عبد الحسن(مترجم)، (بغداد، دار المدى، 2018)، ص12

[2] عبد الوهاب المسيري، “دراسات معرفية في الحداثة الغربية”، (القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2006)، تعريف عاطف غيث، ص331

[3] تعريف الطاهر لبيب، المرجع السابق، ص331

[4] المرجع السابق، ص331

[5] محمد صفار، “حياة ابن خلدون”، (محاضرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، بتاريخ 26 مارس 2020)

[6] محمد صفار، “عصر ابن خلدون”، (محاضرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، بتاريخ 20 مارس 2020).

[7] المرجع السابق

[8] فتحي سالم، فائز علي، “جوانب من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العصر المملوكي” (عمان، دار غيداء للنشر و التوزيع،2014)، ص 132-133.

[9] محمد صفار، “عصر ابن خلدون”، مرجع سابق.

[10] المرجع السابق.

[11] حورية مجاهد،“الفكر السياسي من افلاطون الى محمد عبده”، (القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 2017)، ص339

[12] المرجع السابق، ص337-331.

[13] احمد عجلان،”التوظيف السياسي لنظرية البيئة الطبيعية بين ابن خلدون ومونتسكيو“،(دمشق، دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع،2009) ص 143-146

[14] حورية مجاهد، مرجع سابق، ص 337

[15] المرجع السابق، ص340

[16] المرجع السابق، ص 340-342

[17] محمد صفار، “فن التنظير السياسي لابن خلدون“، (محاضرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، بتاريخ 17 ابريل2020).

[18] محمد صفار، “حياة ابن خلدون”، مرجع سابق

[19] محمد صفار، “فن التنظير السياسي لابن خلدون”، مرجع سابق

[20] حورية مجاهد، مرجع سابق، ص 346-348، 358-359

[21] المرجع السابق، ص366

[22] المرجع السابق،ص349

[23] ابن خلدون، “مقدمة ابن خلدون”، عبد الله محمد درويش(محقق)، (دمشق، دار يعرب،2004)، فصل “في الحروب ومذاهب الامم في ترتيبها” ص467

[24] حورية مجاهد، مرجع سابق، ص359

[25] المرجع السابق،ص366

[26] المرجع السابق، ص346

[27] المرجع السابق،ص357

[28] ابن خلدون، فصل “في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها”، مرجع سابق، ص465

[29]المرجع السابق، فصل “كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لاتزيد عليها”، ص 322

[30] حورية مجاهد، مرجع سابق، ص361-362