الواقعية المعاصرة والسياسة الخارجية لروسيا الاتحادية

لقد كانت السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية ظاهرة معقدة في العلاقات الدولية المعاصرة، وفي مواجهة تحديات العولمة والتكامل في الوقت الحاضر  مازالت قائمة وترتكز  بعمق ضمن ميراث هيمنة الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، إلى جانب ذلك وعلى الرغم من المشاكل مع التحول الاقتصادي والسياسي، وضع روسيا باعتبارها دولة كبرى في العالم فضلا عن قدراتها النووية وامتلاكها المواد الخام، قد أثر  بشكل كبير على مكانة روسيا في النظام الدولي، وهكذا، على الرغم من العولمة وعمليات التكامل،النظرية الواقعية في العلاقات الدولية تبقى أداة تفسيرية مثيرة للاهتمام أثناء تحليل السلوك الخارجي الروسي.

الهدف من هذا المقال هو تحليل السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية على خلفية أطروحة رئيسية للواقعية الكلاسيكية (يفهم على أنها نظرية طورها “ادوارد كار” Edward Carr وخاصة هانز مورغانتوHans Morgenthau )، الواقعية الجديدة وكذا الواقعية الكلاسيكية الجديدة، ومناقشة مسألة النزعة الجديدة بين الواقعية البنيوية والنظرية التي طورها “كينيث والتز ” Kenneth waltz، ونظريات التنافس المهيمن،و بشكل رئيسي نظرية الحرب المهيمنة لروبرت جلبين  Robert Gilpin.

التمييز المذكور أعلاه يوضح أن الواقعية في العلاقات الدولية لم تكن بالضرورة نهجا متماسكا، مع بعض التيارات المختلفة التي تستجيب لتطور القضايا العالمية والتأكيد على جوانب مختلفة من النظرية،ومع ذلك هناك بعض الافتراضات العامة النموذجية لأي من الرؤى الواقعية،و هكذا تحليل السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية فإن المقال يشير إلى تلك الأطروحات النموذجية والعامة لأي من تيارات الواقعية.

من وجهة نظر الكاتب، تعد روسيا مثالا للدولة التي تمثل سياستها الخارجية ولفترة طويلة انعكاسا لأطروحات الواقعية الكلاسيكية، ومع ذلك فإن القيود المفروضة على السياسة من قبل التوزيع الجديد للقوة في النظام الدولي فضلا عن عدم فعالية أدواتها العسكرية، قد ساهمت في تباطؤ، تطور محتشم لكن مطرد للسياسة الخارجية الروسية لتشمل أكثر افتراضات الواقعية الجديدة والواقعية الكلاسيكية الجديدة وهكذا، فإن تحليل السياسة الخارجية الروسية منظور يجب أن يعكس جميع المقاربات النظرية الثلاث ضمن نطاق واسع من الواقعية وبشكل تطبيقي، ومع ذلك فإن أطروحة الكاتب هي الواقعية الكلاسيكية،مع تركيزها على مصالح الدولة والقوة  كانت دائما مفتاحا لفهم الطبيعة المعقدة للسياسة الخارجية الروسية.

في حالة الواقعية البنيوية فإن إسهامها في التحليل يتمثل في تفسير القيود البنيوية المفروضة على السياسة الخارجية الروسية بعد انهيار النظام ثنائي القطب، ولكن بعض من الأطروحات البنيوية الواقعية لا تعكس بالضرورة التعقيد والفروق الدقيقة في السلوك الخارجي الروسي.

وقد كانت القدرة التفسيرية للنظريات المهيمنة فضلا عن الواقعية الكلاسيكية الجديدة وفي نفس الوقت المتنامية، إشارة إلى الطبيعة المتغيرة لقوة الدولة والموقف الأكثر  مرونة تجاه بنية النظام الدولي، وكذلك المحددات السياسية الداخلية للسياسة الخارجية الروسية، لكن كلا التيارين لا يزالان مع ذلك غير مهمين لتحليل السلوك الخارجي لروسيا كما الواقعية الكلاسيكية.

السياسة الخارجية الروسية وأطروحات الواقعية الكلاسيكية:

تعكس السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية معظم الأطروحات الأساسية للواقعية الكلاسيكية، وفي كثير من  الحالات كان ذلك يوضح عمليا مفهوم الدور المركزي للدولة في العلاقات الدولية، والهدف من قوتها وأولوية  مصالحها الوطنية فضلا عن طبيعة العون الذاتي للسياسة الخارجية للدولة وأهمية سياسة القوة في الشؤون العالمية.

في الواقع، فإنه ينظر للعلاقات الدولية من وجهة النظر الروسية أنها تعكس أطروحات الواقعية الكلاسيكية حول الدولة باعتبارها اللاعب الرئيسي على الساحة الدولية، ولا تزال العلاقات الدولية علاقات ما بين الدول ذات السيادة والدور لمواضيع أخرى، بما في ذلك المنظمات الدولية والشركات عبر الوطنية وهي ثانوية ومحدودة، فالتوضيح الجيد لهذا الموقف من المشاكل مع نشاط المنظمات غير الحكومية الأجنبية والمستثمرين الأجانب في روسيا، ذلك أن موسكو عادة ما تكون حساسة وحذرة نحو أي تواجد أجنبي على أراضيها، على الرغم من أن الموقف قد تغير جنبا إلى جنب مع تطوير التعاون الاقتصادي الروسي مع الشركاء الأجانب،و لكن الحساسية كانت حيال النشاط غير المراقب (غير المضبوط) الذي لا يزال على الأراضي الروسية، وما يزال ينظر إلى مواضيع مستقلة ذات بعد خارجي على أنها أخطار محتملة على مصالح الدولة الروسية.

أحد الأمثلة الأكثر  وضوحا في هذا الصدد،القانون التقييدي الممرر في 2006 على المنظمات غير الحكومية خلال رئاسة “فلاديمير بوتين”، إذ يعلن ضرورة حماية الدولة من غسيل الأموال،ومن العمل الإرهابي وجماعات التجسس الأجنبية العاملة تحت غطاء المنظمات غير الحكومية.

القانون في الواقع ينص على تقيييد وإجراء تدقيق تدخلي عند تسجيل المنظمات غير الحكومية، وكذا الرقابة المالية على نشاطها، والحواجز البيروقراطية، فضلا عن أوراق العمل غير الضرورية، فقد حدت بشكل فعال من حرية المنظمات غير الحكومية في روسيا، والمعارضة القوية للناشطين الدوليين في مجال حقوق الإنسان فضلا عن أن مصلحة موسكو  تكمن في تحسين الصورة الدولية للدولة بما يجعل الرئيس”مدفيديف”يميل إلى تخفيف القانون إلى حد ما (2)، وكانت مشاكل المستثمرين الأجانب في روسيا تتعلق في الوقت نفسه بشكل رئيسي باستثمارهم في قطاعات الطاقة والمواد الخام التي لا تزال حساسة بالنسبة للمصالح الاقتصادية الروسية، وكمثال نموذجي عن المشاكل، يمكن أن يكون الحال بالنسبة لشركة النفط البريطانية-الروسية BP-TNK شركة النفط المشتركة، وقد رافق نشاطها الجهود الروسية لاتخاذ الرقابة الحقيقية على الشركة، وذلك باستخدام مشاكل التأشيرة بالنسبة للجانب البريطاني  وهذا فيما يتعلق بالإدارة واتهامات بالتجسس.

واتساقا تاما مع الواقعية الكلاسيكية،كان الموقف الروسي تجاه نشاط المنظمات الحكومية الدولية، وعادة ما كانت تستخدمها روسيا بصورة آلية، مستفيدة من هذا العمل من تلك التي تعتبر مفيدة للمصالح الروسية، في حين تتجاهل تلك التي تعتبر موسكو نشاطها تدخلا في الشؤون الداخلية الروسية، أحد الأمثلة في ذلك،النهج الروسي تجاه الأمم المتحدة، المنظمة العالمية الوحيدة التي حافظت فيها روسيا على دور قيادي بعد الحرب الباردة، وهكذا، فان المزيد من نشاط الأمم المتحدة كان يصب في المصلحة الروسية وقد سمح موقع موسكو كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي لروسيا برفض ترخيص (إذن) دولي لبعض العمليات الدولية الأمريكية كما يتضح في حالة الحرب على العراق، ومع ذلك فإن أكثر ما يقال موقف روسيا تجاه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)،فهي تملك حق النقض الكامل Full Right Of Veto لجميع قرارات المنظمة التي اتخذتها.

موسكو منذ وقت طويل كانت تعامل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا كأساس لأي نظام سياسي وأمني في عموم أوروبا مستقبلا، ومع ذلك بدأنا نلاحظ بعناية أيضا موضوع حالة حقوق الإنسان في روسيا (خاصة بعد الحرب في شيشينيا)، سرعان ما فقد الكثير من أهميته بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية.

روسيا لا تزال على حالها، في نفس الوقت يمثل مثالا جيدا لأطروحة واقعية كلاسيكية أساسية عن الفوضى Anarchy في العلاقات الدولية وأولوية مصالح الدولة كنتيجة لذلك، فالنظام الدولي فوضوي ما يعني أنه لا توجد قوة مركزية عالمية قادرة على إنفاذ (فرض) قواعدها على مجتمع الدول ذات السيادة، وهذا يعني التركيز على المصالح الوطنية التي تظل المعايير الأساسية لفعالية السياسة الخارجية لأي دولة ذات سيادة، وفي حالة روسيا الاتحادية فإن أولوية المصالح الوطنية هي في الواقع مطلقة، وقد انعكس ذلك بوضوح في جميع وثائق الدولة الرسمية بما في ذلك مفهوم السياسة الخارجية، فضلا عن العقيدة العسكرية للدولة، وصياغة الوثائق في كثير من الأحيان يترك انطباعا بأن روسيا ليست مهتمة بأي تعاون دولي لا يلبي مصالحها، إلى جانب ذلك كانت موسكو دائما ملتزمة التزاما صارما بحماية أهدافها بالتعاون مع الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي  والشركاء الخارجيين الآخرين ناهيك عن توقعات التعويضات الملموسة لروسيا خلال المفاوضات حول توسع الناتوNATO والإتحاد الأوروبي. فأولوية المصالح الوطنية مترافقة ضمن نظرية الواقعية الكلاسيكية اعتبارا لافتقار الدولة للثقة تجاه أي موضوع آخر على المشهد الدولي.

إن الطبيعة الفوضوية للشؤون العالمية تؤكد على خاصية العون الذاتي Self-Help  للسياسة الخارجية للدولة، وكل دولة يجب أن تعتمد على قدرتها على توفير أمنها وضمان مصالحها.

في الواقع، فإن انعدام الثقة تجاه اللاعبين الدوليين الآخرين وخطاب التهديدات الخارجية تجاه المصالح الروسية المشروعة عناصر دائمة في السياسة الخارجية الروسية، وكان المثال الجيد في هذا الصدد الخطاب الروسي للاعتراض المصاحب لتوسيع الناتو، وكذلك حملة موسكو المعارضة لخطط الولايات المتحدة  لنشر عناصر درع الصواريخ على إقليم بولندا وجمهورية التشيك، وقد عرفت روسيا بوضوح أن كلا الخطتين تتناقضان مع المصالح الروسية، وتحذيرات موسكو حول الاستجابة الكافية بغض النظر عن التهديدات الحقيقية التي يمكن أن تسببها الأحداث حقا لروسيا.

من الافتراضات الواقعية الكلاسيكية الحاسمة وانعكاس النظام الدولي الفوضوي،الاهتمام بقوة الدولة وخاصة قدراتها العسكرية، وهكذا فإن فعالية السياسة الخارجية للدولة تعتمد على قوتها وقبل كل شيء على قدرتها العسكرية، وهذا بدوره يعني ضمنا جهود الدولة المبذولة لزيادة قوتها وقدراتها العسكرية وبالنسبة للعديد من الواقعيين الكلاسيكيين تبقى القوة موضوعية في حد ذاتها.

في حالة روسيا الاتحادية، لعبت القدرات العسكرية للدولة بالفعل دورا رئيسيا في السياسة الخارجية الروسية وفي مواجهة المشاكل مع تحديث القوات المسلحة التقليدية، فموسكو تستخدم ورقة ترسانتها النووية عوضا عن ذلك، وبالتالي ليس من قبيل المصادفة سواء في حالة توسيع حلف شمال الأطلسي NATO وخطط الدروع الصاروخية الأمريكية في أوروبا الوسطى، فإن استجابة روسيا كانت عبر التهديد بنشر صواريخها النووية على مستوى مقاطعة “كالينينغراد”.

محدودية القدرات الاقتصادية والمالية لروسيا لتحديث قواتها التقليدية في نفس الوقت، لم يمنع موسكو من تظاهرة مذهلة ورمزية وأحيانا غريبة لقوتها العسكرية على نحو ذكر الرحلات المتكررة للقاذفات الإستراتيجية الروسية على مقربة من المياه الإقليمية الكندية والأمريكية، فضلا عن الزيارة الإيضاحية الأخيرة التي قام بها الأسطول الروسي إلى فنزويلا.

كنتيجة،فإن طبيعة العلاقات الدولية ضمن نظرية الواقعية الكلاسيكية لا تزال متضاربة(صراعية)، وتعتبر السياسة العالمية سياسة القوة مع التركيز على إمكانات الصراع بين القوى العظمى.

مازال منطق اللعبة الصفرية The Zero-Sum Game  ومناطق النفوذ طريقة  تفكير  حية في السياسة الخارجية الروسية،و إذ تدرك الخسائر الجذرية في موقفها الدولي بعد نهاية الحرب الباردة  كانت موسكو تستخدم دائما خطاب عودتها إلى “المكان الصحيح” The Right Place  في الشؤون العالمية، وتتوقع روسيا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاء دوليين آخرين احترام “مصالحها المشروعة” ومعالجتها على شروط خاصة ( مثال جيد يتمثل في المجلس المشترك الدائم بين الناتو وروسيا ومجلس حلف شمال الأطلسي وروسيا، أنشيء جنبا إلى جنب مع عملية توسيع الناتو)، وفي نفس الوقت، ومع ذلك لم توقف روسيا الجهود الرامية إلى توطيد نفوذها في منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي لكومنولث الدول المستقلة CIS الذي تعتبرها موسكو منطقة لمصالحها الحصرية، وكان الكريملين مترددا حيال أي تدخل وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال، والحرب الأخيرة في جورجيا تدل على أن موسكو مصممة على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على نفوذها هناك بغض النظر عن النتائج على المستوى الدولي.

السياسة الخارجية الروسية ومفهوم الواقعية البنيوية(الهيكلية):

أكدت الواقعية البنيوية على الدور الأساسي للفوضى في العلاقات الدولية وطبيعة العون الذاتي للسياسة الخارجية للدولة، ومع ذلك فإن النظرية التي طورها كينيث والتز  ركزت في المقام الأول على بنية (هيكل) النظام الدولي وتوزيع القوة الموجودة داخل أطره، وليس على مستوى الدولة والأفضليات السياسية الداخلية.

في الواقع كان التيار البنيوي للواقعية كونها نظرية تحليل العلاقات الدولية يرتكز على مستوى بنية (هيكل) النظام الذي ينظر إليه على أنه العامل الرئيسي الحاسم المحدد لسلوك الدولة على الساحة الدولية (14)، وكان الموقف البنيوي إزاء العلاقات الدولية مثيرا للاهتمام كونه أداة تفسيرية خلال الحرب الباردة، مع توافر إمكانات هائلة لتحليل النظام ثنائي القطب، بما في ذلك أنماط سلوك الكتل وقادتها.

تيار البنيوية من الواقعية في نفس الوقت ساهم في النقاش بين الواقعية الدفاعية والهجومية، وكلاهما مرتبط بالنظام ثنائي القطب، واقتراح وجهات نظر مختلفة للسياسة العسكرية والسياسة الخارجية للدولة، فبالنسبة للواقعية الدفاعية Defensive Realism  كان بقاء الدولة هو الهدف الأساسي، كما أن القوة لم تكن هدفا في حد ذاتها، والدول في النظام بما في ذلك أقواها ينبغي أن تتبع سياسة معتدلة تتصل بضبط النفس.

الواقعية الهجومية  Effensive Realism من جانبها افترضت أن الفوضى الدولية توفر حوافز  قوية للتوسع، والدول تسعى إلى تعظيم قوتها النسبية بما في ذلك قدراتها العسكرية.

سقوط اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية  وانهيار النظام ثنائي القطب أثر بشكل كبير على النظرية الواقعية البنيوية، مما يبين مشاكلها الخطيرة حيال  توقع التغيرات السريعة والسلمية للنظام العالمي، وهو في الواقع يتناقض مع “كينيث والتز” حول المواجهة الكارثية للحرب الباردة التي كان عليها أن تنتهي.

ضمن مواجهة مشاكل الواقعية البنيوية مع توقع انهيار  اتحاد الجمهوريات السوفياتية، يشير “ايريك جونـــــــز” Erik Jones إلى أن الواقعية البنيوية فشلت في ملاحظة المحددات الداخلية لتفكك الاتحاد السوفياتي ويشير “ويليام.س.وولفورث” William C. Wohlforth  الى أن سقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن نتيجة لتراجع في القوة النسبية Relative Power  السوفياتية فقط، ولكن أيضا تصور هذا الانخفاض من قبل النخب السوفياتية، وهكذا، يبدو  أن القدرة التفسيرية للواقعية البنيوية في العلاقات الدولية الديناميكية لفترة ما بعد الحرب الباردة تصادف إشكالية صغيرة، خصوصا في ما يتعلق بمواجهة الطابع المعقد للسياسة الخارجية لروسيا، وعدم تقبل موسكو  لمكانتها الجديدة في النظام.

في الواقع، قد يلاحظ من خلال مراقبة السلوك الخارجي لروسيا الاتحادية  الاعتراض الواضح لموسكو  على الدور (المكانة) الذي سوف تلعبه في النظام الدولي، لاسيما في سياق التطلعات العالمية الروسية والموقع الذي فقدته بعد سقوط أقاليم الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

بعد انهيار النظام ثنائي القطبية، كانت روسيا تظهر  معارضتها تجاه السياسة الأمريكية وانتقاد واشنطن لإنشائها  نظام أحادي القطب  “Unipolar Order”، وكانت تطالب بنظام جديد متعدد الأقطاب يعكس الدور المشروع    “Legitimate” Role  للاتحاد الروسي، وكمثال جيد في هذا الصدد معارضة موسكو الشرسة تجاه عملية الناتو في كوسوفا والحرب الأمريكية في العراق، فقد كان ينظر إليها  في روسيا على أنها تتجاهل تماما الاعتراضات الروسية وتحرم موسكو من الحق في اتخاذ قرار  مشترك في القضايا العالمية.

إلى جانب ذلك يبدو  أن التركيز  الواقعي البنيوي على بنية النظام الدولي فضلا عن قلة الاهتمام بالمحددات الداخلية مثل القادة السياسيين والأنظمة السياسية الداخلية أو إيديولوجيا الدولة، لا يعكس بالضرورة حقيقة السياسة الخارجية الروسية، ففي حالة روسيا لاتزال هذه السياسة مثل خليط معقد من الحنين الإمبراطوري بعد الاتحاد السوفياتي  ومكانة (وضع)  أكبر  بلد في العالم، ولكن في الوقت نفسه محدودية  القدرات الاقتصادية وإدراك تراجع الوزن العالمي بعد نهاية الحرب الباردة، وتقليد حكومة مركزية قوية فضلا عن هيمنة روسيا على العلاقات مع جيرانها لا تزال حاضرة (موجودة) في سياسة موسكو، فعلى سبيل المثال العمليات المركزية في الحياة السياسية الروسية خلال فترة رئاسة “فلاديمير  بوتين”، وكذا الحرب الأخيرة في جورجيا، وهكذا،فإن السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية كانت مليئة بالمعضلات السياسية والإيديولوجية، وهو من الواضح أن الواقعية البنيوية عبر المستوى النظامي للتحليل سوف تواجه الكثير  من الصعوبات في تحليلها بشكل صحيح، ومع ذلك يمكن للواقعية البنيوية أن تكون أداة مثيرة للاهتمام بينما تشرح الحرب البنيوية ما بعد الحرب الباردة The Structural Post-Cold War القيود المفروضة على السلوك الخارجي الروسي،على الرغم من طموحات موسكو والاعتراضات على الهيمنة  الأمريكية.

في الواقع، بنية النظام الدولي وكذلك التوزيع الجديد للقوة ضمن أطرها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أدى إلى الحد بشكل كبير من قدرة روسيا على التأثير في القضايا العالمية وكبح مكانة روسيا نحو الداخل، لكنها بالتأكيد  ليست لاعبا عالميا على الرغم من قوتها العظمى الواضحة والمظاهرات(التظاهرات) لإثبات دورها القيادي في العلاقات الدولية، كما روسيا لم تعد قوة عالمية خارقة  Super Power  The Global، إلى جانب ذلك فإن الواقعية البنيوية تؤكد ميلا بين أقوى اللاعبين في النظام نحو فرض قواعد حول مواضيع أخرى عليها، وهو ما يفسر جهود موسكو للمشاركة في ميكانيزمات صناعة القرار العالمي، إلا أنه لا تزال هناك حقيقة أن (لا مجال) لا أحد بإمكانه مقارنة قدرات روسيا السياسية أو العسكرية والاقتصادية بقوة الولايات المتحدة الأمريكية كموضوع رائد في النظام.

الواقعية البنيوية ظلت في الوقت نفسه أداة مفيدة لتحليل توزيع القوة  في النظام، وفي حالة المصالح الروسية يتضح بجلاء التوزيع الجديد للقوة من خلال عملية توسيع حلف شمال الأطلسي وتزايد الوجود الأمريكي في أوروبا وكذا تحويل النفوذ السياسي الأمريكي بالقرب من الحدود الروسية.

المثال التالي يمكن أن يتعلق بالمشاكل الروسية مع الوجود الأمريكي في  آسيا الوسطى لما بعد الاتحاد السوفياتي الذي يرافق العملية الأمريكية في أفغانستان، على الرغم من أن “فلاديمير بوتين” قد وافق على تواجد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وسرعان ما أصبح واضحا لموسكو أن وجود واشنطن هناك قد غير التوزيع السابق للقوة في المنطقة على حساب روسيا وإقليمها، غير أنه في حالة روسيا الاتحادية، فإن التحليل البنيوي على مستوى النظام العالمي سوف يواجه مشاكل خطيرة في التعبير عن فروق السياسة الخارجية الدقيقة  لروسيا، وكذا الاختلافات الكبيرة القائمة بين الدور المحدود نسبيا لروسيا الاتحادية على الصعيد العالمي، وتزايد موقفها على المستوى الإقليمي الأوروبي، فضلا عن تطلعاتها للعب دور مهيمن على الصعيد “دون الإقليمي”   Subregional Level في منطقة مابعد الاتحاد السوفياتي لرابطة الدول المستقلة CIS.

إن الواقعيين البنيويين والواقعيين الهجوميين البنيويين على وجه التحديد سيكونون بطبيعة الحال قادرين على التوصية ببعض الاستراتيجيات لتعزيز موقف موسكو هناك، لكنهم سيواجهون مشاكل خطيرة في حصر المحددات المعقدة للسياسة الروسية التي تتجاوز بكثير  بنية (هيكل) النظام الدولي.

النظريات الواقعية للتنافس المهيمن والسياسة الخارجية الروسية:

نظريات التنافس المهيمن بما في ذلك نظرية “روبرت جيلبين”  Robert Gilpin  للحرب المهيمنة Hegemonic War,، لا تزال بنيوية، من خلالها يتم تسليط الضوء على أهمية النظام الدولي وتحليل العلاقات الدولية من منظور بنية النظام، ولكن على النقيض من الواقعية البنيوية أنها تنظر  في إمكانية التغيرات الديناميكية الموجودة في النظام. وشرحا لآليات الحرب المهيمنة، يشير “جيلبين” إلى وجود نمو غير  متساو  ومتميز  في القوة بين الدول داخل النظام كمصدر  للتغيرات الديناميكية التي تؤدي إلى نزاع هيمنة، كما كان يشير إلى أن التسلسل الهرمي (الهيراركي) للقوة في النظام يساهم في استقراره، والتغيرات الطفيفة في توزيع القوة ليست بالضرورة مصدر  إزعاج للاستقرار النظامي، ومع ذلك فإن بنية النظام مستقرة طالما كانت التغيرات السياسية والتكنولوجية أو غيرها من التغيرات التي تصاحب النمو غير المتناسب للقوة في النظام  لا تهدد المصالح الأساسية للهيمنة، والأكثر أهمية في هذا الصدد هو الدور الثانوي للدولة في النظام مثل نمو  قوتها وتراجع الهيمنة مما قد يقوضه الوضع الراهن  Status Quo  وتؤدي إلى الحرب المهيمنة.

لقد كان الاستقطاب الثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة انعكاسا للتنافس المهيمن مع الولايات المتحدة كأول لاعب في النظام والاتحاد السوفياتي باعتباره المنافس الرئيسي إلا أن انهيار الاتحاد السوفياتي  كان قد عزز هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وسيكون من الصعب أن نتوقع من روسيا أن تصبح منافسا جديدا للمكانة العالمية للولايات المتحدة، نظرا للمشاكل التي يواجهها الاقتصاد الروسي  والتحول والاعتماد على الأسعار العالمية للنفط والغاز، فضلا عن الاتجاهات الديموغرافية المقلقة، لذلك موسكو  ليست  مرشحة للتنافس مع الولايات المتحدة من اجل هيمنة عالمية.

على الرغم من إمكاناتها النووية، روسيا تسعى إلى الهيمنة الإقليمية على منطقة ما بعد الاتحاد السوفياتي، وأنها بالتأكيد تتنافس مع النفوذ الأمريكي، ولكن يبدو أن موقف القوة العظمى الثانية في النظام الدولي كان واضحا ومع ذلك،  فإن القدرة التفسيرية لنظريات التنافس المهيمن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لروسيا لا تقتصر على رؤية أقل ديناميكية  لبنية النظام الدولي، وخلافا للواقعية البنيوية فإنها تشير أيضا إلى قائمة أوسع بكثير  من العوامل المحددة للتغير في توزيع القوة داخل النظام، بما في ذلك طائفة واسعة من السياسات العسكرية والديموغرافية والاقتصادية  والتكنولوجية.

والواقع أن روسيا ظلت منذ فترة طويلة ملتزمة أساسا بالمحددات العسكرية لقوتها الدولية، إلا أن الضعف الاقتصادي للدولة ساهم في خسائر كبيرة  في إمكاناتها العسكرية فعلى الرغم من القدرات النووية  لم تكن القوات المسلحة الروسية قادرة على المنافسة بشكل فعال مع القوة  العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة  وبعض الدول الأوروبية الرائدة ن إلى جانب ذلك، فقد أصبحت أدوات الضغط التقليدية السياسية والعسكرية  أقل فعالية بكثير في البيئة الإقليمية الجديدة لما بعد الحرب الباردة، ليس فقط في العلاقات  مع أوروبا ولكن أيضا مع بعض أعضاء رابطة الدول المستقلة، وهذا لا يعني أنه لم يعد العامل العسكري يلعب دورا مهما في المذهب الروسي إلا أنه كان من الواضح خاصة في العلاقات مع الدول الأكثر  تطورا، أنه يجب أن تكملها دولا أخرى غير ذات  أدوات عسكرية، وهكذا تطور السياسة الخارجية الروسية الذي بدأ خلال رئاسة “فلاديمير بوتين”، فقد توصل بوتين إلى جملة إجراءات اقتصادية بغية تعزيز النفوذ الدولي الروسي ومن أجل ذلك أساسا عمل على تصدير النفط والغاز الروسيين، والاعتماد الأوروبي على الإمدادات الروسية تطور واضح في السياسة الخارجية الروسية وهو ما يعكس  افتراض نظريات الهيمنة فيما يخص توسيع المصادر العسكرية لقوة الدولة في العلاقات الدولية، ومع ذلك وعلى الرغم من هذا التحول فإن السياسة الخارجية لروسيا ظلت راسخة بعمق ضمن طروحات الواقعية الكلاسيكية، مع التركيز على مصالح الدولة  مع ارتباط قوي بين تصدير المواد الخام وسياسة الدولة،إضافة إلى التردد الدائم حيال نشاط الشركات عبر الوطنية الأجنبية في روسيا، كما أن موسكو كانت تدعم التوسع الدولي لعمالقة الطاقة  الخاصة بها Its Own Energetic Giants,، ناهيك عن دعم الدولة لغاز بروم GAZPROM والأوليغارشيات الروسية، وروسيا ليست بالضرورة على استعداد لقبول أية التزامات دولية جديدة، على سبيل المثال لتحرير سوق الطاقة لديها  وقبول المعايير الأوروبية في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، ونتيجة لذلك تبقى النظريات النيوواقعية للتنافس المهيمن مرجعا مثيرا للاهتمام أثناء تحليل مكانة ودور روسيا في العلاقات الدولية المعاصرة، فضلا عن محاولات موسكو  تكييف أدوات سياستها الخارجية  وواقع (تماشيا مع) العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

إن اقتراح (افتراض) رؤية نظام دولي ديناميكي سوف تكون قادرة على أن تعكس أيضا طبيعة سلوك روسيا الخارجي بصورة أفضل من النظرية الساكنة للواقعية البنيوية The Static Theory Of Structural Realism، مرة أخرى فإن السياسة الخارجية لروسيا ستكون بالنظر  إلى جذورها الواقعية الكلاسيكية  بصرف النظر عن التغيرات الدينامية في الشؤون العالمية.

السياسة الخارجية الروسية واستبصارات optics الواقعية الكلاسيكية الجديدة:

كان أحد مجالات النقاش داخل الواقعية المعاصرة هو التمييز  بين ( البنيوية) الواقعية الجديدة، حيث أن نظرية العلاقات الدولية ركزت على المستوى النظامي للتحليل، والواقعية الكلاسيكية الجديدة حيث ركزت نظرية السياسة الخارجية على مستوى الدولة، إلا أن بعض الواقعيين الكلاسيكيين الجدد لا يرون ضرورة الفصل بين المستويات الخارجية- النظامية والداخلية – المحلية للتحليل، وهم يسعون جاهدين لشرح السياسة الخارجية لدولة ما نتيجة لكل من البنية الدولية وعوامل محلية باعتبارها قادرة على تقوية أو إضعاف تأثير المحددات البنيوية وذلك على حد سواء.

في الواقع، تأكيد أهمية العوامل المحلية من قبل الواقعية الكلاسيكية الجديدة، كما قد أشارت إلى ذلك الواقعية الكلاسيكية إلى حد ما، وكذا معضلات القادة الذين يتخذون قرارا بشأن السياسة الخارجية للدولة، كما أنه ومع ذلك فإن الواقعيين النيوكلاسيكيين يتجهون للتأكيد أكثر على تصور الدولة لقوة خصومها  والنوايا وقدرة نخب الدولة على تعبئة  الدعم الاجتماعي لأهدافها السياسية، فضلا عن تغير  الأفضليات والمصالح الوطنية  التي قد تفضل في ظل محدودية التعاون بين الدول   Limited Cooperation  داخل النظام، وقد انتقدت الواقعية الكلاسيكية الجديدة لتقويض النواة النظرية للواقعية وتحدي تميزها بالمقارنة مع النظريات الأخرى.

ومع ذلك فمن الواضح أن افتراض (اقتراح) نهج (منظور) تحليل The Approach Analyzing    المحددات الداخلية للسياسة الخارجية للدولة بالتأكيد هو أداة مفيدة لتحليل السياسة الخارجية لروسيا.

في الواقع،مواجهة لعبة جماعات المصالح المختلفة في السياسة الداخلية الروسية بما في ذلك دور اللوبي العسكري، الأوليغارشية وقطاع المواد الخام، فضلا عن مختلف معسكرات النخبة الحاكمة سيجعل من الصعب للغاية التعامل مع السياسة الخارجية لروسيا من دون الإشارة إلى المحددات الداخلية.

الواقعية الكلاسيكية الجديدة ستساعد أيضا على فهم الأدوار المختلفة التي تلعبها روسيا على مستويات مختلفة للنظام الدولي،  مع أخذ المصالح الروسية بعين الاعتبار  وذلك في علاقاتها مع الزعيم العالمي Global Leader الولايات المتحدة الأمريكية، والزعيم الإقليمي Regional Leader  الاتحاد الأوروبي، وكذلك في العلاقات مع بلدان رابطة الدول المستقلة CIS، إلى جانب ذلك، فإن الواقعية الكلاسيكية الجديدة تأخذ بعين الاعتبار استعداد مزيد من الدول للعمل بشكل رشيد على حساب التكاليف  والأرباح، بما في ذلك المرونة في موقفها إزاء التعاون الدولي، على نحو ما تجلى في مفهوم المساحات الأربعة المشتركة بين روسيا والاتحاد الأوروبي وخرائط الطريق المتفق عليها بغرض تنفيذ كل منها.

عملية عرضية أخرى تعكس تطور السياسة الخارجية لروسيا نحو الكلاسيكية الجديدة، فوجهة النظر الواقعية هي الاحترام المتنامي للصورة الدولية للدولة The State’s International Image  ودور الدعاية كأداة هامة للنفوذ الدولي للدولة، فالدعاية الروسية والحملات المصاحبة لتوسيع الناتو والمناقشات حول اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية للدرع الصاروخي Shield The Missile  في أوروبا الوسطى يوضح أن روسيا تتقن استخدام هذه الأداة تماما، ولكن مرة أخرى على الرغم من الإرادة المتزايدة للتعاون مع الجيران،فإن السياسة الخارجية لروسيا قد كانت تتطلع إلى الوراء،  إلى الأسس الواقعية الكلاسيكية لمصالح الدولة وسياسة المساعدة الذاتية Self-Help Policy وأولوية أمن الدولة.

في الواقع،فإن روسيا تواجه تحديات العولمة مع قدرتها التنافسية المحدودة، لذا هي تخشى نتائج عمليات التكامل الاقتصادي العالمي على كل من الاقتصاد والمجتمع الروسيين، وهكذا،فإنها لم تكن مهتمة بالضرورة بتعميق التعاون الدولي خاصة فيما يتعلق  بالفروع الحساسة سياسيا Politically Sensitive  لاقتصادها، مثل قطاعات الطاقة والمواد الخام، وظلت السياسة الخارجية الروسية راسخة في الطريقة التقليدية الكلاسيكية للتفكير في العلاقات الدولية.

خاتمة (استنتاجات):

إن تحليل السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية مهمة صعبة، تستند إلى السياسة العامة ومحددات مختلفة ومعقدة، وهي تشمل تراث الحرب الباردة وارث الاتحاد السوفياتي على المستوى النظامي، لكن في الوقت نفسه تشمل التحول السياسي والاقتصادي في المجال المحلي، ومع ذلك وعلى الرغم من عمليات العولمة والتكامل  في الوقت الحاضر، نظرية واسعة من الواقعية في العلاقات الدولية ظلت أداة فعالة لتحليل السلوك الخارجي لروسيا.

– السياسة الخارجية الروسية ظلت لفترة طويلة تعكس الأطروحات الأساسية للواقعية الكلاسيكية، وقد ركزت موسكو على مبدأ مصالح الدولة  وقوتها  وإمكاناتها العسكرية بشكل خاص.

– إن تطور دينامية العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة لم يغير كثيرا هذا النهج (المنظور)، ولا تزال الواقعية الكلاسيكية الأداة التفسيرية الرئيسية أثناء تحليل السياسة الخارجية لروسيا اليوم، ومع ذلك جنبا إلى جنب مع العولمة  وعمليات التكامل الإقليمي، تحليل السلوك الخارجي الروسي لا ينبغي أن يستند حصرا إلى منظور الواقعية الكلاسيكية.

– إن تطور السياسة الخارجية الروسية وإن كان متعثرا وبطيئا، كان عليه أن يأخذ في الاعتبار القيود المفروضة على الدولة من خلال التوزيع الجديد للقوة  في النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة، وقد فقدت موسكو الكثير من مكانة الاتحاد السوفياتي السابق المهيمنة وهكذا، الواقعية البنيوية كنظرية تؤكد على بقاء اعتبار  النظام الدولي أداة مثيرة للاهتمام لشرح التغيرات وإن لم يكن كل من أطروحاتها يعكس فعلا الطبيعة المعقدة  للسلوك الخارجي الروسي.

– في مواجهة عدم فعالية الأدوات السياسية والعسكرية السابقة، روسيا في نفس الوقت عليها أن تنظر في المصادر غير العسكرية لقوتها بما في ذلك إمكاناتها الاقتصادية والمواد الخام، وهكذا فإنه اتضح أن النظريات الواقعية الجديدة للتنافس المهيمن أداة مفيدة للتحليل، كما أنها تعكس طبيعة قوة الدولة القابلة للتغير  والموقف المرن تجاه النظام الدولي، إلى جانب ذلك فإن الواقعية الكلاسيكية الجديدة أصبحت منهجا للاهتمام وذات قيمة لأنها تقترح التركيز على المحددات السياسية الداخلية للسياسة الخارجية الروسية، بما في ذلك لعبة جماعات المصالح الداخلية المختلفة وخصوصية النظام السياسي الروسي،و نتيجة لذلك  سواء كل من الواقعية الجديدة والواقعية الكلاسيكية الجديدة  قد تكون أدوات مفيدة ( على الرغم من وجود إمكانية تفسيرية متزايدة من التيار الكلاسيكي الجديد للواقعية).

– بعد تحليل السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية لا يمكن للمرء أن ينسى أنها كانت ولا تزال راسخة بعمق في التقليد الواقعي الكلاسيكي.

جاسيك فيكلافسكي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لازارسكي، بولندا

ترجمة: السعيد لوصيف، أستاذ مساعد (أ)، قسم العلوم السياسية، جامعة باتنة1

sdloucif@gmail.com

 

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *