السيناريو قد يبدو مستبعد، لكن ليس بالمستحيل، طالما أن الغضب ضد سياسة ماكرون يتصاعد يوما بعد يوم بفرنسا، وغالبا ما يكون اللجوء إلى الحلول المتطرفة في عز الأزمات هو الخيار الغالب في الانتخابات، غير أن الخيار العنصري المجسد لحد الآن من طرف مارين لوبان رئيسة “التجمع الوطني” لم يعد يشفي غليل “فرنسا العنصرية”، في حين أن الكاتب الصحفي إيريك زيمور، حافظ على خطابه المتطرف الذي يوجه فيه سهامه للمهاجرين والإسلام في أي قضية يتحدث عنها، حتى وإن كانت قضية دهس هرة في شارع الشونزيليزيه.

مارين لوبان أصبحت “فرويتي”

الانتخابات الجهوية التي عرفتها فرنسا منذ عدة أسابيع، شهدت انتكاسة كبيرة لحزب اليمين المتطرف لزعيمته مارين لوبان، التي نشطت الدور الثاني من الرئاسيات الأخيرة ضد ماكرون. تساءل الجميع عن سبب هذا التراجع، فجاءت الإجابة من عمليات سبر الآراء، فرد المستجوبون ممن كانوا يصوتون لحزب التجمع الوطني، أن خطاب الحزب أصبح “مهذبا” ولم تعد قضية غلق أبواب فرنسا في وجه المهاجرين تشكل أولوية بالنسبة للتشكيلة السياسية المتطرفة.

بل ذهب هؤلاء ممن يمثلون “فرنسا العميقة”، لحد انتقاد لوبان بسبب تصريح قالت فيه “المشكل ليس الإسلام بل التيار الاسلاموي”. لوبان باشرت قبل الرئاسيات عملية ما يسمى في فرنسا بمحو “شيطنة” الحزب التي ظلت ملازمة له منذ أن أسسه والدها وهي العملية التي كانت أيضا سببا في فتور العلاقة بين الأب وابنته.

العملية تمثلت أساسا في تنقية خطاب الحزب من التصريحات المتشددة، وأيضا التقرب من التيار الصهيوني، فقام نائب رئيس الحزب، لويس آليو وهو أيضا زوج مارين، بزيارة للكيان الصهيوني، والتقرب من التيار الصهيوني في فرنسا أمر مهم بل حيوي.

هذا التحول جعل حزب التجمع الوطني يخسر من الجهتين، فلم يستطع استمالة الناخبين من التيارات اليمينية المعتدلة وفقد وعاءه الانتخابي من التيار العنصري في المجتمع الفرنسي. زيمور الملجأ إيريك زيمور من مواليد 31 أوت 1958 بضواحي باريس، من عائلة يهودية غادرت الجزائر إبان الثورة التحريرية، اشتغل صحفيا وألف العديد من الكتب كلها تتحدث عن نقمة الهجرة والاتحاد الأوروبي على فرنسا.

ومنذ أكثر من عشر سنوات أصبح وجها تلفزيونيا لمشاركته في عدة حصص يتحدث فيها عن السياسة، وفي كل مرة يخلق الجدل بتصريحاته العنصرية كقوله إن أغلب المساجين في فرنسا من أصول مغاربية وإفريقية، رغم أن بلاده تمنع الإحصاءات على أساس العرق والدين.

وذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن الزيجات المختلطة قائلا “الفرنسيات يتزوجن بالمغاربة والأفارقة عموما، لأن الفرنسيين فقدوا رجولتهم”. وهنا لا يقصد مدحا في حق المهاجرين بل انتقادا لبني عرقه.

خطابه العنصري ساهم في اعتلاء قناة “سي نيوز” الاخبارية المرتبة الأولى في نسب المشاهدة مؤخرا، بمشاركته اليومية في إحدى الحصص، يكرر فيها نفس الخطاب المعادي للمهاجرين والإسلام، فيحمل كل المسؤولية لسياسة الهجرة وتغلغل الإسلام، فحسبه بعد سنوات إن لم يتم تبني سياسات ردعية وخشنة سيختفي الفرنسي تاركا المجال للسود والمسلمين.

زيمور تم إدانته عشرات المرات من قبل العدالة الفرنسية بتهمة زرع الكراهية، لكن ظل يحتفظ بمساندة وسائل الإعلام التي يشتغل فيها، عكس الفكاهي ديودوني مثلا الذي يعيش الجحيم منذ 20 سنة بسبب “سكاتش” عن مستوطن يهودي.

منذ عدة أسابيع تداولت عدة أوساط إعلامية خبر ترشح المعني للرئاسيات الفرنسية العام المقبل، زيمور ومحيطه كان بكل تأكيد مصدر الإشاعة، فتم اختيار طريقة “ستوري تيلينغ” لطرح ترشحه الذي أخذ بعدا آخرا بعد صدور كتابه “فرنسا لم تقل كلمتها الأخيرة” منذ أيام فقط وبيع في ظرف وجيز 70 ألف نسخة منه..رقم قياسي.

ترشحه للرئاسيات لم يعد ينتظر سوى الإعلان الرسمي، فسهرة الخميس شارك في مناظرة تلفزية جمعته بزعيم حزب “فرنسا الأبية” جون لوك ميلونشون، سهرة سياسية جلبت إليها الملايين على قناة “بي أف أم تي في” دفن فيها زيمور شخص الإعلامي والكاتب وارتدى ثوب المترشح الرئاسي.

هوس بالإسلام ومحمد صلى عليه وسلم

في كتابه الأخير يقدم المعني الخطوط العريضة لأفكاره، التي تقوم أساسا على غلق أبواب فرنسا في وجه المهاجرين، الخروج من منظمة “الناتو” وحتى من الاتحاد الأوروبي.

فيما يخص الهجرة، يقول إنه ضد فكرة الاندماج بل يحبذ سياسة “الانصهار” التي يفقد فيها المهاجر كل مقومات أصوله ليصبح فرنسيا وليس فرنسيا من أصول أجنبية. فيقترح زيمور منع منح الأسماء الأجنبية لأبناء المهاجرين عند ولادتهم ولما ذكر مثالا لهذا قال “أرفض أن يطلق اسم محمد على ابناء المهاجرين”.

وفي إحدى الحصص التلفزيونية قال “كنت أحب كرة القدم كثيرا وأحب زيدان، ولكن كنت أحبذ لو كان اسمه جون زيدان وليس زين الدين زيدان”.

زيمور يشكل حاليا ظاهرة سياسية يتم استضافته تقريبا في كل القنوات الفرنسية، كما يواجه أيضا أول فضيحة فنشرت مجلة “باريس ماتس” صورة له مع فتاة تعد من أقرب مستشاريه وهما يسبحان في البحر في وضعية جد حميمية، المشكل أن زيمور متزوج من امرأة أخرى.

آخر عمليات سبر الآراء تقول إن 11 بالمائة من الناخبين قرروا منح أصواتهم للوجه الجديد لفرنسا العنصرية، الرئاسيات الفرنسية المقبلة تعد بأن تكون مثيرة وسيكون الإسلام والمهاجرون مرة أخرى في قلب النقاش.