يشهد العالم تحولا واسعا في طبيعة الانشطة التجارية والاقتصادية والتي يمارسها الافراد والمنشئات؛ وباتت التجارة الدولية وسيلة اقتصادية تنموية لشتى الدول ، بل أصبحت منظومة سياسية وبروتوكولات دبلوماسية تساعد على التفاهم والسلام بين الشعوب ، وقد باتت المحاكم الوطنية مكتظة من كثرة ما يعرض عليها من منازعات ؛ نتيجة لاستمرار عملية التنمية في التقدم إلى الأمام وفق مبادئ السوق المفتوحة في توجيه الاقتصاد العالمي ، لذا أصبح البناء القضائي بحاجة إلى أعوان متخصصين ، والطريق البديل للقضاء للفصل في المنازعات الداخلية هو التحكيم ، وهو قضاءًا خاصًا لمنازعات التجارة الدولية بل والطريق الوحيد لها؛ لعدم وجود قضاء دولي خاص يختص بالفصل في تلك المنازعات ، وحيث أن الدعاوى التجارية تتطلب الاستعجال لما قد يعرضه تأخر البت في النزاع إلى أضرار جسيمة بين المتخاصمين فقد وجدوا في مزايا التحكيم وما يحققه من سرعة وسهولة في الإجراءات ما يناسب طبيعة علاقاتهم،كما أن المستثمر الأجنبي في مجال التجارة الدولية لا يثق ويخشى أن يخضع لأي قضاء داخلي خصوصًا في دولنا النامية التي تفتقد إلى الاستقرار التشريعي والاقتصادي ، كما أن معاملات التجارة الدولية اثارت في بعضها منازعات ذات طبيعة خاصة تحتاج إلى وسائل غير تقليدية في حلها ، لم يستطع القضاء الوطني ملاحقة التطور السريع الذي تسير فيه وقد باتت إجراءات التقاضي الطويلة والمعقدة سمة رئيسية يتصف بها القضاء إضافة إلى بطء لا يتناسب مع معاملات التجارة الدولية(حيث يقاس الوقت بالمال) ، كما أن ما أسهمت به شبكة الانترنت في عولمة السوق التجاري وازيلت معها جميع القيود والحدود الجغرافية والسياسية بين الدول أمام الصفقات التجارية ؛ مع عدم استيعاب وقدرة وسائل حسم المنازعات الحالية والقضاء الوطني في الفصل في منازعات التجارية الالكترونية ؛ حيث تحتاج هذه التجارة إلى نماذج جديدة لتسوية منازعاتها ، إضافة إلى رغبة الكثير من التجار المحافظة على السرية ؛عليه فقد اتجهت تلك النماذج إلى نظام التحكيم الذي كان لها بمثابة طوق النجاة ،ويحث ان للتحكيم بطريق التفويض بالصلح له طبيعة خاصة ، إذ يفصل المحكم في النزاع على أساس احترام المبادئ الاساسية للتقاضي بمقتضى قواعد العدالة والانصاف وقد يقوم باستبعاد تطبيق قواعد قانونية سواءً أكانت تشريعات أو أعراف أو قواعد مراكز التحكيم وقد يقوم بالخروج على نطاق العقد الذي يحكم العلاقة بين الاطراف. واختيار التحكيم بطريق التفويض بالصلح دون التحكيم بالقانون لما للمحكم من حرية وصلاحيات بتمكن من خلالها أن يعاون طرفي الخصومة بيس فقط لحسم النزاع بينهما بل ليساعدهما في تحسين وتطوير وتفعيل علاقتهما وصولا لحل يرضي الطرفين ويجعلهما يسارعان إلى التنفيذ وديًا ، حيث يعتبر اللجوء للتحكيم بطريق التفويض بالصلح هو بمثابة الجمع بين عمل الوسيط والموفق والمحكم. وقد اثبت نجاح استخدام وسائل وادوات الوساطة والتوفيق كمرحلة اولى قبل اللجوء للتحكيم بالقانون وذلك في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الخصوم وفض النزاع بينهما ، وأما التحكيم بالتفويض بالصلح فهو إعمال خليط من قواعد واساليب وادوات التوفيق والوساطة لمعرفة وفهم مراكز الخصوم وطبيعة الخلل والإخلال الحاصل بينهما وكيفية علاجه بحل عادل. وحيث ان التحكيم عن طريق التفويض بالصلح يتعرض بصورة اساسية للعلاقة الاصلية بين الخصوم وهي غالبا ما تكون علاقة عقدية ؛ وباعتبار ان اغلب العلاقات التجارية بين الخصوم يكون سندها عقد ، فأحيانا يكون استئصال وإنهاء العلاقة خيرًا من الإبقاء عليها ، وأحيانا اخرى يكون الحل في تعديل أو استبعاد بعض الالتزامات المتبادلة التي ينظمها ذلك العقد ، وعلى ذلك فإن اللجوء للتحكيم عن طريق التفويض بالصلح يكون لمحاول الابقاء عل العلقة العقدية بين طرفي النزاع وتطويرها وتفعيلها.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة