نظرية العلاقات الدولية

المدرسة السلوكية في العلاقات الدولية

نشأت المدرسة السلوكية في منتصف الخمسينات وتبلورت بشكل أساسي في الستينات. وهدفت السلوكية إلى إيجاد نظرية تعليلية تفسيرية و تنبؤيه. استعمل السلوكيون مناهج علمية وخاصة كمية في أبحاثهم واهتموا في تقديم واختيار فرضيات بشكل مقارن وقاموا ببناء نماذج و نظريات تقومعلى فرضيات ومفاهيم محددة بدقة ومترابطة منطقياً.

اهتم السلوكيون بالأنماط المتكررة وليس بالحالات الفردية كمحور للبحث. . . [حيث] يقوم بناء النظرية حسب السلوكيون على القدرة على التعميم وإطلاق الأحكام العامة. ويقوم هذا بدورة على إثبات الفرضيات. وظهر التحول مع السلوكية نحو المناهج العلمية القائمة على الإحصائيات وساهم في ذلك كله استعمال الحاسب الالكتروني والرياضيات.

اعتمدت المدرسة السلوكية في كثير من المجالات على النتائج التي توصل إليها علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء الانثروبولوجيا الذين درسوا سلوكيات الأفراد والجماعات الاجتماعية. واستفادت المدرسة السلوكية من ذلك في بناء نظريات جزئية أو متوسطة في العلاقات الدولية، وذلك انطلاقاً من أن سلوكيات الدول هي أساساً سلوكيات الأفراد والجماعات الرسمية وغير الرسمية في تلك الدول.

*أهدافـــها:

1- استعمال المقاربات المتعددة الاختصاصات (interdisciplinary approach) .

2- دراسة وحدات جديدة في التحليل مثل النظام (System)، القرار ( decision )، و الإدراك (perception).

3- خلق حقول صغيرة للبحث في العلاقات الدولية مثل تحليل السياسة الخارجية (F.P analysis).

4- جمع المعطيات التي يمكن استعمالها أو مقارنتها.

– إنتقادات السلوكية للمدرسة الواقعية:

1- لا يمكن اعتبار الدول كالفاعلين الوحيدين في النظام الدولي.

2- لا يمكن اعتبار الدول كوحدات موحدة ) unitary actors )

3- لا يمكن اعتبار القوة كالمحرك الوحيد لسلوكات الدول.

4- صعوبة تعريف مصطلح القوة و عدم امكانية إخضاعه للقياس.

5- أن جزء من ميزان القوة خرافي، ثم إن هذا النظام يؤدي إلى عدم الاستقرار بقدر ما يؤدي إلى النظام (order).

المشكل في بداية الستينيات هو أن الانتقادات التي وجهت للواقعية كانت لاذعة و لكن من دون تقديم البديل و هذا ما عبر عنه ( Warren Philips ) في مقالة بعنوان” أين ذهبت كل النظريات” Where have all the theories gone?) World politics, 26,2, January, p155-188.  

النتيجة هي أن الكثير من السلوكيين لجأوا إلى دراسة مجالات محدودة أو قطاعات (area studies) التي تعج بالمعلومات و لا تحتاج إلى نظرية، أما التقليديون وخاصة ذوي التوجه الفلسفي فقد عادوا إلى المرحلة الكلاسيكية لإيجاد بعض الضوء عند Puffendorf ، Vattel ، Burlee ، Hume و منهم ( Linklater, Beitz, Donelan …)، أما البعض الآخر فقد واصل الوقوف إلى جانب الفكر الواقعي خاصة في مجال الدراسات الإستراتيجية مدعمين بحثهم بالكثير من المادة التقنية حول القدرات العسكرية. في الجهة المقابلة يقف الباحثون عن السلم و الذين يركزون على القيم الليبرالية مبشرين ب”ما بعد السلوكية”( Post- behaviorism ).

المقاربة التقليدية/ السلوكية في العلاقات الدولية:

يرى التقليديون أن العلاقات الدولية هي دراسة أنماط الفعل و رد الفعل فيما بين دول ذات سيادة متمثلة في نخبها الحاكمة،”International Relations  is the study of patterns of action and reaction among  sovereign states as represented by their governing elites”  و عليه فإنه على طالب العلاقات الدولية أن يركز على نشاطات الدبلوماسيين و الجنود الذين ينفذون سياسات حكوماتهم. إن العلاقات الدولية بالنسبة إليهم مرادف لـ” الدبلوماسية و الإستراتيجية” ( strategy/diplomacy) و كذلك لـ” التعاون و الصراع”  (cooperation/ conflict) و ببساطة يصبح هدف العلاقات الدولية هو دراسة السلم و الحرب. يرى هؤلاء أن دراسة العلاقات بين الدول مهما كانت صراعية أو تعاونية فإنها في النهاية ذات طبيعة متقلبة، فالعلاقات التي يطغى عليها الصراع تتضمن بعض عناصر المساومة  (Bargaining) كما أن التعاون الدولي قد يعكس السيطرة العسكرية أو الاقتصادية لدولة على دولة أخرى.

 يسلم التقليديون بوجود مجموعة من المتغيرات التي تؤثر على سلوكات الدبلوماسيين و العسكريين و منها الظروف المناخية، المكان الجغرافي، و الكثافة السكانية، و نسبة التعليم، و التقاليد التاريخية و الثقافية، صور إدراك الآخر، الظروف الاقتصادية، المصالح التجارية، القيم الدينية و الإيديولوجية ، الخرافات…إلخ، و كل محاولة لإدراك أسباب أي فعل حكومي و وضع هذه المتغيرات حسب ترتيب معين تعتبر عملية غير مجدية و كل ما يمكن أن تقدمه هو مجرد فرضيات هزيلة.

كل ما يهم التقليديين هو ملاحظة سلوكات الحكومات التي يدرسونها باستعمال مصطلحات مثل “ميزان القوة” (Balance of Power ) أو تحقيق المصلحة الوطنية ( The pursuit of national interest) ، أو دبلوماسية الحذر(Prudence).

 هناك كتابات عديدة في مجال النظرية التقليدية مثل ( R.Aron ، S.Hoffmann ،Morgenthau  …الخ. و تمثل هذه المدرسة” الواقعية السياسية” (Political Realism ) لمورغنثاو Morgenthau الذي يرى أنه من واجب الباحث الذي يتبنى هذه النظرية التنبؤ بأن سلوك أي دولة سوف يعكس الأفعال العقلانية للدبلوماسيين و العسكريين الذين يريدون تحقيق أكبر ربح لدولهم في حدود الحذر التي تمليها الحاجة للبقاء، و هكذا جعل من مصطلح” القوة” (Power ) التي عرفها على أنها “قدرة أي نخبة في سياستها الخارجية للسيطرة على أفكار و أفعال نخبة أخرى”  Power is ” the capability of one foreign policy elite to dominate the thoughts and actions of another”. محور التحليل.

وتكمن صعوبة مصطلح القوة Power)   ) في كونه يتضمن “التأثير” (Influence ) و هو علاقة سيكولوجية تحتوي على السيطرة ( psychological relationship of dominance ) و ترتكز على عوامل متعددة تبدأ من القدرة على الإقناع وصولا إلى القدرات النووية.

إن نفس إشكالية تعريف القوة تنجر على مصطلحات أخرى تستعملها النظرية التقليدية مثل ” المصلحة الوطنية” National Interest) ) ” ميزان القوى”، و التوازن ( Equilibrium ). فميزان القوى قد يعني المحافظة على الوضع الدولي الراهن ( status quo) لبعض الدول، كما قد يعني محاولة النظر فيه من طرف دول لا يخدمها الوضع الحالي. فما هو أحسن ميزان، هل هو الحالي أو المستقبلي؟ إن الإجابة مرهونة بالمكانة التي تحتلها كل دولة .

عندما نطلع على كتابات التقليديين و خاصةR.Aron  و S.Hoffmann فإننا سوف نتأكد من شيء واحد و هو أن لا شيء مؤكد (uncertainty) . لقد ساهم الإثنان في إثراء العلاقات الدولية بتأكيدهما على عدم إمكانية عزل محددات خيارات السياسة الخارجية و لهذا فإن خطر الحرب في عالم مملوء بالمشاكل و الفوضى يدفع برجال السياسة إلى التأكد من الوسائل التي يملكونها في مقابل الحاجات الفيزيائية و السياسة و الثقافية التي تطلبها مجتمعاتهم.

باختصار لقد ساهم الباحثون التقليديون في رسم معالم بعض المقترحات العامة حول السياسة الدولية التي تساعد على شرح و إلى مستوى محدود على التنبؤ بردود أفعال النخب السياسية في السياسة الخارجية في حالة الأزمات.

لقد ساهم هؤلاء أيضا في اعتبار العلاقات الدولية على أنها “دراسة العلاقات التي تكاد أن تكون فوضوية بين الوحدات السياسية ذات السيادة”( I.R is the study of the nearly anarchic relations existent among sovereign political entities

 و الملاحظ أن هذه الوحدات لا تعترف بأية سلطة فوقها و لهذا تلجأ إلى التهديد باستعمال العنف أو إلى شن الحرب من أجل حماية أو تدعيم ما تسميه مصالحها الحيوية.

 يرى هؤلاء أن هدف علم السياسة هو دراسة” النظام” ( Order ) في توزيع الثروات السياسية داخل أنظمة سياسية تتسم بالاستقرار النسبي، أما علم العلاقات الدولية فهو دراسة “اللانظام” (Disorder ) داخل نظام سياسي دولي بدائي تنعدم فيه المساواة.  

* لقد بدأ هجوم السلوكيين على التقليديين من هذه النقطة و هي تعريف مجال علم العلاقات الدولية و ميدان تدخله، فهم يعتبرون أنه لا يمكن حصر العلاقات الدولية داخل حيز علم السياسة أو اختصاص مستقل آخر، و يرون بدل ذلك أن علم العلاقات الدولية هو حقل من البحث تشترك فيه الكثير من العلوم (interdisciplinary filed ) و يؤكدون على المصطلحات و المشاكل “الدولية” في علم السياسة و التاريخ و كذلك في العلوم الاجتماعية و التجريبية و العلوم الطبيعية.

 يجب القول أن كل من المدرستين السلوكية و التقليدية تعتمدان على التخصصات الأخرى ( interdisciplinary) بدرجات مختلفة لكن الاختلاف بينهما يكمن في أن الأولى تتخطى عدم دقة الثانية باستعمال التقنيات الكمية و بناء النماذج (Model building ).

لقد رأت السلوكية أن” النظريات” التقليدية غير واضحة (vague ) و شاملة ( inclusive ) و لهذا لا تستطيع تقديم تحليل واضح للسلوك السياسي الدولي، ثم إنها مطاطية و لا تحتمل الثبات أمام التحقق العلمي. يؤمن أصحاب المدرسة السلوكية بالطريقة التجريبية ( empirical method ) و المنهج الاستقرائي( inductive ) و اختبار الفرضيات، و التأكد من القواعد أو المبادىء بواسطة الملاحظة المتكررة ( repeated observation ) و الاختبار( Testing ) و كذلك بعملية تطبيق (operationalization) المصطلحات على الواقع أي بتلك العملية التي يمكن بواسطتها تحويل الأحداث إلى بيانات و معطيات (data) مما يسمح لباحثين آخرين من القيام بالملاحظة من جديد و التأكد من نتائجها و هذا ما يتطلب حسب وجهة نظر السلوكيين التمرن الجيد على تقنيات الإحصاء و علوم الكمبيوتر.

  يعتبر السلوكيون أن المدرسة التقليدية لا تقدم الشيء الكثير منهجيا بل و لا تعدو أن تكون مجرد مقاربة تعتمد على الحكمة ( wisdom approach ) و يعتبرون أنه من الصعب التوصل إلى نظرية علمية شاملة في العلاقات الدولية لأن المتغيرات التي تتحكم في السلوك السياسي الدولي كثيرة جدا و لا يمكن ربطها علميا، و لهذا ركز معظمهم على بحوث من المستوى المتوسط ( intermediate-level ) و التي تعتمد على جمع مجموعة صغيرة من المتغيرات و ذلك من أجل بناء نظريات جزئية (partial) أو ( middle-range ) تستطيع أن تصمد أمام الاختبار.

 في محاولتهم لدراسة العلاقات الدولية بطريقة تجريدية غير محدودة في الزمن (timeless ) فقد بنى السلوكيون نماذج للنظام الدولي و جمعوا بمساعدة الطلبة و الأساتذة المعطيات المرتبطة بتلك النماذج و ذلك من أجل التأكد من صحة أو عدم صحة الفرضيات الأولية التي وضعوها و منها دراسات Kaplan ، Deutsch ، Rosenau … لكن معظمهم ركزوا على مواضيع دقيقة و محصورة جدا مما فتح المجال أمام الانتقادات التي تقول أنهم اهتموا بمسائل ميكروسكوبية تافهة.

 كمثال على الدراسات ذات البعد المتوسط ( middle-range investigations) تلك التي قام بها David Singer       و Melvin Small  محاولة للربط إحصائيا بين سياسة الأحلاف في أوربا بين 1945-1815 و وقوع الحرب، و توصلا إلى تقديم مقترحات حذرة فيما يخص مساهمة الأحلاف أو عدم مساهمتها أو تجنب الحرب.

المشكل الأساسي في مثل هذه الدراسات هو وجود الكثير من المتغيرات الأخرى إلى جانب الأحلاف التي تساهم في خلق السلوك الحربي لدولة معينة.

 مثال آخر عن الدراسات المجهرية قام بها  Ole Holsti في “تحليل المضمون” ( content-analysis) لأقوال و كتاباتJohn Foster Dulles وزير الخارجية الأمريكي بين 1959-1953 و ذلك من أجل بناء “نظام الاعــتقاد” (belief-system  ) الذي يؤمن به ( Dulles ) في مواجهة الإتحاد السوفياتي كدولة إيديولوجية و عدوانية. المشكل في مثل هذا العمل هو أن الباحث لم يطلع على الوثائق الشخصية و السرية للوزير، ثم أنه لا يستطيع أن يتغلغل داخل تلافيف عقله لتحديد ما إذا كان الوزير قد رسم سياسته طبقا للصورة التي يملكها عن الإتحاد السوفياتي و العالم أو طبقا للوهم السياسي السائد آنذاك.

إن مساهمة المدرسة السلوكية الأساسية لا تتمثل في النتائج التي توصلت إليها بل في الثورة المنهجية التي أحدثتها في حقل العلاقات الدولية في الخمسينيات، بحيث أن تطبيق المنهج العلمي في العلاقات الدولية قد ساهم في تطوير المصطلحات و أدوات البحث التي تم استقدامها من العلوم الاجتماعية و كذلك في خلق بحوث “ما قبل النظرية” ( pre-theory ) التي تمنح نفسها للاختبار و التأكد من النتائج. و بالرغم من أن محاولات السلوكيين هي أقرب إلى ” الوعود”  (promise) منها إلى ” الإنجاز” (performance) كما قال D. Singer فإن تحقيق تلك الوعود في المستقبل يعني أن المنظرين في حقل العلاقات الدولية سوف يتمكنون من التنبؤ و بالتالي بالتحكم في سلوكات الفاعلين على الساحة الدولية.

نظرية ما بعد السلوكية

إن نظرية ما بعد السلوكية نشأت في مرحلة جنينية للمدرسة السلوكية ثم نمت وتطورت,وأصبحت مصدر الهام لنقد السلوكية,وكشف ثغراتها,ومواطن قصورها حتى ادا ما بدا الحديث عن وجوب تجاوز السلوكية والبحث عما بعدها.أثير الانتباه نحو هده النظريات التي كانت في بدايتها ضد السلوكية لتصبح وريثة لها.ومن ثم أطلق عليها ما بعد السلوكية,لدلك فان فان عددا من هده النظريات كان مستخدما جنبا إلى جنب مع نظريات المرحلة السلوكية.ولكن انطلاقا من نموذج معرفي آخر وتأسيسا على منظور مختلف,فهده النظريات لم تكن متلبسة تماما بتحولات الوضعية المنطقية وتجلياتها في المدرسة السلوكية.فإلى أي احد استطاعت مدرسة ما بعد السلوكية تجاوز ثغرات المدارس السابقة؟وما هي أوجه التشابه والاختلاف ما بين المدرسة ما بعد السلوكية وغيرها من المدارس السابقة؟

وفي إطار معالجتنا لمدرسة ما بعد السلوكية ولاهم الأفكار التي جاعت بها سنتناول الموضوع على الشكل التالي:

مفهوم مدرسة ما بعد السلوكية واهم منظريها
مدرسة ما بعد السلوكية واهم منظريها
العوامل المساهمة في ظهور مدرسة ما بعد السلوكية
أهم أفكار مدرسة ما بعد السلوكية في تحليل العلاقات الدولية
أوجه التشابه والاختلاف بين المدرسة ما بعد السلوكية وبين المدرسة الواقعية وبين السلوكية
انسجام أفكار ما بعد السلوكية مع النظرية المثالية
مفهوم مدرسة ما بعد السلوكية واهم منظريها
مدرسة ما بعد السلوكية واهم منظريها

إدا كانت مرحلة الستينات شهدت ظهور يسمى بالنظريات العلمية او النظريات الجزئية,واستفادة علم العلاقات الدولية من الفروع العلمية الأخرى في دراسة بعض جوانب العلاقات الدولية,فان تطور وابتداع مناهج بحث جديدة جعل من علم العلاقات الدولية يحتل مكانة مرموقة كحقل مستقل من حقول الدراسة والمعرفة.لدلك فان أهم سمة لهده المرحلة الجديدة من مراحل تطور علم العلاقات الدولية من ناحية وتحديد مجال وطبيعة العلاقات الدولية بشكل أكثر وضوحا من ناحية أخرى. كما تتميز مرحلة ما بعد السلوكية بقيام تنظير في العلاقات الدولية يهتم ببناء النظريات وجعلها أكثر قدرة على التفسير والتنبؤ والتمييز بين الظواهر المحددة والربط بين مستويات التحليل الكلية والجزئية.

والى جانب دلك فمرحلة ما بعد السلوكية تتميز أيضا نتيجة لتحولات السبعينات,وبأنها تعطي اهتماما اكبر للمتغيرات الاقتصادية وتأثيرها على العلاقات الدولية,بحيث شهدت هده المرحلة اتساع نطاق دراسات العلاقات الدولية لتتضمن موضوعات اقتصادية لم تكن من صميم الاهتمام التقليدي لهدا الفرع من العلوم السياسي,وعلى نوع يفرض تخطي الحدود الرسمية بين علمي السياسة والاقتصاد.وهكذا أبرزت أهمية الموضوعات والقضايا الاقتصادية في العلاقات الدولية,سواء على صعيد العلاقات بين الدول الغربيةاو على صعيد العلاقات بين الشرق والغرب,أو على صعيد العلاقات بين الشمال والجنوب.

أما فيما يخص منظري مدرسة ما بعد السلوكية الدين هم أنفسهم دعاة المدرسة السلوكية فنجد على رأسهم( رتشارد سنا يدر) و(ديفيد أستون),هدا الاخيرالدي سبق (رتشاردسنايدر) في التمهيد للثورة العلمية التي اسماها بالثورة ما بعد السلوكية,كما انه يعدمن الدين خاضوا ثورة ضد السلوكية والتي تتنكر للقيم والاعتبارات الأخلاقية بحجة الموضوعية العلمية,وفي هدا الاطاريرى( ايستون) إن البحث السياسي لايمكن إن يكون مجرد من القيم ويدعو إلى عكس دلك,اد يعتبر مثلا ان الباحثين والاكادميين عامة عليهم مسؤولية تاريخية خاصة لحماية قيم الحضارة الانسانيةوداك بوضع المعرفة في خلاصة هدا القيم,وبدلك تتقاطع النظرية ما بعد السلوكية مع الفكر التقليدي للنظرية السياسية الذي عبر عنها( ليوشتاوس) في أواخر الخمسينات عندما اعتبر إن الهدف الأساسي للبحث السياسي وهو الحصول على المعرفة الضرورية لبناء مجتمع العدل والحق.
وقد عدد( سيوم براون) و(ريتشارد ) القيم والأهداف التي تهم الإنسانية والتي يفترض العمل على تحقيقها وهي التغلب على العنف للتوصل إلى إلغاء النزاعات والحروب وزيادة الازدهار الاقتصادي والاجتماعي

العوامل التي اسهمت في ظهور المدرسة ما بعدالسلوكية

لقد تزامن ظهور مدرسة ما بعد السلوكية مع فترة الستينات ودلك بصدد الوقوف عند الثغرات التي اغفلتها المدرسة السلوكية لكي يكمل التحليل السلوكي للعلاقات الدولية وتزامن ظهورها مع بروز المحاورات الكبرى بين السلوكيين والتقليديين.

فثمة اتجاهات علمية لدراسة العلاقات من جوانب مختلفة,فلم تعد هده الدراسة وحدة مترابطة او وحدة متكاملة من الناحية الموضوعية فهناك تفريغ لهذه الدراسة امام تعقد العلاقات الدولية وتشعب موضوعاتها فالمهمة الاساسية للمدرسةما بعد السلوكية تكمن في محاولتها كسرحواجز الصمت التي ارستها المدرسة السلوكية وتوجيه العلوم السياسية نحو معالجة وتلبية الحاجيات الضرورية للبشرية في فترات الازمات والحروب1.و صيانة قيم الحضارة الانسانية والمحافظة عليها بوضع المعرفة في خدمة سلم القيم ففي ظل الاوضاع الاولية المتطورة سياسيا واقتصاديا منذ نهاية الستينات انتقل الاهتمام بدراسة المتغيرات الاقتصادية لدى الاتجاهات الحديثة في دراسة العلاقات الدولية من مجرد الاهتمام بهافقط الى مستوى اخر وهومستوى النظر اليها كقوى مؤثرة في تطور النظام الدولي المعاصر,الذي يتسم بتزايد الروابط,وبدرجة عالية من الاعتماد اللامتكافئ آو التبعية بين دول الشمال ودول الجنوب.

وهكذا أصبح المتخصصون في العلاقات الدولية يتناولون بالدراسة المشاكل والقضايا الاقتصادية العالمية مثل, اتفاقات التجارة العالمية, الإصلاح النقدي العالمي ,المساعدات,المديونية,ونقل التكنولوجيا وغيرها1.مما أكد الارتباط بين دراسة العلاقات الدولية والمتغيرات الاقتصادية التي أصبحت لحيويتها تثير الاهتمام مثلها مثل المشاكل السياسية والإستراتيجية.

إن التفاعل الموجود بين المتغيرات السياسية والاقتصادية في الدراسات الحديثة, يعكس حجم الاهتمام المتزايد بالاعتماد المتبادل الدوليالذي أصبح مصطلحا شائع الاستعمال ألان لوصف تطور النظام الدولي.فالمحيط الدولي المعاصر يشهد تزايد الروابط بين الإفراد والجماعات في الدول المختلفة,وفيما بين الحكومات وبين الأوضاع الداخلية والخارجية,وفيما بين الموضوعات السياسية والاقتصادية على نحول لم يعرفه التاريخ من قبل.

أهم أفكار مدرسة ما بعد السلوكية في تحليل العلاقات الدولية
المطلب الأول :أوجه التشابه والاختلاف بين المدرسة ما بعد السلوكية وبين المدرسة الواقعية وبين السلوكية

ان مدرسة ما بعد السلوكية تنتقد السلوكية الكلاسيكيةفي انها تهتم فقط بدراسة وفهم وصف الظاهرة السياسية دون تجاوزهده الحدود الى إيجاد الحلول للمشاكل التي تعاني منها الانسانية وازمات العلاقات الدولية.ويقول (ديفيد ايستون)في هدا الصدد:”ان مدرسة ما بعد السلوكية تكمن في محاولتها كسر حواجز الصمت التي اقامتها المدرسة السلوكية ودفع العلوم السياسية لمعالجة الحالات الحقيقيةللبشرية في فترات الأزمات”.

اما فيما يتعلق بنقد ما بعد السلوكية للمدرسة الواقعية فيتجلى من خلال تركيز هده الاخيرة على فكرة ان الدولة فاعل وحيد في العلاقات الدولية ,وهدا غيرصحيح بالنسبة لها وهو تحليل تعوزه الدقة.فبالنظر الى واقع العلاقات الدولية نجد ان هناك فواعل اخرى مؤثرة وموازية للدولة.وتؤدي ادوارا في بعض الاحيان اكثر تاثيرا من الدولة نفسها .

ومن ابرز الكتاب في هدا المجال( روبرت كوهين وجوزيف كاي وسيوم براون)وقد اعتبر هؤلاء انه مع تزايد الترابط الدولي والتداخل والاختراقات المتبادلة صار من الصعب ان لم يكن من شبه المستحيل اعتبالر الدولة تعمل بوحي المصلحة القومية ,وبالتالي اعتبر و ان هدا المفهوم الاخير لم يعد صالحا لتفسير سلوكية الدولة نتيجة لازدياد المصالح “غير الدولة”وفوق الدولة”وتشعبها لان مفهوم المصلحة القومية صار غامضا ,وباختصار فالنظرية ما بعد السلوكية تنتقد الواقعية لسببين  :

اولهما تحليلي اكاديمي :وهو ان الواقعية لا تاخد بعين الاعتبار تاثير للترابطات عبر الدول والترابطات الكونية والاعتماد المتبادل على السياسة العالمية.
ثانيهما :ان الواقعية تركز على قضايا الأمن ولا تحاول إيجاد سياسات تساعد البشرية على التغلب على الأزمات الكونية التي تهدده .

انسجام ما بعد السلوكية مع النظرية المثالية

في السبعينيات أصبحت العلاقات الدولية مقسمة إلى تخصصات فرعية، و بالرغم من أن العلاقات الدولية تمكنت من جلب عدد كبير من الباحثين إلا أنها بدت بعيدة جدا عن إيجاد نظرية عامة (general theory)، بعض التخصصات قديمة مثل “القانون الدولي” أو “المؤسسات” و بعضها جديد مثل “الدراسات الكمية” ( quantitative studies ) أو “التقنيات التنبؤية” (forecasting techniques )، بعضها مألوف “كاتخاذ القرار”( decision making )، و بعضها راديكالي مثل “البيولوجيا الاجتماعية” ( Sociobiology ) أو “نظرية الصراع” ( Conflict theory )، بعضها يبدو ظرفيا مثل “علم السياسة الأيكولوجي” ( ecopolitics)، و بعضها باقي مثل “التحليل الإستراتيجي” ( Strategic analysis )، و لحقت بالركب اختصاصات أخرى و على رأسها “العلاقات الإقتصادية الدولية”. 

   بهذا زال الصراع أو النقاش بين المدرسة التقليدية و السلوكية بحيث تم التوصل إلى أن للتجريبية حدودها وأن إمكانية التوصل إلى علم اجتماعي تجريبي للسياسة الدولية عملية غير واردة، و هكذا تحول الاتجاه السائد ( mainstream ) إلى اتجاه انتقائي (eclectic).

في كتاب 1983 Kalevi Holsti, International politics: Framework for analysis, (الطبعة الرابعة) تجتمع جنبا إلى جنب نصوص تقليدية مثل الأخلاق ( ethics ) و تحليل سلوكي للتفاوض (negotiation ) نظرة تقليدية للنظام المكون من الدول (State system) مع دراسة حذرة للنظرية الإستراتيجية، هناك من الاختصاصات الفرعية التي تم إدخالها مثل حل النزاعات (Conflict resolution)، وما تم التعامل معه باحتشام مثل الإعتماد المتبادل  ( Interdependence ).

جاءت النظرية مابعد السلوكية لتعيد التوازن في نظرية العلاقات الدولية وتلطف من تطرف كل من النظرية الواقعية والنظرية السلوكية في تجريدهما لنظرية العلاقات الدولية من الاعتبارات الإنسانية,فهي بدلك تلتقي مع النظرية المثالية في المسلمة الرئيسية التي تقول بان هناك انسجام في المصالح بين الأفراد وبين المجتمع الكوني وأيضا بين المصلحة القومية والمصلحة العالمية في شؤون التنمية والأمن والحفاظ على المصادر”فوق قومية”2لاداراة النزاعات التي تنشا بين الدول والمساهمة في حلها وكذلك لإدارة واستغلال المصادر الطبيعية وتامين توزيعها بشكل عادل بين مختلف الدول وإعطاء شرعية للحاجة القصوى لإقامة مثل هده المؤسساتفيما تشترك هده المدرسة مع المثالية في تفاؤلها من حيث الإيمان بإمكانية إقامة حكومة عالمية ,فهي تمثل نوعا م إعادة إحياء للمدرسة المثالية .
خاتمة
من خلال كل ما سبق نستنتج ان الاتجاه السلوكي بشقيه السلوكية وما بعد السلوكية قدم عدة إسهامات على المستويات التنظيرية,الفكرية والمفهوماتية للعلاقات الدوليةفهل هده الإسهامات الغنية للمدرسة ما بعد السلوكية تؤهلها لمسايرة التطورات والمتغيرات الدولية؟,أم أنها غير قادرة على دلك؟وهل يشكل ظهور مدارس أخرى جديدة نهاية لمدرسة ما بعد السلوكية؟

ما هي النظرية التي سوف تحتل الصدارة؟

في نهاية السبعينيات، و بعد قرون من الكلاسيكية (classicism) و نصف قرن من التجارب المتتالية مع الليبرالية     و الواقعية و السلوكية بدا الجواب واضحا بشقيه.

1 ) أن الواقعية لم تمت بل اختفت في الكواليس و راحت تحرك الفكر الذي اعتمدته المدرسة السلوكية.

2 ) أن الواقعية تتعرض لمنافسة شديدة الآن بحيث ظهر نقاش جديد يشبه كثيرا ما وقع في السابق.

   تحدث ( John Vasquez ) 1983 في كتابه( The power of power politics ) عن السيطرة اللاشعورية للمنظور الواقعي على الباحثين السلوكيين بين 1950 -1983 بحيث استعملوا المسلمات الواقعية دون الانتباه إليها        و خاصة من طرف البحوث الكمية (colouring it Morgenthau) (1973 ) عنوان محاضرة لـ ( Vasquez ) أصبح شعارا يصف التوجه العام1.

 كما أشار منتقدو المدرسة السلوكية إلى أن المشكلة ليست فقط سيكولوجية متعلقة بتغير المنظورات (paradigm shift) و لكن مرتبطة بالمنهج أيضا، باعتبار أن الخطوات التي اتبعها السلوكيون تحجب النظر عما يجري في الساحة لأنهم فضلوا العمل التجريبي بجمع المعلومات. لكن جمع المعلومات هذا ( Fact-gathering ) يعد تمرينا موضوعيا و لكنه محافظ جدا من الناحية الإيديولوجية باعتبار أنه يسجل ما هو موجود في الوضع الراهن متجاهلا ما كان يمكن أن يكون  و ما يجب أن يكون. لما فتحت غطاء “العلم” و أصبحت السلوكية طريقة للدفاع عن سياسة القوة ( power politics )   و حتى أكبر المدافعين عن السلوكية مثل (Michael Nicholson) (1983 ) 2، توصل إلى القول في نهاية المطاف” إن نشاط العلوم الإجتماعية هو خليط من السياسة و الأخلاق” ( the activity of social science is redolent with politics and morality ).

  نقطة أخرى هامة و هي أن عملية جمع المعلومات قد دعمت المسلمة الواقعية التي تجعل من الدولة أساس العلاقات الدولية (State-centric) لأن معظم تلك المعلومات ( الأحداث الدولية، الإحصائيات التجارية، الأسلحة) تقدم من طرف المسؤولين الرسميين و هذا ما يمنح الأهمية للحكومات في التأثير على مجرى التاريخ.

 فيمكن أن نجد في الإحصائيات ثمن صاروخ MX و لكن لا يمكن أن نجد حماس مسلم مجاهد ثوري (العمل الانتحاري) مثلا.

إن كل الدارسين الذين يعتقدون بأن دراستهم للمجتمع ليست فقط موضوعية ( objective ) أي خالية من أحكام القيمة    (value-free) بل استقرائية (inductive) أي خالية من التنظير( theory-free ) أيضا إلا بعد جمع المعلومات الكافية و التأكد منها يخدعون أنفسهم لأن اختيارهم و تأويلهم للأحداث في حقيقة الأمر موجه من قبل كل من القيم و النظريات.

 و هكذا كانت التجربة السلوكية أقوى برهان في القرن العشرين ينادي بالعودة إلى مبادىء المرحلة الكلاسيكية حتى يتمكن الباحث من فهم العالم ثم معرفة أحسن السبل للتحرك فيه وجب عليه أن يبدأ من نظرة شاملة للعالم أولا.

ما بعد السلوكية:   الحوار بين المنظورات ( inter-paradigm debate )

    لم تضمحل القضايا الأساسية و مناقشتها أثناء هيمنة التقليدية و السلوكية و لكن القليل فقط من الباحثين من تطرق إلى المسلمات في العلاقات الدولية و تساءل حول قيمتها أو علاقتها بالسياسة (policy). و لكن بعد الدخول فيما بعد السلوكية بدأ الاهتمام بكتابات هؤلاء مما دفع بالباحثين (Ray Maghroori) و(Bennett Ramberg) 1983 3) ) إلى تسمية هذه المرحلة بالحوار الثالث في العلاقات الدولية ( Third debate ) بعد مرحلتي حوار الليبرالية/الواقعية، السلوكية/التقليدية.

يتمثل هذا الحوار في المواجهة بين وجهات نظر متعارضة و تسمى(Frameworks /perspectives) أو(paradigms) و هي مصطلحات تعبر عن النظرة إلى العالم (world view) تحتوي على كل من القيم و النتائج التجريبية و لمعرفة عدد المنظورات (paradigms) ظهرت الكثير من الكتابات ( Lipjhart, Banks, Taylor 78, Pettman 79)

لكن بدا في بداية الثمانينيات أن هناك ثلاث منظورات و هذا حسب ( Rosenau ) 1983 :

1- متعدد المراكز Multi-centric.

2- الدولة- المركز  State-centric.

3- مركز عالمي Global-centric.

  و التي نعوضها بلغة أخرى:

1- التعددية  Pluralist.

2-الواقعية   Realist.

3- البنيوية Structuralist.

 و هناك من استعمل لغة عادية للتعبير عنها:

1- شبكة Cobweb.

2- كرة البلياردو Billiard-ball.

3- طبقات الكعكة Layer-cake.

تم التعرف على الفاعلين في كل منظور، إضافة إلى القوى التي تؤثر عليهم، لهذا بدا بأنه على مختلف المنظورات أن تتجنب التناقضات المباشرة فيما بينها. إن الفارق الوحيد فيما بينها و الذي غالبا ما يؤدي إلى كثير من الغموض و هو أن كلا منها يحاول شرح متغيرات أو نتائج مختلفة.

التعددية (Pluralism ) تدرس سلوك كل الجماعات السياسية الهامة في المجتمع الدولي.

الواقعية (Realism ) تحصر تدخلها في سلوك الدول فقط و خاصة القوية منها.

البنيوية (Structuralism ) و تدرس التقسيم الطبقي العالمي، و الثروة و القوة السياسية.

إن النظرة التاريخية هنا ضرورية لمعرفة لماذا حدث كل هذا في تلك المرحلة. إن من أهم العوامل نشر كتاب(T.Kuhn)

 “بنية الثورات العلمية” عام 1962. لم يكن مهما معرفة ما إذا كان (Kuhn) على خطأ أو صواب حين قرر أن نمو المعرفة يحدث بطريقة جدلية بحيث ينتصر العلم الحقيقي من خلال المواجهة بين الأفكار المتضاربة. ما كان مهما في الحدث هو أن هذا الكتاب شجع على إعادة التفكير في الأمور بطريقة راديكالية و ركز على “المشاكل” العميقة بدل        (Puzzle-solving) أي حل المسائل الروتينية التي توجد في المسلمات داخل منظور معين.

-أكد (Kuhn ) عدم و جود حقيقة مطلقة لأن العلم البشري في تطور دائم، و لهذا فالمعلومات التي يقدمها أي منظور عن العالم تبقى محدودة، و يبدأ الباحثون بإيجاد نقائص (anomalies) في شكل تناقضات (contradictions) أو أسئلة عالقة (questions with no answer ) داخل المنظور.

إن رياح التغيير بدأت تهب ما بين الحربين العالميتين و كان موضوع النقاش هو إشكالية التغير السلمي ( peaceful change)، فاعترف (Arnold Wolfers)  1959 بأن الدول ليست “كرات يابسة” (states are not billiard-balls)  و اكتشف (David Singer ) 1961 بأن الواقعية لا يمكن لها أن تتفاعل مع عدة مستويات من التحليل، و شكك(Karl Deutsch ) بأنه يمكن للتكامل (integration ) أن يكون قاعدة للأمن الدولي كما هي المواجهة تماما.

– توسع بسرعة النقاش حول النقائص (anomalies) و خاصة في مرحلة ما بعد السلوكية دون التأكد من سبب ذلك، فهل هو فعلا العالم الذي بدأ يفرز تلك النقائص، أم أن الباحثين في الاختصاص بدأوا ينتبهون إليها أكثر و بطريقة أوضح؟

واحد من أكبر من واجهوا إحدى هذه النقائص هو الباحث ( John Burton ) 1982 في كتابه(Dear Survivors) حيث

واجه لوحده المذهب القائل بأن الردع النووي يؤدي إلى الأمن العسكري، بالرغم من أن الرأي العام راح يؤمن بهذه المسألة لفترات طويلة. بدأت الإشارة إلى التجنيد السياسي المتزايد لشعوب العالم و ما أدى إليه من تغير في القيم السائدة   (Alex Inkeles 1975)(4) و إلى التغيرات الناجمة عن عمليات التصنيع ( Edward Morse 76 ) (5)…الخ.

  لكن أهم نقاش حول النقائص في الحقيقة دار في اثنين من أقدم الاختصاصات الفرعية في العلاقات الدولية و هما الاقتصاد السياسي (political economy) و المنظمات الدولية (international organizations). فلقد أثبتت المواضيع المدروسة آنذاك مثل “الاعتماد المتبادل” (interdependence) (1969 O.Young ) (6)، المنظمات عبر الوطنية (Transnational organizations) (Keohane & Nye) (7) و (Regime analysis) (Stephen Krasner) 1983(8) بأن الواقعية لم تكن قادرة على تفسير ما يحدث في العلاقات الدولية.

في مواجهة هذه الهجومات على المدرسة الواقعية جاء رد الفعل من طرف الكثير من الباحثين المؤمنين بها، فتم انتقاد مفهوم “العدالة الاجتماعية الشاملة” (global social justice) من قبل(Tucker) (9) Robert ) و نظرية الاعتماد المتبادل، و تم إلحاق المعنى السياسي للشركات المتعددة الجنسية بنظرية المصلحة الوطنية من طرف (1975Gilpin)(10) و (Krasner 1978) (11). و بالرغم من هذا الدفاع المستميت فموقف (Vasquez 1983) اللاذع تجاه الواقعية كان له أثره الكبير حيث قال:” إن المنظور الواقعي ليس دليلا كافيا للبحث” ( The realist paradigm is not an inadequate guide to inquiry).

هناك بعض النقائص الأخرى التي لها جذور إيديولوجية كشفها البنيويون ( Structuralists ) و منظرو التبعية          (Dependency)، فقد ساد الاعتقاد بأن النظام المتكون من الدول ( Inter-state system ) و مهما تكن نقائصه فقد ساهم في تقدم بعض الدول منفردة. في مرحلة السبعينيات أصبح هذا الاعتقاد تحت الانتقاد اللاذع من طرف البنيوية التي جمعت الكثير من الباحثين من أمريكا اللاتينية و إفريقيا و الحركة الأوروبية للبحث من أجل السلم مدعمة مواقفها بآراء    (Hegel )،( Marx )،( Lenin )، و أصبح هذا المنظور قويا و له أتباعه.

ترى البنيوية بأن أغلب الدول ليست حرة باعتبارها محكومة سياسيا و اجتماعيا و إيديولوجيا بالقوى الإقتصادية، فالإمبريالية التي تقف على الفكر الرأسمالي في حرية السوق في الدول الغربية و برأسمالية الدولة في الدول الاشتراكية قد خلقت تبادلا غير متوازن (unequal exchange ) مع دول العالم الثالث.

و قد ساهم النظام الدولي في بعث الأنظمة العسكرية (militarism) و عدم المساواة و الانهيار الاقتصادي بسبب ثقل الديون، و خرق حقوق الإنسان و غياب العدالة الاجتماعية. لقد شنت القوى الكبرى حروبها المصلحية على أراضي دول العالم الثالث مستعملة شعوب “المحيط” ( Periphery ) هذا إذا لم تستعملها كيد عاملة رخيصة. ساهمت هذه الأفكار في جلب الكثير من المثقفين في العالم الثالث و في التأسيس لحوار شمال/جنوب (North-South debate ).

في الغرب تقدمت البنيوية شيئا فشيئا، فساهمت في خلق اختصاص فرعي و هو الدراسات التنموية (Development studies ) و دفع نمو”الاقتصاد السياسي” داخل الدراسات الدولية. اتهمها التقليديون بأنها مجرد مجادلات ( polemics )

في حين منحها السلوكيون اهتمامهم و حاولوا اختبار أبعادها التجريبية، أما أولئك الذين يعتقدون أن كل العلوم الاجتماعية هي إيديولوجية في الأساس فقد احترموا أفكارهم و اعتبروها هدفهم الأسمى و خاصة الباحثين في قضايا السلم أمثال      ( Johan Galtung ) (12) و بعض الباحثين الآخرين الذين قدموا مساهمات أمثال ( Robert cox ) (13). أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد استعملها ( Immanuel Wallerstein ) (14) كقاعدة لتفسير تاريخي معروف باسم تحليل النظام العالمي ( World system analysis).

ما بعد البنيويةPost-Structuralism : غموض في الاتجاه السائد

 كانت مرحلة ما بعد البنيوية بالنسبة لباحثي الاتجاه السائد (mainstream) مرحلة حرجة جدا، فبالرغم من سقوط الواقعية لم يتخذوا البنيوية كبديل بل راحت كل جماعة منهم تنادي بأفكارها القديمة رغم ظهور مؤسسات جديدة و مجلات جديدة…الخ.

   لقد بدا واضحا أن شيئا جذريا بدأ يحدث للعلاقات الدولية كحقل للبحث و السؤال المطروح هو:” ما هو هذا التوجه الجديد؟ بدا أن الجواب هو: “التعددية” (Pluralism ) التي تسمح لكل باحث أن يجد مصلحته بداخلها.

قبل الباحثون بمبدأ “التعددية” و أضافوا أشياءهم إليه لأنهم رفضوا التخلي عن منظورهم القديم، و لهذا فعوض أن يحدث هذا المبدأ تحولا في منظورات للعلاقات الدولية فقد أصبح قائمة غير منسجمة من الأشياء الجديرة بالنقاش في العلاقات الدولية و غدت صورة العالم (world view ) الناتجة أعقد بكثير من الصورة المبسطة التي قدمتها الواقعية. 

” التعددية” ( التي هي الواقعية زائد قطع أخرى) (pluralist-realist ) للدفاع عن نفسها أصبحت تقبل كلا من مركزية الدولة ( state-centrism ) و دور الشركات المتعددة الجنسية، نظرية التبعية ( في حدود معينة) في المركنتيلية         (mercantilism )، الإيديولوجية و المصلحة الوطنية كمحركات للسياسة الخارجية.

هناك جزء من الباحثين الذين أدركوا التناقضات و أخذوها بجدية و لكنهم لم يتمكنوا من التخلي عن قناعاتهم فراحوا يقومون بعمل توفيقي. لقد آمنوا” بأن العالم اعقد من النظرة التي قدمتها الواقعية” ( the world is more complex than the typical globalist a realist conceptualization world leads us to believe )   

كما قال(Maghroori & Ramberg ) (15)و اقترحوا عكس(Kuhn) أنه يمكن للعلاقات الدولية أن تستعمل أجود الأفكار الموجودة في أكثر من منظور في نفس الوقت. من بين هذه الدراسات الجادة تلك التي قام بها(Richard Ashley ) (16) للجمع بين رأي (Hegel ) في البنيوية من جهة و نظرية القوة من جهة أخرى، و كذلك محاولة ( Mansbach & Vasquez ) (17) للجمع بين تحليل السياسة الخارجية من جهة و الاعتماد المتبادل من جهة أخرى داخل الواقعية.

ما بعد السلوكية: منظور المجتمع الدولي( World society paradigm )

 هناك مجموعة أخرى من الباحثين الذين اعترفوا بعد شيء من التردد أن محاولة الاستفادة من”التعددية” كمنظور في العلاقات الدولية تبدأ بمواجهة تناقضاته مع المنظورات الأخرى عوض تفاديها.

– إلى أي مدى سيذهب هذا التغير الجديد في المنظورات؟

– ما هي المسلمات التي يجب تغييرها؟

– ما هي الأدلة التي يمكن جمعها من أجل إخضاع “التعددية” للاختبار؟

– ما هي انعكاساته على صناعة السياسة ؟(policy making ).

كل هذه الأسئلة تكفل بها الباحث (John Burton ) في كتاباته ضمن المنظور الذي سماه “المجتمع الدولي” (World Society ) (18).

إذا كانت “التعددية” قد تخلت عن الفكرة القائلة بأن الدول هي الوحدات الفاعلة في المجتمع الدولي فإنها أدخلت في ذلك الأحزاب السياسية، الشركات الاقتصادية، الأقليات العرقية، الجماعات الإيديولوجية…الخ. و إذا كان بجب تفسير سلوك كل هذه الجماعات فإن الواجب أولا هو فهم و تحليل القيم التي تؤمن بها، و عليه فإن تحليل القيم (value analysis ) يتوقف على التركيز على الاستقرار الدولي، الأمن الوطني، و باقي الأشياء المتعلقة بالدول و يركز بدل ذلك على الحاجات الإنسانية (Human needs ) و اهتمامات أساسية أخرى. فبعض هذه القيم يبقى محصورا داخل جماعة محلية معينة و بعضها تشترك فيها الكثير من الوحدات التي تتعدى حدود الدول(cross-nationally ). يجب التحليل العميق للعلاقات بين هذه الجماعات و هذا بدراسة كل أشكال الصراع و التعاون حتى تصبح “سياسة القوة”  (power politics) فئة واحدة فقط من العلاقات داخل النظرة الجديدة.

يبقى واحد من المواضيع الصعبة التي يجب على النظرية التعددية أن تتعامل معها و هو موضوع “الصراع” (conflict )

الذي احتل الصدارة في تاريخ النظام الدولي في شكل مأزق أمني ( Security dilemma ) و الذين واجهوا هذه المشكلة بصراحة هم الواقعيون أمثال (Machiavelli) و (Hobbes) إلى ( Morgenthau) و(Kissinger).

بدأ منظرو “المجتمع الدولي” (World Society ) في تطوير منطق تعددي للصراع (pluralistic logic of conflict )

و الطرق الناجعة للتحكم فيه، فكان هدفهم هو محاولة إيجاد أفكار داخل هيكل العلوم الاجتماعية تمكن اختصاص العلاقات الدولية -و هذا لأول مرة- من النظر إلى الصراع بنفس الطريقة التي ينظر بها الفيزيائي إلى الألم. في الطب لا يمكن القضاء على الألم بواسطة مهدئات فقط و لهذا وجب الذهاب إلى جذوره، كذلك يجب الذهاب إلى أعماق اللانظام الضمني

( underlying disorder ) للقضاء على الصراع ليس باستعمال الطرق التقليدية: ميزان القوى، المحافظة على السلم   و التدخل بل يجعل “المجتمع الدولي” نظاما ذاتي الضبط ( self-regulating system) في مقدوره تجنب الصراعات المدمرة.

إن البحث عن الأفكار الهامة دفع بباحثي “المجتمع الدولي” إلى التحالف مع الباحثين في قضايا السلم( peace research movement ) الذين يركزون على تحليل الصراع (conflict analysis ) و مع أدبيات العلوم السلوكية بحثا عن أفكار تضيء مسألة الخوف و اللاأمن في علاقة الدول ببعضها البعض. ذهبت هذه المدرسة إلى أبعد من الاعتماد المتبادل      و تعقيدات اتخاذ القرار و سلوكات الفاعلين عبرالوطنيين ( Transnational ) إلى الاهتمام بالروابط (Linkages ) بين الصراع الداخلي و الدولي، و النسب الإيجابية لمعدل إدارة الصراعات الداخلية، و الكتابات الأكاديمية حول السلوك الانحرافي (deviant behavior ) و الإدراك ( perception )، و الحاجات الإنسانية (Human needs) و التنشئة السياسية ( political socialization ).

لقد استطاع منظور”المجتمع الدولي” باعتباره متجذرا في أعماق تخصص العلاقات الدولية أن يجد حلا للعديد من النقائص ( anomalies ) الموجودة في الاتجاهات الأخرى، و حسب الروح التي سادت الحوار الكلاسيكي فإن هذا المنظور يعطي نظرة كلية للعالم بالجمع بين كل من التجريبي (empirical ) و المعياري ( normative ) دون أن يصف لنا مجتمعا مفضلا لم يوجد بعد، بل ينطلق من عناصر موجودة على أرض الواقع سواء كسلوكات دولية أو كأفكار حول هذه السلوكات لتكوين صورة للمجتمع الدولي.

يبدو أن الصورة غير مكتملة الملامح بعد و لكنها تعد بفهم أحسن و بتحكم أكبر في المشاكل السياسية.

============================================

TRADITIONALISTS:

Donelan, Charles Beitz, Linklater, Andrew, James Mayall.

BEHAVIORISTS:

Michael Sullivan, Patrick Morgan.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامــــــش

1-John Vasquez; color it Mogenthau: new evidence for an old thesis on quantitative

International politics; British Journal of International Studies, 5, 3(October) 1979, pp.210-29.

2- Michael Nicholson, The scientific analysis of social behavior (Frances Pinter, London, 1983).

3-Ray Maghroori & Bennet Ramberg (eds) , Globalism versus Realism: IR’s third debate

(West View Press, Boulder, Col.1983).

4- Alex Inkels, “The Emerging Social Structure of the World”, World Politics, 27, 4(July)

pp.467-95.

5- Edward Morse, Modernisation and the Transformation of I.R (London, Macmillan,

New York,1976).

6- Oran Young, Interdependencies in World Politics. International Journal, 24, 3(Autumn),

pp,726-50.

7- Robert Keohane & Joseph Nye, Transformational Relations and World Politics, (Harvard Univ.  Press, Cambridge Ma. 1971).

8- Stephen Krasner, International Regimes. (Cornell Univer. Press, N.Y.1983).

9- Robert Tucker, The unequality of nations, (Basic books), N.Y.1977).

10- Robert Gilpin, US power and the corporation: the political economy

of foreign direct investment.( Basic books.N.Y.1975).

11- Stephen Krasner, Defending the national interest: raw materials and US foreign policy

(Princeton Univ.press, N.J.78)

12- Johan Galtung, The true worlds,(Free press, N.Y.1980).

13- Robert Cox,” Social Forces, States and world order: beyond IR theory”.Millenium 10,2.

(summer) pp.126-55.

14- Immanuel Wallerstein, The modern world system.(Academic press,N.Y.1980)vol2

vol 1:1976.

15- Ray Maghroori & Bennett Ramberg (eds), Globalism versus realism: IR’ Third debate

(Westview press, Boulder, Colorado, 1983).

16- Richard Ashley, The political economy of war and peace. ( Frances Pinter,NY,1980).

17- Richard Mansback & Johan Vasquez, In search for theory: a new paradigm for global

politics.(Guilford, surrey, 1981).

18- John Burton, Dear Survivors (Frances Pinter, London, 1982).

 

============================

 

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى