بقلم_التجاني صلاح عبد الله المبارك

كاتب وباحث سوداني

قبل ما يزيد على ربع قرن من الزمان، تحديدا في عام 1995 القى الرئيس التايواني “لي تين” خطابا في جامعة “كورنيل” عن التجربة الديمقراطية التايوانية. كان هذا الحدث من جانب الصين غلطة لا تغتفر لاعتبارات كثيرة، من أهمها أن الصين تعتبر تايوان جزء من الصين الواحدة، ولا تقبل في ذلك أي محاولات انفصالية أو استقلالية، ولذلك أجرى الجيش الصيني عقب خطاب الديمقراطية التايوانية، مناورات عسكرية ضخمة واختبارات وتدريبات صاروخية في مضيق تايوان، وهو الشيء الذي دفع الولايات المتحدة إذ ذاك لإرسال مجموعتين من حاملات الطائرات الضاربة: (انتر برايز) و(جورج واشنطن) إلى المنطقة.

لم ينتهي التوتر بين البلدين جمهورية الصين الوطنية (تايوان) وجمهورية الصين الشعبية على ذلك، بل تعقد الموقف أكثر بعد وصول “ترامب” إلى الحكم، فقد بادر “ترامب” باتصال هاتفي مع رئيسة تايوان “تساي انغ ون” وهي من الساعين إلى مشروع الانفصال عن الصين واعتبار جمهورية الصين الوطنية دولة مستقلة ذات سيادة، وهو ما اعتبرته الصين تدخلا سافرا في الملف التايواني. التعقيد بلغ ذروته وكماله بزيارة “نانسي بيلوسي” الأخيرة الغامضة إلى تايوان بعد 25 عاما من زيارة أخر مسؤول أمريكي إلى تايوان.

تقع تايوان في جنوب شرقي آسيا، وهي تتألف من مجموعة جزر في المحيط الهادئ يفصلها عن الصين مضيق فورموزا، وتبعد من الساحل الجنوبي الشرقي للبر الصيني حوالي   140 كيلو مترا من مقاطعة فوجيان الصينية.

ويرجع تاريخ تايوان الانفصالي إلى القرن السابع عشر، حيث سيطرت الصين في ذلك الوقت على جزيرة تايوان واستولى الحكم سلالة” تشينغ”، لكن بعد خسارة الصين في الحرب الصينية اليابانية الأولى تخلت سلالة “تشينغ “عن حكم الجزيرة، وأصبحت تايوان مستقلة عن الصين في عام 1895 .

بعد خسارة اليابان الحرب العالمية الثانية في عام 1945 اندلعت الحرب الأهلية في الصين، وانتهت بسيطرة النظام الشيوعي على بكين عام 1949 بينما فر الجمهوريون (الكومينتانج) إلى جزيرة تايوان، وتمسك كلا الفريقين: الشيوعيون في الصين، والكومينتانج في تايوان في أحقيتهما وتمثيلهما الرسمي للأراضي الصينية كلها، إلا أن قرار الأمم المتحدة في عام1971 انتهى  بطرد تايوان من الأمم المتحدة وقطع العلاقات الدبلوماسية معها لاحقا، واعتبار الصين الشعبية هي الممثل الوحيد لكل الصين واحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن.

بالنسبة للداخل الأمريكي فان الصين تعتبر أكبر تهديد بل الأكثر خطورة على الولايات المتحدة، لما تقوم به الصين من إعادة تشكيل منطقة المحيطين الهادئ والهندي، ومن إقامة قواعد عسكريّة في عدة دول، إضافة لكونها دولة اقتصادية قفزت إلى الصدارة بسرعة كبيرة مقارنة مع غيرها من الدول.

أما تايوان فهي منطقة استراتيجية هامة لكلا الفاعلين الأمريكي والصيني، فهي تربط بين دول حليفة للولايات المتحدة في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، توليها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، لأنها تمثل البعد الجنوبي لحليفتها اليابان، والبعد الشمالي لحليفتها الفلبين. وتعتبر تايوان بالنسبة للصين أيضا منطقة هامة وحساسة لموقعها الجيو سياسي في بحر الصين الجنوبي، الذي يؤثر تأثيرا مباشرا على السيادة الصينية.

لم يبتعد المفكر الجيوسياسي الأمريكي “سبيكمان” عن قراءة الواقع، فقد حذر وقت الحرب العالمية الثانية من توحيد اوراسيا تحت هيمنة قوة أو تحالف واحد، لأن ذلك إذا تم من شأنه أن يعزل الولايات المتحدة ويجعلها محاصرة من الشرق والغرب؛ بما يمهد لتوجيه ضربة موجعة لها في خاصرتها الرخوة في الجنوب من جهة المكسيك وأميركا اللاتينية.

يمكن القول إن الأيدلوجيا الأمريكية المناهضة للشيوعية، كانت من جملة الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تتخذ حلفاء في شرق أسيا مثل كوريا الجنوبية، وان تدعمها بالذخائر والجنود والقواعد العسكرية في حربها مع كوريا الشمالية، وذات السبب في تقديم المساعدات العسكرية لتايوان بغرض ضمان حمايتها من أي عدوان صيني وشيك، والمصلحة في ذلك هو فرض وبسط الهيمنة والسيطرة الأمريكية في شرق أسيا في مواجهة التمدد الصيني وتنامي القدرات الصينية.

الحقيقة أن حالة الغموض والضبابية التي تنحى اليها الولايات المتحدة في نظر الكثيرين، إنما هي في واقع الأمر في تقديري بل في تقدير أي مراقب محاولة الاستفادة الكاملة من كل الظروف والمتغيرات التي تتطلبها ضرورة الاستراتيجية الأمريكية، فمن ذلك الغموض أنها في الوقت الذي تعترف فيه بسياسة الصين الواحدة وإقامتها علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، إلا أنها في الوقت ذاته كانت تطور علاقتها مع تايوان كما لو كانت دولة ذات سيادة!

ورغم الجدل الذي صاحب زيارة “نانسي بيولسي” إلى تايوان، وتصريحات الرئيس الصيني وقتها الذي دعا الولايات المتحدة صراحة إلى عدم اللعب بالنار بشأن تايوان، وتصريحات النشطاء الصينين الذين توعدوا” بيولسي ” اذا أتت تايوان بإرسالها إلى الله ! إلا أن هذه الزيارة الغامضة تعتبر محاولة لامساك العصا الأسيوية من النصف واللعب بكل أوراق الضغط وقتما تتطلب الضرورة.

وفي أحيان كثيرة تبدو الضبابية والالتباس في تحديد وجهة الولايات المتحدة من خلال التصريحات المتضاربة للمسؤولين الأمريكيين، من ذلك مثلا تصريح “بايدن” أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكريا حال اجتياح الصين لتايوان، إلا أن البيت الأبيض بادر إلى خطاب يوضح فيه أن تصريح الرئيس لا يقصد تدخلا عسكريا بالمعنى، إنما هو التزام الولايات المتحدة بمساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها فقط.

يقول “كلايد بريستو ويتز” في (أمة مارقة):

إن اتجاهات الولايات المتحدة فيما يتعلق بتايوان اتجاهات متضاربة بصورة خاصة، ورغم أننا قطعنا علاقتنا الدبلوماسية الرسمية مع تايوان، وأكدنا على سياسة” صين واحدة”، فإننا واصلنا الحفاظ على روابط اقتصادية وثيقة مع الجزيرة، يضاف إلى ذلك انه مع خروجها الحديث من الديكتاتورية إلى الديمقراطية وحديثها عن إعلان استقلالها عن الصين، غدا دعم الولايات المتحدة لتايوان اقوى مع إعلان “بوش” عن مبيعات أسلحة جديدة كبرى، وتأكيد أن الولايات المتحدة سوف تفعل ذلك مهما اقتضى الأمر حماية تايوان.1

أن  الصراع لا تمليه عوامل الاختلاف في المصالح القومية للدول فحسب، وإنما ينبع في الجانب الأكبر منه من محاولة كل دولة زيادة قوتها القومية على حساب الدول  الأخرى، ويترتب على ذلك أنه إذا تمكنت دولة واحدة  من أن تحصل على تفوق ضخم في قواها، فإن هذا من شأنه أن يدفع بها إلى تهديد حرية الدول الأخرى واستقلالها، وهذا التحدي  في حد ذاته هو الذي سيدفع بالدول محدودة القوة إلى مواجهة القوة بالقوة، وذلك عن طريق التجمع في محاور القوى المضادة المتعادلة أو شبه المتعادلة، حتى لا تتمكن دولة أو مجموعة من الدول من الاعتداء على غيرها، تحت وهم الاعتقاد بأنها تتمتع بالتفوق الذي يتيح لها مثل هذه الهيمنة والسيطرة. 2

يرى البعض في المسألة التايوانية أن بكين لديها خيار أقل تكلفة من الحرب، وهو حرب ” المنطقة الرمادية” التي هي جزء من قواعد اللعبة التي تمارسها الصين مع تايوان والدول المجاورة التي لديها نزاعات إقليمية معها، وذلك يتمثل في فرض حصار بحري طويل الأمد على الجزيرة، وربما ضرب أهداف عسكرية في العمق التايواني.

إلا انه في ظل المتغيرات الحالية واندلاع الحروب الضارية في أوكرانيا، التي تبدو فيها الولايات المتحدة محركا وداعما خلفيا لأوكرانيا في مواجهة الدب الروسي، ورغم تدهور الموقف في الأرض ورجحانه لروسيا، فانه لهذه الاعتبارات ربما يكون هذا التوقيت هو الأنسب لبدء غزو صيني شامل لتايوان، بدلا من سياسة الحفاظ على الوضع الراهن الحالية، ومن المتوقع أن لا يكون هناك أي رد فعل من حاملات الطائرات الأمريكية في المحيط الهادي لأن تكلفة الخسائر ستكون  للولايات المتحدة كبيرة جدا،  بمعنى هزيمة تايوان والولايات المتحدة في وقت واحد.

المصادر:

1 _  كلايد بريستو ويتز، أمة مارقة.

2_ إسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية دراسة في الأصول والنظريات.