دراسات سياسية

اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا

اقرأ في هذا المقال

  • مظاهر القطيعة مع الإرث النازي القديم في ألمانيا
  • ماذا يعني تقدم اليمين المتطرف؟
  • صعود تيارات اليمين المتطرف الجديد في أوروبا
Rate this post

بقلم/ نبيل شبيب

رغم تسليط الأضواء على اليمين المتطرف في أوروبا وعواقب مواقفه وممارساته العدائية تجاه العرب والمسلمين، فإنّ المصدر الأشد خطورة على مستقبل وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي داخل البلدان الأوروبية، يتمثّل في التوجّه السياسي الرسمي إلى تبنّي دعوات كانت من “اختصاص” اليمين المتطرّف إذا صحّ التعبير، ونحو “تقنين” ممارسات تعود بالأضرار على المسلمين في أوروبا على وجه التخصيص، ممّا يعطيها صبغة عنصرية، تتناقض مع حقوقهم الأساسية ومع المبادئ المعلنة لأنظمة الحكم الأوروبية.

بين المصطلحات : 

لم تكتسب مصطلحات اليمين واليسار في أوروبا صبغة علمية منذ نشأتها التلقائية الأولى بعد جلوس أصحاب الاتجاه الرأسمالي المحافظ يمينا وأصحاب الاتجاه الاشتراكي العمالي يسارا في المجالس النيابية البريطانية، حتى أصبح ذلك تقليدا متبعا. واختلفت معالم الخارطة الحزبية من بلد أوروبي إلى آخر، مع اختلاف التعامل مع أحزاب تمثل أقصى اليمين أو أقصى اليسار، فغابت أو غُيبت في بعض البلدان، وظهرت فكانت جزءا من الحياة السياسية والائتلافات الحكومية في بلدان أخرى، كما هو الحال مع الشيوعيين في فرنسا وإيطاليا، أو حزب الشعب اليميني في سويسرا والأحرار في النمسا.

والجدير بالذكر أن معظم الأحزاب الاشتراكية –وإن انبثقت من محاضن الشيوعية أو ما يوصف بالاشتراكية العلمية- حملت عنوان “اليسار” الأوروبي وكانت في واقع الحياة السياسية أحزابا رأسمالية المناهج، مع فارق التركيز على الضمانات الاجتماعية والدعوة الأممية بالمقارنة مع الأحزاب “اليمينية” من المحافظين والمسيحيين والأحرار، التي ربطت المنهج الرأسمالي غالبا بخليط من القيم المسيحية الكنسية والتصوّرات العلمانية.

هذه الصورة العامة في أوروبا بدأت تتبدل في الثمانينيات الميلادية مع ظهور معالم الاهتراء في المعسكر الشرقي من جهة وظهور ما عرف بالرأسمالية المتشدّدة في الغرب من جهة أخرى، والتي حملت عنوان الريغانية نسبة إلى الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، والتاتشرية نسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية سابقا مارغريت تاتشر. وفي تلك الفترة نفسها انحسرت موجة التجمعات اليسارية المتطرفة التي لجأت إلى العنف، مثل بادر-ماينهوف في ألمانيا والألوية الحمراء في إيطاليا وغيرها، وبدأت موجة ظهور تجمعات يمينية متطرّفة، كانت موجودة من قبل، ولكنها بدأت تكسب الأنصار في أوروبا أكثر مما مضى، امتدادا لحركة مماثلة في الولايات المتحدة الأميركية. وكان العنصر الرئيسي المشترك بين هذه التجمعات هو التعصّب القومي، وهو ما ساهم في توجيه العنف ضد الأجانب وذوي الأصول الأجنبية في البلدان الأوروبية.

ومنذ مطلع الألف الثالثة للميلاد يمكن تمييز المعالم التالية في الخارطة الحزبية الأوروبية:

  1. اليسار الاشتراكي أو الشيوعي وريث الشيوعية كما في ألمانيا الموحدة وبلدان أوروبا الشرقية، والأحزاب الشيوعية التقليدية في بلدان أوروبية أخرى مثل فرنسا وإيطاليا.
  2. اليسار من الاشتراكيين والديمقراطيين الاشتراكيين، وغالب أحزابه سلك نهج ما سمّي الطريق الثالث بزعامة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في ألمانيا وحزب العمال في بريطانيا، مع ميل سياسي واقتصادي شديد نحو اليمين تحت شعار “أحزاب الوسط” ومع التخلّي عن كثير من الضمانات الاجتماعية التاريخية.
  3. اليمين التقليدي من المحافظين والمسيحيين والأحرار، وقد أصبحت أحزابه في هذه الأثناء أقرب إلى الرأسمالية المتشدّدة، مع تبنّي العولمة دون تحفظ كتحفظات اليسار عليها.
  4. اليمين المتشدّد أو أحزاب أقصى اليمين، وقد أصبح أبرز ما يميزها عن اليمين التقليدي تبنيها للدعوات القومية، وهي المشاركة فعلا في اللعبة الديمقراطية، رغم الخلط المتعمّد –غالبا- بينها وبين اليمين المتطرّف.
  5. اليمين المتطرّف الذي لا تمثله أحزاب رسمية إلا نادرا، فغالبها محظور، وهو المقصود عن الحديث عن نازيين جدد، أو حليقي الرؤوس، أو جماعات العنف اليميني، أو الجماعات العنصرية.

والملاحظ في هذه المعالم ضمور وجود أحزاب الخضر بعد أن كانت تمثل قطاع المحافظة على البيئة وحركة السلام ومناهضة التسلّح، وغابت هذه الدعوات في مناهج الأحزاب الأخرى وفي نشاط المنظمات غير الحكومية، هذا مقابل ما قد يضاف إلى هذه المعالم في المستقبل المنظور، كاتجاه وليد يمثل “مناهضي العولمة” مما تنامى بقوة لا سيما في فرنسا، واحتل موقع دعوات البيئة وحركة السلام على مستوى جيل الشبيبة، ولا يستبعد أن تظهر تشكيلات حزبية له في عدد من البلدان الأوروبية.

عوامل انتشار التطرف اليميني

بشكل عام تميل أوروبا إلى اليمين بصورة مطّردة وضاعفت سرعتها بعد سقوط الشيوعية، وانعكس ذلك في السياسات الرسمية والمناهج الاقتصادية والاجتماعية ومثل بالتالي مناخا عامّا يساهم في تفسير أسباب انحسار ظاهرة التطرف اليساري وانتشار التطرف اليميني مكانه. وللوصول إلى صورة عن نتائج ذلك بالنسبة إلى المسلمين حاليا ومستقبلا، ينبغي الانطلاق من عداء التطرّف اليميني وأعمال العنف الصادرة عنه للأجانب عموما، وهو ما نبت في تربة ملائمة، كان من أبرز معالمها إلى جانب المناخ العام الذي أوجدته الرأسمالية المتشدّدة وفرضته على تطوّر معالم الخارطة الحزبية الأوروبية:

  • سقوط المعسكر الشيوعي وبالتالي ضياع “جاذبية” منهجه الاقتصادي ودعوته “الأممية”. ممّا ساهم في تعزيز موقع الدعوات القومية بما فيها المتعصبة على صعيد الشبيبة.
  • مضاعفة سرعة مسيرة الاتحاد الأوروبي الاندماجية، ممّا أثار مخاوف شعبية على المستوى الوطني والإقليمي للمناطق المختلفة أن تكون “مركزية الأجهزة الأوروبية” على حساب الخصوصيات الوطنية والمحلية.
  • ردود الفعل المضادّة في أوساط الشبيبة على الحملات اليهودية والصهيونية المتجددة لإحياء مفعول ما يسمّى “العقدة النازية” بعد رصد اضمحلاله، وقد استهدف جيل الشبيبة في المدارس وعبر وسائل الإعلام، فكانت ردود فعله منسجمة مع واقع عدم معايشته للحرب العالمية الثانية أو حتى الحرب الباردة.

إن استيعاب أرضية التوجهات الحزبية الأوروبية عموما هو المدخل إلى استيعاب ظاهرة العداء للأجانب وخاصة العرب والمسلمين، كأبرز العلامات المشتركة في موجات العنف التي اجتاحت معظم البلدان الأوروبية في التسعينيات الميلادية، بعد أن تلاقى من ورائها عدد من العناصر “التاريخية التأثير” دفعة واحدة:

  1. عنصر التعصب القومي بأبعاده المتوارثة تاريخيا المتجددة مع انهيار الشيوعية.
  2. عنصر التعصب الديني الذي تجدّد انفجاره في البلقان بصورة ذكّرت بحقبة سقوط الأندلس.
  3. ردود الفعل الأولى المتخوّفة في العالم المسيحي-العلماني عموما، تجاه الصحوة الإسلامية التي شملت المسلمين في الغرب.

ووسط هذا الخليط من المنطلقات “العقائدية” برزت العوامل “الاقتصادية” الحقيقية والمفتعلة لتلعب دورا إضافيا في استهداف العرب والمسلمين في موجات العداء والعنف المتتابعة.

التربة الاقتصادية للتطرف اليميني

على الصعيد الاقتصادي يمكن رصد عدد من التطوّرات التي ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في “صبّ الزيت على النار” في مرجل لم توجده العوامل الاقتصادية نفسها، وكان المحور الرئيسي لهذه التطوّرات هو الربط غير المنهجي أو الموضوعي ما بين ارتفاع البطالة من جهة، وارتفاع نسبة الوجود البشري الإسلامي في أوروبا من جهة أخرى. وكان لكل من الظاهرتين أسباب لا علاقة لها بالأخرى إلا هامشيا، هذا مع ملاحظة أن عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي المقصودة بمشكلة البطالة والتطرف اليميني، لم يتجاوز في أقصى التقديرات الغربية له حدود 15 مليونا من أصل 380 مليون نسمة، أي نسبة 4%، معظمهم من المتجنّسين وأهل البلاد الأصليين والمقيمين منذ زمن طويل، بينما لا تصل نسبة “المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء” إلى 1%، وبالتالي يبدو للعيان مدى “تضخيم” المشكلة من جانب المسؤولين الرسميين، عند مقارنة الأرقام المذكورة مع عدد اللاجئين في البلدان النامية والفقيرة، كالصوماليين في البلدان المجاورة أو الأفغان في باكستان وإيران.

وإذا استثنينا موجة الهجرة بسبب حرب البلقان، لم تشهد التسعينيات الميلادية ارتفاعا يستحق الذكر للأرقام المذكورة، فكان “التضخيم” المشار إليه نوعا من لفت الأنظار عن الأسباب الحقيقية للمشكلات الاقتصادية المتفاقمة، وكان من خلفياتها:

  1. كان الركود الاقتصادي في التسعينيات الميلادية مختلفا عن المعتاد من قبل في دورات الركود والانتعاش في العالم الرأسمالي، فطال أمده لأسباب عديدة، وبالتالي استمرّ العجز عن خفض نسبة البطالة الناجمة عنه، لا سيما بعد لجوء شركات أوروبية عديدة إلى الإنتاج في بلدان غير أوروبية، للضغط على تكاليف الإنتاج، وهو ما ضاعفت ظاهرة العولمة من انتشاره.
  2. سقوط الستار الحديدي ممّا فتح أبواب الهجرة الشرقية غربا، ونظرا إلى مخططات توسيع الاتحاد الأوروبي لم تجد هذه الهجرة إجراءات مضادة مشابهة لإجراءات “تحصين أوروبا” تجاه الجنوب.
  3. انحسار حجم الحاجة الأوروبية إلى “عمال أجانب” على النقيض مما كان عقب الحرب العالمية الثانية، وهو ما انعكس في موجة من التشريعات القانونية لمنع الهجرة إجمالا، والتشجيع على ترحيل من يمكن ترحيلهم من الأجانب عموما، واقتران ذلك بحملات سياسية وإعلامية، ساهمت في ربط مشكلة البطالة بنسبة الوجود الأجنبي في أوروبا.
  4. اندلاع أزمة الديون في الثمانينيات الميلادية إذ ساهم في الكشف عن إخفاق “السياسات الإنمائية” العالمية، وبالتالي عن ازدياد هوّة الثراء والفقر بين الشمال والجنوب، وهو ما نشر المخاوف من موجات هجرات بشرية كبرى نحو أوروبا، والواقع هو أنّ الهجرة الفعلية بقيت محدودة لا تتجاوز نطاق ما يعرف بالهجرة غير القانونية، ولكنّ أثر المخاوف كان ظاهرا في نشر المناخ المعادي للأجانب عموما.

استهداف العرب والمسلمين

م تنطلق الحملات الأولى ضد الأجانب من جماعات التطرّف اليميني، إنّما كانت تلك تتمثل في “الحملات القانونية” الرسمية، مثل إقدام الحكومة الألمانية منذ مطلع الثمانينيات على ربط مكافحة البطالة بتشريع قانوني يعرض مبلغا من المال على من يرحل إلى بلده من العمال الأجانب، أو الأخذ بنظام التأشيرات في بلجيكا وهولندا تجاه المغاربة بعد أن كانت غير مطلوبة لزمن طويل. وبغض النظر عن التصريحات السياسية نفسها، كان الانطباع الناجم لدى عامّة السكان عن هذه الإجراءات وأمثالها، هو وجود عدد كبير من العمال الأجانب، وأن هذا مما يسبب ارتفاع البطالة بين أهل البلاد الأصليين، كما أن النفقات الناجمة عن ذلك نفقات ضخمة، فهي التي تبرّر للدولة تسديد مبالغ معينة لتشجيع الأجانب على الرحيل. ونظرا إلى أنّ نسبة الأتراك المسلمين من العمال الأجانب في ألمانيا مثلا تناهز 40%، فكلمة الأجانب هنا تعني تلقائيا “الأتراك المسلمين” لدى العامّة من السكان.
يسري شبيه ذلك على أسلوب التعامل مع نشر أرقام طلبات لجوء المهاجرين من بلدان معينة كأفغانستان والعراق وكوسوفو، ومع ملاحظة أن التسعينيات الميلادية شهدت إلى جانب الحرب وموجات الهجرة، ما سبقت الإشارة إليه من ميل أوروبي باتجاه اليمين اقترن بالقضاء على كثير من الضمانات الاجتماعية، أصبح الحديث عن هذه المشكلات مرتبطا في أذهان المواطن العادي وتحت تأثير التصريحات السياسية نفسها، بالأجنبي الذي يسبب نفقات “اجتماعية” باهظة، يقابلها اضطرار السلطات إلى تخفيض نفقات أخرى في قطاع “الضمانات الاجتماعية”.
ولم تعمل الحكومات الغربية على كشف الأرقام الحقيقية المتناقضة مع هذه التصوّرات، إلا في النصف الثاني من التسعينيات الميلادية، أي بعد أن أصبحت مشكلة العنف ضدّ الأجانب عموما وازدياد انتشار التطرّف اليميني، هي الخطر الأوّل الذي تحمل الأحزاب الائتلافية المسؤولية عنه، فبدأت تظهر مواقف “توضيحية” كالأرقام التي نشرت مثلا عن أن حصيلة ما يسدّده سائر الأجانب مقابل ما يحصلون عليه في قطاع الضمانات الاجتماعية، يوفّر في الميزانيات الرسمية المليارات التي تستخدم لصالح سواهم من المستفيدين من الضمانات الاجتماعية، أي من أهل البلاد الأصليين. كما بدأت تُنشر كمثل آخر أرقام مثيرة للمخاوف بصدد انخفاض نسبة القادرين على العمل بالمقارنة مع ارتفاع عدد المسنين في المجتمعات الأوروبية، وبسرعة متزايدة ستجعل من المستحيل تغطية النفقات التقاعدية دون الاعتماد على العمال الأجانب، وارتفاع نسبة المواليد وبالتالي التعويض عن النقص المحتم في سوق الأيدي العاملة.
انتشرت حملات التوعية على هذا الصعيد وساهمت في دفع المسؤولين إليها سلسلة من موجات ردود الأفعال الشعبية، الرافضة لاعتداءات العنف العنصري ضدّ الأجانب، ولكن معظم حملات التوعية كان بعد أن بلغ انتشار التطرف اليميني المقترن باستخدام العنف انتشارا واسعا نسبيا، لا سيما على مستوى جيل الشبيبة، الذي يشكو من سلبيات الركود الاقتصادي وارتفاع البطالة أكثر من سواه.
”تحول الخطاب من شعار “صراع الحضارات” إلى شعار مكافحة الأصولية في قمم الأطلسي لتجنب ذكر “الإسلام” وهو ما أوصل في خاتمة المطاف إلى “الحرب على الإرهاب””
وهنا برز للعيان أنّ العرب والمسلمين كانوا هم المستهدفين على أرض الواقع أكثر من سواهم، من عمليات الاعتداء الجسدي في الشوارع والأماكن العامة، وحرق المنازل، وجرائم القتل، فضلا عن ازدياد التمييز العنصري على حسابهم في الحياة اليومية على صعيد العمل والمسكن مثلا، وحتى في نطاق تعامل الدوائر الأمنية مع ظاهرة التطرف وضحاياها. ويمكن تعليل استهداف العرب والمسلمين في الدرجة الأولى بأسباب عديدة، منها:
الأجنبي غير المسلم في بلد أوروبي غربي لا يتميز بمظهره العام أو سلوكه المعيشي بصورة تلفت النظر عن أهل البلاد الأصليين إذا كان من بلد أوروبي شرقي مثلا، على النقيض من غالبية العرب والمسلمين القادمين من بلدان أخرى من الجنوب.
نادرا ما تميّز الإحصاءات الرسمية الغربية بين فرد وآخر من حيث انتماؤه الديني، ولكن الحديث عن طالبي اللجوء والمهاجرين بسبب الحروب كان يقترن على الدوام بمثل هذا التمييز على ألسنة المسؤولين في مناصب سياسية وإدارية وبأقلام المحررين في وسائل الإعلام، حيث يرد التركيز على ربط مشكلة اللجوء بالانتماء إلى بلدان إسلامية.
التقارير الدورية حول أوضاع الجريمة في البلدان الأوروبية، يمكن أن تتضمن ارتفاعا محدودا في أوساط الأجانب بالمقارنة مع أهل البلاد الأصليين، وهذا ما يفسره مثلا أن نسبة انتشار البطالة والفقر بينهم تزيد على الضعف عادة، ولكن كثيرا من المسؤولين السياسيين وفي ظل الميل الحزبي المتزايد نحو “اليمين” عموما، كانوا يبرزون في تعليقاتهم مدى “الخطر” الكامن في تلك الأرقام عندما يتحدّثون عن ضرورة اتخاذ إجراءات مضادة. وهنا يلفت النظر أيضا أن عدم تحديد الجنسيات أو الانتماء الديني في التقارير الدورية بوضوح يأتي على حساب العرب والمسلمين، فالواقع هو أنّ الجرائم عموما لا سيما الأخطر من سواها كتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات، إنما تقوم عليها عصابات منظمة من البلدان الشرقية بالتعاون مع مثيلاتها في بلدان غربية، وليس فيها من المسلمين إلا القليل النادر.
ويضاف إلى ما سبق أن مستوى الجهل أو العداء للإسلام، والذي صنعته المناهج المدرسية ووسائل الإعلام في الدرجة الأولى، وساهم فيه المسلمون في الغرب عموما نتيجة قدر لا بأس به من “الانعزالية” من جانبهم، هذا الجهل أو العداء، كان من وراء المخاوف الأولى التي انتشرت بين عامّة السكان عندما أصبحت آثار الصحوة الإسلامية ظاهرة للعيان في الدول الأوروبية نفسها، رغم أن تلك الآثار اتخذت مظاهر بسيطة نسبيا كانتشار الحجاب بين الفتيات، وازدياد إقبال الشبيبة على المساجد.
والأهم من جميع النقاط السابقة هو أن جميع هذه التطورات السلبية كانت تجد ما يعزّزها بقوة في المناخ الرسمي المعادي للإسلام نفسه، فقد انتقل هذا العداء بصورة شاملة منذ مطلع التسعينيات الميلادية من فئة المستشرقين فيما مضى، ومن مستوى الكتب المدرسية والكنسية ووسائل الإعلام والترفيه، إلى أعلى أجهزة صناعة القرار الغربي في القطاعات الأمنية والسياسية والفكرية، كما هو معروف شعار “صراع الحضارات”. وربما ما هو غير معروف عموما عن شعار “الإسلام عدو بديل”، فقد ورد لأول مرة على لسان وزير الدفاع الأميركي (سابقا, ونائب الرئيس الأميركي حاليا) ديك تشيني في المؤتمر العالمي السنوي للشؤون الأمنية في ميونيخ، ثمّ كان التحوّل لاحقا إلى “مكافحة الأصولية” لتجنب كلمة “الإسلام” داخل لقاءات القمم الأطلسية في روما وبروكسل، وهذا ما أوصل في خاتمة المطاف إلى عنوان “الحرب ضدّ الإرهاب” في قمّة واشنطن الأطلسية وقبل تحوّله إلى ممارسة الحرب مباشرة من بعد. لقد كان جميع ذلك على أعلى المستويات واقترن بتحركات عملية من مستوى تبديل المهام الرئيسية لحلف شمال الأطلسي، وتشكيل قوات التدخل السريع وبحيث تستهدف جغرافيا “هلال الأزمات” ما بين المغرب وإندونيسيا، وقد ربط ذلك وأمثاله بتحديد المهام الدفاعية وصيغ التدريب العسكري في وزارات الدفاع الوطنية.

التحرك الإسلامي المضاد

أول ما ينبغي تأكيده عند محاولة رصد ردود الفعل من جانب العرب والمسلمين على الحملة العدائية التي واجهتهم وما تزال تواجههم -سواء من جانب التطرف اليميني مباشرة، أو الظواهر المرافقة له والمحتضنة لدوافعه وأسبابه- هو أنّ سائر الجهود المضادة المبذولة كانت دون مستوى الحاجة والضرورة إلى حدّ بعيد، وتعدادها هنا هو من باب الإشارة إلى وجودها وضرورة تنميتها لتحقق الهدف منها.

وكان ممّا يلفت النظر أثناء فترة وصول الاعتداءات العنصرية إلى ذروتها، أن الجهات الإسلامية الناشطة لم تكن قادرة على توظيفها بالصورة الفعالة التي كانت تحققها الجاليات اليهودية في اتجاه نشر المخاوف من “تجدّد النازية” وما يسمّى “العداء للسامية”، وهذا رغم أن النسبة المئوية للأحداث التي أصابت اليهود أو منشآتهم في أوروبا آنذاك، كانت دون الخمسة من الألف بالمقارنة مع ما أصاب العرب والمسلمين، كذلك فمن الناحية النوعية، لا يوجد مجال للمقارنة بين “عمليات حرق مساكن” كانت بعض الأسر المسلمة ضحية لها، أو عمليات “ملاحقة لعدة ساعات لفرد مسلم في الشوارع مع الاعتداء بالضرب حتى الموت”. وما شابه ذلك، وبين كتابة عبارات معادية على بعض المقابر اليهودية، أو استخدام الطلاء في نشر رسوم معادية أو ما شابه ذلك ممّا ينشر تحت عنوان “تجدّد العداء النازي لليهود”.

وينبغي هنا ذكر إشارة توضيحية أيضا أن تمثيل الوجود العربي والإسلامي البشري تنظيميا في أوروبا، كان ولا يزال في الدرجة الأولى عن طريق مراكز وجمعيات واتحادات “إسلامية” فلم تبرز تنظيمات قائمة على الرابطة القومية إلا نادرا ولأسباب معروفة كما هو الحال مع الأكراد. كما أن غلبة “عنصر عرقي” معين في بعض تلك المراكز والاتحادات، كان يلبي غالبا احتياجات واقعية في التعامل كما هو الحال مع العامل اللغوي، إضافة إلى آثار مرتبطة بانتماءات حزبية لمن قام على تأسيس النشاطات الإسلامية المعنية، وإن ذاب هذا العنصر مع مرور الزمن ومع ازدياد نسبة الشبيبة الناشئة في أوروبا فضلا عن مفعول الظروف الخارجية.

وقد بقي التحرّك الإسلامي إلى فترة متأخرة من الثمانينيات الميلادية يركز على جوانب معينة، من قبيل إحياء الارتباط بالإسلام، والحفاظ على الشخصية الإسلامية في مجتمع غربي، ولكن مع الغياب شبه المطلق عن الميادين السياسية والاقتصادية والإعلامية والفكرية وقدر كبير من العزلة عن الميادين الاجتماعية في البلدان الغربية عموما.

إنّ موجة الاعتداءات العنصرية، وارتفاع نسبة المسلمين من أهل البلاد الأصليين أو المواليد من الجيل الثاني والثالث للوافدين، ساهما إلى جانب عوامل أخرى في تطوّر ملحوظ في أوساط العمل الإسلامي كان من نتائجه المباشرة تذويب كثير من الاختلافات القديمة، وازدياد نسبة التنسيق والتنظيم المشترك عبر الحدود والفواصل الجغرافية والانتماءات العرقية والحزبية، وهو ما قطع أشواطا لا بأس بها في كل من إسبانيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على التوالي، مع ظهور مرجعيات شاملة للمسلمين في أوروبا على أكثر من صعيد. وارتبط هذا التطور بمحورين رئيسيين:

  1. تمثيل أكبر وأشدّ فعالية لمصالح المسلمين في حياتهم اليومية المعيشية داخل المجتمع الأوروبي وما يرتبط بذلك من ازدياد التواصل مع الجهات الرسمية والشعبية ذات العلاقة
  2. تقليص نسبة التركيز القديم على القضايا الساخنة في البلدان الإسلامية نفسها كما في قضية فلسطين وأفغانستان والشيشان وغيرها، باستثناء الدعم الإنساني والمالي.

احتمالات مستقبلية

هذه الصورة بملامحها العامة –في حدود ما ينفسح له المجال هنا- لتطوّر أوضاع العرب والمسلمين في الدول الأوروبية، وعلى وجه التحديد في الاتحاد الأوروبي، وما له علاقة من ذلك بالتطرف اليميني، لم تتأثر تأثرا يستحق الذكر بحوادث التفجير في نيويورك وواشنطن وما انبنى عليها من تحرّك أميركي معروف تحت عنوان الحرب ضدّ الإرهاب.

وبتعبير آخر ربما كان لمفعول الصدمة في الأيام الأولى بعد الأحداث أثره في انتشار مخاوف معينة على المستويات الشعبية تجاه المسلمين عموما والمقيمين منهم في الغرب على وجه التخصيص، وهو ما يسهّل على اليمين المتطرّف نشر مشاعر العداء. ولكن مفعول الأحداث انعكس واقعيا خلال فترة وجيزة من الزمن، وتحوّل إلى إقبال أكبر مما مضى على اقتناء ترجمات معاني القرآن الكريم، وسائر الكتب التي تتحدّث عن الإسلام والمسلمين، ومزيد من التردّد على المساجد وسواها لا سيما فيما يسمّى “يوم الباب المفتوح”. بالإضافة إلى الإقبال أكثر مما مضى أيضا على النشاطات المحلية للمسلمين في مواطن إقامتهم، فضلا عن ارتفاع نسبة اعتناق الإسلام على مستوى الشبيبة، ويمكن رصد آثار هذا التطوّر الإيجابي عموما عبر رصد ما يتحدّث به “عامّة المشاركين” في منتديات الحوار الشبكي مقابل عدد محدود نسبيا ممّن يمارس أسلوب نشر المخاوف والتشكيك ويخدم عنوان “الحرب ضدّ الإرهاب” بمحاولة تعميم الاقتناع بتبرير ممارستها الواقعية كحرب ضد الإسلام والمسلمين عموما.

إن ما يواجهه المسلمون في أوروبا في المستقبل المنظور لا يتمثل في “ممارسات عنصرية لليمين المتطرف” قدر ما يتمثل في أخطار أخرى متعددة المستويات ومعظمها بمنطلقات يصنعها “القرار الرسمي” للحكومات الأوروبية، سواء نتيجة اقتناعات ذاتية، أو مراعاة للعلاقات القائمة مع الحكومة الأميركية. ومن هذه المخاطر على سبيل المثال دون الحصر (كما سبق أن نُشرت لكاتب هذه السطور كحصيلة لدراسة أخرى يوم 6/10/2001م):

  • توجيه ضربات محتملة إلى مكامن قوة الوجود الإسلامي في الغرب، لا سيما في ميادين التنظيم والتواصل مع البلدان الإسلامية والميدان المالي.
  • نشر موجة جديدة من المخاوف (أو التخويف) من الوقوع في شبهة “الإرهاب” في أوساط المسلمين، لعزل العمل التنظيمي الضروري لتحقيق مختلف الأهداف المشروعة للمسلمين في الغرب عموما، عن مصدر الطاقة البشرية التي تمثل عموده الفقري.
  • مضاعفة سلبيات العلاقات المتفاوتة ما بين الإهمال والاحتواء والخصومة وحتى الملاحقة، بين قطاع كبير من الوجود الإسلامي في الغرب وحكومات البلدان الإسلامية، وذلك من خلال توظيف “شبهة الإرهاب” في تعزيز التناقضات القائمة من الأصل بين تلك الحكومات لأسباب عديدة معروفة وسواد القائمين على العمل الإسلامي على مستوى الوافدين إلى الغرب خلال العقود الماضية.
  • إحداث نكسة أو وقوع نكسة يمكن أن تكون مستهدفة بحد ذاتها على طريق تطوّر فعالية الوجود الإسلامي في الغرب، وما تحقق عبر العقود الماضية من تقدّم ملموس في صفوف العمل الإسلامي، بالإضافة إلى انفتاحه على المجتمع من حوله، وظهور البوادر الأولى لتأثيره على صناعة الرأي العام وصناعة القرار.

رغم ذلك فإن من المستبعد أن يصبح مستقبل الوجود الإسلامي في الغرب “مظلما” على المدى المتوسط أو البعيد، بل على النقيض من ذلك ولأسباب عديدة، في مقدمتها ما يمكن وصفه بالمناعة الذاتية، وهي من العوامل الرئيسية التي سبق وحافظت على وجود المسلمين ورسخت هويتهم الإسلامية داخل الغرب ما بين مرحلة الضياع أو الضعف الشديد إبان الحرب العالمية الثانية والوقت الحاضر، أي في حقبة لم تنقطع خلالها سلسلة المخاطر المتوالية التي هددت الوجود الإسلامي من الأساس، نتيجة للجهل العام في المجتمع الغربي بالإسلام نفسه ونشر الافتراءات حوله، ومن خلال الجهود المبذولة لتذويب المسلمين في المجتمع من النواحي العقدية والثقافية والسلوكية، فضلا عن الجهود المباشرة للقوى الكنسية والعلمانية للتضييق على العمل الإسلامي والنشاطات التي بدأ يمارسها لا سيما لبناء المساجد والمصليات.

وإلى جانب المناعة الذاتية نجد في الوقت الحاضر أن القوى الكنسية نفسها بدأت تتجه نحو الحوار والتعاون المدروس مع الجهات الإسلامية، بعد أن وصلت الحملة “العلمانية الأصولية” في الغرب إلى البقية الباقية من مواقع القوى الكنسية في مناهج التدريس مثلا، وبالمقابل نجد أيضا أن نسبة جهل عامة الغربيين بالإسلام بدأت تتضاءل عاما بعد عام، سواء تحت تأثير الاحتكاك المباشر أو بتأثير مفعول الصحوة الإسلامية في بلاد المسلمين وفي الغرب، أو نتيجة تطور وسائل الاتصال ونقل المعلومات. 

تسبب تدفق اللاجئين إلى أوروبا وما تبعه من حوادث إرهابية آخرها حادث بروكسل الذي راح ضحيته 34 قتيلًا و135 جريحًا، وما تبعه أيضًا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أفضي في النهاية إلى ارتفاع أسهم أحزاب وحركات اليمين المتطرف في أوروبا بشكل غير مسبوق، نحاول في هذا التقرير التعرف على اليمين المتطرف والعوامل التي ساعدت على ارتفاع نجمه في الآونة الأخيرة وما السيناريوهات المستقبلية له في أوروبا.

1- من هم اليمين المتطرف؟

في البداية فإن اليمين المتطرف هو مصطلح سياسي يطلق على الجماعات والأحزاب لوصف موقعها من المحيط السياسي، والفرق بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف أن الأول يسعى للحفاظ على التقاليد وحماية الأعراف داخل المجتمع، والثاني كذلك ولكن الاختلاف يكمن في أن الثاني يدعو للتدخل القسري واستخدام العنف للحفاظ على تلك التقاليد والأعراف.

ويمكن القول أن اليمين المتطرف في أوروبا يتصف بالتعصب القومي لجنسه، والتعصب الديني ومعاداة المسلمين خاصة والمهاجرين عامة وذلك لأنه يرى أن ما يحدث من جرائم وسرقات بسبب زيادة الهجرة وأن لدى المسلمين والأجانب عامة عادات وتقاليد جلبوها من بلادهم الفقيرة فلا يحبون أن تدخل مثل تلك العادات بلادهم.

2- ما خريطة اليمين المتطرف في أوروبا؟

  • النمسا

كانت الأقرب لوصول يميني متطرف للرئاسة، فقد برز اسم نوربرت هوفر من حزب الحرية المعادي للمهاجرين في الجولة الأولى للانتخابات في أبريل 2016 حيث حصل على 35% من الأصوات، ولكن استطاع ألكساندر فان دير بيلين انتزاع الفوز في اللحظات الأخيرة، ولكن ما لبث أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا نتيجة الانتخابات في الأول من يوليو وبذلك ستكون إعادة الانتخابات في الخريف القادم وهي فرصة كبيرة لليمين المتطرف للوصول للرئاسة.

يشكل حزب الحرية اليميني 40 مقعدًا من أصل 183 مقعدًا في المجلس الوطني، وشعار الحزب “النمسا أولًا”، وقد ارتكزت حملة نوربرت هوفر الرئاسة على تقليل المنافع التي يحصل عليها المهاجرون وإعطاء النمساويين الأولوية في العمل.

  • بولندا

في الانتخابات البرلمانية التي عقدت في 2015، حصل حزب القانون والعدالة اليميني على نسبة 39% من الأصوات والتي جعلته يدخل الحكومة وبقوة.

  • المجر

سيطر حزب فيدس وفيكتور أوربان اليمينيين على آخر ثلاثة انتخابات مما جعل بعض الدول الأوروبية تتهم النظام المجري بالنظام الشمولي.

وفي 2014، تمكن حزب جوبيك اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين من الحصول على 20% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية مما جعله ثالث أكبر الأحزاب في المجر، والجدير بالذكر أن الحزب يدعو لإجراء استفتاء حول عضوية الاتحاد الأوروبي.

  • السويد

في سبتمبر 2014، تمكن الحزب الديمقراطي اليميني المتطرف من الحصول على نسبة 13% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية، ويدعو الحزب إلى وضع قيود كبيرة على الهجرة وإجراء استفتاء حول عضوية السويد في الاتحاد الأوروبي.

  • اليونان

يعد حزب الفجر الذهبي أبرز الأحزاب اليمينية المتطرفة في اليونان، تأسس هذا الحزب عام 1980، في 2012 دخل البرلمان بـ 18 مقعدًا، وصفه المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان في 2013 بالنازي الجديد حيث له نظرة متشددة تجاه المهاجرين ويرى أن الاتحاد الأوروبي سبب دمار اليونان.

  • فرنسا

تأسس حزب الجبهة الفرنسي القومي عام 1972 ويترأسه حاليًا مارين لوبان، يتبنى الحزب الخطاب العدائي تجاه المهاجرين ويسعى لتقليل الإعانات للمهاجرين مثل الرعاية الصحية، ودعت رئيسته لإجراء استفتاء حول عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء البريطاني الأخير.

حصل الحزب على 27% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي عقدت في ديسمبر 2015، ومن المتوقع مشاركة لوبان في الانتخابات المزمع عقدها في 2017.

وقد كشف هذا الاستطلاع ما حققته النائبة الأوروبية من اختراق في فئة الشباب بين 18 و24 سنة الذين مثلوا 42% من قاعدة المعجبين بها، كما نجحت في كسب ثقة 47% من الموظفين والكوادر المستجوبين، إضافة إلى 41% من العمال وهو ما اعتبر نجاحًا للوبان داخل “فرنسا العاملة”، أي الطبقة الشغيلة التي تشعر بأنه تمت خيانتها في عهد الرئيس السابق نيكولاس ساركوزي، وبأن سياسات الرئيس الحالي، فرانسوا هولاند، مخيبة للآمال.

ولم يكن رقم 31% هو الوحيد الجالب للاهتمام، حيث أشار نفس الاستطلاع إلى أن لوب الذين أعربوا عن أنهم لن يصوتوا البتة لها في أي استحقاق انتخابي وأيا كانت برامجها، وهم خاان، التي حصلت في آخر انتخابات على 17.9%من الأصوات، لازالت تعاني من “الرفض الإقصائي” من طرف 58% من الفرنسيين أصحاب المهن الحرة والمتقاعدين وموظفي المهن السامية أو العليا.

وفي الحقيقة، لوحظ تقدم اليمين المتطرف في فرنسا منذ الانتخابات البلدية الماضية التي تم تنظيمها سنة 2014، حيث حقق اختراقًا ملفتًا خلال الدورة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية، على حساب اليسار الحاكم الذي تلقى صفعة أتاحت للمحافظين إحراز تقدم طفيف، وقد استفادت الجبهة الوطنية وقتها من مقاطعة الفرنسيين القياسية للانتخابات ومن عواقب القضايا والفضائح التي هزت الطبقة السياسية قبيل الانتخابات كتضخيم فواتير في التجمع من أجل حركة شعبية، أكبر أحزاب اليمين، والتسجيلات السرية والتنصت القضائي على اتصالات الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وتواصل تقدم اليمين المتطرف خلال انتخابات البرلمان الأوروبي سنة 2015، حيث حصل على ربع أصوات الناخبين وهو ما يعد سابقة في التاريخ السياسي للبلاد، ويعكس إخفاق اليسار الحاكم وضعف جاذبية اليمين المعتدل الذي تتخبط أبرز قياداته في فضائح الفساد.

ماذا يعني تقدم اليمين المتطرف؟

أول المتضررين من هذا التقدم سيكون العرب المقيمين في فرنسا الذين سيضطرون لمواجهة متاعب عديدة، فالتوجه السياسي لحزب الجبهة الوطنية الفرنسي يأخذ الاتجاه المعادي للمهاجرين وكل من لا يدعم الثقافة العامة الفرنسية، وتشكل الأقليات المسلمة في فرنسا واحدة من “الأعداء المعلنين” على أجندة اليمين المتطرف، الذي يتربص بها في تظاهراته وخطاباته و”تحرشاته” العنصرية أيضًا، ويكفي هنا التذكير بأن لوبان، التي خلفت والدها على رأس الحزب، تقود بالإضافة إلى “الحزب العائلي” المتطرف، كل المنظمات الداعية لعداء الأجانب والمنحدرين من الثقافات الإسلامية والشرق الأوسطية مثل “النازيين الجدد”، وهو ما سيدفع فرنسا قدمًا نحو التحول إلى بيئة طاردة للمهاجرين بامتياز أكثر مما هي عليه الآن.

وعند الرجوع إلى يوميات لوبان المثيرة للجدل، نجد في جعبتها العديد من التصريحات المتطرفة المتعلقة بالعرب والمسلمين، كان أبرزها تنديدها خلال اجتماع عام بـ “صلوات الشارع” التي يؤديها المسلمون مشبهة إياها بالاحتلال النازي لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما جرها لأروقة المحاكم بعد اتهامها بتهمة “التحريض على الحقد العرقي” ومن المنتظر أن تعقد الجلسة الأولى خلال أيام.

أما في علاقة بالسياسات الخارجية، ورغم أنه لا يزال بعيدًا عن تحقيق نسب تؤهله لحكم فرنسا، يمثل اليمين الفرنسي بصفة عامة أحد أشد أعداء تيارات الهوية في العالم العربي، والثابت أنه لن يدخر جهدًا للتخلص من التيارات الإسلامية خاصة في الدول الموجودة ضمن المجال الحيوي الإستراتيجي مثل دول الشمال الأفريقي خاصة.

وفي علاقة بالمنطقة الشرق أوسطية، تعد المملكة العربية السعودية أحد أهم الأسواق التي تسعى فرنسا دائمًا لعدم التفريط فيها خاصة بعد لجوء الأخير لسوق السلاح الفرنسي خاصة بعد الاتفاق النووي الإيراني، وحتى إن صعد اليمين المتطرف للحكم فلن يكون له مجال لتغيير موقف الدولة من الدولة انطلاقًا من المسلمة التي تقول بأن للدولة أيدولوجيتها التي تظل أكبر وأقوى من أيديلوجيا من يحكمها، وأن من يدخل للدولة بهد أدلجتها لفظته.

وعلى صعيد آخر، ورغم أن حزب الجبهة مشهور بمواقفه التي تتسم بالعنصرية ضد اليهود، حيث وصف مؤسس الحزب لوبن الأب المحرقة بأنها مجرد واحدة من “تفاصيل التاريخ”، إلا أن مارين لوبن، زعيمة الجبهة الوطنية الحالية تعمل على إعادة تشكيل صورة الحزب في هذا المجال، بل ذهبت إلى أن حزبها يعد حاليًا المتحدث الأمثل باسم الجالية اليهودية، حيث إن التطرف الإسلامي والجالية المسلمة بشكل عام، يغذيان مشكلة معاداة السامية، وفق تعبيرها، وهو ما يعني أن صعود سهم اليمين المتطرف في فرنسا سيصب في صالح اللوبي اليهودي الساهر على حماية مصالح دولة الاحتلال.

تشير التوقعات إلى أن اليمين المتطرف الأوروبي وليس في فرنسا فقط في سبيله لتحقيق المزيد من المكاسب خلال السنوات القليلة القادمة، وبالتالي سيظل فاعلاً سياسيًا واجتماعيًا، وتحديدًا فيما يتعلق بقضايا الهجرة، الأقليات، وحقوق الأفراد، وهو ما سيفرض وضعه على قائمة محددات المراكز البحثية وإنتاج السياسات في العالم. 

  • ألمانيا

في مارس 2016، تمكن حزب البديل الألماني من الحصول على نسبة 25% من الأصوات في انتخابات الولايات، وقد فشل سابقًا في الحصول في 2013 على أية مقاعد في البرلمان إلا أنه من المتوقع أن يكون أول الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تصل للبرلمان الألماني منذ الحرب العالمية الثانية وذلك بعد استطلاعات للرأي أظهرت حصوله على 10-12%.

كذلك برزت حركة بيجيدا التي تعرف نفسها بأنها حركة مواطنون أوروبيون ضد أسلمة الغرب، وقد نظمت العديد من التظاهرات المعادية للمهاجرين المسلمين واللاجئين وتم اتهامها في أكثر من حادث عنف ضد المسلمين.

 مظاهر القطيعة مع الإرث النازي القديم في ألمانيا

لقد تمخضت للعالم كله عامةً والشعب الألماني خاصةً ذكريات مفجعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي اندلعت نتيجة لما روج له الفوهرر و زعيم حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني (النازية) أدولف هتلر من أفكار عنصرية ترمي إلى تدمير العالم في سبيل تتويج مجموعة من الأفكار الزاعمة بأن العرق الآري متفوق على باقي العروق والأجناس الأخرى وأن لألمانيا الحق المشروع في قيادة العالم كدولة مركزية قوية، فكانت النتيجة خرابًا مستحكمًا أودى بحياة أبرياء كُثر، الأمر الذي أدى إلى تضافر الجهود والقرارات الساعية إلى القطيعة مع الإرث النازي من كافة الأطراف بدايةً من الفترة التي تلت استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ويتضح ذلك من خلال مظاهر شتى؛ فتعهد الحلفاء بتدمير العسكرية الألمانية والنازية عقب استسلام ألمانيا في الحرب وبالفعل وضعوا حجر الأساس لإصلاح ألمانيا في (مؤتمر بوتسدام) والذي تقرر عقده خلال شهري يوليو وأغسطس من عام 1945م، حيث تجمع فيه ممثلو الحلفاء (ونستون تشرشل – جوزيف ستالين – هاري ترومان) ووضع هذا الحدث مبادئ تضمنت نزع السلاح الألماني وإلغاء قواتها المسلحة والقضاء على النازية ونشر المبادئ الديمقراطية وإعادة تعليم وتوعية الشعب الألماني من جديد، وبناءً على ذلك تم إعادة تسمية الشوارع والحدائق التي حملت اسمًا له علاقة بالحركة النازية، وتدمير التماثيل والشعارات الوطنية النازية وتمت مصادرة ملكيات الحزب النازي.. إلخ من الإجراءات التي سعت إلى القطع بين العالم وبين كل ما يمت بصلة إلى النازية.

أما في نوفمبر من نفس العام؛ فقد عُقدت محاكمات نورنبيرغ والتي استمرت حتى أكتوبر 1946، وفيها تم محاكمة مجرمي حرب القيادة النازية الذين ارتكبوا جرائم الحرب.

وفي عام 1949، تم تقسيم ألمانيا إلى جمهورية ألمانيا الديموقراطية (ألمانيا الشرقية) وجمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغريبة) وبدأت هنا “مرحلة الإنكار”، أي أن الشعب الألماني والسلطات آنذاك بدأت لا شعوريًا تُنكر تأييدها للحكم النازي القديم، فمثلًا بدأت السلطات في الشطر الغربي بنعت مرحلة الحكم النازي بمرحلة الحكم التسلطي كنايةً على أنه تم فرضها بالقوة على الشعب وأخذ العوام يتبرأون من دعمهم لهتلر ولحكمه، بينما في الشطر الشرقي أصبح اللوم يُلقى بشكل واسع على التجار الكبار والعسكريين بوصفهم داعمين سابقين للحكم النازي في ألمانيا ليخلصوا الحشود الواسعة من الشعب من عبء الاتهام بدعم النازية.

أما عقد الستينات، فقد كان عقدًا ثريًا بالملاحقات القضائية للمتورطين في قضايا الحكم النازي، ففي عام 1963 عُقدت محاكمات في قضايا عُرفت باسم “قضايا أوشفيتز” نسبةً إلى معسكر الاعتقال والإبادة الشهير “أوشفيتز بوركينو” الذي بُني من قِبل ألمانيا النازية كحل للقضاء على توغل اليهود في أوروبا من خلال القيام بحرقهم وإعدامهم هناك، وفي أثناء المحاكمة قام المتهمون بالدفاع عن أنفسهم تحت ذريعة أنه تم إجبارهم على تنفيذ الأوامر التي وكلت لهم من خلال تهدديهم بالقتل، نلاحظ هنا أن معظم المتهمين لم يقوموا بتبرير ما ارتكبوه من جرائم ولم يقوموا بالدفاع عن أحقيته ومشروعيته، بل على العكس حاولوا تبرئة أنفسهم تمامًا من تورطهم الحر فيه، الأمر الذي يوضح فكرة السخط العام والنبوذ من النازية التي برزت آنذاك، بحيث أصبحت فكرة أن “النازية شرٌ مستحكم” مفروغ منها ولا مجال للنقاش فيها.

نجد أيضًا أن ألمانيا قامت بالتوقيع على “الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري” خلال هذه الحقبة أيضًا، مما يعكس تضافر جهود السلطة للقطيعة مع الإرث النازي القديم.

علاوةً على ما سبق ذكره؛ نضيف إلى هذه الحقبة ما شهدته ألمانيا من مظاهرات طلابية بالغة الشدة نددت بالحكم النازي وطالبت بتغيير العالم وأنظمة الحكم الطاغية وكان ذلك في عام 1968 حيث عُرف هذا الجيل فيما بعد بـ “جيل 68″، وفي عام 1998 وصل إلى سدة الحكم المستشار الألماني “غيرهارد شرويدر” المنتمي للحزب الاشتراكي الديموقراطي ووصل أيضًا “يوشكا فيشر” والمنتمي لحزب الخضر ليترأس وزارة الخارجية الألمانية آنذاك، ومما هو جدير بالذكر أن يوشكا فيشر كان من الشخصيات الهامة ضمن “جيل 68” فطالب عند وصوله إلى حقيبة الخارجية بمراجعة النظر في الإرث الألماني بطريقة نقدية وندد بعادة تبجيل الموظفين النازيين السابقين.

ثانيًا: صعود تيارات اليمين المتطرف الجديد في أوروبا وألمانيا

يتضح من الأمثلة القليلة السابقة كيف عملت ألمانيا حكومةً وشعبًا على قطع صلتها بالإرث النازي، إلا أنه كان يبرز بين الحين والآخر أحزاب وتيارات يمينية متطرفة تحمل في طياتها شعارات عنصرية ضد مجموعة فئات مستهدفة في أوروبا، وتعدى الأمر مجرد حمل الشعارات المتطرفة ليشمل ارتكاب جرائم بحق أقليات تعيش في المجتمع الأوروبي والأمثلة على ذلك كثيرة لعل من أشهرها في عالمنا العربي حادثة مقتل المصرية “مروة الشربيني” في مدينة دريسدن الألمانية عام 2009 حيث طعنها الألماني “أليكس فينز” بعدما وصفها بالإرهابية بسبب ارتدائها الحجاب، في السطور التالية نتناول نظرة عن اليمين المتطرف في أوروبا وفي ألمانيا تحديدًا من خلال عرض معتقداتهم وأبرز أسباب ظهورهم في القارة البيضاء.

إن جماعات اليمين عمومًا هي تلك التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف القديمة داخل المجتمع كحركة المحافظين مثلًا، إلا أنّ الفرق بين حركات اليمين المعتدلة وحركات اليمين المتطرفة هو أن الأخيرة تدعو إلى استخدام العنف واستعمال السلاح لفرض القيم والتقاليد المجتمعية بالقوة، فاليمين المتطرف يكره الحداثة السياسية والفكرية والأخلاقية، وهو ضد الديمقراطية، إلا أنه قبل بها مؤخرًا رغمًا عنه كي يجتذب أكبر عدد ممكن من حشود المواطنين الذين يؤمنون بالديمقراطية كأسلوب حكم.

بدأ اليمين المتطرف بالظهور في أوروبا في صورته الحديثة في تسعينات القرن الماضي في بادئ الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية عقب تفجير مدينة أوكلاهوما في أبريل عام 1995م على يد المتطرف الأمريكي تيموثي ماكفاي، حيث أعقبت هذه التفجيرات ظهور جماعة النازيين الجدد في ألمانيا وأعقبتها جماعات متطرفة أخرى في فرنسا وفي أوروبا الشرقية.

ومن أبرز أسباب ظهور حركات اليمين المتطرف حديثًا ما يلي:

1. أسباب عرقية وإثنية

حيث إن معظم حركات اليمين المتطرف تؤمن بتفوق العنصر الأوروبي الأشقر على سائر الأجناس الأخرى، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن وجود المهاجرين من غير الأوروبيين في بلادهم قد يسبب خللًا في التركيبة السكانية وفي النسل، ومثال على ذلك النازيين الجدد في ألمانيا وحركة “جان ماري لوبن” في فرنسا.

2. أسباب دينية

إن النزعة اليمينية المسيحية المتطرفة في أوروبا قديمة وترجع في أصلها إلى موجة الحروب الصليبية إلا أننا نلاحظ نموها مؤخرًا بسبب مفاوضات تركيا “المسلمة” والتي تسعى إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي “المسيحي”، علاوة على أحداث 11 سبتمبر والتي روجت لفكرة “الإسلاموفوبيا” حيث تشير مراكز البحوث والرصد الأمريكية المتخصصة في هذا المجال إلى أن عدد المجموعات المتطرفة والعنصرية ازداد بنسبة أكثر من 60% منذ عام 2000، فارتفع عددها من 602 مجموعة إلى أكثر من ألف مجموعة بحسب تقديرات مركز ”ساوذرن بوفرتي لوو سنتر”، بالإضافة إلى زيادة أعداد المهاجرين العرب المسلمين إلى أوروبا والذين يسعون إلى فرض أنماط حياتهم كالنقاب والحجاب على المجتمعات الغربية “المسيحية”.

3. أسباب اقتصادية

فمثلًا يدعي حزب “التقدم النرويجي” اليميني المتطرف أن زيادة نفقات الدولة نجمت عن زيادة الهجرة ومشاركة النرويج في تقديم المساعدات الدولية وأن فتح الباب أمام المهاجرين سبب تناقص فرص العمل وارتفاع البطالة بين الشباب الأوروبيين بشكل خاص بعدما اعتمد أصحاب الأعمال على العمالة الوافدة الرخيصة.

4. بعض التطورات على الساحة العالمية

كتنامي قوة الجاليات المسلمة والمهاجرة في القارة البيضاء والتي من المتوقع زيادتها بشكل جلي في ظل ثورات الربيع العربي وما تمخضت عنه من دمار لبلدان يلجأ مواطنوها شمالًا لأوروبا، وتعرض عدد من دول القارة لمخاطر التطرف الديني المنسوب إلى الإسلام ، فضلًا على صعود أوباما إلى سدة الحكم الأمر الذي اعتبره الغرب حربًا على جنسهم الأبيض، بالإضافة إلى تنامي التيارات الأصولية الإسلامية في إيران مثلًا، فالتزمت عندنا يولد تزمتًا عندهم.

يعد حزب الاستقلال البريطاني أبرز الأحزاب اليمينية المتطرفة في بريطانيا وقد تأسس هذا الحزب عام 1993 كحزب معارض للاتحاد الأوروبي وتمكن في 2014 من الحصول على أول مقعد له في البرلمان، وتمكن من الحصول على أعلى الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي في بريطانيا.

وتشير العديد من التقارير إلى ارتفاع نجم الحزب خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع حصده المزيد من المقاعد في الانتخابات المقبلة.

تيارات اليمين المتطرف في ألمانيا

تنتشر تيارات اليمين المتطرف في ألمانيا أيضًا، فيعد الحزب الوطني الديمقراطي في ألمانيا من أبرز الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تؤمن بالنازية الجديدة هناك، وتم تأسيسه عام 1964، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا لم يحصل على النسبة الدنيا لعبور البوندستاج الألماني، إلا أنه قد حصل على مقعد واحد من 96 مقعدًا في البرلمان الأوروبي عام 2014، ويؤمن هذا الحزب بأن البشر خلقوا متفاوتين، فالجنس الأوروبي هو أسمى الأجناس، مما دفعه لمعارضة صعود أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية واصفًا هذا الحدث بالمؤامرة على الجنس الأبيض.

بالإضافة إلى هذا الحزب نجد بعض الحركات اليمينية المتطرفة كحركة “بيجيدا” أو حركة “وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب” والتي تندد بتنامي أعداد المهاجرين المسلمين في ألمانيا مما يهدد أوروبا المسيحية فيحولها إلى قارة أغلبها مسلمين.

وهناك بعض المروجين لأفكار من قبيل أن اليمين المتطرف سيؤثر على قرارات لها علاقة باللاجئين في ألمانيا مستقبلًا، ونحن لا نؤيد ذلك بشكل تام، فمما هو جدير بالذكر أن اليمين المتطرف الأوروبي يشكل حتى وقتنا هذا أقلية في أوروبا حيث لا تتجاوز نفوذه في ألمانيا الـ 5%، ولا يزيد نفوذه بشكل كبير عن ذلك في باقي أوروبا، ونحن نتوقع أن يزيد أعداد المؤيدين لتيارات اليمين المتطرف، لكن ليس بالحد الكبير الذي يجعل منهم فاعلين ومؤثرين في قرارات السلطة ويرجع ذلك إلى ما تركته هذه التيارات المتطرفة قديمًا من خراب حل بالعالم كله ظل وسيظل محفورًا في أذهان البشر.

3- ما عوامل صعود اليمين المتطرف في أوروبا؟

مع نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات حدثت تغيرات كثيرة في أوروبا نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الشرقية متمثلة في حلف وارسو وتأسيس الاتحاد الأوروبي نتيجة معاهدة ماستريخت 1992، نتيجة لما سبق، فإن الدويلات التي ظهرت من انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت تعود لأصولها العرقية وهو ما ساهم في ظهور النزعة القومية عند الكثير من الأوروبيين وانضمام مثل هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي فيما بعد، في 2008، بدأت أزمة مالية عالمية اعتبرها البعض الأسوأ منذ الكساد الكبير 1929، أدت هذه الأزمة لانتشار البطالة والركود الاقتصادي، ومع زيادة الهجرة بدأ بعض الأوروبيين ينظرون للمهاجرين كمذاحمين لهم في وظائفهم وخاصة المسلمين وهنا ظهرت دعوات للتضييق على المهاجرين ودعوات عدائية ضدهم.

وفي 2008 أيضًا، حدث حدث جليل فقد قامت الأحزاب اليمينية في أوروبا بخطوة جديدة في معاداة المهاجرين وخاصة المسلمين فقامت بإنشاء منظمة تهدف لمكافحة “الأسلمة” في أوروبا والتي حملت اسم “المدن ضد الأسلمة”.

ومن عوامل صعود نجم اليمين المتطرف أيضًا أن زيادة سرعة الاندماج الأوروبي أدى إلى زيادة المخاوف من أن ذلك الاندماج سيأتي على حساب الخصوصية الوطنية والمحلية.

في 2011 ومع بداية ما عرف بالربيع العربي، ظهرت عدة صراعات في الشرق الأوسط من الأزمة السورية إلى الأزمة الليبية واليمنية وظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتدهور الأحوال المعيشية للمواطن العربي كل ذلك أدى لزيادة الهجرة واللجوء لأوروبا، ومع زيادة الهجمات الإرهابية من حادث تشارلي إيبدو إلى باريس إلى بروكسل وغيرها من الهجمات، وأيضًا مع زيادة منافسة المهاجرين على الوظائف الموجودة وفي ظل وجود نسبة بطالة، كل ذلك أدى لزيادة المخاوف عند الكثير من الأوروبين على هويتهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم وعلى الجنس الأوروبي وأيضًا الخوف من اختفاء دولة الرفاهية.

كل ذلك أدى لمضاعفة سرعة صعود نجم اليمين المتطرف وجعله يحصل على نسبة عالية في بعض الانتخابات التي أُجريت مثل الانتخابات الرئاسية النمساوية التي ستكون إعادتها في الخريف القادم، وكما يقول بعض الأوروبيون فإن أوروبا تبدأ بالنمسا فالذي يحدث بالنمسا ينتقل بدوره لأوروبا فيما بعد.

فهل نرى نظم حكم يمينية متطرفة في القريب العاجل؟ والسؤال الأهم كيف سيكون العالم بعد صعود أنظمة حكم متطرفة للسلطة؟ فآخر مره شهدنا فيها ظهور أنظمة متطرفة في أوروبا مثل النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا انتهت بحرب عالمية قتل فيها ما يقرب من 85 مليون نسمة.

4- ما الجهود المبذولة لمواجهة اليمين المتطرف في أوروبا؟

تشير التوقعات أن أحزاب اليمين المتطرف في سبيلها نحو تحقيق المزيد من المكاسب خلال الانتخابات برلمانية كانت أو رئاسية، وسيكون كل تركيزها على الأقليات والهجرة والتدهور الاقتصادي في حملاتها الانتخابية، ويمكن القول أن الجهود المبذولة لمواجهة اليمين المتطرف في أوروبا تنحصر في التالي: أولًا تجاهل الحركات والأحزاب اليمينية مثل الذي حدث بعد اعتداءات باريس في عدم دعوة حزب الجبهة الوطنية اليميني لمسيرة الوحدة ضد الإرهاب وهو ما قوبل بمسيرة مقابلة من الحزب بزعامة مارين لوبن في تأكيد أن هذه الوحدة المزعومة ضد الإرهاب ليست كاملة، ثانيًا التركيز على قصور الخطاب اليميني والتركيز على انتقاده لأن أفكاره ضد التعددية وضد احترام الآخر ولأنه ضد الديموقراطية، ثالثًا استخدام سياسة “اقتراض العباءات” حيث تقوم الأحزاب الاخرى باقتراض عباءة الأحزاب اليمينية لتحقيق أهدافها وتفكيك القاعدة الشعبية لليمين المتطرف.

5- ما تداعيات وسيناريوهات المستقبل الأوروبي بعد صعود اليمين المتطرف؟

على الرغم من أنه من الصعب الحديث عن التأثيرات المترتبة على صعود اليمين المتطرف في أوروبا إلا أن هناك نقطتان رئيسيتان ستشهدا تأثيرًا مباشرًا، أولهما، تأزم أوضاع الأقليات بأوروبا وخاصة المسلمين، ثانيهما، زيادة نزعة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وخاصة بعد خروج بريطانيا.

يمكن القول أن هناك سيناريوهان متوقعان:

  • السيناريو الأول: استمرار الصعود اليميني المتطرف

وفقًا للإحصائيات التي أجريت مؤخرًا فإن الخط البياني لليمين المتطرف في تقدم مستمر، ومن الواضح أن العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما يتعلق بها من هجرة وزيادة العمليات الإرهابية سيؤدي لاستمرار هذا الصعود، وستكون الصورة أكثر وضوحًا بعد الانتخابات الفرنسية الرئاسية 2017 حيث مارين لوبان لديها فرصة كبيرة للفوز.

  • السيناريو الثاني: التوجه إلى الانحدار

تشكل نسبة المعارضة لحزب الجبهة الوطنية الفرنسي بقيادة لوبان ما يقرب من 67% و87% يعارضون الحزب الديموقراطي السويدي اليميني، والجدير بالذكر أن العديد من الأحزاب التقليدية ترفض التعاون مع الأحزاب اليمينية المتطرفة، وأخيرًا فإن قطاعات كبيرة في أوروبا ترفض هذه التوجهات مثل مشاركة 12 ألف شخص في تظاهرة بميونخ تحت شعار “افسحوا المجال .. اللاجئون مرحب بهم”.

 

 

 

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock