إحسان بوبريمة(**)

تمهيد:

تعاني الولايات المتحدة، منذ السبعينيات، تفاقم عجز الميزان التجاري وعجز الميزانية، ويقابل هذا العجز فوائض مالية تحققها دول أخرى وعلى رأسها الصين وروسيا واليابان إضافة إلى الدول المصدرة للبترول. تحتل الصين الصدارة في توظيف الفوائض بالدولار الأمريكي في سندات الخزينة الأمريكية بسبب زيادة صادراتها للولايات المتحدة الأمريكية. ولم تكتفِ الصين باستغلال الفوائض المالية، بل أعطت قوة لعملتها بسبب زيادة مساهمتها في الناتج العالمي رغم انخفاض قيمة اليوان أمام الدولار. وهكذا أصبحت الصين محل أنظار المستوردين بسبب انخفاض عملتها وتكلفة منتجاتها، الأمر الذي جعل اليوان ينافس العملات الصعبة، وأصبح ضمن سلة عملات حقوق السحب الخاصة. فهل هذا يعني أن اليوان الصيني سيسيطر على النظام النقدي العالمي وسيصبح عملة الاحتياطي العالمي، أم سيبقى الدولار مهيمناً على النظام النقدي رغم أنه أصبح عملة ثانوية لدى بعض الدول وأصبحت البنوك المركزية تحتفظ بالذهب بدلاً منه؟ وهل يمكن العودة إلى تطبيق مشروع كينز الذي اقترح إنشاء البانكور كعملة عالمية لما أنشأ صندوق النقد الدولي؟ وكطرح أخير هل يصبح الدولار عملة عالمية ويحل محل البانكور، وبخاصة أن الاحتياطيات العالمية بالدولار تقدر بنحو 62 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات بالعملات الصعبة؟

أولاً: الدولار والنظام النقدي العالمي

لقد أنهكت الحرب العالمية الثانية المنتصرين والمنهزمين معاً، أما الولايات المتحدة فقد أنهت الحرب وهي في قمة النجاح الاقتصادي إضافة إلى التفوق العسكري، وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب في منتصفها فهي لم تضطر إلى تحويل اقتصادها المدني إلى اقتصاد حربي بقدر ما استطاعت أن تبني اقتصاداً عسكرياً موازياً من دون إضعاف الاقتصاد المدني. وتعتبر الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة على تصدير السلع الزراعية والغذائية فضلاً عن المنتجات الصناعية ورؤوس الأموال بعد الحرب، لذلك فقد جاء اعتبار الدولار العملة الدولية أمراً طبيعياً؛ فالجميع بحاجة إلى الدولار إن لم يكن الاستيراد المباشر من الولايات المتحدة، وكانت المشكلة هي نقص الدولار المتاح للعالم في مقابل تحقيق الولايات المتحدة فائضاً في ميزانها التجاري، فهي تصدر أكثر مما تستورد[1]. بصورة ما، كانت الولايات المتحدة دائنة للعالم، فكيف يمكن توفير دولارات للعالم في هذه الظروف لكي يستطيع المستوردون دفع مستحقاتهم بالدولار الأمريكي؟

كان المخرج الوحيد هو أن تقوم الولايات المتحدة باستثمارات كبيرة في دول العالم، وبذلك يخرج منها دولارات كافية في شكل استثمارات إلى بقية دول العالم لدفع فاتورة زيادة واردات هذه الدول، من هنا عرفت الاستثمارات الأمريكية في الخارج توسعاً كبيراً في الحقبة التالية لانتهاء الحرب، وبعد ما يزيد على عقدين من نهاية الحرب بدأت الولايات المتحدة تعرف ظاهرة جديدة وهي بداية العجز في ميزانها التجاري، فضلاً عن عجز الموازنة، وصادف ذلك حروبها في جنوب شرق آسيا والفيتنام، بما أدى إلى توافر الدولار بشكل أكبر لدى معظم الدول، التي رأت في هذا دعماً لاستقرار أسعار صرف عملاتها[2].

ورغم ظهور العجز في تجارة أمريكا فقد كان ذلك محل ترحيب لدى معظم الدول، لأن معنى العجز هو أن الولايات المتحدة تطبع كميات أكبر من الدولارات وتضخها للعالم الخارجي وهو في أشد الحاجة إليها، وهذا الفائض لم يستخدم دوماً للاستيراد وإنما للاحتفاظ به جزئياً كاحتياطي نقدي وبدأت معظم الدول في تكوين احتياطياتها من الذهب والدولار مما يعزز جدارتها الائتمانية.

وعند ظهور الفوائض النفطية في بداية السبعينيات، صادف ذلك ظهور النمور الآسيوية التي توسعت في صادراتها كثيراً. وهكذا ظهر على الساحة نوع جديد من الدول التي تحقق فوائض مالية كبيرة ومستمرة، وكان عليها أن تبحث عن أماكن آمنة لتوظيف فوائضها، ولم تجد هذه الدول أفضل من الدولار والأسواق المالية الأمريكية.

وبعد عقد أو عقدين ظهر المارد الصيني الذي يحقق فائضاً مالياً يوظف بكثرة في سندات الخزينة الأمريكية، وهو ما يسمح للولايات المتحدة بزيادة وارداتها من الصين بطبع المزيد من الدولارات.

ثانياً: لماذا يهيمن الدولار على النظام النقدي العالمي؟

يستخدم الدولار في نحو 90 بالمئة من العقود التجارية على مستوى العالم، أي ما يقدر بـ 5 تريليونات دولار يومياً. كما أن الدولار يقوم بدور عملة الاحتياطي العالمي حيث يستحوذ على ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، ويتميز بكثافة التداول، إذ يعد على رأس العملات المستخدمة في التجارة العالمية ويتم سداد قيمة أكثر من نصف صادرات العالم بالدولار الأمريكي، إذ تسعر كل دول منظمة الأوبك نفطها بالدولار. لذلك، فإن أي اضطراب في سعر الدولار سيؤثر في أسعار تلك السلع، وفي تقييم العملات الأخرى مقابل الدولار[3].

الجدول الرقم (1)

استخدام الدولار في العقود التجارية

العقود التجارية النسبة المئوية
الدولار الأمريكي 90
باقي العملات (بالمئة) 10

المصدر: «ماذا يعني ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية للأسواق العالمية؟،» نون بوست (12 آذار/مارس 2017)، <http://www.noonpost.org/content/17046/>.

كما يستخدم 2 تريليون دولار في معاملات أسواق الصرف الأجنبي يومياً وهي تدخل في تعاملات البورصات المالية العالمية بكثافة قدرها 87 بالمئة من التعاملات. لذا تتميز التعاملات الدولارية بسهولة التحويل من وإلى العملات الأخرى أو الذهب، بينما يستخدم اليورو في التعاملات المالية العالمية بنحو 33 بالمئة من التعاملات، أما المعاملات المالية بالين الياباني فلا تتجاوز 23 بالمئة ونحو 12 بالمئة من التعاملات المالية تتم بالجنيه الإسترليني[4].

وتقدر نسبة الاحتياطي النقدي بالدولار في البنوك المركزية العالمية بما يزيد على 62 بالمئة. ويعد الدولار العملة الأكثر قبولاً في التعاملات المالية العالمية مقارنة بأي عملة أخرى أو حتى الذهب والمعادن الثمينة.

الجدول الرقم (2)

نسبة الاحتياطي في البنوك المركزية

العملات الصعبة النسبة المئوية
الدولار الأمريكي 62.16
اليورو 25.02
الجنيه الاسترليني 3.83
الين الياباني 0.11
باقي العملات 5.35

 المصدر:  «IMF’s SDRs, Gold, China and the New Emerging Monetary System,” <https://www.youtube.com/watch?v=qoDQ6xtoXsA>.

ويرجع الاستعمال الواسع للدولار إلى دينامية استقرار التعاملات بالدولار على مدار حقبة  زمنية طويلة، ومحدودية الأزمات النقدية العالمية التي ترتبت على التعامل بالدولار مقارنة بغيره من العملات[5]، فضلاً عن ثبات قيمته نسبياً وعدم تعرضها للتذبذب الناتج من التغيرات المستمرة في العرض والطلب مقابل العملات الأخرى. ومن ثم استناد الدولار إلى اقتصاد قوي ومتماسك يحتل صدارة الاقتصادات العالمية في مختلف المؤشرات الكلية، مثل الناتج المحلي الإجمالي وحجم الصادرات والواردات، والميزان التجاري، مقارنة باقتصادات دول أخرى لا تتمتع بالاستقرار والانتشار العالمي ذاته.

ثالثاً: تأثير قوة الدولار في دول العالم؟

إن زيادة سعر الفائدة على العملة سيعطيها قوة، ولكن ليس أي فائدة وليس أي عملة. فلو كانت الفائدة على عملة محلية لا تتمتع بقبول عالمي تقدر بـ 9 بالمئة فلن يكون لها أثر يذكر، أما لجهة للدولار فالأمر مختلف تماماً، إذ له أهمية كبيرة في التجارة العالمية حيث يمثل عملة أكبر اقتصادات العالم كما تربط دول كثيرة، عملتها بالدولار أو بسلة من العملات يمثل الدولار فيها وزناً نسبياً كبيراً[6].

فزيادة سعر الفائدة يعني ارتفاع سعر الدولار، وهذا سيؤثر في الدولة التي اقترضت أو التي ستقترض، فمن جهة ترتفع تكلفة الاقتراض بشكل دراماتيكي، ومن جهة أخرى فإنه سيؤثر في فاتورة الواردات بالنسبة إلى الدولة التي تستورد حاجاتها من الخارج بالدولار.

أما الدول التي لديها ثروات طبيعية كالنفط والغاز، كدول الخليج العربية وغيرها، فإن مبيعاتها تتم بالدولار وستكون المنافع في هذه الحالة أكثر من المضار، وخصوصاً للدول التي تستورد معظم وارداتها باليورو واليوان والين من دول آسيا وأوروبا وليس من أمريكا. لذا ستنخفض قيمة الواردات ويتحسن ميزانها التجاري لأن قوة الدولار سيقابلها ضعف اليورو واليوان والعملات الآسيوية، فضلاً عن أن الدول النفطية – وبالأخص الخليجية –  لها استثمارات كبيرة في سندات الخزينة الأمريكية وبالتالي ستحقق عوائد مرتفعة مع ارتفاع الفائدة على الدولار.

أما لجهة البلدان العربية غير النفطية فإن قوة الدولار ستنعكس سلباً على اقتصاداتها بسبب حاجتها الماسّة إلى دولار رخيص لاستيراد السلع والخدمات من الخارج بالدولار، فتزيد بالتالي فاتورة وارداتها، كما هو حاصل في مصر والسودان والمغرب والأردن وعدد من البلدان العربية الفقيرة، ويعني أيضاً بالنسبة إلى الدول التي اقترضت بالدولار أن قيمة تلك القروض ارتفعت عما كانت عليه سابقاً.

وبالنسبة إلى الدول النامية كتركيا والبرازيل، التي تعتمد على الاستثمارات الأجنبية ووجود الدولار فيها، فإن ارتفاع سعر الفائدة فيها يعني ارتفاع ريع سندات الخزينة الأمريكية وزيادة جاذبيتها بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، وبالتالي نزوح المستثمرين الأجانب عن تلك الدول إلى أمريكا للاستثمار في سندات الخزينة الأمريكية.

وعلى صعيد الاقتصادات المتطورة كما في الاتحاد الأوروبي، يلاحظ أن رفع الفائدة زاد من الفارق على العوائد المحققة من الاستثمارات بسبب انخفاض سعر صرف العملات الرئيسية مقابل الدولار وبالتالي تزداد مخاوف تحسن النمو الاقتصادي في تلك الدول في الوقت الذي تحتاج هذه الدول إلى استثمارات جديدة لرفع مستويات المعيشة وتقليل معدلات البطالة لديها.

وفي السنوات الأخيرة رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في كانون الأول/ديسمبر 2015 ، وبعد عام تم رفعها مرة أخرى في كانون الأول/ديسمبر 2016، وكانت المرة الثالثة في آذار/مارس 2017. كما أقر الاحتياطي الفدرالي رفع سعر الفائدة الرئيسي 0.25 في المئة في كانون الثاني/يناير 2017 لتكون الزيادة الثانية في ذلك العام والأعلى منذ الأزمة المالية 2008 [7]. ورغم هذا الارتفاع فإن سعر صرف الدولار ينخفض، وبخاصة خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر حيث أصبح كل واحد يورو يساوي 1.8 دولار ثم 1.9 دولار[8] وهذا بسبب سياسة أوباما في رفع الدين الحكومي الأمريكي من 9 تريليونات دولار إلى 19 تريليون دولار، بالإضافة إلى 16 تريليون دولار التي صدرتها الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية العالمية لـ 2008 [9].

رابعاً: وحدة حقوق السحب الخاصة (SDR) وإضافة اليوان إلى سلة العملات

تجد معظم الدول أن من الحكمة أن تحتفظ باحتياطيات كافية لتغطية ما يساوي مدفوعات بضعة أشهر؛ وخلال الستينيات بدا من المحتمل أن يتباطأ الاقتصاد العالمي نتيجة عدم ملاءمة الاحتياطيات المساندة للتوسع الاقتصادي القوي الذي شهده العالم في ما بعد، وكانت الاحتياطيات الأساسية في هذه الحقبة هي الذهب والدولارات الأمريكية، وكانت هناك المشكلة في المعروض في كل منهما. فقد تحدد حجم المعروض من الذهب بسبب صعوبة اكتشافه واستخراجه من الأرض ولم تستطع الإمدادات الجديدة من الذهب أن تحافظ على السرعة التي كان يتم بها التوسع في الاقتصاد العالمي. أما الكميات المعروضة من الدولارات أمام الدول الأخرى للاحتفاظ بها كاحتياطي فقد اعتمدت على رغبة الولايات المتحدة في الإنفاق والاستثمار في الخارج بأموال أكثر مما تستخدمها في الداخل[10]. وما دام غير ممكن التعويل على استمرار الولايات المتحدة في فعل ذلك بلا نهاية فقد كان من الممكن حدوث نقص واسع النطاق في الاحتياطيات. وتحسباً لهذا الاحتمال تم تفويض الصندوق في إصدار أحد الأصول يطلق عليها اسم «وحدات حقوق السحب الخاصة» (SDR).

وتم استحداث حقوق السحب الخاصة سنة 1969 كأصل احتياطي تكميلي يمكن لصندوق النقد الدولي تخصيصه للبلدان الأعضاء بصفة دورية حين تنشأ الحاجة، كما يمكن إلغاؤه إذا ما اقتضت الضرورة. وتعرف باسم «الذهب الورقية» رغم تجردها من الوجود المادي حيث تخصص للبلدان الأعضاء في صورة قيود دفترية حسب حصة كل دولة في رأس مال الصندوق إلى حصص رأس مال الدول المشتركة.

ولا تعتبر حقوق السحب الخاصة عملة قابلة لتسوية المدفوعات بين الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، فهي تعطي فقط حق الاستفادة من عملة صعبة لا تستخدمها الدول إلا لتمويل عجز المدفوعات، أو القيام بعمليات التحويل والحصول على عملات صعبة هي بحاجة إليها[11]، والشكل الرقم (1) يظهر تطور SDR بمليارات الدولارات.

ومع انهيار بريتون وودز قيمة وحدة حقوق السحب الخاصة لم تعد تحدد بالنسبة للذهب، بل حدد في البداية عن طريق سلة مكونة من 16 عملة ثم انخفضت هذه السلة سنة 1981 لتشمل 5 عملات الأكثر أهمية، وهي الدولار الأمريكي والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني والجنيه الإسترليني. على أن يحدد وزن كل عملة حسب أهميتها في المبادلات التجارية والمدفوعات الدولية[12].

وفي الوقت الحالي تتحدد قيمة حقوق السحب الخاصة يومياً باستخدام سلة من أربع عملات رئيسية هي: اليورو والجنيه الاسترليني والين والدولار الأمريكي. وفي أول آب/أغسطس 2001 كانت وحدة حقوق السحب الخاصة تساوي 1.26 دولار أمريكي، وفي 21 شباط/فبراير 2014 أصبحت تساوي 1.54 دولار أمريكي. وتجري مراجعة العملات
المكونة للسلة كل خمس سنوات لضمان تمثيلها للعملات المستخدمة في المعاملات الدولية والتأكد من أن الأوزان المـحـددة للعـمـلات تعكـس أهميتـها النســبية في النظم المالية والتجارية العالمية[13].

الجدول الرقم (3)

سلة العملات لحقوق السحب الخاصة

العملات الصعبة النسبة المئوية
الدولار الأمريكي 43
اليورو 37
الجنيه الاسترليني 12
الين الياباني 8

 المصدر: «IMF’s SDRs, Gold, China and the New Emerging Monetary System,” <https://www.youtube.com/watch?v=qoDQ6xtoXsA>.

وفي 1 تشرين الأول/أكتوبر سنة 2016 تم إضافة اليوان لسلة عملات حقوق السحب الخاصة نظراً إلى مساهتها في الناتج المحلي الإجمالي وأهميتها في المبادلات التجارية الدولية، حيث باتت الصين الشريك التجاري الرئيسي لمعظم الأسواق في العالم، إذ تكتسح حالياً أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى ساحة نفوذها الطبيعية في آسيا، وأصبح لها نفوذ اقتصادي يحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الناتج المحلي الإجمالي

الجدول الرقم (4)

تطور الناتج المحلي الإجمالي للصين

السنة 2000 2014 2016
الناتج المحلي الإجمالي (تريليون دولار) 1.19 9 11

المصدر:  سكاي نيوز عربية، «الصين تقترب من لقب أكبر اقتصاد عالمي؟،» <https://www.youtube.com/watch?v=1UKnhHT0-Tc>.

نلاحظ من الجدول الرقم (3) أن الناتج المحلي الإجمالي للصين تضاعف 6 مرات ونصف المرة خلال 14 عاماً من سنة 2000 إلى 2014، ومن المحتمل أن يصل حجم الاقتصاد الصيني إلى 13.76 تريليون دولار سنة 2018، أما توقعات صندوق النقد الدولي لسنة 2040 فتشير إلى أن نسبة الناتج المحلي الإجمالي الصيني إلى الناتج العالمي فتقدر بـ 40 بالمئة، متجاوزة قوة الاقتصاد الصيني بذلك قوةَ الولايات المتحدة الأمريكية كثيراً وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي[14].

يقدر معدل نمو الصين حالياً بـ 7 بالمئة بينما تكافح الاقتصادات المتطورة مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو لتحقيق نمو لا يتجاوز 3 بالمئة، وتعزز الصين نفوذها الاقتصادي بزيادة صادراتها، حيث حققت في بداية سنة 2014 فائضاً في حسابها الجاري بـ 224 مليار دولار بينما سجلت الولايات المتحدة عجزاً بلغ نحو 451 مليار دولار.

خامساً: اليوان كمنافس للدولار الأمريكي

تقوم الحكومة الصينية بإضعاف عملتها بصورة مصطنعة، لأنها تساعد على زيادة الصادرات، فضعف اليوان يسمح للصادرات أن تكون أرخص كي يؤدي إلى خلق طلب أكبر على الصادرات والعكس صحيح، لذا فالصين تلجأ إلى طبع اليوان لخفض قيمته.

أما إذا أرادت الصين التخفيف من حدة التضخم فإنها تخفض إمداد الأسواق باليوان، ومع زيادة حجم الصادرات يصبح اليوان قوياً أمام الدولار. وهذا ما يتيح للصين شراء المواد الأولية واستيرادها بأسعار أرخص. وعليه ستنخفض أسعار النفط لأن اليوان بات أقوى.

ورغم السياسات التي تتبعها الصين في زيادة الصادرات وخفض قيمة اليوان للمساهمة أكبر في قيمة الناتج العالمي فإن اليوان يظهر للوهلة الأولى كمنافس للدولار وأنه سيسيطر على الاحتياطيات العالمية. لكن هذا المطلب صعب المنال، لأن السيولة باليوان غير كافية واحتياطيات الدول بالدولار تجازوت 60 بالمئة، ويحتل اليوان المرتبة الثالثة بعد كل من اليورو والدولار. كما أن الثقة بالدولار تتجاوز الثقة بأي عملة أخرى رغم تزايد عدد الدولارات في الخارج وزيادة مديونية الولايات المتحدة سنة 2017 حيث وصلت إلى مستوى يفوق 20 تريليون دولار[15]. بيد أن الصين هي الأخرى قد ضاعفت مديونيتها إلى مستوى يفوق 28 تريليون دولار سنة 2017، هذا ما يضعف قيمة اليوان ويجعل الاستثمارات الأجنبية تنسحب خارج الصين.

الجدول الرقم (5)

تطور مديونية الصين

السنة 2013 2015 2016 2017
تريليون دولار 3.9 5.2 25 28

المصدر: CNBC عربية، «أزمة الديون الصينية… انهيار اقتصادي أم تباطؤ طويل المدى؟،»

<https://www.youtube.com/watch?v=_4yF1b00XSI>.

نلاحظ من الجدول الرقم (5) أن ديون الصين تفوق ديون الولايات المتحدة بـ 8 تريليونات دولار، وتُعد ديون الولايات المتحدة أقل خطراً من الناحية الائتمانية كون الحكومة الأمريكية في أسوأ الحالات قادرة على طباعة الدولار لتمويل استحقاقاتها بعملتها المحلية. وما يزيد ديون الصين خطراً أنها بعملة أجنبية وأنها تتضاعف من سنة إلى أخرى حتى وصلت إلى 282 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي سنة 2017 بسبب زيادة مصاريفها على عقارات ومباني البنية التحتية فما شيدته الصين خلال أربعين عاماً يفوق ما شيدته الولايات المتحدة من الأبنية في تاريخها.

الجدول الرقم (6)

نسبة ديون الصين إلى الناتج المحلي الإجمالي

السنة 2015 2016 2017
النسبة المئوية 230 237 282

المصدر: المصدر نفسه.

إن تزايد حجم الديون يهدد السياسة النقدية المتوازنة ويمس بقواعد الاقتصاد الحقيقي، حيث انخفض الناتج المحلي للصين من 11 تريليون دولار سنة 2016 إلى 8.3 تريليون دولار سنة 2017 ومقارنة بالولايات المتحدة التي يقدر ناتجها المحلي الإجمالي بـ 16.2 تريليون دولار سنة 2017 [16]، بمعنى أن قوة الاقتصاد الأمريكي هي ضعفا قوة الاقتصاد الصيني ولا يمكن اليوان أن يكون منافساً حقيقياً، للدولار حيث نجد أن الصين ما زالت تحتاج إلى احتياطياتها بالدولار وهي متزايدة من سنة إلى أخرى لتلبية حجم الواردات لكونها ثاني أكبر مستورد في العالم.

احتلت الصين المرتبة الأولى من بين أكبر عشر دول تملك أكبر احتياطي نقدي في العالم كما يوضحه الجدول الرقم (7):

الجدول الرقم (7)

أكبر احتياطي نقدي في العالم

الدولة الاحتياطي النقدي
سنغافورة 244 مليار دولار
البرازيل 358 مليار دولار
الهند 361 مليار دولار
كوريا الجنوبية 365 مليار دولار
روسيا 386 مليار دولار
تايوان 425 مليار دولار
السعودية 562 مليار دولار
سويسرا 649 مليار دولار
اليابان 1 تريليون و262 مليار دولار
الصين 3 تريليونات و305 مليارات دولار

المصدر: قناة اكتشف معنا، «أكبر 10 دول تمتلك أكبر احتياطي نقدي في العالم سنة 2017،» <http://www.youtube.com>.

يوضح الجدول الرقم (7) أن الصين لا تريد منافسة الدولار بل إنها تبحث عن تمويل اقتصادها بطلب المزيد من الدولارات لتنمية هذا الاقتصاد، وبخاصة أن لها مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة لكونها أكبر مستورد لمنتجاتها، وأكثر من ذلك فهي لجأت إلى استعمال اليوان والذهب في عقود النفط لتلبية طلبها المتزايد من الخارج. هذا إضافة إلى خفض استثماراتها في سندات الخزينة الأمريكية؛ فالصين اليوم تبحث عن المزيد من الدولارات حتى من خلال السوق غير الرسمية للقيام بمشاريعها الأجنبية، وبخاصة في أفريقيا. لذا نجد أن الصين تملك احتياطياً يساوي مجموع كل احتياطيات الدول السابقة الذكر باستثناء اليابان، ويساوي احتياطيها كذلك ضعف احتياطيات اليابان باعتبارها من أكبر اقتصادات العالم وتحتل المرتبة الثالثة بعد كل من الولايات المتحدة والصين.

أما توقعات 2039 فتشير إلى أن الصين ستحتل المرتبة الأولى. ويوضح الجدول الرقم (8) ترتيب أكبر الاقتصادات حسب ناتجها المحلي الإجمالي:

الجدول الرقم (8)

                    أكبر الاقتصادات في العالم بحلول سنة 2039           (تريليون دولار)

الدولة الصين الولايات المتحدة الهند اليابان البرازيل
الناتج المحلي الإجمالي 34 29 14.3 7.3 6.4

المصدر: CNBC عربية، «كيف سيكون شكل الاقتصاد العالمي بحلول عام 2039،»

 <https://www.youtube.com/watch?v=bt3kbfebZ8o>.

رغم هذا التفوق في الناتج المحلي الإجمالي إلا أن الناتج المحلي للفرد في الولايات المتحدة يفوق ناتج الفرد في الصين بثلاثة أضعاف حيث يقدر في الصين بـ 24000 دولار أما في الولايات المتحدة فيقدر بـ 72000 دولار. وهذا يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى مسيطرة على الاقتصاد الحقيقي والنقدي.

وما يوحي بأن جو المنافسة بين أمريكا والصين هو في مجال الاستثمار الحقيقي وليس حرباً بين عملتين، بينما كلا الدولتين تتوجه نحو الأسواق الواعدة مثل القارة الأفريقية التي ما زالت تعاني التخلف والفقر وقلة الاستثمارات بينما معدل نموها يقدر بـ 6 بالمئة، وهو أعلى من معدل نمو الاستثمار في شرق آسيا حيث تشبعت الاستثمارات وبلغت معدلات الاستهلاك حدودها، فاستثمارات الصين في أفريقيا بلغت 75 مليار دولار بنهاية 2012 وهي تقترب من استثمارات أمريكا في أفريقيا التي قدرت بـ 90 مليار دولار في نفس السنة. أما المبادلات التجارية بين الصين وأفريقيا فتفوق 210 مليارات دولار سنة 2013، أما بين أمريكا وأفريقيا فهي في تناقص، إذ قدرت سنة 2011 بـ 95 مليار دولار[17]. كما تخطط الصين لإقامة سكك حديد بقيمة 12 مليار دولار في أفريقيا وهو ما لم تفعله الدول الأوروبية التي استولت على ثروات القارة الأفريقية لقرون.

سادساً: العودة إلى مشروع كينز وإنشاء عملة عالمية جديدة «البانكور»

بينما كان كينز في بريتون وودز يسعى جاهداً لاستعادة موقع بريطانيا المنهار في الاقتصاد العالمي كان هوايت يسعى إلى تعزيز الدور القيادي للولايات المتحدة الأمريكية في النظام الجديد لعالم ما بعد الحرب. كانت منطلقات اللورد كينز تتمثل بأن النظام النقدي الجديد يجب أن يكون صالحاً من الناحية الفنية للأخذ فيه، بغض النظر عن طبيعة النظم الاجتماعية السائدة (رأسمالية اشتراكية، ذات توجه حكومي…) وأن يكفل عدم التدخل في السياسات الداخلية للدول[18]، إلا ما كان له أثر مهم جداً في العلاقات الاقتصادية الدولية وبشرط أن تكون تلك العلاقات متساوية في المزايا بين الدول، وأن يحقق النظام المصلحة العامة لكل الدول المشاركة وألا تكون هناك تضحيات خاصة، ولا أعمال لا تتفق مع مصلحة الدول الفردية[19].

وقد ذهب كينز في مشروعه إلى أن إرادة النظام الجديد وضبطه يتطلبان تكوين مؤسسة دولية ذات طابع مركزي عالمي، وذات صبغة فنية وتكون بعيدة من المؤثرات السياسية، وتكون لكل دولة مشتركة حصة تحدد مسؤوليتها في إدارة شؤون هذه المؤسسة. وقد قصد كينز بتلك المؤسسة تكوين «اتحاد للمقاصة الدولية» (International Clearing Union)  تكون مهمته كمهمة البنك المركزي في النظام النقدي المحلي، أي القيام بعمليات المقاصة والدفع بالأرصدة بين البنوك المركزية، وتسهيل خلق الائتمان ومراقبة سير النظام في ضوء ضوابط تسيطر على حركة رؤوس الأموال، مع ترك الحرية لكل دولة عضو في تحديد سياستها بما يتناسب وظروفها. على أن أهم ما كان يميز مشروع كينز هو موقفه من الدور الذي سيؤديه الذهب في النظام الجديد، فهو يرى أن العالم ما بعد الحرب بحاجة إلى تلك الكميات من النقود والاحتياطيات الدولية التي تتناسب مع كمية الذهب في العالم. ويجب أن تتحدد كمية النقد الدولي العالمي لا على أساس إنتاج الذهب وتكاليفه ولا على الاحتياطي الموجود منه، وإنما على حاجة التجارة الدولية[20]. وفي ضوء هذه الحاجة يمكن العالم أن يزيد كمية النقود الدولية أو ينقصها لمواجهة أحوال التضخم أو الانكماش في العالم.

وليس بخفي أن كينز بذلك كان يضع في ذهنه موقف الذهب في بريطانيا الذي كان قد تدهور كثيراً خلال حقبة الحرب، وكان يدافع عن فكرة «إسقاط الذهب عن عرشه في النظام النقدي الدولي»[21] والتخلص منه كعامل يتحكم في مستوى النقد العالمي، ويراعي حاجة بريطانيا للسيولة في مرحلة إعادة التعمير بعد الحرب[22].

كما اقترح أن يكون النظام الجديد مرتكزاً على عملة دولية لا تخضع لسيادة أي بلد وأطلق على هذه العملة مصطلح «البانكور» (Bancor)، وهو عبارة عن وحدة حسابية قياسية نقدية تستخدم في تسوية المدفوعات الدولية بعد أن توافق الدول على استخدامها وتكون قيمتها مربوطة بالذهب[23]ولكنها قابلة للتغيير حسب الأحوال، وعلى أن تكون كمية المصدّر منها متناسبة مع حاجة التجارة الدولية بطريقة منتظمة تعتمد على الثقة والائتمان. هنا يتعين على الدول المشتركة في النظام أن تحدد سعر صرف عملتها بالبانكور، وهو ما يعني أن تكون قيمة عملتها مربوطة بوزن معيَّن من الذهب[24]. ولا يجوز تغيير هذا السعر إلا بموافقة اتحاد المقاصة الدولي، فالهدف هو ثبات أسعار الصرف[25].

وقد اقترح كينز أن يفتح اتحاد المقاصة الدولي حسابات دائنة ومدينة للدول المشتركة وتجري عمليات المقاصة بينها بحيث تتساوى في النهاية الأرصدة الدائنة مع الأرصدة المدينة. ولكن إذا أسفر حساب دولة ما عن رصيد دائن فإنه يبقى داخل الاتحاد كقرض مقدم من الدولة صاحبة الدائنية. وقد يحق للدولة أن تطلب من الاتحاد أن يدفع لها هذا الرصيد بالذهب أو بعض قيمته بالبانكور[26]. وإذا مضت خمس سنوات على تحقيق هذا الرصيد الدائن وزاد بنسبة 25 بالمئة على حصة الدولة في الاتحاد، عندئذ يطلب من الدولة أن ترفع سعر عملتها. أما إذا حققت الدولة العضو رصيداً مديناً، فإن الاتحاد يعطي الدولة قرضاً بقيمة هذا الرصيد. ولكن إذا استمر هذا الرصيد في الزيادة وبنسبة أكبر من 25 بالمئة من حصة الدولة في الاتحاد فإنه يتعين على هذه الدولة أن تخفض قيمة عملتها إذا ما استمر الوضع أكثر من خمس سنوات. لكن في النهاية رفض المؤتمر مشروع كينز رغم تصفيق الحاضرين له ولقوة منطقه.

ما يمكنني قوله عند هذه النقطة أن صندوق النقد الدولي يستوحي أفكاره من النظرية الكينزية عندما أنشأ حقوق السحب الخاصة، فالمبدأ كان ينطبق على البانكور لكن باختلاف الاحتياطيات، فالبانكور مغطاة بالذهب أما حقوق السحب الخاصة فمغطاة بسلة من العملات، والنظرة المستقبلية لصندوق النقد الدولي هي تعميم استعمال SDR في المبادلات الدولية، وهذا ما كان يدعو إليه كينز عندما طرح مشروعه وهو تعميم استعمال البانكور في المبادلات الدولية.

سابعاً: نحو نظام نقدي عالمي جديد ومرحلة ما بعد الدولار

بعد تجريد الذهب من صفته النقدية في مؤتمر جامايكا 1976 كان من المتوقع أن ينهار الدور العالمي للدولار كعملة الاحتياطي الدولية بعد أن أصبح غير قابل للتحويل إلى ذهب، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب مؤازرة دول غرب أوروبا واليابان للدولار نظراً إلى التحالف الوثيق، السياسي والعسكري والاقتصادي، الذي يجمع بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وبسبب عدم إمكان العودة إلى نظام قاعدة الذهب كما كانت تدعو إلى ذلك بعض دول أوروبا (فرنسا)[27]. وقد حدثت هذه المؤازرة بالرغم من التناقضات القائمة بين الولايات المتحدة وهذه الدول وأصبحت معظم آراء الاقتصاديين، وبخاصةٍ ذوو الاتجاه المحافظ، تدور حول تبرير الوضع القائم ومحاولات تهذيبه سطحياً، ولكن المشكلة التي باتت تؤرق العالم الرأسمالي بصورة واضحة مؤخراً تمثلت بكون الدولار سيستمر في أداء دور العملة الدولية في مقابل عدم استقراره وانخفاض قيمته على النطاق العالمي، وهو شرط أساسي لاستمرار في أداء هذا الدور.

فالتيسير الكمي للبنك الفدرالي الأمريكي بعد الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 زاد الوضع حدة، وذلك بطباعة نقود من دون أي رصيد أو مقابل، كما يسميها كينز سياسة النقود الرخيصة، حيث قدرت بـ 800 مليار دولار خلال الأزمة وهي تقدر حالياً بـ 4.5 تريليون دولار[28]، أضف إلى أن باراك أوباما تسلّم الرئاسة والولايات المتحدة عليها ديون تقدر بـ 9 تريليونات دولار، وانتهى من مدة الرئاسة والولايات المتحدة تعاني عجزاً يقدر بـ 19 تريليون دولار، بمعنى أن الدين الخارجي الأمريكي ارتفع خلال حقبة أوباما بأكثر مما تراكم منذ تأسيس الولايات المتحدة، فكل رؤساء الولايات المتحدة أوصلوا الديون إلى 9 تريليونات دولار وفي حقبة أوباما أضاف 10 تريليونات دولار لوحده. وما يزيد الضغوط التضخمية للدولار حدة هو تصديرها لـ 16 تريليون دولار خارج حدودها بعد الأزمة المالية العالمية.

فطباعة الدولار بهذه الطريقة لتمويل عجز ميزان مدفوعات الولايات المتحدة وإغراق العالم بطباعة الدولارات أدى إلى استياء الكثير من الدول بسبب تصدير التضخم إلى الدول المرتبطة بالدولار، وهذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير ودفعت إلى حصول عدد من ردور الأفعال:

– ففي عام 2000 أوقفت اليابان والصين العمل بالدولار في التبادل التجاري بينهما لتسهيل استخدام اليوان والين في المعاملات الدولية وتعزيز العلاقات التجارية بينهما[29]. ولتعزيز قوة الين واليوان لجأت إلى زيادة الاحتياطي الذهبي.

– وفي العام نفسه أوقف صدام حسين التعامل بالدولار واستبدله باليورو، وكانت النتيجة تحسن إيرادات العراق بسبب ارتفاع قيمة اليورو.

– عام 2003 حاولت ماليزيا استخدام الدينار الذهبي كوسيط للتبادل التجاري مع الدول الإسلامية.

– عام 2004 أعلنت كوبا وقف التعامل بالدولار واعتمدت التعامل به كعملة ثانوية[30].

– تخلت روسيا والصين تدريجياً عن التعاملات التجارية بتجارة النفط بالدولار والتعامل بالعملات المحلية.

– عام 2011 باع معمر القذافي النفط بالدينار الذهبي.

– في 17 نيسان/أبريل 2016 بدأ تسعير الذهب والفضة في بورصة شانغهاي باليوان بدلاً من الدولار.

– عام 2017 استعملت روسيا والصين العملات المحلية في المبادلات التجارية مع تسديد الفرق بالذهب.

– في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 تسعير عقود النفط باليوان.

– بدأت دول البريكس التجارة البينية بالعملات المحلية بنظام المقايضة، أي تبادل العملتين المحليتين والفرق بينهما يكون بالذهب.

– انطلقت كل من روسيا والصين وتركيا والهند بشراء الذهب بعد استخراج كل الذهب من باطن الأرض الذي بحوزتها.

دخل الدولار في دوامة، لذا اتخذت الصين ودول البريكس مثل هذه الإجراءات لضمان وارداتها  حمايتها، ففي كل مرة تصدر الخزينة الأمريكية سندات للحصول على تمويل للعجز، وبكل سهولة كان البنك المركزي يطبع دولارات مقابل سعر فائدة. وتسديد الفوائد يحتاج إلى سيولة، وهكذا دواليك، يقدم البنك الفدرالي على طباعة المزيد من الدولارات فدخل النظام المالي الأمريكي في الحلقة المفرغة أو سياسة النقود الرخيصة التي تبناها كينز بعد أزمة الكساد. لذا فإن مرحلة ما بعد الدولار مرحلة ضرورية للنظام المالي العالمي فيصبح الدولار كعملة محلية للولايات المتحدة ويستخدم «البانكور»، كما سماها كينز، في المعاملات الدولية بشرط أن يحقق «البانكور» المصلحة العامة لكل الدول المشاركة، أما أن يطبع البنك الفدرالي المزيد من الدولارات ليصبح الدولار عملة جميع الدول وتختفي معه باقي العملات الورقية وتزول مخاطر سعر الصرف باعتبار أن احتياطيات البنوك المركزية بالدولار تجاوزت 60 بالمئة، فإن باقي الدول لن تقبل بذلك للأسباب التالية:

  • إن العملة تمثل رمز الدول وسيادتها.
  • إن الوهم الذي كان سائداً في الخمسينيات والستينيات قد أنجلى عصره وهو الاعتقاد بقابلية تحويل الدولار إلى ذهب.
  • كما أن طباعة الدولار يخدم مصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وذلك بتملكها شركات وأصولاً إنتاجية وسلعاً ومواد أولية وتمول إنفاقها العسكري الضخم بالخارج من دون أن تتحمل في ذلك أعباء حقيقية (تكلفة الورق والحبر).
  • كما أن الاعتماد على الدولار سيقيد السياسات الداخلية للدول ويجعل السياسة النقدية غير مرنة.

لذلك، صار الذهب حاجة رئيسية بعد أزمة 2008 والإفراط في إصدار الدولار، حتى إن بعض الدول مثل الصين أصبحت تفكر في تسديد مدفوعاتها بالذهب بعد انخفاض الاحتياطيات بالدولار.

أما الطرح الثاني هو أن يؤدي صندوق النقد الدولي دور اتحاد المقاصة الدولية بتنظيم إصدار SDR حسب الترتيبات التي وضعها كينز لـ «البانكور» لإجراء المعاملات الدولية، ويصبح الدولار عملة محلية للولايات المتحدة وليس عملة الإحتياطي العالمي، مع تغطيتها برصيد من الذهب حسب حصة كل عضو في صندوق النقد الدولي وليس بسلة من العملات، ولا تخضع لسيادة أي بلد كون العمل بحقوق السحب الخاصة انطلق سنة 1969 وهي اليوم منتشرة مقارنة بالبانكور الذي طويت أفكاره مع موت اللورد كينز. أما إيجاد اتحاد مقاصة خارج سلطة صندوق النقد الدولي يتحكم في إصدار حقوق السحب الخاصة ومع مرور الوقت على البانكور بالمنطق الذي طرحه كينز فإن صندوق النقد الدولي لن يقبل هذا الإجراء، لأنه هو السلطة الدولية المسؤولة عن الاستقرار النقدي العالمي وقد أنشئ من أجل تعزيز التعاون النقدي الدولي والتجارة والتدفق السلس لرؤوس الأموال ولن يتنازل عن مهمته. والواقع الاقتصادي يثبت أن صندوق النقد الدولي يهيئ لمرحلة ما بعد الدولار وستصبح الـ SDR عملة الاحتياطي العالمي من دون أن يكون لها رصيد من الذهب وكل الدول الأعضاء تملك احتياطيات بـ SDR، بل إن منظمة الأوبك سعرت النفط بـ SDR في الثمانينيات لما كان معدل التضخم يقدر بـ 15 بالمئة في الولايات المتحدة في عهد ريغن[31]، كما تم تفعيلها سنة 2009 ونجحت نجاحاً باهراً.

ما يسعني قوله هو إن الواقع الاقتصادي يتكرر، فكما تمادت الولايات المتحدة في طبع الدولار سيستمر صندوق النقد الدولي في تمويل الاقتصاد العالمي بـ SDR، كون ظاهرة تزايد النفقات هي ظاهرة عالمية، وحينها تتزايد مديونيات الدول الصناعية والمتطورة وقد تنهار معها البنوك المركزية وتظهر أزمة ثقة في النقود الورقية، الأمر الذي لا بد معه من تهيئة الأرضية للتحول إلى الذهبية والفضية انطلاقاً من البانكور أو SDR، أي إلى الثروة الحقيقية التي لا تتعرض للفقاعة النقدية، وهي المعدن النفيس الأبيض أو الأصفر. وهي سياسة مرتبطة بالمستقبل البعيد.

وإذا لم تُهيأ الأرضية للذهب والفضة فإن المؤشرات المستقبلية، وبخاصة المجهول منها، ستفاجئ العالم الرأسمالي بأزمة تصيب الاقتصاد العالمي بالشلل وربما العودة إلى أنظمة اقتصادية بدائية أو إعادة الهيكلة لجميع اقتصادات العالم.

استنتاجات

1 – احتل الدولار مركز الصدارة من وراء قوة الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثروات الزراعية والتكنولوجية والصناعية المتطورة جداً.

2 – الاقتصاد الأمريكي قادر على زيادة الاستيراد وتضخم العجز الجاري، وهو الوقت نفسه لا يضطر إلى علاج العجز لأن أصحاب هذه الفوائض حرصاء على إبقاء استثماراتهم بالدولار. وبالتالي لم تجد السياسة الاقتصادية الأمريكية مبرراً لضبط تزايد الواردات وتفاقم عجز الميزان التجاري، فالأموال الأجنبية تتفق وهي سعيدة ببقائها في شكل أصول مالية أمريكية.

3 – ليس هدف الصين هو السيطرة على النظام النقدي العالمي وإنما هو البحث عن عملة بديلة لتلبية حاجاتها الدولية، وهي تسعى إلى تنمية مواردها البشرية وتنمية علاقاتها التجارية الدولية.

4 – تبحث الصين عن بديل للدولار في تسديد مدفوعاتها، وعلى عكس الدول الأخرى التي لديها فائض في الاحتياطي الأجنبي بالدولار.

5 – تتنافس الولايات المتحدة والصين اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لتبين كل دولة أنها على أهبة الاستعداد، لكن يبقى التعايش الاقتصادي بين البلدين السمة الأساسية للمصالح المشتركة، ولا يمكن أي اقتصاد أن يعيش في معزل عن باقي دول العالم والتجارة العالمية وبخاصة بعدما أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة كما قالها ماكلوهان.

6 – تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى خلق نظام نقدي واقتصادي عالمي جديد تحت سيطرتها وقد حققت شوطاً كبيراً في ذلك.

اقتراحات

1 – على الصين، إذا قامت بتعويم عملتها، أن تأخذ حذرها من الدول النامية الأخرى، مثل الهند ودول أمريكا اللاتينية، التي تملك الأفضلية نفسها في ما يخص عدد اليد العاملة وتكلفتها، وبخاصة إذا كانت تلك الدول قادرة على تقديم البنى التحتية بالكفاءة نفسها؛ وحينها تخسر الصين حصتها السوقية لحساب تلك الدول.

2 – على الصين الأخذ في الحسبان ارتفاع تكلفة اليد العاملة بسبب تزايد نسبة الشيخوخة وعودة الدور الريادي للولايات المتحدة في مجال المبادلات التجارية.

3 – تركز الصين بكثرة في الآونة الأخيرة على البنية التحتية، لذا عليها أن تتخوف من الهند التي ستحتل المرتبة الأولى من حيث عدد السكان بحلول سنة 2039؛ وحينها تظهر قوة أخرى قادرة على زيادة الإنتاج، وبخاصة أن القطاعات التي تسيطر عليها الصين تحتاج إلى يد عاملة رخيصة لا هياكل رأسمالية.

4 – على الصين أن تعزز التعاون مع الولايات المتحدة كونها سوقاً واعدة كما تعزز علاقاتها مع الشرق الأوسط وأفريقيا.

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 471 في أيار/ مايو 2018.

(**) إحسان بوبريمة: أستاذ مساعد في كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة سطيف 1 – الجزائر.

[1]  حازم الببلاوي، «الدولار ودول الفائض المالي،» مجلة التنمية والسياسات الاقتصادية (معهد العربي للتخطيط)، السنة 17، العدد 1 (كانون الثاني/يناير 2015)، ص 11.

[2]  المصدر نفسه، ص 11.

[3]  «ماذا يعني ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية للأسواق العالمية؟،» نون بوست (12 آذار/مارس 2017)، <http://www.noonpost.org/content/17046/>.

[4]  المصدر نفسه.

[5]  لكن الدولار مهدد بالانهيار منذ انطلاق البنك الفدرالي في عمليات التيسير الكمي بعد الأزمة المالية العالمية لـ 2008.

[6]  المصدر نفسه.

[7]   الاحتياطي الفدرالي يرفع أسعار الفائدة الأمريكية لأعلى معدلاتها منذ الأزمة المالية العالمية 2008 على الموقع <http://www.bbc.com> بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2017.

[8]   <http://www.currency.com/ar/eur-usd.html>.

[9]   فهد القواسمي، «الصين تسعر عقود النفط باليوان،»<https://www.youtube.com/channel/UCi5UWCr0sD3eL349bgsnWiQ>.

[10]  دافيد ريكسول، «ما هو صندوق النقد الدولي؟!،» ترجمة محمد حسن يوسف، الجريدة الأولى الاقتصادية (الكويت)، الأعداد 134 -143 (1996)، ص 19.

[11]  الهادي خالدي، المرآة الكاشفة لصندوق النقد الدولي (الجزائر: دار هومة، 1996)، ص 30.

[12]  Patrik Lenain, Le F.M.I (Alger: Casbah edition, 1998), p. 36.

[13]  صندوق النقد الدولي على الموقع  <http://www.img.org/external/index.htm>.

[14]  سكاي نيوز عربية، «الصين تقترب من لقب أكبر اقتصاد عالمي؟،» <https://www.youtube.com/watch?v=1UKnhHT0-Tc>.

[15]  «الدين العام الأمريكي يتجاوز حاجز 20 تريليون دولار،»  12 أيلول/سبتمبر 2017،

<https://arabic.rt.com/business/905724>.

[16]   CNBC عربية، «كيف سيكون شكل الاقتصاد العالمي بحلول عام 2039،»

<https://www.youtube.com/watch?v=bt3kbfebZ8o>.

[17]  سكاي نيوز عربية، «منافسة أمريكية صينية،»  <http://www.youtube.com> .

[18]  كما فعل صندوق النقد الدولي بعد الأزمة المديونية سنة 1982.

[19]  رمزي زكي، التاريخ النقدي للتخلف: دراسة في أثر نظام النقد الدولي على التكون التاريخي للتخلف بدول العالم الثالث، عالم المعرفة؛ 118 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1987)، ص 135.

[20]  المصدر نفسه، ص 136.

[21]  وهذا ما حدث فعلاً سنة 1971 عندما حل الدولار محل الذهب.

[22]  المصدر نفسه، ص 136.

[23]  وهي شبيهة بحقوق السحب الخاصة لكنها مغطاة بالذهب وليس بسلة من العملات الصعبة، وبذلك سبق تفكير كينز الواقع الإقتصادي بـنحو ربع قرن.

[24]  أفضل من ربطها بالدولار غير القابل للتحويل إلى ذهب.

[25]  المصدر نفسه، ص 136.

[26]  هذا ما تفعله روسيا والصين حالياً في المبادلات التجارية بينهما بالعملات المحلية والفرق يسدد بالذهب.

[27]  المصدر نفسه، ص 300.

[28]  فهد القواسمي، «الصين تسعر عقود النفط باليوان،» <https://www.youtube.com/channel/UCi5UWCr0sD3eL349bgsnWiQ>.

[29]  «عرش الدولار يهتز،» CNBC عربية 7 دقائق، <http://www.youtube.com>.

[30]   المصدر نفسه.

[31]  القواسمي، المصدر نفسه.