حقَّق حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، فوزاً ساحقاً في انتخابات التجديد النصفي التي أُجريت في الثامن من نوفمبر المقبل؛ إذ أُعيد انتخابه بفارق كبير يزيد عن 1.5 مليون صوت؛ لذا لقَّبته بعض التحليلات بالفائز الكبير في الانتخابات النصفية، وهو ما أثار المزيد من التكهنات بأنه قد يترشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية القادمة لعام 2024، ليخوض منافسة محتملة ضد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للفوز ببطاقة الحزب للرئاسة؛ إذ يعتبر كثير من الجمهوريين ديسانتيس نجماً ساطعاً في سماء الحزب، ويُعوِّل عليه البعض في الإطاحة بالرئيس السابق من سباق الترشُّح المُحتمَل، وهو ما يُثير تساؤلات عن طبيعة الصدام المُحتمَل بينهما، وعن مستقبل ترامب السياسي.

دلالات متعددة

يُثير فوز ديسانتيس الساحق في انتخابات حاكم ولاية فلوريدا جملة من الدلالات التي يمكن الوقوف عليها على النحو التالي:

1– صعود سياسي سريع لديسانتيس بعد توليه منصبه في 2019: يُعَد ديسانتيس وافداً جديداً نسبياً على الساحة السياسية، لكنه سرعان ما تصدَّر المشهد السياسي الأمريكي بعد أن أصبح حاكماً لولاية فلوريدا في عام 2019 كأحد رموز التيار المحافظ. وقد تمكَّن من هزيمة منافسه الديمقراطي “شارلي كريست” ليستمر في منصب حاكم ولاية فلوريدا، وهو يبلغ من العمر 44 عاماً، على نحو يُعَد مُؤشراً على نجاحات متكررة منذ عام 2012؛ ففي عام 2018، بعد محاولة قصيرة الأمد ليصبح عضواً في مجلس الشيوخ، أصبح حاكماً لولاية فلوريدا.

2– تحقيق نجاحات متتالية وخاصةً في التعامل مع جائحة كورونا: تُدلِّل إعادة انتخاب ديسانتيس في انتخابات التجديد النصفي على نجاحه في مواجهة جائحة فيروس كورونا منذ عام 2020، حين أمر بتطبيق إجراءات الإغلاق العام في جميع أنحاء الولاية، وأقام المئات من مراكز الاختبار، وطلب ملايين الكمامات لمنع انتقال العدوى إلى الفئات المُعرَّضة للخطر والضعيفة، بيد أنه بحلول يوليو 2021، بدأ يرفع القيود الاحترازية ويفتح المدارس على الرغم من ارتفاع الحالات المُصَابة وتعدُّد الانتقادات اللاذعة التي وُجِّهت إليه.

وقد ذاع صيته آنذاك؛ لأنه كان يُخالِف نوعاً ما التوجهات السائدة في عموم البلاد في ذلك التوقيت، وهو ما لاقى استحساناً من سُكَّان الولاية؛ ففي الوقت نفسه، كانت قناة “فوكس نيوز” تبثُّ خطاباته ومقابلاته على مستوى البلاد كافةً وليس فلوريدا وحدها، وهي الخطابات التي استهدف فيها الرئيس جو بايدن بعد أن أدَّى الأخير اليمين الدستورية في يناير 2021. ومنذ ذلك الحين، احتلَّ ديسانتيس موقع الصدارة في صفوف أكثر الشخصيات الجمهورية شهرةً في البلاد.

3– أهمية اتخاذ مواقف في القضايا الحاسمة والمثيرة للجدل: يُدلِّل فوز ديسانتيس في الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة على أهمية وفاعلية مواقفه تجاه جملة من القضايا المُثيرة للجدل، مثل تدريس القضايا العرقية في المدارس، والإجهاض. فقد لاقت تلك القضايا مُجتمعةً أصداءً واسعة لدى الناخبين؛ حيث يُعتقد أنه زاد قاعدة ناخبيه بشكل كبير في كافَّة أنحاء الولاية على الرغم من تنوُّعها الديموغرافي. ومن الجدير بالذكر أنه في مارس 2022 على سبيل المثال، وقَّع على مشروع قانون أطلق عليه النشطاء لقب “لا تَقُل: مثلي” ليحظر المناقشات حول التوجه الجنسي أو الهوية الجنسية في المدارس الابتدائية.

4– تزايد فرص ترشُّح ديسانتيس في انتخابات الرئاسة الأمريكية: التزم ديسانتيس الصمت بشأن ترشُّحه المحتمل للرئاسة، بيد أن كثيراً من التحليلات تُشِير إلى احتمالية ذلك، وخاصةً عقب فوزه في انتخابات التجديد النصفي من ناحية، وتعدُّد استطلاعات الرأي التي تؤكد أنه الاسم الأول الذي يظهر عند سؤال المبحوثين عمَّن يرغبون في ترشُّحه إذا لم يُشارِك ترامب في السباق الرئاسي المقبل من ناحية ثانية، وإن أكدت استطلاعات الرأي نفسها أن فرص فوزه في مواجهة ترامب إن ترشح كلاهما، لا تزال غير محسومة في ظل تعدُّد الشكوك بشأن امتلاك ديسانتيس المُقوِّمات الكافية أو القدرة على مواجهة الرئيس السابق.

تحرُّكات استباقية

يُعتقَد على نطاق واسع وجود رغبة لدى كلٍّ من ترامب وديسانتيس في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري، وهو ما يعني صداماً مُحتمَلاً بين كلَيْهما بالنظر إلى التحرُّكات الاستباقية التي قام بها ترامب مؤخراً ضد ديسانتيس، وهي الخطوات التي تتضح عبر ما يلي:

1– تحذير ترامب لديسانتيس من تبعات ترشُّحه المُحتمَل للرئاسة: حذَّر ترامب حاكمَ ولاية فلوريدا ديسانتيس من الترشح في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2024، قائلاً إن ذلك سيضرُّ بالحزب الجمهوري، كما قال لشبكة فوكس نيوز: “أعتقد أنه سيرتكب خطأ. أعتقد أن القاعدة الجماهيرية للحزب لن تحب ذلك”، كما هدد ترامب بالإفصاح عن معلومات خاصة عن ديسانتيس دون تقديم أي تفاصيل، وأضاف: “لا أعرف إذا ما كان سيترشَّح. أعتقد أنه إذا ترشَّح فقد يؤذي نفسه بشدة”. وأضاف: “لا أعتقد أنه سيكون في صالح الحزب”. كما هدد ترامب بكشف تفاصيل سرية عنه، بقوله: “أعرف عنه أكثر من أي شخص آخر، ربما بخلاف زوجته”، وهو ما يعني في مجمله تزايد احتمالات حدوث مزيد من التراشق اللفظي بينهما في المستقبل القريب.

وتعكس تصريحات ترامب اللفظية كيف ينوي خوض المنافسة ضد ديسانتيس في السباق الرئاسي لعام 2024 (إن ترشَّحا فيه)؛ ففي تجمُّعه الحاشد في ولاية بنسلفانيا، أشار ترامب إلى حاكم فلوريدا باسم رون ديسانكتيمونيوس، وهو ما وصفته بعض التحليلات بالحرب الباردة التي يخوضها كلا الجانبين منذ عدة شهور. وفي سياق متصل، قال ترامب في شهر أكتوبر من العام الماضي: “إذا واجهته، كنت سأضربه كما لو كنت سأهزم أي شخص آخر. أعتقد أن معظم الناس سيتوقَّفون عن الدراسة، وأعتقد أنه سينسحب”، وفي الشهر الماضي، وصفه ترامب بأنه “خطأ كبير”.

2– مُحاوَلة ترامب تشويه صورة ديسانتيس لدى المواطنين: ترى بعض التحليلات أن ترامب يعمل على تقويض صوة دي سانتيس المحافظة من خلال تصويره على أنه يتعالى على المواطنين الذين يتحدث معهم، والترويج لكونه يعتقد أنه أفضل منهم، وهو ما يعني أن الرئيس السابق بدأ بالفعل يقف ضد ديسانتيس قبل أن يعلن الأخير ترشُّحه رسمياً، تعويلاً على بعض آرائه في الفترة الأخيرة، وبخاصة بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية الحق الدستوري في الإجهاض، حين أعلن ديسانتيس أن “صلوات الملايين” قد لاقت استجابةً، لكنه بدا أكثر تحفظاً بشأن تلك القضية مؤخراً؛ الأمر الذي فسَّره البعض بأنه حسابات سياسية مرحلية من جانب ديسانتيس تهدف إلى الموازنة بين ضغوط بعض العناصر المحافظة في الحزب الجمهوري وآراء الناخبين في فلوريدا الذين يُؤيِّد معظمهم حق الاختيار في مسألة الإجهاض.

ويُشار في هذا الصدد إلى أن أحد الأسباب التي تُقلق ترامب من ديسانتيس هو امتلاك الأخير نفوذاً قوياً في الداخل الأمريكي بحكم منصبه الحالي، بشكل يسمح له بالتأثير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهو أمر يجعله من أبرز الشخصيات داخل الحزب الجمهوري في الفترة الحالية؛ حيث يلعب ديسانتيس دوراً محورياً في توجيه التجارة مع الخارج على غرار إصداره في سبتمبر الماضي أمراً تنفيذياً للحد من تجارة الحكومة الفيدرالية والمحلية مع شركات مرتبطة بسبع دول على رأسها الصين وروسيا.

كما يتحدى ديسانتيس السلطات الفيدرالية في ملف الهجرة على غرار توقيعه مؤخراً على تشريع يحظر ما تُسمَّى المدن الآمنة، التي تساعد بشكل عام في حماية المهاجرين غير الموثقين من الترحيل عن طريق تقييد التعاون بين سلطات إنفاذ القانون المحلية وسلطات الهجرة الفيدرالية. ويُفضِّل ديسانتيس تخفيف قوانين الأسلحة في ولاية فلوريدا بشكل يؤثر سلباً على أمن الدول المجاورة، حسبما أشارت بعض التقارير مؤخراً. ويحرص ديسانتيس على إدلاء تعليقات بشأن السياسة الخارجية على غرار وصفه الرئيس اليساري لكولومبيا جوستافو بيترو في يونيو الماضي بأنه “إرهابي سابق في مجال المخدرات”.

مستقبل ضبابي

وختاماً، فإنه حتى الآن، لم يعلن ديسانتيس عن رغبته في الترشُّح للرئاسة في عام 2024، لكن بعض استطلاعات الرأي تؤكد احتمالية ذلك وبقوة وسط تساؤلات محتملة عن مستقبل ترامب السياسي الذي يبدو ضبابياً إلى حد بعيد بالنظر إلى تحقيقات الكونجرس في هجوم الكابيتول، وتفتيش منزله في منتجع مارالاجو بفلوريدا، والعثور على مستندات سرية حصل عليها أثناء وجوده في البيت الأبيض، بيد أن أرجح التحليلات تُشير إلى ترشُّحه المُحتمَل في السباق الرئاسي الذي سيشهد صراعاً محتدماً بين مُرشَّحيه في صورة تصريحات عدائية وكشف أسرار شخصية.

المصدر: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية