فارس أبي صعب (**)

في ظل أجواء سياسية واقتصادية حسّاسة يعيشها لبنان، وقع ذلك الانفجار في مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020. لم يكن الانفجار عاديّاً في قوته الفيزيائية، فهو كان أقرب إلى هزّة أرضية، إذ تمايلت معه الأبنية والأشياء واهتزت الأرض من تحت أقدام الناس والدواب على امتداد عشرات الكيلومترات بعيداً من بيروت، قبل أن يصل صوت الانفجار إلى أسماعهم. وقد حُكي الكثير عن آثاره التدميرية، وعن عدد الضحايا الذين سقطوا قتلى وجرحى ومشرّدين من جرّائه، وعن عدد البيوت والأشياء التي دُمِّرت أو هُشِّمت على امتداد بيروت، وعن عدد المؤسسات الاقتصادية والخدمية التي عُطّلت أو أُقفلت وبالتالي عدد الأشخاض الذين فقدوا عملهم… وعن أسباب هذا الانفجار التي بدأت بنشوب حريق في المرفأ بسبب أعمال صيانة توسَّع باتجاه مخزونٍ من آلاف الأطنان من نيترات الأمونيوم الشديد الكثافة المخزّنة في أحد عنابر المرفأ بطريقة غير سليمة وغير آمنة منذ سنوات، وامتدت هذه الأسباب إلى الكلام على غارة جوّية إسرائيلية استهدفت المرفأ وتسبّبت بانفجار ذلك المخزون الهائل من نيترات الأمونيوم، وصولاً إلى اتهام حزب اللّه بتخزين صواريخ في المرفأ تسبّب الحريقُ أو الغارةُ الإسرائيلية في انفجارها.

لذلك، لم يكن الانفجار عادياً أيضاً في قوته المعنوية؛ فقد أسفر، نتيجة ما أحدثه من هزّة أرضية وما تركه من مشاهد دمار ودماء وشهداء وجرحى ومفقودين ومشرّدين، في دولة بلغ نظامُها السياسي والإداري حدَّ الهَريَان، ووضعها الاقتصادي حدَّ الإفلاس، عن صدمةٍ نفسيةٍ ومعنويةٍ اهتزت معها صورة الوطن لدى الكثير من اللبنانيين، وانقطعت لديهم شعرة الأمل في إمكان استمرار العيش في بلد «لن يعود كما كان». وبدأ الكثير منهم يبحث عن نافذة للهجرة، بلا عودة، إلى جهة ما من جهات الأرض، علّهم يجدون فيها أنفسهم وأحلامهم.

أما في السياسة فقد كان للانفجار قصّةٌ أخرى، في لبنان نفسه كما في بقية بلدان العالم. ففي لبنان، أحدث الانفجار ردود فعل سياسية عنيفة، سواءٌ على مستوى مواقف بعض القيادات السياسية والدينية المعارضة لخيار المقاومة أو على مستوى الشارع الموالي لتلك القيادات، التي استخدمت حادثة الانفجار، مدعومة بماكينة إعلامية وتواصلية محلية وإقليمية، لاتهام حزب اللّه بتعريض الشعب اللبناني للخطر من خلال تخزين أسلحته في مرافق عامة وفي أماكن سكنية كما زعمت. وبدلاً من أن تكوِّن حادثةُ الانفجار فرصةً أمام الشعب اللبناني والقوى الإصلاحية والتغييرية، لمحاسبة الطبقة السياسية الفاسدة التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه عبر عقود من الفساد الإداري والسياسي والهَرَيَان المؤسسي، التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار المالي والاقتصادي، فإن ما حصل هو أن القوى التغييرية انكفأت، وهذه الطبقة السياسية الفاسدة استعادت زمام المبادرة وحوّرت العناوين الكبرى المطروحة في البلد من كونها عناوين تتمحور أساساً حول ضرورة تغيير النظام السياسي والاقتصادي الذي يعبّر عن مصالح طبقة رأسمالية تجارية – مصرفية متجذّرة في الدولة العميقة رغم انتهاء صلاحيتها التاريخية وإيصال لبنان إلى ذروة الانقسام الطائفي وحافّة الإفلاس، نجد هذه الطبقة، تعيد طرح خيار «حياد لبنان» الملغوم في وجه خيار المقاومة والتحرر كأحد العناوين الخلافية المحورية بين أبنائه بدلاً من عناوين الإصلاح والتغيير وبناء الدولة العادلة المستقلة.

وبملاقاة تداعيات الأحداث على الساحة اللبنانية أحدث انفجار مرفأ بيروت ردود فعل عالمية واسعة اتخذت في الشكل تعابيرَ تضامنيةً، وإرسالَ مساعدات إنسانية متنوعة، وتدفقاً للفرق العسكرية الغربية بحجة المساعدة على كشف أسباب ما حدث في المرفأ، وللوفود الدبلوماسية من دول تتنافس على اختراق الساحة اللبنانية لإعادة صوغ هوية لبنان السياسية والاقتصادية وبحثاً عن حصة في عملية تقاسم النفوذ والمصالح في منطقة حافلة بالنزاعات الاستراتيجية وبالثروات الطبيعية الواعدة.

في التحليل، ليس مؤكداً بعد إذا كان انفجار مرفأ بيروت أمراً مدبّراً واعتداءً إسرائيلياً أتى في سياق الصراع بين محور المقاومة من جهة ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أم أنه مجرد حادث عَرَضي حصل نتيجة التآكل والهَرَيان والفساد والإهمال المعشعش في الدولة اللبنانية وأجهزتها الإدارية والأمنية والقضائية المختلفة. لكن الأحداث الكبرى في التاريخ، بغض النظر عن أسبابها المباشرة، غالباً ما تتموضع في سياق الأحداث ويكون لها دور في صناعة هذا التاريخ. وهكذا يبدو أن انفجار مرفأ بيروت قد أخذ يتموضع فعلاً، أو أخذ يُمَوضَع، في السياق التاريخي للأحداث التي تشهدها بيروت ولبنان عموماً منذ سنوات، وهو في جوهره سياق الصراع على تحديد هوية لبنان السياسية والاقتصادية والاستراتيجية؛ وهو صراعٌ مزمنٌ، تاريخُه يعود إلى تاريخ إنشاء الكيان اللبناني منذ عشرينيات القرن الماضي ككيان ذي هوية ثقافية وسياسية ملتبسة يتصارع فيها مشروع التغريب والنمط الرأسمالي الاستهلاكي التابع غير المنتج، من جهة، الذي يريد للبنان أن يؤدي وظيفة الوسيط التجاري والمالي بين الأسواق الرأسمالية الغربية وأسواق المشرق العربي، ومشروع العروبة التحرُّرية من جهة أخرى، المتضامنة والمنخرطة في القضايا وحركات التحرر الوطني العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وطالما أَدخل هذا التصارعُ لبنانَ بعد الاستقلال، في منتصف القرن الماضي، في حروبٍ وأحداث كبرى كان المشروعان يتصارعان فيها على إعادة تحديد هوية لبنان السياسية وهوية بيروت الاقتصادية، بدءاً من أحداث عام 1958، التي جاءت رداً على محاولة رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك كميل شمعون إلحاق لبنان بالمحور الأمريكي في المنطقة المتمثل بحلف بغداد، فانتفض المحور العروبي في لبنان آنذاك بدعم من عبد الناصر لإسقاط تلك المحاولة. وهذا ما حصل، ليدخل لبنان من بعدها في معادلة التوازن الشهابي الملتبس بين المشروعين التغريبي والعروبي.

ثم تكررت هذه الأزمة بعد هزيمة عام 1967، التي حاول المشروع التغريبي في إثرها إلحاق لبنان مجدّداً بالمحور الأمريكي، منتفضاً على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي وُضع لينظم دور المقاومة الفلسطينية على الساحة اللبنانية، فأخذ ذلك المشروع يُعِد العدة عسكرياً للانقضاض على المقاومة الفلسطينية وقوى التحرُّر الوطنية اللبنانية الداعمة لها، فانفجرت حرب أهلية في لبنان عام 1975 لم يُحسم الصراع فيها لحساب أي من الطرفين نتيجة تدخُّل جامعة الدول العربية بطلب ودعم غربيَّين لإيقاف الحرب الأهلية في لبنان ولمنع حسم الصراع فيه لمصلحة محور المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

هذا ما أعطى المشروع التغريبي في لبنان الفرصة مجدداً، بعد دخول النظام العربي في عصر كامب دايفيد، للانقضاض على محور المقاومة من خلال استدراج بشير الجميل إسرائيلَ إلى غزو لبنان عام 1982، فأسفر ذلك الغزو عن إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت والمناطق التي احتلتها إسرائيل؛ لكن بشير الجميل دفع حياته ثمناً لهذ المشروع. وما لبث أخوه الرئيس اللبناني آنذاك أمين الجميل، الذي نُصِّب رئيساً للجمهورية في ظل الاحتلال الإسرائيلي للبنان، أن وقّع اتفاق سلام مع إسرائيل (17 أيار/ مايو 1983). غير أن لبنان آنذاك كان يشهد صعوداً متنامياً لمحور المقاومة الوطنية والإسلامية، التي أجبرت إسرائيل على الانسحاب من أراضيه على مراحل بين عامي 1984 و2000، وفي الوقت نفسه شهد لبنان صراعاً مسلّحاً، مدعوماً من سورية وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية المتمركزة في دمشق ووادي البقاع في لبنان أرغم نظام الرئيس أمين الجميل على إسقاط اتفاق 17 أيار/ مايو في الخامس من آذار/ مارس 1984، ومهّد الطريق لتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي أقرّ بعض الإصلاحات السياسية الملتبسة في المعادلة اللبنانية – الملتبسة أيضاً – بين المشروعين التغريبي والعروبي. لكن إصلاحات اتفاق الطائف لم تمسّ ببنية النظام الاقتصادي الرأسمالي التابع في لبنان، بل عزّز من سطوة الطبقة الرأسمالية التجارية – المصرفية الحاكمة من خلال إدماج قادة بعض الميليشيات بالسلطة، فوفر هؤلاء حمايةً ميليشياويةً لتلك الطبقة مقابل إعطائهم حصة في كارتيلات النفط والغاز وغيرها من المصالح الاقتصادية، بما فيها الريوع التي كان النظام المصرفي يوفرها لتلك الطبقة.

عقب تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي كليّاً عام 2000 (باستثناء مزارع شبعا وبعض النقاط على الحدود البرية والبحرية الجنوبية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948)، عاودت الطبقة الحاكمة والمشروع التغريبي في لبنان الانقضاض مجدداً على المقاومة (التي كان حزب اللّه قد أخذ يمثّل الطرف الرئيسي فيها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لأسباب موضوعية أدت إلى تراجع المد القومي ثم اليساري في المنطقة العربية والإسلامية عموماً مقابل صعود الحالة الإسلامية بعد اتفاق كامب دايفيد بين مصر وإسرائيل، وفشل نماذج التنمية الاشتراكية عربياً وعالمياً، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران)، مستقوية بمشاريع الحروب التي أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على بعض الدول في المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، بدءاً من الحرب على أفغانستان عام 2001، مروراً بغزو العراق عام 2003 وصولاً إلى التهديد بضرب سورية وإيران بعد غزو العراق. في هذا السياق تم ترتيب العمل على نزع سلاح المقاومة في لبنان من خلال القرار الأممي 1559 الصادر في أيلول/ سبتمبر 2004 بالتنسيق بين بعض أرباب الطبقة الحاكمة في لبنان والرئيسين الفرنسي والأمريكي، وهو القرار الذي مهّد للحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، بعدما فشل القرار 1559 في نزع سلاح المقاومة. وقد فشلت تلك الحرب بدورها في تحقيق أهدافها، بل جاءت نتائجها على عكس ما أريد لها.

واليوم، كما في كل مرة منذ منتصف القرن الماضي، يستغل المشروع التغريبي والطبقة الحاكمة أي نقطة ضعف في لبنان أو أي نقطة قوة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تتصور هذه الطبقة وأصحاب هذا المشروع، للانقضاض على خيار المقاومة في لبنان: محاولة استغلال حروب الخنق الاقتصادي التي تشنها الولايات المتحدة على محور المقاومة (انطلاقاً من إيران مروراً بسورية وصولاً إلى لبنان وقطاع غزة) وهرولة بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع إسرائيل تمهيداً لتمرير صفقة القرن، للانقضاض على حزب اللّه في لبنان، بعدما بدأ هذا الحزب يهدد المصالح الإمبريالية الأمريكية على مستويين على الأقل: مستوى الدور الإقليمي الذي يؤديه الحزب على أكثر من جبهة هناك وجود عسكري أمريكي مباشر فيها، أو مصالح أمريكية على الأقل؛ ومستوى السقف الذي رفعه حزب اللّه في لبنان، والذي كان يمكن أن يهدد النظام الاقتصادي التابع للمركز الرأسمالي، من خلال تبنّيه خيار التوجّه شرقاً، وهو خيار يتم طرحه لأول مرة في تاريخ لبنان منذ ما بعد الاستقلال حتى اليوم، إذ غالباً ما كان الغرب يتدخّل ليمنع أي تغيير في النظام الاقتصادي اللبناني يمس هوية لبنان الاقتصادية التابعة له، حتى إن اتفاق الطائف، الذي يُعد أحد أهم المشاريع الإصلاحية في النظام السياسي اللبناني، لم يتطرّق حتى بكلمة واحدة إلى أي إصلاح اقتصادي يمس من قريب أو بعيد بنية النظام الاقتصادي الرأسمالي التجاري – المصرفي التابع في لبنان.

إلى أن تفجّرت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، التي جاءت كرد فعل على بلوغ هذا النظام عتبة الهَرَيان المطلق، بحيث بلغ الفساد ونهب المال العام والمحاصصة والاعتداء على أموال الناس ومداخيلهم فيه مستوى من المبالغة والعلانية الوقحة، إلى جانب الجمود الاقتصادي وفقدان فرص العمل وتزايد الفقر، حداً أحدث انفجاراً في الشارع، مترافقاً ذلك مع حصار اقتصادي تمارسه الولايات المتحدة، فأفرزت هذه الأحداث مزاجاً جديداً لدى شريحة واسعة من أبناء الشعب اللبناني، وبخاصة في أوساط الشباب، ووعياً لدى بعض النخب والقوى السياسية من قوى الانتفاضة، وبخاصة بعض القوى العروبية واليسارية، ولدى حزب اللّه أيضاً، على الرغم من عدم مشاركته في تلك الانتفاضة، وهو الوعي بضرورة تجاوز النظام الاقتصادي التابع للغرب وتأسيس هوية اقتصادية جديدة للبنان، وعدم الاكتفاء بشعارات مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال طرح خيار التوجُّه شرقاً والاقتصاد المنتج بدلاً من الاقتصاد التجاري – المصرفي الريعي، وهو خيار لو قُيِّض له النجاح لكان سيُسقط وظيفة لبنان التاريخية وهويته الاقتصادية التابعة للمركز الرأسمالي، ويضعه من خلال مرفئه الذي أصابه الانفجار في مسار مشروع الحزام والطريق الصيني، الذي كان سيفتح أمام لبنان آفاقاً اقتصادية محلية وإقليمية جديدة. فهل أن انفجار المرفأ وما رافقة من هجمة شرسة على المقاومة من جانب المحور التغريبي وأرباب الطبقية الرأسمالية الحاكمة، المترافقة مع هجمة أمريكية وإسرائيلية داعمة لتلك الطبقة، ومع تدفق للجيوش الغربية على شواطئ المرفأ عقب الانفجار، يفسّر ما يحدث في لبنان من تنازع على إعادة صوغ الهوية السياسية والاقتصادية لبيروت؟ هنا يكمن جوهر الصراع التاريخي في لبنان.

المصادر:

(*) نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 499 في أيلول/سبتمبر 2020.

(**) فارس أبي صعب: مدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية.