الباحثة شذى خليل*
يمر لبنان بأسوأ أزمة اقتصادية تهدد استقراره منذ الحرب الأهلية، والتي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990. وبات الفقر مصير فئات اجتماعية من اللبنانيين .
إذ ان الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان ماضية نحو المزيد من التعقيد، مع أزمة بدأها انتشار فيروس كورونا، وأُضيفت إليها أزمة مالية خانقة، واليوم تأتي هذه الكارثة أيضا في الوقت الذي أصبح فيه نحو نصف سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر، ونحو 35% منهم دون عمل.. فإلى أين وصل الاقتصاد اللبناني المنهار على جميع الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ وأي مستقبل ينتظر لبنان؟
يعاني لبنان من تفشي الفساد وتراكم الديون العامة التي وصلت في نهاية نيسان ابريل الماضي إلى نحو 93 مليار دولار، أي أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى انهيار الليرة اللبنانية بأكثر من 80% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي في شهور قليلة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بأكثر من ثلاثة أضعاف.
خسائر جسيمة في لبنان بشرية واقتصادية : ان انفجار ضخم في مرفأ بيروت، ما تسبب بسقوط 73 قتيلا وأكثر من 3 آلاف جريح (حصيلة غير نهائية)، بجانب أضرار مادية هائلة في أحياء عديدة بالعاصمة وضواحيها، وفق وزير الصحة قدرها خبراء بأكثر من خمسة مليارات دولار.
مرفأ بيروت الذي دُمّر بالكامل، والذي يعد أهم ميناء في لبنان، ومن أهم الموانئ في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وان تدمير ميناء بيروت سيؤدي إلى مزيد من الدمار للاقتصاد اللبناني، إذ أن لبنان له حدود مع دولتين هما سوريا التي هي في خضم حرب أهلية وإسرائيل التي تعتبر عدوا له.. ووفقا لبيانات دولية، فإن لبنان يعتمد على واردات القمح بنسبة 90% معظمها تصل عبر ميناء بيروت الذي أصبح مدمرا الآن.
ونظرا لموقع لبنان الاستراتيجي، كان يستخدم هذا المرفأ، الذي افتتح عام 1894، لاستيراد المواد الأساسية من دول العالم وتصديرها عبر الداخل اللبناني إلى دول الشرق الأوسط، ويعد هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ أنّه يلعب دورا أساسيا في عملية الاستيراد والتصدير، وبالتالي تحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية.
ويقدر متوسط عدد البواخر التي تدخل ميناء بيروت بنحو 170 باخرة شهرياً تفرغ نحو 700 ألف طن، وتشحن نحو 70 ألف طن، فيما يقدر متوسط عدد المستوعبات المفرغة بنحو 23 ألف مستوعب شهرياً.
يتعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ عالمي، ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بـ 3100 سفينة سنويا، ويتألف المرفأ من 4 أحواض يصل عمقها إلى 24 مترا، إضافة إلى حوض خامس كان قيد الإنشاء، كما يضم 16 رصيفا والعديد من المستودعات وصوامع تخزين القمح التي تؤمن أفضل شروط التخزين.
ويرى الاقتصاديون، أن توقف المرفأ خسارة كبيرة ستؤثر على الاقتصاد اللبناني بخسارة مليارات الدولارات، وأن هذه المليارات موزعة على شقّين، الأول نتيجة توقف المرفأ عن العمل، والثاني كلفة الأضرار التي أصابت المرفأ، والخسارة ستشمل أيضا حركة الرسو للسفن، كما سيتأثر القطاع الجمركي وخسائر مستمرة ومتراكمة.
وتعرضت المباني السكنية ومباني المؤسسات التجارية القريبة من الميناء إلى أضرار بالغة، إذ تحطمت واجهاتها الزجاجية وانهارت سقوفها وكذلك جدرانها الأسمنتية، إلى جانب الدمار الذي طال السيارات التي كانت تقف وتتحرك على مقربة من الميناء.
انتظار أزمة قمح مقبلة، وهنا السؤال هل سيواجه اللبنانيين ازمة خبز ، حيث يتميز مرفأ لبنان بأهمية استراتيجية كبيرة كونه مستقبلا ومخزنا لأهم السلع الاستراتيجية التي تستوردها الحكومة مثل القمح والوقود، كما تتم نحو 70% من حركة التبادل التجاري بين لبنان ودول العالم عبر الميناء، وتعرضت المخزونات الاستراتيجية من المواد المستوردة لدمار كبير، ما قد يؤثر على الإمدادات الغذائية للبنان خلال الفترة المقبلة.
ويخصص الرصيف رقم (8) بالميناء والذي يبلغ طوله 220 مترا وعمقه 13 مترا، لاستيراد القمح، وتخزينه قبل بيعه للمطاحن بسعة (145) ألف طن، تتكون من (48) صومعة كبيرة (سعة كل واحدة 2500 طن) و (50) صومعة صغيرة (سعة كل واحدة 500 طن).
وفي ذات السياق، ان الاقتصاد اللبناني يعاني أصلا من غياب خطة لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتراكمة، وانهيار الليرة زاد كثيرا من معاناة اللبنانيين، في حين باتت المحلات والأسواق التجارية شبه فارغة ومعدلات الفقر والجريمة في ارتفاع متواصل، في حين أصبحت الشوارع مثل قنبلة موقوتة. وأكثرية اللبنانيين يواجهون مستقبلا مجهولا.
وهناك قلقا عميقا بشأن تلبية الطلب المحلي، خاصة وأن لبنان يعتمد بشكل كبير على واردات السلع التي يأتي معظمها عن طريق ميناء العاصمة اللبنانية بيروت، تشعر بقلق بالغ تجاه كيفية استيراد كميات كافية من المواد الغذائية والطبية والسلع الأخرى.
لبنان بات الآن في أمس الحاجة للمساعدات الخارجية رغم فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي طلبت منه بيروت معونات بمقدار (10) مليارات دولار مقابل تنفيذ برنامج إصلاحي اجتماعي واقتصادي شامل.
ختاما الانفجار يزيد أوجاع بلد يعاني منذ أشهر، من أزمة اقتصادية قاسية واستقطاب سياسي حاد، في مشهد تتداخل فيه أطراف إقليمية ودولية، بعد الخسائر الاقتصادية غير المسبوقة لانفجار بيروت، والتي تحتاج لأيام ليتم حصرها، وتأثرت العديد من المباني والمنشآت الاقتصادية والحكومية، وتعرضت لأضرار كبيرة لوقوعها بالقرب من موقع الانفجار الذي أثر على محيط نصف قطره كيلو مترات، وهزّ الانفجار كل أنحاء العاصمة وطالت أضراره كل الأحياء وصولا إلى الضواحي، وتساقط زجاج عدد كبير من المباني والمحال والسيارات.
وقال محللون في بيروت، لبنان بحاجة لمساعدات مالية من دول الخليج التي كانت تعتبر من أكبر المانحين لهذا البلد العربي البالغ عدد سكانه نحو (6.5) مليون نسمة في السنوات الماضية، ليواجه الانهيار الاقتصادي اليوم .

وحدة الدراسات الاقتصادية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية