د.محمد عبدالرحمن عريف

  جاءت البداية على أنه تطهير داخل حزب البعث عام 1979، تطهيرًا عامًا للبعث العراقي أو ما يعرف بمجزرة الرفاق في 22 يوليو/ تموز 1979، مما أدى إلى فشل الوحدة بين حزب البعث السوري بقيادة حافظ الأسد وحزب البعث العراقي بقيادة أحمد حسن البكر.

  تفاصيل طويلة أصبح بعدها صدام حسين، رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، ورئيس مجلس الوزراء والأمين العام للقيادة القطرية لحزب البعث في العام 1979 خلال موجة من الاحتجاجات المعادية للنظام في العراق والتي كانت ذا صبغة دينية. حزب البعث، والذي كانت ذات طبيعة علمانية، قمعت الاحتجاجات بقسوة، وكان هناك تغيير آخر في السياسة العراقية الخارجية تجاه إيران.

  ما حدث أنه في وقت سابق من عام 1979 بدأ أحمد حسن البكر في إجراء معاهدات مع البعثيين في سوريا أيضًا تحت قيادة البعثيين من شأنها أن تؤدي إلى توحيد البلدين والحزبين (حزب البعث السوري) و(حزب البعث العراقي). على أن يصبح حافظ الأسد نائبًا لرئيس الاتحاد البعثي وهذا من شأنه أن يدفع صدام حسين إلى الغموض. ولقد تصرف صدام لتأمين قبضته على السلطة في الحزب الحاكم. واستقال أحمد حسن البكر في 16 تموز/ يوليو تحت التهديد بالقوة ونقل رسميًا الرئاسة ورئاسة المجلس وقيادة الحزب إلى “صدام حسين”. واعترض سكرتير مجلس قيادة الثورة محيي عبد الحسين على نقل السلطة.

  كان صدام قد عقد على عجل اجتماعًا لقادة حزب البعث في 22 تموز/ يوليو. خلال التجمع الذي أمر به بالفيديو، ادعى أنه كشف طابور خامس داخل حزب البعث العربي الإشتراكي. واعترف القيادي البعثي عبد الحسين الذي تم كسره بعد أيام من التعذيب الجسدي وتحت تهديد إعدام أسرته بأداء دور قيادي في مؤامرة مدعومة من حزب البعث السوري ضد صدام حسين وقدم أسماء 68 متهمًا مشتركًا في التآمر. تمت إزالتهم من الغرفة واحدًا تلو الآخر حيث تم استدعائهم واحتجازهم. بعد قراءة القائمة هنأ صدام أولئك الذين ما زالوا جالسين في الغرفة من أجل ولائهم في الماضي والمستقبل. تم بعد ذلك محاكمة الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم في الاجتماع وإدانتهم بالخيانة. حكم على 22 منهم بالإعدام. أعطي أولئك الذين يدخرون الأسلحة ويوجهون إلى تنفيذ رفاقهم.

  بحلول الأول من آب/ أغسطس أعدم مئات من أعضاء حزب البعث رفيعي المستوى. وزع في جميع أنحاء البلد شريط عن التجمع وحالات الإعدام. يقول كريستوفر هيتشنز أن هذا التطهير كان لحظة فاصلة أصبح فيها صدام سيدًا مطلقًا للعراق وهو ما يقابل ليلة السكاكين الطويلة في ألمانيا النازية أو قتل سيرغي كيروف في الاتحاد السوفيتي.

  لاحقًا كشف طاهر توفيق العاني، عضو القيادة القطرية لحزب البعث وعضو مجلس قيادة الثورة في العراق سابقًا، كشف الأجواء التي مهدت ورافقت لهذا الحدث المفصلي في حياة العراق. يقول إن ما بات يعرف بـ “مجزرة قاعة الخلد”، التي وقعت في تموز/ يوليو من عام 1979، كانت أكبر عملية قتل وإعدام لقيادات الحزب. وقد قيل الكثير عن مؤامرة حاكها عدد من أعضاء القيادة القطرية في العراق مع القيادة السورية للاستيلاء على السلطة في بغداد وإعلان الوحدة مع سوريا. ولكن ذلك لم يثبت سواء في حينه أو بعد ذلك؛ حتى لقد تولدت قناعة لدى أكثر الحزبيين بأن الموضوع مفبرك للتخلص من بعض البعثيين القياديين البارزين، ولإتاحة الفرصة للانفراد بالسلطة، وهذا ما تحقق لاحقًا.

  لقد كان معظم البعثيين يتطلعون إلى الوحدة مع سوريا باعتبارها تطبيقًا عمليًا لأهداف وشعارات الحزب، ولأنها تمحو الآثار السلبية لوحدة مصر وسوريا، نظرًا لأن البعث يقود القطرين الشقيقين. وقد يكون بعض الذين اتُهموا بالتآمر وأُعدموا قد تحدثوا في مجالسهم الخاصة عن حماسهم للوحدة، أو عدم ارتياحهم لاستقالة أحمد حسن البكر، التي أعلنها في السابع عشر من تموز/ يوليو من نفس العام. ولكن، لا شيء كان يشير إلى وجود مؤامرة كما أُعلن.

  نعم رافقت عمليات الاعتقال وتنفيذ أحكام الإعدام قساوة بالغة. فقد نفذها كوادر الحزب وأعضاء القيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة، والذين كانوا أعضاء في لجنة التحقيق والمحكمة. كما أشيع الكثير عن تعذيب بعض المعتقلين حتى الموت، إضافة إلى حشر اسم عبد الخالق السامرائي، أحد أبرز القيادات التاريخية البعثية في العراق، وإعدامه. هذا، على الرغم من أنه كان معتقلًا، ومحكومًا بالإعدام قبل عام 1979 بسبع سنوات مع منع المواجهة عنه حتى لعائلته باستثناء والديه كل ستة أشهر مرة واحدة بحضور أحد منتسبي الاستخبارات.

   البداية في شهر مايو/ أيار 1979، يقول توفيق العاني “استدعاني الرئيس البكر إلى مكتبه في القصر الجمهوري وأسرَّ إلي بنيته الاستقالة، “لأنه لم يعد يتحمل الوضع”! وقال إن “هذا الجدار أيضًا يضعف بمرور الزمن”، وأشار بيده إلى جدار مكتبه. فقلت له: “إنك أنت الذي جئت بالآخرين، وإن الآخرين لم يأتوا بك؛ وأنت كبير الجميع، ومن لا يقر بذلك فهو خاطئ وجاحد”. فقال لي: “أنت تقول هذا لأنك ابن أوادم”. وذهبت من فوري إلى دار عزة إبراهيم الدوري عند بوابة القصر الجمهوري، فوجدته يتناول الغداء، وكنت وقتها جائعًا فشاركته الطعام، وخاصة أنني قابلت البكر في نهاية الدوام الرسمي. وكان عزة أقرب البعثيين إلى، كما أنني أقربهم إليه. وأعلمته بنية البكر الاستقالة. فقال: سنعمل أنا وأنت وعدنان خير الله على ثنيه عن الاستقالة. وقال لي: اِعلم أن البكر يقول ذلك كلما غضب. لكنني قلت له إنك لا تتصور الحالة التي هو عليها؛ و”أعتقد أنه جاد تمامًا هذه المرة”.

  لقد كان واضحًا مذ أن بدأت خطوات الوحدة بين العراق وسوريا أن صدام لا يحبذها؛ في حين أن موقف البكر والأسد كان معاكسًا. فهما كانا متحمسين لها، وكان البكر مستعدًا للتنازل عن كل مواقعه لإقامة الوحدة. يقول العاني “في عام 1978 ترأست وفدًا حزبيًا شكلته القيادة (من كوادر الحزب المتقدمة وعضو القيادة القطرية حكمت العزاوي)، ومكث الوفد في سوريا مدة تزيد عن الشهر، واطَّلعنا على واقع التنظيم الحزبي والمهني في جميع المحافظات السورية. والتقينا حافظ الأسد، الذي كان واضح الحماس للوحدة. وفي ذلك اللقاء، تحدثت بحماس عن أهمية تحقيق الخطوات الوحدوية، وقلت: قبل أن ينجز العرب الوحدة عليهم ألا يحاولوا استرداد حق أو كرامة أو أرض سليبة، لأنهم سيفشلون حتمًا. فعلق الأسد قائلا: “يجب أن نسلمكم إياها أنتم الشباب”.

  ماحدث أنه في اجتماع مشترك للقيادتين القطرية والقومية، كانت المسألة المطروحة للمناقشة تتعلق بالوحدة بين العراق وسوريا؛ حيث قال البكر: “لا تحسبوا حسابي” كناية عن أنه لا يريد أيا من المنصبين: رئاسة دولة الوحدة أو الأمانة العامة للقيادة القومية للحزب الموحد. فقال صدام: أبو هيثم (الرئيس احمد حسن البكر) يريد أن يبيعنا إلى حافظ الأسد. فقال البكر: “أنا ما بعتكم ولن أبيعكم”. وعلى الرغم من أن المجتمعين استهجنوا كلام صدام، فإن أيا منهم لم يعلق عليه حتى ميشيل عفلق، الذي لم تتلاءم مواقفه في سنواته الأخيرة مع تاريخه العتيد بالتقشف والزهد والمبدئية. فقد باع نفسه للامتيازات، التي مُنحت له ولعائلته. حتى أنه تخلى عن حلمه بالوحدة التي كرس لها حياته. فتحول إلى مداح وشاعل بخور، وخضع لإملاءات الدولة التي حُسبت على حزب البعث ظلمًا وجورًا.

  في أوائل السبعينيات من القرن الماضي كانت العلاقة بين ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث، والذي كان يقيم في بيروت، والقادة في العراق يشوبها التوتر. وبعد وفاة جمال عبد الناصر، كتب ميشيل عفلق مقالًا بعنوان “الفراغ الكبير”، أشاد فيه بقيادة عبد الناصر، وساوى بين النظامين في العراق وسوريا، وانتقد مواقف وسياسة السلطة في القطرين وبالأخص في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ ما أغضب البكر وصدام والقيادة العراقية، وجعلهم يتهجمون عليه في اجتماعاتهم المغلقة. وفي عام 1975، كلف العاني برئاسة لجنة شكلتها القيادة القومية للإشراف على الانتخابات القطرية في لبنان؛ وكان الخلاف محتدمًا بين أعضاء القيادة السابقة بعد حجب مسؤولية قطر لبنان عن بشارة مرهج الفائز بالانتخابات (وزير داخلية لبنان بعد انفصاله عن الحزب)، ومعاقبه نائبه معن بشور بتخفيض مستواه الحزبي. وكان ميشيل عفلق يقف مع بشارة ومعن، اللذين استطاعا كسب الجهاز الحزبي وكانا الأنشط والأقوى على الساحة الحزبية.

  في الجانب الآخر، كان الدكتور عبد المجيد الرافعي ونقولا الفرزلي، الذي كان أمين سر قطر لبنان لفترة سابقة. وميشيل عفلق، كان غير راض وغاضبًا لتوقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، ورأى فيها تنازلًا عن نصف شط العرب، وسأل لِـمَ هذه الاتفاقية؟؟!! فرد العاني عليه “إن الرفيق صدام فور عودته من الجزائر، عقد اجتماعًا مشتركًا للقيادة القطرية ومجلس قيادة الثورة، وتحدث فيه صدام قائلًا: إنه ذهب إلى لقاء شاه إيران بتفويض من القيادة. وإنه إذا كانت إيران قد حصلت على خط التالوك في شط العرب، فإن العراق قد حصل على أراض حدودية واسعة ومهمة، وإن إيران ستتوقف عن إرسال السلاح إلى المتمردين الأكراد ودعمهم. وبذلك، ينتهي التمرد في الشمال الذي شكل نزيفًا لاقتصاد العراق. كما ستوقف إيران تدخلها في الشؤون الداخلية للعراق ودول الخليج العربي، وستعتمد سياسة حسن الجوار، وحل المشكلات كافة بالمفاوضات.

   لقد ذكر صدام أنه قال للشاه إن العراق لا يمكنه السكوت إذا ما حصلت مشكلة بين إيران ودول الخليج العربية، وأنه تحدث مع الشاه لكي تقبل إيران بالتحكيم بشأن الجزر العربية (طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى)، وأن الشاه لم يرفض ذلك. وأضاف صدام أن العراق بهذه الاتفاقية سيتفرغ للتنمية الاقتصادية وقضية فلسطين، وقال: “كلما توجهنا نحو فلسطين نظل نلتفت خلفنا صوب الحدود مع إيران”. وذكر أن العراق ضمَّن المعاهدة فقرةً مهمة جدًا تنص على أن اتفاقية الجزائر كل لا يتجزأ، وأن الإخلال بأي فقرة منها تجعل الاتفاقية برمتها لاغية. وقال: “عندما نجد أن الاتفاقية لا تحقق مصلحة العراق فسنلغيها”.

  قام صدام بزيارة إلى طهران على إن يقوم الشاه بعدها بزيارة إلى بغداد. وعند بحث ترتيبات زيارة الشاه، طلب الإيرانيون ألاَّ يكون الخميني في مدينة النجف عندما يزورها الشاه (الخميني كان لاجئا في العراق ويقيم في مدينة النجف منذ عام 1963)، فكان الرد عليهم أن الخميني ضيف على العراق ورجل دين كبير السن وتقاليدنا العربية لا تسمح بذلك. والمهم ترتيب الإجراءات الأمنية الصارمة، وهذه مسألة قادرون عليها بكل تأكيد. وعندما تأخرت الزيارة، قابل سفير العراق في طهران الشاه، وطلب تحديد موعد للزيارة، ففاجأه الشاه، قائلا: إن الوضع الداخلي في إيران سيئ جدًا، وهو يلتمس تأجيل الزيارة إلى وقت مناسب.

   يقول العاني في لقائي الثاني بميشيل عفلق، كان هادئًا وقال لي إن الدكتور عبد المجيد الرافعي ونقولا الفرزلي يترددان على بغداد لنقل صورة غير صحيحة عن الآخرين، فقلت له إن القيادة في العراق يكنون لكم الاحترام وخصوصًا البكر وصدام، لذلك فإنهما لن يستطيعا فعل أي شيء لتغيير القناعات، وإن البكر وصدام على قناعة تامة بأن الحزب سيكون في نهاية المطاف مع الطرف الذي يؤيده ميشيل عفلق، وذلك مترسخ منذ عام 1963، حين حاولت لجنة تنظيم القطر السيطرة على تنظيمات الحزب في العراق. لذلك أرى أن تذهب أنت أيضًا إلى بغداد لقطع الطريق على الرافعي والفرزلي، فقال سأفعل وأسافر إلى بغداد، لذلك قلت له لن أعود إلى بغداد إلا معك. غير أنه اعتذر بأنه ينتظر أن ينهي أولاده امتحاناتهم السنوية، وامتدحني قائلًا أنت رفيق أصيل وصادق ونقي. وفعلًا، جاء إلى بغداد عام 1975، وأعلن إسلامه، وكان يريد إشهار إسلامه، لكن البكر أخبرني بأنهم طلبوا منه تأجيل الإشهار بسبب ظروف لبنان والحرب الطائفية فيه؛ ما قد يولد انعكاسًا سلبيًا على موقف قواعد الحزب.

   في اجتماع القيادة القطرية الذي قدم فيه البكر استقالته، لم يعترض أحد على تنحي البكر غير توفيق العاني. إذ طلب من البكر بإلحاح العدول عنها وبقاءه قائدًا للمسيرة. وعندما رفض، يقول العاني قلت له: أتوسل إليك أن تبقى أبًا وخيمة للجميع.. شكرني، لكنه أصر على الاستقالة. وقال عدنان الحمداني في ذلك الاجتماع: أنتم عودتمونا (يقصد البكر وصدام) أن لا نعارض ما تتفقون عليه. كما أن محيي الشمري قال مرات عدة بصوت منخفض جدًا وكأنه يحدث نفسه: لا السيد الرئيس لا يستقيل. فغضب البكر، وقال له: هل أنت تتحدث بالنيابة عني؟ وعندما تحدثت مع عزة الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عن موقفي وحديثي في القيادة، اقترح علي أن أذهب إلى صدام وأتحدث معه بشأن الموضوع لأنه غضب لموقفي، فكان أن ذهبت إليه في مكتبه ببناية ندعوها بناية المجلس الوطني، لأنها بنيت لتكون مقرًا للبرلمان لكنها لم تستخدم لهذا الغرض، فوجدته يهم بالمغادرة وقد رد على تحيتي بتثاقل وبرود، ليقول لي إنك خرجت في كلامك أمس على إجماع القيادة، والمفروض أن لا تكون عضوًا في القيادة في المؤتمر المقبل. فرددت قائلًا: إذا شئتَ، فإنني أستقيل من الآن؛ وكان الحديث وهو في طريقة إلى الباب الخارجي للبناية، فغادر المكان وافترقنا. فعدت إلى عزت الدوري، وأخبرته بما جرى وأضفت أنني لن أحضر اجتماعات القيادة بعد الآن. بيد أنه لامني على ذلك، وعندما أجبته: ألم نتفق على أن نتصدى للاستقالة، قال بلهجته الشعبية المعروفة “ماتوا أهلك لقد تغيرت الأمور”، وكان قلقًا ويخشى علي من عاقبة موقفي هذا. لذلك طلب مني أن أحضر الاجتماعات، وأحاول إصلاح الأمور وعدم ذكر ما حصل لأحد وكأن شيئا لم يكن؛ مشددًا على ضرورة حضوري اجتماعات القيادة.

  يقول توفيق العاني لقد كتبت إلى صدام رسالة أوضحت فيها الأمور، وذكر لي عبد حميد سكرتير الرئيس صدام أن عضوين في القيادة حرضا صدام ضدي، وقالا له في لقاء مغلق إنني اعترضت على استقالة البكر، فرد عليهما قائلًا إن اعتراضه كان بحسن نية. وفي يوم 19 تموز/ يوليو 1979، قال محيي الشمري في اجتماع القيادة القطرية إنه قابل البكر، وهو لا يرغب بالاستقالة، وإن بإمكان القيادة التأكد من البكر نفسه، وكان يضحك مستهزئًا. فقال له صدام غاضبًا: “حتى هذا تستكثره على أبو هيثم والله لأطلع خيوطك أين ترتبط”، وطرده من الاجتماع إلى قاعة جانبية صغيرة؛ موجهًا كلامه إلى فرَّاشه الخاص كامل حنا لاعتقاله.

   بعد اعتقال محيي، توالت الاعتقالات. فاعتُقل أعضاء القيادة القطرية عدنان الحمداني وغانم عبد الجليل ومحمد عايش، ثم محمد محجوب (بعد عودته من خارج العراق، التقى عزت الدوري، الذي نقل إلى صدام أن محمد محجوب قد اعترف له بمشاركته في المؤامرة). كما اعتقُل العديد من كوادر الحزب المتقدمة العسكريون والمدنيون، منهم: مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي وشقيقه كردي وشكري صبري الحديثي وشقيقه محمد وبدن فاضل وخالد عبد عثمان الكبيسي وماجد السامرائي ووفيق السامرائي ومحمد مناف ووليد الأعظمي وإسماعيل النجار ومعز الخطيب وطالب صويلح (فلسطيني) وحسن محمود طه (فلسطيني) وخليل القصاب وعلي جعفر..

   أما العسكريون فقد اعتقل منهم سليم شاكر الإمام وحامد الدليمي ورياض قدو ومحمد عبد اللطيف ونافع الكبيسي ووليد سيرت وفارس حسين وصالح الساعدي وغيرهم. ومعظمهم إما أُعدم وإما دُبر موضوع وفاتهم في السجن، ولم ينج منهم إلا القليل. حتى أن صدام قال في اجتماع للقيادة القطرية، محاولًا تبرير هذا العدد الكبير من المعتقلين، إن المتآمرين يذكرون أسماء كثيرة وهو يخشى أنهم يريدون من ذلك توريط الآخرين معهم. وطلب من أعضاء القيادة كتابة تقارير يذكرون فيها العلاقات التي كانت تربطهم بالمتآمرين والأحاديث التي كانت تدور بينهم.

   يفسر البعض غرض صدام من ذلك، بأنه لم يكن الخشية التي تحدث عنها، بل تخويف الآخرين لكي يظن كل واحد من أعضاء القيادة أنه قد يُتهم ويُعدم، فكانت أيام وساعات رعب. حتى أن عبد الله فاضل بكى نفى علاقته بهم واستشهد بتوفيق العاني، بأن له رأيًا سلبيًا فيهم فأيد صحة أقواله (فقد سبق أن نصحه العاني بالابتعاد عن جلسات الشراب الليلية فانتقد تلك اللقاءات)، وكانت تلك إجابته على قول صدام “بس لا عبد الله متورط وياهم؟”. وقال طارق عزيز بصوت منخفض جدًا: والله ما ندري فقد كنا نجلس معهم ونتحدث ولا ندري ماذا قالوا عنا وماذا يخبئون. وكان قلقًا جدًا ومرتبكًا، فقد كان يحضر معهم أحيانًا جلسات الشراب وتربطه علاقة متينة بالقيادة السورية منذ أن كان لاجئًا في دمشق خلال الفترة (1963 -1967).

  ثم أحضر محمد محجوب وعدنان الحمداني وغانم عبد الجليل ومحيي الشمري إلى اجتماع القيادة القطرية في المجلس الوطني، وطلب منهم صدام أن يعترفوا وأن يبينوا الأسباب التي دعتهم إلى التآمر، قائلا: “إذا أقنعتمونا، نترك المسؤولية ونسلمها لكم ونحن ذاهبون إلى المؤتمر، فقال محمد محجوب مخاطبًا صدام: إنك تعلم أنني أكثر من يكره حافظ الأسد، وكانت تخنقه العبرات، فأجابه صدام هذا ما نقوله لرشيد محسن (مدير الأمن العام قبل 17 تموز/ يوليو 1968) وليس بيننا، أما عدنان الحمداني، فأقسم ألاَّ علاقة له ولا علم بأي مؤامرة، وأصروا على مواقفهم فأمر صدام فرَّاشه الخاص كامل حنا بإخراجهم من قاعة الاجتماع، قائلًا لعدنان الحمداني: أنت مدلل حتى في تآمرك “والله لأسوي روسكم طوس”، وهذا تعبير ريفي يعني: “لأجعلن رؤوسكم جماجم”.

 في فترة لاحقة تدهورت العلاقات مع إيران، وأدت في النهاية إلى الحرب العراقية الإيرانية، والتي بدأت عندما رد العراق على سلسلة الانتهاكات الحدودية الإيرانية المستمرة في 1980. بعد ثورة 1979، كان الاعتقاد السائد بأن إيران ضعيفة، وهدفًا سهلًا للجيش العراقي. تبين أن هذا الأمر غير صحيح، بحرب استمرت ثماني سنوات. تدهور الاقتصاد العراقي خلال تلك السنين، وأصبحت البلاد تعتمد على التبرعات الأجنبية لمواصلة جهود الحرب. مما أدى للتوصل إلى وقف إطلاق النار في عام 1988، في نظرية الحرب العادلة. عندما وضعت الحرب أوزارها، وجد العراق نفسه في خضم الكساد الاقتصادي، الملايين من الدولارات المستحقة لدول أجنبية، وكان غير قادر على سداد دائنيها. الكويت والتي زادت عن عمد انتاج النفط في أعقاب الحرب، قلل ذلك أسعار النفط الدولية، والذي أسهم لمزيد من الضعف في الاقتصاد العراقي. وردًا على هذا، هدد صدام حسين الكويت ما لم تخفض انتاجها من النفط، أو سيقوم باحتلالها. انهارت المفاوضات، وفي يوم 2 آب/ أغسطس 1990، بدأ العراق في غزو الكويت. قادت الانتقادات الدولية للعراق إلى بدء لحرب الخليج، التي خسرها العراق.

  بدأت الأمم المتحدة فرض عقوبات اقتصادية في أعقاب الحرب لاضعاف نظام صدام حسين. ساءت الأحوال الاقتصادية في البلاد في التسعينات، وبحلول نهايته، وبداية الالفية، بدأ الاقتصاد العراقي في النمو مرة أخرى لعدة أسباب منها تجاهل بعض الدول لعقوبات الامم المتحدة. في أعقاب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، شرعت الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش للحرب على الإرهاب، وصفت العراق بأنه جزء من محور ما يسمى بمحور الشر. غزت الولايات المتحدة وعدد آخر من الدول الحليفة، العراق في آزار/ مارس 2003، وأطاحت بنظام حزب البعث العراقي.

 

 

Print Friendly, PDF & Email