قضايا سياسية

انقلاب جعفر نميري في مايو 1969 حتى الرحيل في 1985

د.محمد عبدالرحمن عريف

انقلاب مايو 1969

 جاءت البداية مع صبيحة يوم 25 مايو/ أيار 1969، عندما بثت إذاعة أم درمان بيانًا للعقيد أركان حرب جعفر محمد نميري معلنًا استيلاء القوات المسلحة السودانية على السلطة في البلاد، وتم تكوين مجلسين هما (مجلس قيادة الثورة برئاسته الذي ترقى في اليوم ذاته إلى رتبة لواء (ثم لاحقًا إلى رتبة مشير) مجلس الوزراء تحت رئاسة بابكر عوض الله رئيس القضاء السابق الذي استقال من منصبه في عام 1964، احتجاجاً على قرار حلّ الحزب الشيوعي السوداني. ومثل المجلسان سويًا السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. شمل مجلس قيادة الثورة تسعة ضباط كلهم تقريبًا من رتبة رائد وضمت الحكومة الجديدة (21) وزيراً برئاسة جعفر نميري رئيس مجلس قيادة الثورة ووزير الدفاع.

  في شكلها العام كانت حكومة تكنوقراط فعلية يحمل أعضائها درجات علمية كبيرة ومؤهلات عليا من بينهم موريس سدرة أخصائي الطب الباطني الذي أوكلت إليه وزارة الصحة محمد عبد الله نور (عميد كلية الزراعة بجامعة الخرطوم آنذاك)، الذي أصبح وزيراً للزراعة والغابات الأستاذ محجوب عثمان (نائب رئيس تحرير جريدة الأيام حينذاك) وزيراً للإرشاد القومي، المحامي أمين الطاهر الشبلي وزيراً للعدل المحامي فاروق أبو عيسى (نقيب اتحاد المحامين العرب السابق) وزيراً لشئون الرئاسة وضمت فيما بعد الدكتور منصور خالد المفكر السياسي والأستاذ بجامعة كلورادو، وزيراً للشباب. كما ضمت الحكومة اثنين من المثقفين الجنوبيين هما الدكتور جوزيف قرنق، برلماني ورجل قانون، وعيّن وزيراً للتموين، والقاضي أبيل الير وأصبح وزيراً للإسكان.

  كانت الشهور التي سبقت انقلاب مايو 1969 مليئة بالمناورات والمكايدات السياسية المختلفة: تحركات من وراء الكواليس لفض تحالفات وبناء تحالفات جديدة من أجل الوصول للسلطة مع تجاهل لمشاكل البلاد. ولم يهتم السياسيون بمشاكل البلاد الاقتصادية وتنامي البطالة ونقص السلع الاستهلاكية والتمرد في جنوب البلاد. وجد مخططو الانقلاب أن محفزات الانقلاب السياسية والاجتماعية متوفرة، وأن الوقت ملائم لاستلام السلطة. ووضح بعد إعلان الحكومة أن توجه الإنقلابيين السياسي يساري، فالغالبية العظمى من الوزراء الاثنين والعشرين الذين أعلنت أسماؤهم في صبيحة يوم الإنقلاب إما شيوعيون أو رفقاؤهم، أو قوميون عرب، أو اشتراكيون.

   تأسست العلاقة بين نظام مايو والحزب الشيوعي السوداني، في بداية عهد مايو، على تأمين مصالح للطرفين. فمن جانب الحزب فإن برنامج مايو يمكن أن يحد من نفوذ الأحزاب الطائفية والدينية التي سعت من قبل لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. ومن جهة الضباط الأحرار، فقد كانوا في حاجة لتأييد الحزب الشيوعي لمجابهة القوى التقليدية المحافظة. وقد كان الحزب مفيدًا بما لديه من شبكة فعّالة وسط الطلاب والعمّال والمهنيين في توفير الدعم للانقلاب في أيامه الأولى.

  أما موقف الحزب فقد جاء في تقويم لإنقلاب 25 مايو 1969 في أول خطاب داخلي أصدره الحزب بعد الانقلاب، وورد فيه ما يلي: ما جري صباح هذا اليوم انقلاب عسكري وليس عملًا شعبيًا مسلحًا قامت به قوى الجبهة الوطنية عن طريق قسمها المسلح. وأصبحت السلطة تتشكل من فئة البورجوازية الصغيرة. ويضيف: إذا استطاعت الطبقة الجديدة أن تقبض على زمام الأمور في القوات المسلحة وتبقي السلطة بين يديها، فإن ظروفًا جديدة تتهيأ بالنسبة لتطور الثورة الديمقراطية في إنجاز مهام التطور الوطني الديمقراطي وفتح أفاق الاشتراكية، ذلك التطور لن يتم إلا بمبادرة الجماهير وقيادة الجماهير العاملة. ولكي ترتبط السلطة ارتباطًا عميقًا في الأهداف وفي النهج بالقوي الديمقراطية، لابد للحزب الشيوعي أن يلعب دورًا بارزًا في دعم وحماية هذه السلطة أمام خطر الثورة المضادة. وأن يحتفظ بقدراته الإيجابية في نقد وكشف مناهج البورجوازية الصغيرة وتطلعاتها غير المؤسسة لنقل القيادة من يد الطبقة العاملة إلى يدها – فالبرجوازية الصغيرة ليس في استطاعتها السير بحركة الثورة الديمقراطية بطريقة متصلة.

   وجد النظام الجديد دعمًا من قوى اليسار حيث خرجت مظاهرة تأييد للإنقلاب في 2 حزيران/ يونيو في ميدان عبدالمنعم ضمت قوى سياسية واتحادات ونقابات يسارية. باشر النظام مهامه بالسعي لإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية رئيسة، فأعلن تأميم عدد من المصارف والمؤسسات الخاصة، واعترف بألمانيا الشرقية، وأصدر بيانًا حول مشكلة الجنوب في 6 حزيران/ يونيو مؤيدًا حق الجنوبيين في الحكم الذاتي. وعيّن جوزيف قرنق وزيرًا لشئون الجنوب. كما صدر قانون الأراضي غير المسجلة الذي جعل كل الأراضي غير المسجلة ملكًا لحكومة السودان.

الرئاسة والدستور والبرلمان   

   في سعيه لحل مشكلة نظام الحكم قام جعفر نميري بحل مجلس قيادة الثورة وأجري استفتاء عام على رئاسة الجمهورية ليصبح النميري أول من حاز على لقب رئيس الجمهورية في السودان. وتم تشكيل لجنة حكومية لدراسة الهيكل الدستوري وكلف الدكتور جعفر محمد علي بخيت بوضع المسودة، على أن يساعده كل من منصور خالد وبدر الدين سليمان. بينما حل الاتحاد الاشتراكي السوداني محل الأحزاب إلى جانب المنظمات والإتحادات الجماهيرية التابعة له، في إطار ما عرف آنذاك بتحالف قوى الشعب العاملة (المقتبسة من نظام الرئيس جمال عبدالناصر في مصر).

  أجريت انتخابات لبرلمان أطلق عليه اسم مجلس الشعب، فاز فيها كثير من أعضاء البرلمانات السابقة. وكان من الطبيعي أن تصطدم وجهة نظر واضعي مسودة الدستور بأعضاء المجلس، خاصة فيما يتعلق بعلمانية النظام أو إسلاميته لأن مسألة شكل النظام الجمهوري قد تم حسمها بتنصيب جعفر نميري رئيساً للجمهورية. واحتدم الجدل من جديد بين الفريقين العلماني والديني وكانت أول نقطة اثارها هذا الأخير هو خلو مسودة جعفر محمد بخيت من النص على دين الدولة الرسمي. وقال أحد النواب “إن الدستور قد نص على اللغة والعلم والأوسمة، فكيف يعقل أن يهمل الدين”.

صراع نميري مع الإسلاميين والعلمانيين ورجال القضاء

   بدأ الصراع مع الفريق العلماني وعلى رأسه جعفر محمد بخيت، “صاحب المسودة”، وصف مسألة النص على الدين بأنها “مسألة مظهرية وليست جوهرية ولا دلالة علمية لها، لأن الدولة كائن معنوي لا دين لها، وهي لا تمارس العبادة التي يمارسها الفرد والدولة هي أساس المواطنة لا الدين”. وذهب الجنوبيون هذا المذهب ذاته عندما أكدوا على أن السودان دولة علمانية وليست دينية.

  لقد أكسبت المشاكل السياسية التي حلت بحكومة جعفر نميري والمحاولات الانقلابية المتعددة النميري خبرة في التعامل مع المشاكل السياسة التي واجهت حكومته. فأتقن ضرب الحركات والأحزاب السياسية ببعضها وتغيير تحالفاته. فبعد أن كان النظام يعتبر في بداياته صنيعة لليسار، تحرر من قبضة اليساريين ليضم إلى معسكره قيادات حزبية تقليدية بارزة، ثم اتجه نحو الإسلاميين الذين منحهم السانحة لتصفية حساباتهم مع اليسار. وفي غضون ذلك ازدهرت الحركة الفكرية الإسلامية في السودان واكتظت الساحة السياسية بالأفكار والأنشطة والجماعات الإسلامية، كل يبشر بأفكاره بدءًا بالإخوان المسلمين وجماعة انصار السنة، مرورًا بالطرق الصوفية المختلفة وانتهاء بالأحزاب التي دخلت الحلبة عن طريق طوائفها الدينية كالختمية والأنصار. وكانت هذه القوى كلها تدعو إلى تطبيق مبادئ إسلامية عامة.

  لقد قابل ذلك من الناحية الاقتصادية تدهور خطير في الإنتاج الزراعي والصناعي وتدني في عائدات الصادرات وعجز كبير في ميزان المدفوعات جعل البلاد تعيش في حالة أزمة اقتصادية حقيقية، أدت إلى موجة من الأضرابات العامة هددت بانهيار حكومة نميري.

  تبع ذلك أن استقال عدد من القضاة احتجاجاً على تدخل الحكومة في شئون القضاء. وفي يونيو/ حزيران 1983، هاجم نميري القضاة ووصفهم “بالتسيب” و”انعدام الأخلاق” وقام بطرد عدد منهم من الخدمة ورد القضاة بتوقف جماعي عن العمل. وباءت محاولات الحكومة لسد الفراغ وملء الوظائف التي أُخليت بالفشل، بما في ذلك محاولة الاستعاضة عنهم بقضاة متقاعدين أو قضاة مصريين، فأعلن نميري ما أسماه “بالثورة القضائية” و”العدالة الناجزة” وتمثل ذلك في اصدار عدد من القوانين الجديدة تم نشر نصوصها للعامة بالصحف المحلية ووصل عددها إلى 13 قانون أبرزها قانون العقوبات الذي اشتمل على العقوبات الحدية، وهكذا ولدت التشريعات الإسلامية التي عرفت بقوانين الشريعة الإسلامية عند مؤيديها، أو بقوانين سبتمبر/ أيلول عند معارضيها.

محاولة اقحام الدين في المشاكل السياسيه ومشكلة الجنوب

   كان نيميري يحاول التلاعب بعقول المواطنين والتنظيمات السياسيه وحاول اقحام الدين في مشاكله السياسيه مشكلة الجنوب تمثلت أولى خطوات حكومة النميري لتسوية مشكلة جنوب السودان في إعلان التاسع من يونيو/ حزيران 1969، الذي انطلق من الاعتراف بالتباين والفوارق بين شمال السودان وجنوبه، وحق الجنوبيين في أن يطوروا ثقافتهم وتقاليدهم في نطاق سودان “اشتراكي” موحد مما يشكل نقطة تحول كبرى في سياسات الشمال تجاه جنوب السودان حيث أن ذلك يعني التخلي عن أهم توجه الأحزاب الشمالية في تسوية إشكالية الجنوب عن طريق نشر الثقافة العربية والدين الإسلامي في الأقاليم الجنوبية، لكن ذلك لم يشفع للنظام انتمائه الواضح لليسار في نظر المتمردين الجنوبيين الذين استغلوا هذا التوجه السياسي الجديد للشمال، فأعلنوا انهم يحاربون الشيوعية والتدخل السوفيتي في الجنوب.

  بدأت حكومة نميري أولًا بالاهتمام بالمسيحية، وجعلت العطلة الأسبوعية في الجنوب يوم الأحد بدلاً عن يوم الجمعة، وسعت إلى تحسين علاقتها مع الكنيسة وبالتالي تحسين علاقات السودان بالغرب ومع البلدان الأفريقية المجاورة وفي مقدمتها إثيوبيا التي كانت تحتضن قادة التمرد الجنوبيين. وفي ظل هذه التحولات السياسية تم التوقيع على إتفاقية أديس أبابا في 3 آزار/ مارس 1972، بين حكومة السودان والمتمردين الجنوبيين تحت وساطة إثيوبية ومجلس الكنائس العالمي ومجلس عموم أفريقيا الكنسي، وتمخضت الاتفاقية عن وقف لإطلاق النار واقرار لحكم ذاتي إقليمي تضمن إنشاء جمعية تشريعية ومجلس تنفيذي عال، ومؤسسات حكم إقليمي في جنوب السودان واستيعاب ستة آلاف فرد من قوات حركة الأنيانيا في القوات المسلحة السودانية. والبقية في مؤسسات الدولة المختلفة. كمااعترفت الاتفاقية باللغة العربية كلغة رسمية للبلاد واللغة الإنجليزية كلغة عمل رئيسية في جنوب السودان وكفلت حرية العقيدة وحرية إقامة المؤسسات الدينية في حدود المصلحة المشتركة وفي إطار القوانين المحلية. وجدت الاتفاقية معارضة من قبل بعض القوى السياسية أبرزها الاتحاد العام لجبال النوبة الذي وصفها وعلى لسان زعيمه الأب فيليب عباس غبوش بأنها تمثل خيانة لقضية السودانيين الأفارقة. كما انتقدها دعاة الانفصال من الجنوبيين لأنها لا تلبي مطامحهم وانتقدها أيضًا القوميون العرب من السودانيين. وأشار نقادها إلى وجود ثغرات بها مثل حق الفيتو الذي يتمتع به رئيس الجمهورية ضد أي مشروع قرار صادر عن حكومة جنوب السودان يرى بأنه يتعارض مع نصوص الدستور الوطني.

   واقع الحال أن الغرض من وضع هذا النص هو لكي يكون صمام أمان لوحدة البلاد. ما أن تم وضع الاتفاقية موضع التنفيذ حتى دب الخلاف والصراع في جنوب السودان وأخذت الجمعية التشريعية الإقليمية صورة البرلمان الوطني نفسها من مشاهد لمنافسات حادة ذات ابعاد شخصية وخلافات عميقة ذات نعرة قبلية إلى جانب العجز في الكوادر الإدارية والنقص في الموارد البشرية والمادية وسوء الإدارة وانعدام الرقابة مما أدى إلى فشل كافة المشاريع التنموية في جنوب السودان وبحلول السبعينيات في القرن الماضي ساءت العلاقة بين أبيل الير رئيس المجلس التنفيذي الذي عينه الرئيس نميري دون توصية من المجلس التشريعي الإقليمي وزعيم المتمردين السابق جوزيف لاقو.

  الحقيقة أن اتفاقية أديس أبابا أدت إلى فتح الباب على مصراعيه أمام البعثات التبشيرية المسيحية الغربية ومنظمات الدعوة الإسلامية من الدول العربية والإسلامية في تنافس حاد إلى جانب تفشي الانقسامات القبلية بين السياسيين الجنوبيين وبإعلان تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية ازداد التذمر وسط الجنوبيين بما في ذلك الكنيسة التي جاهرت بمعارضتها، ولم تفلح محاولات الحكومة لتهدئتهم من خلال تنظيم جولات للحوار معهم سعياً إلى إقناعهم بأن الشريعة الإسلامية لا تمس حقوقهم.

  بحلول عام 1983، بلغ الاحتقان ذروته وتفجر الوضع في الجنوب عندما رفضت فرقة عسكرية في مدينة أكوبو بشرق أعالي النيل بالجنوب الأوامر الصادرة إليها بالانتقال إلى الشمال واغتالت الضباط الشماليين وفرت بعتادها إلى الغابة مطلقة على نفسها اسم حركة “انيانيا -2-“، وهكذا بدأ التمرد الثاني. وأرسلت الحكومة ضابطًا جنوبيًا برتية عقيد هو جون قرنق دي مابيور لتثنية الفرقة المتمردة عن تمردها وحثّها على إلقاء السلاح، إلا أن العقيد جون قرنق انضم إلى المتمردين في الغابة بدلاً عن تهدئتهم واقناعهم بالعدول عن التمرد، منشئًا الجيش الشعبي لتحرير السودان وجناحها المدني الحركة الشعبية لتحرير السودان.

بداية المحاولات الانقلابية على انقلاب نيميري 

   بدأ العد التنازلي لحكم جعفر نميري، والسودان بدون دستور دائم أو نظام للحكم متفق عليه مع حرب مستعرة في جنوبه وحالة من الارتباك السياسي والضبابية لم يعهدها من قبل. وشهدت الفترة العديد من الانقلابات عليه، فوقع أول انقلاب ضد نميري في حوالي الثالثة بعد ظهر يوم الاثنين 19 تموز/ يوليو 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ«انقلاب هاشم العطا»، ولكن نميري وأعوانه احبطوا الانقلاب بعد اربعة ايام، «بسبب الخلافات التي سادت اضابير الحزب الشيوعي», وحاكم الانقلابيين عسكريًا في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، طالت بالإعدام كلا من سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، وهاشم العطا، وفاروق حمد الله والشفيع أحمد الشيخ، وقائمة من المدنيين والعسكريين، وزُجَّ بالباقي في السجون، لتبدأ مرحلة العداء الممتد بين الشيوعيين ونظام نميري.

   ثم دخل نميري أيضاً في مواجهة مع زعيم الأنصار في ذلك الوقت الامام الهادي من معقله في الجزيرة أبا جنوب الخرطوم، وانتهت هي الأخرى بمجزرة ضد الأنصار، طالت المئات بمن فيهم الامام الهادي الذي لاحقه جنود نميري وقتلوه على الحدود مع إثيوبيا شرقاً. وبذلك وضعت احداث الجزيرة حجر أساس متينًا لخصومة طويلة بين الأنصار ونميري.

  نعم قضى نميري بسهولة على الانقلاب الثاني بقيادة الضابط حسن حسين في أيلول/ سبتمبر عام 1975، ويقول حوله «انها محاولة محدودة ومعزولة والدليل على ذلك أن الذين اشتركوا فيها كانوا عبارة عن اعداد قليلة من الجنود وصغار الجنود يجمعهم انتماؤهم العنصري إلى منطقة واحدة».

   في عام 1976 خططت المعارضة السودانية من الخارج وضمت الحزب الشيوعي وحزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والاخوان المسلمين بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد نميري عن طريق غزو الخرطوم بقوات سودانية تدربت في ليبيا بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه احبط، وقتل نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده، وأطلق على المحاولة (هجوم المرتزقة) في أدب النظام، و(غزوة يوليو المباركة) في أدب الانقلابيين.

   ساهم جعفر النميري في إتمام أول عملية تهجير للآلاف من الفلاشا أطلق عليها اسم “عملية موسى” وذلك في العام 1984. وتواصلت فيما بعد عمليات تهجير الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل حيث هاجر أكثر من 20 ألفًا من الفلاشا في العام 1985 في عملية أطلق عليها اسم ”عملية سبأ” وذلك بفضل جورج بوش الأب نائب الرئيس الأمريكي وقتئذ، والذي زار الخرطوم من أجل طمأنة النميري وتأكيد الضمان الأمريكي لنجاح العملية ووافق النميري بشرط عدم توجه الطائرات الأمريكية التي ستنقل المهاجرين إلى تل أبيب مباشرة بل عبر مدينة أخرى. وعبر مطار مهجور”العزازا” بشرق السودان بالقرب من مراكز تجمع الفلاشا، تمكنت المخابرات الأمريكية وعملاؤها من تنفيذ العملية، ونقلتهم الطائرات العسكرية الأمريكية مباشرة إلى مطار عسكري إسرائيلي في منطقة النقب.

  ما لبث أن أصدر الجمهوريون سنة 1983 كتابًا عن الهوس الدينى على أثره أعتقل محمود محمد طه ومعه ما يقرب الخمسين من الجمهوريين لمدة ثمانية عشر شهرًا. في نفس هذا العام صدرت قوانين الشريعة الإسلامية والمسماة “بقوانين سبتمبر 1983” فعارضها محمود محمد طه والجمهوريون وفي 25 كانون الأول/ ديسمبر 1984 أصدر الجمهوريون منشورهم الشهير “هذا أو الطوفان” في مقاومة قوانين سبتمبر. أعتقل الجمهوريون وهم يوزعون المنشور واعتقل محمود محمد طه ومعه أربعة من تلاميذه وقدموا للمحاكمة يوم 7 كانون الثاني/ يناير 1985 وكان محمود محمد طه قد أعلن عدم تعاونه مع تلك المحكمة الصورية في كلمة مشهورة فصدر الحكم بالأعدام ضده وضد الجمهوريين الأربعة بتهمة أثارة الكراهية ضد الدولة.. حولت محكمة أخرى التهمة إلى تهمة ردة.. وأيد الرئيس جعفر نميرى الحكم ونفذ في صباح الجمعة 18 كانون الثاني/ يناير 1985.

    سافر نميري في رحلة علاج إلى واشنطن في الاسبوع الأخير من آزار/ مارس 1985، فبلغت مسببات الغضب على نظامه درجاتها العليا. وخرج الناس إلى الشارع تقودهم النقابات والاتحادات والأحزاب بصورة أعيت حيل أعتى نظام أمني بناه نميري في سنوات حكمه، فأعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، انحياز القوات المسلحة للشعب، حين كان نميري في الجو عائداً إلى الخرطوم ليحبط الانتفاضة الشعبية، ولكن معاونيه نصحوه بتغيير وجهته إلى القاهرة. ولجأ سياسياً إلى مصر بين (1985-2000)، حيث عاد إلى السودان وأعلن عن تشكيل حزب سياسي جديد يحمل اسم تحالف قوى الشعب العاملة.

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock