محمد عبدالرحمن عريف

  هي الأقليات المسلمة في أنحاء العالم، ذلك إحساسًا بوجوب معرفة أحوال المسلمين المهجرين والمغرَّبين عن أوطانهم، وأصحاب الأرض التي كانوا فيها سادة ينشرون ظلالهم على رعاياهم، فإذا بهم يفقدون سيادتهم ويُغلبون على أمرهم… ويصبحون في حكم الأقلية، وقد يبلغ تعدادهم الملايين، بل ربما عشرات الملايين، تفرقوا تحت كل نجم بين الدول التي اقتسمت ممالكهم، وهم في بعض الدول بين قتيل وسجين وشريد تحت حكم جائر. هم في بعض أقطارهم لا يملكون من الأمر شيئاً، فما أكثر المغروسين في صفوف المسلمين من أعداء الإسلام، ممن تسلموا الصولجان!. واحترمت بعض الدول حقوق الأقليات المسلمة ووصل المسلمون فيها لأعلى المناصب .

  هنا ولعلم السياسيين بعظمة مبادئ الدين الإسلامي وسرعة انتشاره بدأت موجه من تشويه الإسلام ونعت أهله بالإرهاب مما يزرع بذور الكراهية ضد الأقليات المسلمة ويعرضها للظلم والإضطهاد. حيث إن الاختلاف بين الناس في الشكل واللون والفوارق والأجناس والأعراق واللغات بل وفي المفاهيم والتصورات هي حقيقة لا يمكن القفز فوقها، ولكن استخدام هذا الاختلاف في تأسيس مفاهيم الصراع والتطاحن هو المشكلة، فالإسلام يدعوا إلى التعارف “{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: الآية 13]، وكان هذا التنوع مصدر ثراء في المجتمعات التي تقوم على العدل، وفي المجتمع الإسلامي ذاته كانت مصدر ثراء كبير طالما كان هناك التزاماً بالشريعة الإسلامية الغراء التي تحقق الأنصاف، وإذا حدث انحراف عن الشريعة الإسلامية، وكان هناك نوع من الظلم والتهميش، فإن ذلك يقع على المجتمع كله وليس على الأقليات فقط.

  الواقع أنه مع سقوط الخلافة الإسلامية وتشتيت أفكار النخبة، فإن مشكلة الأقليات برزت إلى السطح، ليس كحقيقة موضوعية موجودة في المجتمع، ولكن كطريقة لتحقيق طموحات سياسية، أو استخدام خارجي، أو غيره من الأسباب، بل نكاد نقول أن المجتمع الإسلامي هو الذي صك في تجربته التاريخية والحضارية أفضل نوع من التعاون والثراء عن طريق التنوع، فالأسود والأبيض والأحمر، العربي والتركي والإفريقي، بل وغير المسلمين أيضاً ساهموا وسمح لهم أن يساهموا في البناء الحضاري الإسلامي وكانوا جزء من الثقافة والحضارة الإسلامية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ويمكننا أن ننظر بتأمل إلى وجود أقليات غير مسلمة في المجتمع الإسلامي، أقليات نصرانية ويهودية وغيرهما وبكثافة لا بأس بها، في وقت كانت الدول والإمبراطوريات تجبر رعاياها على اعتناق الدين والمذهب الرسمي للدولة، بل كان جزءاً من الواجب الشرعي للأمة الإسلامية هو حماية حقوق الاختيار ومنع الإكراه على الدين في أي مكان في العالم، وهذه إحدى أسباب ومسوغات الجهاد في سبيل الله.

  لقد اشتق لفظ أقلية من مادة “قلل” وهى في لسان العرب القلة ضد الكثرة، وفي الزمخشري القلة والقل كالذل والذلة، وإذا أخذنا تعريف اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فإن تعريف الأقلية هو “جماعات متوطنة في مجتمع تتجمع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما، وترغب في دوام المحافظة عليها”.

  هنا وجب بذل قصارى الجهد في جمع كثير من المصادر مما يكون مكتبة خاصة بهذه الموسوعة، من أحدث المصادر حتى يصل الجميع كثير من أخبار هذه الأقليات. خاصة مع حالة الضعف الذي يعيشه العالم الإسلامي وغياب  قوة إسلامية تدافع عن حقوق الأقليات الذي بدى للعيان اضطهاد بعضها مثل الإيغور في الصين والروهينجا في ميانمار. مما أوجب تشكيل فريق بحثي اكاديمي من  خيرة باحثي عالم العربي والإسلامي للوقوف على الأوضاع الحقيقية للأقليات المسلمة في العالم.

  يحاول هنا الفريق البحثي رصد أحوال المسلمين المهجرين والجاليات والأقليات المسلمة في قارات العالم( آسيا، بعدها أفريقيا، فأوربا، ثم الأمريكيتين، فأستراليا). وهؤلاء يشكلون ثلث المسلمين في العالم حيث بلغ عددهم حسب أحدث الإحصائيات (500) مليون مسلم. هنا وجب الاهتمام بموضوع الأقليات المسلمة أينما كانوا، على اختلاف أوطانهم ولغاتهم وألوانهم وتنائي ديارهم، فبعض هذه الأقليات مهددة في مصيرها، لأنها تنتمي إلى أمة مسلمة، ذات خصائص مميزة في عقيدتها وفكرها وسلوكها ونظرتها إلى الحياة. وهذه الخصائص، تتهددها أخطار شتى، وضغوط رهيبة، مخطط لها بدهاء،ممتزج بأحقاد وضغائن وكراهية عمياء، مسلح بالحديد والنار، وأساليب البطش والإرهاب وأساليب الفناء.

  يهدف الفريق كتابة أول موسوعة علمية تتناول أوضاع الأقليات المسلمة ويتم ترجمتها لجميع اللغات الأجنبية لتعريف العالم بهم لتكون مرجع علمي للدارسين وللسياسيين والحقوقيين المهتمين بالأقليات المسلمة. وتساهم الموسوعة في تحقيق قدر من التعاون بين المسلمين في المجالات المختلفة العلمية والاقتصادية والاجتماعية من منطلق الآية القرآنية [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (سورة الحجرات الآية: 10).

  سيتم تسليط الضوء على الأقليات المسلمة التى تتعرض للظلم وعدم استطاعتها ممارسة شعائرها الدينية وتعرضها للقتل والتهميش بسبب الدين, مما يساعد على إيجاد تضامن مع قضيتهم لرفع الظلم عنهم. وتهدف الموسوعة إلى إيجاد تعايش سلمي للأقليات المسلمة في العالم مما يساعد على إسهامهم في الحضارة الإنسانية. كذلك يهدف المشروع لتجميع فريق بحثي من الأكاديميين لدراسة القضايا التى تهم الأمة الإسلامية خاصة بعد تراجع حكومات كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة عن الاهتمام بها.