السجن 30 عاما لكل من يعبث بلقمة عيش المواطن والسحب النهائي للسجلات التجارية للتجار المتورطين في الغش والطمع، بهذه الخطوات الصارمة قررت الدولة محاربة ظاهرة المضاربة التي تشهد استفحالا كبيرا في الأسواق الجزائرية، حتى أنها خلفت آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني، خاصة على جيب المواطن البسيط الذي دخل في دوامة يومية مع ندرة أسعار المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أسعارها.

تحاول “الخبر” تناول ظاهرة المضاربة من عدة زوايا قانونية واقتصادية واجتماعية، وذلك بطرحها على طاولة نقاش الخبراء والمتخصصين، مع تسليط الضوء على القرارات الأخيرة التي اتخذتها الدولة في هذا الاتجاه.

عاد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للتشديد على ضرورة ممارسة الرقابة على المحلات التجارية لمنع زيادة الأسعار، مشيرا خلال ترأسه لمجلس الوزراء، الأحد الماضي، إلى ضرورة السحب النهائي للسجلات التجارية للتجار المتورطين في اللعب بلقمة عيش المواطن. وقد أمر الرئيس وزارتي التجارة والفلاحة بالتنسيق معا بهدف الرقابة القصوى على المواد الفلاحية والبقوليات والعجائن، التي زادت أسعارها بشكل قياسي.

وكلف في المقابل وزير العدل بإعداد مشروع قانون لمكافحة المضاربة، وهو المشروع الذي من المفروض أن يتم مناقشته بشكل مفصل خلال جلسة مجلس الوزراء القادمة، وسيشمل القانون فرض عقوبات صارمة على المضاربين قد تصل إلى 30 سنة سجنا، ضد كل من يثبت تورطه في التلاعب بقوت الجزائريين.

ويقسم الخبراء إستراتيجية الدولة في هذا الاتجاه، إلى نوعين: بين الردع القانوني والتوعية من أجل إعادة تنظيم الأسواق ومحاربة ظاهرة المضاربة.

من جهته، قال وزير التجارة وترقية الصادرات، كمال رزيڤ، إن مصالحه الوزارية بصدد مراجعة بعض النصوص القانونية بالتنسيق مع القطاعات الوزارية المعنية لـ “تجريم” ظاهرة المضاربة.

وأمام الارتفاع الرهيب للأسعار في المواد الغذائية، أصدرت وزارة التجارة قرارا يقضى بالسماح للفلاحين بالبيع المباشر لسلعهم، هذه الخطوة التي جاءت للحد من ظاهرة المضاربة، يبدو أنها خلقت مزيدا من الفوضى وفتحت الطريق أمام شاحنات الباعة المتنقلين للسيطرة على مساحات كبيرة من تجارة المواد الأساسية.

ورغم ذلك، لا تزال الأسواق الجزائرية تشهد، هذه الأيام، حالة من الفوضى العامة، التي خلقت ارتفاعا جنونيا للأسعار، خاصة في المواد الأساسية. وفي مقابل ذلك، انتشار رهيب لشاحنات النقل الصغيرة التي يطلق عليها اللقب “الهربيل”، التي ينظر إليها الخبراء على أنها أداة في يد المضاربين لضرب الاقتصاد الوطني، رغم ما لها من ميزة في ضمان التمويل المستقر للمواد الغذائية باعتبارها جزءا من الخدمة الجوارية.

“المضاربة جريمة عقوبتها السجن”

يؤكد خبراء القانون على أن المشرع الجزائري تعامل مع ظاهرة المضاربة بكثير من الحزم، كما أكد المحامي عمر فاروق سليماني أن العقوبات المنصوص عليها تندرج ضمن أمن الأسعار في ظل اقتصاد الأسواق لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

وبينما تتجه وزارة العدل نحو سن قانون جديد لمحاربة الظاهرة، مع إمكانية تسليط عقوبة تصل إلى 30 سنة على كل من يثبت تورطه في قضايا ذات علاقة مباشرة بلقمة عيش المواطن، أكد المحامي سليماني لـ”الخبر” على أن العقوبات التي يسعى المشرع لفرضها لا تتعارض مع مبدأ حرية التجارة والاستثمار، وقال سليماني : “الحق في ممارسة الأنشطة التجارية يجب أن يكون في ظل القانون”.

وحسب القانون الحالي، فإن العقوبات المفروضة على المضاربين تتراوح ما بين 6 أشهر إلى 5 سنوات سجنا، وتسعى الدولة لرفع العقوبة كإجراء ردعي، يضاف إلى الغرامات المالية المفروضة وحجز السلع.

وقد شهدت المحاكم العديد من القضايا رفعتها مديرية التجارة التي تقوم، بالإضافة إلى العقوبات التكميلية، كما قال المحامي فاروق: إن المشرع تعامل بشكل صارم مع ظاهرة المضاربة، فبالإضافة إلى عقوبة السجن، فيمكن للقاضي إصدار أمر بشطب السجل التجاري بسعي من النيابة العامة

“الأسواق الجزائرية مجنونة وكل المؤشرات حمراء”

“إنه سوق مجنون”، هكذا يصف رئيس الفيدرالية الجزائرية للمستهلك، زكي حاريز، واقع التجارة في الجزائر، خاصة هذه الأيام وهي تشهد فوضى مختلفة الأشكال، سواء في الأسعار وهامش الربح أو حتى طرق البيع مع انتشار غير معقول للتجار المتنقلين.

هذا السوق المجنون أثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطن الجزائري، الذي يجد نفسه منذ تطبيق قانون المالية لعام 2016 في دوامة من المخاطر التي تضرب جيبه كل يوم، كما قال حاريز لـ”الخبر”: “المواطن أصبح عاجزا عن اقتناء المواد الغذائية الأساسية، ففوضى السوق جعلت كل المؤشرات الاقتصادية في الخانة الحمراء”.

وحسب المتابعين للملف المالي بشقيه، سواء الخاص بالقدرة الشرائية للمواطن والتجارة، فالجميع يؤكد على أن مخطط الحكومة الذي عرض مؤخرا على البرلمان لم يقدم الحلول الكافية لهذه الأزمة التي يدفع ثمنها المواطن البسيط.

وقال حاريز: “الأمور معقدة جدا، بداية من قيمة الدينار المنخفضة، وصولا إلى رسم القيمة المضافة على السلع الذي يصل إلى 19 بالمائة، وهي قيمة يدفعها المستهلك”.

وحسب آخر مؤشرات صندوق النقد العربي، فإن الاقتصاد الجزائري يعتمد بنسبة 37.4 على الضريبة على القيمة المضافة، حيث تشكل تلك القيمة جزءا هاما من ميزانية الدولة، وهذه المؤشرات خلقت مناخا غير صحي للتجارة وفتحت الأبواب أمام المضاربين للسيطرة واحتكار الأسواق في مختلف المجالات، خاصة المواد الغذائية الأساسية.

ويؤكد رئيس الفيدرالية على ضرورة إعادة تنظيم الأسواق ومحاربة التجارة الموازية التي تطغى اليوم على المعاملات التجارية، كما انتقد حاريز قرار وزارة التجارة الأخير الذي تحدث عن السماح للفلاحين بالبيع المباشر للسلع، وقال: “مثل هذه القرارات تكرس مزيدا من الفوضى، ومشكلة الأسواق الأساسية هي انتشار الفوضى التي خلقت الوساطة ولا يمكن بأي حال من الأحوال القضاء على المضاربة بمثل تلك القرارات العشوائية”.

“الاقتصاد الجزائري يعيش اليوم تحت رحمة المضاربين”

مع التفشي الرهيب للتجارة الموازية والنشاطات غير الشرعية، تقوم الدولة بمتابعة ذلك عن طريق الردع والإدماج، حيث تم دمج 31 ألف ناشط في النشاط الرسمي، وذلك من خلال استحداث رموز جديدة بالنسبة للتجارة المتنقلة، لضمان تمويل مستقر للسوق. وتم استحداث 40 رمزا في السجل التجاري، حيث يحصل كل تاجر على بطاقة تاجر متنقل، وذلك مقابل 1000 دج كمبلغ اشتراك. ووفق هذا الإجراء، تم تسجيل أكثر من ألفي سجل تجاري في هذا المجال، بينما يقوم القانون 09/03 بمتابعة المخالفين من أجل تنظيم الأسواق.

وحسب القوانين، فإن مخالفة تنظيم الأسواق جريمة يعاقب عليها القانون وتؤدي إلى متابعات قضائية صارمة، وفي هذا الإطار تم قمع الغش من خلال أكثر من 785 تدخل وتم معاينة 55 ألف مخالفة ومتابعة قضائية، وذلك لسنة 2020، وقد اختلفت التجاوزات من الإخلال في جانب النظافة، إلى الغش وزيادة الأسعار وعدم العمل بالفواتير.

يؤكد الخبير الاقتصادي، البروفيسور محمد حميدوش، أن الاقتصاد الجزائري يعيش اليوم تحت رحمة المضاربين، ويؤكد أن انتشار شاحنات بيع المواد الغذائية بشكل عشوائي وفوضوي في الأحياء،هو اليوم أحد أبرز أشكال المضاربة التي تكبد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة.

وقال حميدوش لـ”الخبر”: لما تكون هناك مضاربة، فهذا يعني أنه لا يوجد أي تنظيم حقيقي، وهو ما يعكس غياب السلطة، رغم أنها تقوم بإصدار العديد من القوانين التي تبقى حبرا على ورق.

وأوضح الباحث الاقتصادي أن الجزائر بحاجة ملحة اليوم إلى استحداث نظام معلوماتي لمراقبة الأسواق، وهذا الأمر يحتاج على الأقل عشر سنوات كاملة حتى تستقر الأسعار والأسواق، وتدخل دورة حياة المنتج وفق قاعدة العرض والطلب. وأشار حميدوش إلى أن نسبة الزيادة في الأسعار تتجاوز أحيانا 500 بالمائة، مقارنة بين سعر المنتج عند الفلاح، وصولا إلى المستهلك، هذا الأخير يعد الأضعف في حلقة الأسعار.

المضاربون “يبدعون” في اقتناص الفرص

يتوقع الخبراء استمرار ارتفاع الأسعار إلى غاية منصف العام المقبل، حيث تشير كل المؤشرات الاقتصادية إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطن، مقابل ارتفاع نسبة التضخم واستنزاف النظام المصري، وهذه النتائج السلبية تدفع بالضرورة إلى زيارة الضرائب على المواطنين، كما قال حميدوش: “غياب التنظيم والرقابة تسبب في زيادات رهيبة للأسعار، وهي زيادات غير مبررة مقارنة بالسعر الأصلي للمنتج”.

ويحذر الخبراء من أن يؤدي أن هذا الوضع الاقتصادي إلى ارتفاع نسبة البطالة وتسريح العمال، مع مؤشرات دخول الجزائر مرحلة العجز الاقتصادي. ولتحقيق التوازن وإصلاح الوضع نسبيا، يقترح حميدوش ضرورة إنشاء بنك للمعلومات على مدار السنة وفق حاجيات المواطنين والقدرة الشرائية، وحجم الإنتاج الوطني لتجنب الاستيراد.

وفي الأسواق، يطلق على المضاربين عدة ألقاب، وهناك منهم الذين يلقبون بـ “الثور”، وهم فئة يدخلون السوق، ويتوقعون ارتفاع سعر الأداة المالية، لذلك يشترونها الآن بهدف بيعها لتحقيق الربح لاحقًا. وفي حال صحت توقعاتهم، فإنهم يستفيدون من فرق السعر ويخرجون من مركز التداول.

كما يوجد نوع آخر من المضاربين يطلق عليهم لقب “الدب”، وهو المضارب المتشائم الذي يتوقع انخفاضًا حادًا في أسعار الأوراق المالية المتداولة، ويدخل في التداول عن طريق مراكز البيع على الأصول المرتفعة السعر لتأمين الأرباح مقابل انخفاض السعر المتوقع. فإذا انخفضت قيمة الورقة المالية، كما هو متوقع، فإنهم يجنون مكاسبهم من فرق السعر.

كما يوجد في منطق السوق المضارب “الضبع” الذي يعتبر شديد الحذر بشكل عام، خاصة عند مقارنته مع الثيران أو الدببة. عادةً ما يركزون أكثر على التقدم للحصول على أسهم جديدة في الشركات الجديدة، ثم عندما تنطلق الأسهم، يبيعونها بعلاوة أو ربح، وهو يختلف عن المضارب “البطة العرجاء” غير القادر على تغطية خسائرهم في التداول.

ويرجع ذلك إلى استراتيجيات التداول غير الفعالة التي يقومون باستخدامها، ويشمل هذا النوع أيضًا المتداولين الذين تخلفوا عن سداد ديون وهم مفلسون تقريبًا. تنبع العبارة من فرضية أن المتداولين غير القادرين على الوفاء بالتزاماتهم ويعانون من خسائر مالية ضخمة، يجب عليهم الابتعاد عن السوق

ومن خلال جولة بسيطة بين أحياء الجزائر، خاصة الشعبية منها، يمكن أن نلمس كيف أن التجارة في الجزائر تفتقد لأبسط ميكانيزمات التجارة النظيفة، حيث يسود الطمع والاستغلال واقع التجارة، مما خلق تذبذبا كبيرا في الأسعار، خاصة في هامش الربح، رغم وجود قوانين تحاول تنظيم هامش الربح، إلا أن الممارسات الفوضوية خلفت نوعا من الخلل بين الهامش الربحي القانوني، والهامش الموجود على أرض الواقع.

فعلى سبيل المثال؛ يمكن ملاحظة أن سعر الجزر في أسواق الجملة يبلغ 30 دج، بينما يصل إلى 80 دج في أسواق التجزئة، وهو ما يعني أن هامش الربح يتجاوز 130 بالمائة، في وقت يدعو فيه الخبراء إلى ضرورة أن لا يتجاوز هامش الربح 30 بالمائة.

ويبرز المضاربون في الغالب عندما تكون الأسواق متقلبة تتكرر فيها تحركات الأسعار، حيث يحاولون التنبؤ بتغيرات الأسعار والأرباح من تحركات الأسعار. قد يستخدم المضاربون الرافعة المالية لتعزيز العوائد المحتلمة، ومع ذلك فإن هذا عادة ما يكون اختيارًا شخصيًا، وليس بالضرورة إستراتيجية مضاربة.

وبشكل عام، يميل المضاربون إلى تحمل مخاطر إضافية، كما أنهم يضخون السيولة في السوق عن طريق الشراء والبيع، وذلك أمر يقومون بفعله حتى عند عدم مشاركة المستثمرين واللاعبين الآخرين في السوق.

كما يتداول كل مضارب وفقا لأسلوبه الخاص؛ فبعض المضاربين يشترون أو يبيعون سريعا مع تحرك الأسعار وحتى لو بجزء بسيط من السنتات، والبعض الآخر هم متداولون يوميون يتطلعون إلى البيع والشراء على مدار اليوم. هناك أيضًا متداولو المراكز الذين يختارون الاحتفاظ بمراكزهم لعدة أيام أو أسابيع أو حتى أشهر قبل الخروج.

الدولة تقاوم بكل الطرق

وقبل نحو عشرين عاما، قررت الحكومة الجزائرية فتح أبواب المستثمرين لاستيراد شاحنات “الهربيل”، وذلك في خطوة كانت تهدف إلى الحد من البطالة ومساعدة الشباب على إنشاء مشاريع مصغرة، بغية دعم الاقتصاد الوطني وتحريك عجلة الإنتاج المحلي، خاصة في المواد الغذائية، ومنذ ذلك الوقت استفاد حوالي 10 ألف شاب من قروض بنكية بصيغة “الأونساج” للحصول على تلك السيارة التي أصبحت رمزا للأسواق الموازية.

ويؤكد الخبراء في مجال الاقتصاد على أنه، ومع انهيار الأسواق المالية في أعقاب جائحة كورونا كوفيد 19، أدى إلى توقف العديد من المستثمرين عن المشاركة في أي صفقات، وهو الأمر الذي أنعش تجارة المضاربين في الأسواق الذين حققوا أرباحهم، مستفيدين من عدم توفّر السيولة الكافية في الأسواق.

من جهته، يؤكد المدير العام للأنشطة التجارية وتنظيمها، سامي قلي، أن وزارة التجارة قامت بإعداد أرضية رقمية لكل الوحدات الإنتاجية، إضافة إلى ربط مع خارطة كل الأماكن لتخزين المواد الأساسية، ويوجد بنك معلومات للمواد الأولية، خاصة الخضر والفواكه والقمح. كما يتم متابعة مستوى الإنتاج والمخزون، وهي أرقام لا يتم الكشف عنها للرأي العام نظرا لارتباط الأمر بالأمن الغذائي وسرية المعلومات.