عاد الوزير الأول، وزير المالية، أيمن بن عبد الرحمان، ليفتح ملف الدفع الالكتروني من جديد بمناسبة إشرافه على مراسيم إبرام اتفاقية إطلاق الدفع الالكتروني عبر الانترنيت، في وقت قررت فيه الحكومة تأجيل ولوج الجزائر عالم الدفع الالكتروني إلى غاية السنة المقبلة، وبالتحديد قبل نهاية السداسي الأول من 2022، وهو ما يؤكد أن عصر الدفع الالكتروني لم يحن موعده بعد، رغم تقنينه منذ أكثر من ثلاث سنوات.

رزنامة جديدة لتعميم الدفع الالكتروني

يبقى السؤال مطروحا حول الضمانات الجديدة التي ستقدمها الحكومة هذه المرة لإنجاح العملية المقررة قبل تاريخ 30 جوان 2022، وتجنب تكرار سيناريوهات التجارب الفاشلة طيلة العقدين الماضيين، التي تغلب فيها منطق “الشكارة” و”الكاش” على الشفافية التي ترافق التعاملات التجارية الالكترونية، كل ذلك نتيجة غياب إرادة سياسية حقيقية لمحاربة اللوبيات الريعية التي كانت تنتعش من الأسواق الموازية، وبذلك يبقى مشروع الدفع الالكتروني حاضرا في خطابات الوزراء والمسؤولين المتوالين طيلة عقدين كاملين دون أن يرى النور.

ورغم تأكيد الوزير الأول، وزير المالية، أيمن بن عيد الرحمان، في آخر خرجة إعلامية له على الأهمية البالغة التي توليها الحكومة لتطوير الدفع الالكتروني، إلا أن الأسباب التي تحول دون تعميم استعمال وسائل الدفع الالكتروني تبقى قائمة في ظل غياب الصرامة في تسيير هذا الملف، الذي يعود إلى الأدراج في كل مرة، رغم أنه يبقى الحل الوحيد لامتصاص الملايير الموظفة في الأسواق الموازية، التي قدرها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بأكثر من 10 آلاف مليار دينار.

وتعول الحكومة كثيرا على إعادة توظيف هذه الأموال في الاقتصاد الوطني لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، بعيدا عن خياري ضخ النقود والاستدانة الخارجية، إلا أنها تبقى مكتوفة الأيدي أمام هيمنة أصحاب أموال “الشكارة” على الأسواق المالية، حتى أنها تعجز عن السهر على تطبيق ما سنّته في قوانين المالية المتتالية منذ سنة 2018، التي تنصص على إجبارية استعمال وسائل الدفع الالكتروني من طرف التجار الذين لا يتجاوز عددهم المليون تاجر معني بالعملية من مجموع مليون ونصف مليون تاجر.

60 مليار دينار تكلفة اقتناء نهائيات الدفع “تي بي أو” لجميع التجار

ورجحت مصادر بنكية في تصريح لـ “الخبر”، أن يعود السبب الرئيسي لتأجيل عملية تعميم استعمال وسائل الدفع الالكتروني خلال السنوات السابقة، إلى الأزمة المالية التي سجلتها الجزائر، على غرار الدول الأخرى، نتيجة التداعيات الوخيمة التي خلّفتها الجائحة، وهو ما حال دون توفير أجهزة “تي بي أو”، وكان ذلك باعتراف من وزير التجارة، كمال رزيڤ الذي أكد آنذاك أن اقتناءها مكلف للدولة وأن إشباع السوق بهذه الأجهزة سيستغرق وقتا طويلا.

وعن تكلفة عملية تعميم استعمال وسائل الدفع الالكترونية المتمثلة في اقتناء أجهزة “تي بي أو”، فيمكن تقديرها بعملية بسيطة، حيث يكلف الجهاز الواحد ما يعادل 60 ألف دينار سيتم اقتناؤها من أجل مليون تاجر هم الآن معنيون بإجبارية استعمال وسائل الدفع الالكتروني، أي ما يمثل 60 مليار دينار. ولا يتعلق الأمر، بالدرجة الأولى، تضيف المصادر نفسها، بالإمكانيات المالية التي يجب أن ترصدها الدولة من خلال البنوك الوطنية المكلفة بعمليات اقتناء أجهزة “تي بي أو”، خاصة بعد انتعاش أسعار النفط وعودة الحركية الاقتصادية تدريجيا، حيث أصبحت أجهزة “تي بي أو” تمنح مجانا للتجار من طرف البنوك العمومية تشجيعا لهم على استعمالها، لكن دون نتيجة، فيما تقدمه البنوك الخاصة مقابل مبلغ مالي يقدر بـ 6 ملايين سنتيم ويدفع بالتقسيط.

لكن بالرغم من هذه التسهيلات، يبقى جهاز “تي بي أو” يمثل هاجسا يخاف منه هؤلاء التجار ممن فضلوا الاستمرار في التهرب من دفع الضرائب، من خلال الغش واعتماد التصريحات الخاطئة لحجم نشاطاتهم ورقم أعمالهم. في الإطار ذاته، أوضحت المصادر ذاتها أنه وعلى عكس ما هو معمول به في الجزائر؛ فإن أجهزة “تي بي أو” يتم اقتناؤها من طرف التجار في الدول الأخرى حرصا منهم على إرساء الشفافية على تعاملاتهم التجارية.

30 بالمائة من مقتني نهائيات الدفع “تي بي أو” لا يستعملونها

وكشفت المصادر البنكية ذاتها لـ “الخبر”، أنه حتى بالنسبة لأجهزة الدفع الالكتروني الموزعة على التجار من طرف البنوك الوطنية، خاصة منها العمومية، التي بلغ عددها 39 ألف جهاز، يبقى 30 بالمائة منها غير مستغل، حيث يفضل أصحابها من التجار اقتناءها وعدم استعمالها واستظهارها فقط أمام أعوان الرقابة خوفا من دفع الغرامات.

ويبقى السؤال مطروحا عن مدى فاعلية التدابير المتخذة من طرف السلطات العمومية لإجبار التجار على استعمال أجهزة الدفع الالكتروني في جميع التعاملات التجارية، خاصة بعد أن ارتفع عدد حاملي البطاقات إلى أكثر من 10 ملايين بطاقة بنكية؟

وقالت المصادر ذاتها إن ما تضمنه قانون المالية لسنة 2020 يجبر التجار على وضع أجهزة الدفع الالكتروني تحت تصرف زبائنهم، دون مراقبة استعمالها لها بعد اقتنائها ومتابعة التعاملات التجارية الالكترونية التي قاموا بها بعد وضع أجهزة “تي بي أو”، ما يجعل البنوك العمومية تخسر في عمليات شرائها لهذه الأجهزة التي تسترد أموالها من العمولات التي تجنيها من المعاملات المالية الالكترونية، التي تبقى أسعارها جد مقبولة، تضيف مصادر “الخبر”.

أكثر من 900 ألف تاجر لا يتعاملون بـ “تي بي أو”

لم تتمكن البنوك إلى غاية الآن، وبعد إطلاق عملية تعميم الدفع الالكتروني في التعاملات التجارية منذ أربع سنوات، من توزيع سوى 39 ألف جهاز “تي بي أو”، حيث ترفض الأغلبية الساحقة من التجار الذين يتجاوز عددهم الـ 900 ألف تاجر، أي ما يقل عن 4 بالمائة من إجمالي التجار المعنيين باقتناء هذا الجهاز والمقدر عددهم بمليون تاجر، التعامل بالدفع الالكتروني الذي سيسمح بإضفاء الشفافية على جميع المعاملات المالية ويعمل على تتبع مسارها، مما سيصعب من توظيفها في نشاطات أخرى غير رسمية أو غير شرعية ويقلص من حجم التداولات في الأسواق الموازية ويحد من تهريبها.

غير أن التجار وبالضبط من يخضعون لنظام الضريبة الجزافية، توضح المصادر البنكية، يرفضون التعامل بالدفع الالكتروني، الذي من شأنه كشف ما يحققونه من رقم أعمال حقيقي كانوا يخفونه عن مصالح الضرائب بالتصريح بجزء منه فقط.

كورونا شجعت الجزائريين على اقتناء احتياجاتهم عبر الانترنت

ارتفعت مشتريات الجزائريين عبر الانترنت خلال السنة الماضية إلى 5 ملايير دينار، مقابل 503 مليون دينار فقط طيلة سنة 2019، استنادا إلى أرقام شركة تجمع النقد الآلي.

وترجع هذه الزيادة إلى تعوّد الجزائريين على اقتناء بعض مشترياتهم عبر مواقع الانترنيت، بعد أن أجبروا على اللجوء إلى هذه الوسيلة من الدفع، نتيجة التدابير الصارمة للحجر الصحي التي اتخذتها السلطات العمومية بداية سنة 2020 مع ظهور أولى حالات فيروس كورونا. كما سمحت الجائحة برفع عدد التجار المنخرطين في نظام الدفع الالكتروني عبر الانترنيت إلى 130 تاجر، العدد الذي يبقى غير كاف لتلبية احتياجات أكثر من 10 ملايين جزائري يمتلكون بطاقات بنكية بمختلف أنواعها.

ويبقى هذا العدد محتشما مقارنة بالمزايا الممنوحة للتجار المنخرطين في منصات التسويق عن طريق الويب، خاصة بعد أن أصبح البيع في منصات الانترنت مجانا.

معاملات الكترونية بمليار دينار عبر “تي بي أو”

رغم المساعي المبذولة لتعميم استعمال نهائيات الدفع الالكتروني “تي بي أو”، إلا أن قيمة المعاملات المالية التي تتم بواسطتها تبقى محتشمة مقارنة بعمليات سحب الأموال التي تتم عن طريق الموزعات الآلية، التي لا يعود إلا القليل منها للقنوات الرسمية ليوظف القسط الأكبر منها خارج البنوك والمؤسسات المالية.

وتشير آخر الأرقام إلى تسجيل ما تقارب قيمته 5 ملايير دينار أعيد ضخها في النظام المالي عن طريق “تي بي أو” سنة 2020، مقابل 444 مليون دينار فقط سنة 2016، وهو الرقم الذي يرتفع من سنة إلى أخرى، حيث بلغ شهر نوفمبر الفارط لوحده ما قيمته 1,4 مليار دينار. عدد نهائيات الدفع الالكتروني عرف هو الآخر قفزة نوعية؛ حيث انتقل من 5049 إلى 39 ألف “تي بي أو” حاليا.

أما بالنسبة للأموال التي تم سحبها بالبطاقات البنكية والبريدية عبر أجهزة الصرف الآلي، فزادت قيمتها لتبلغ 1073 مليار دينار في 2020، بإجراء أكثر من 58 مليون معاملة، مقابل 164 مليار دينار سنة 2019 بإجراء حوالي 10 ملايين معاملة. ويقدر عدد الموزعات الآلية التي تشتغل حاليا بـ 3052 موزعا مقابل 1370 موزعا سنة 2016.

ورغم الدعوات المتكررة التي وجهتها السلطات العمومية للجزائريين طيلة فترة الحجر الصحي، لتشجيع استعمال البطاقات البنكية بأنواعها، خاصة بالنسبة لأصحاب حسابات بريد الجزائر لمنع تفشي انتشار فيروس كورونا، إلا أن عدم ثقة الجزائريين في المعاملات الالكترونية حال دون ذلك.

“تعطيل الدفع الالكتروني سببه بقايا العصابة وتخوف التجار من الضرائب”

أرجع الخبير الاقتصادي، سليمان ناصر، تأخر الجزائر في دخول عالم الدفع الالكتروني إلى سببين رئيسيين، الأول يعود إلى تخوف ما يعرف ببقايا العصابة من إرساء الشفافية في التعاملات التجارية، وهو ما من شأنه الحد من الاختلاسات وتقليص ظاهرة الفساد، فيما يتمثل السبب الثاني في تهرب التجار من دفع الضرائب التي تثقل كاهلهم من خلال التصريح برقم أعمالهم الحقيقي.

وأكد سليمان ناصر في تصريح لـ “الخبر”، أن “هناك أطرافا في السلطة تقاوم وتمنع تعميم الدفع الالكتروني وجعله إجباريا، حيث تضغط لتأجيله في كل مرة، تخوفا من إضفاء شفافية على التعاملات المالية وتتبع مسارها للتقليص من الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات الرسمية”، يضاف إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي، تهرب التجار من دفع الضرائب، حيث يعتبر هؤلاء جهاز “تي بي أو” الكاشف لما يخفونه عن مصالح الضرائب من حجم نشاطهم، المتمثل في رقم الأعمال الحقيقي غير المصرح به، وذلك رغم الإغراءات والمزايا المقدمة للتجار المبادرين إلى استعمال وسائل الدفع الالكتروني، التي تبقى دون تطلعاتهم ولا تحمسهم لاقتنائها.

ويرى الخبير الاقتصادي نفسه أن الذهاب إلى إجبارية الدفع الالكتروني “تي بي أو” يبقى الوسيلة الأنجع لاستقطاب الأموال المتداولة في الأسواق الموازية والمكتنزة في البيوت. بالمقابل، دعا سليمان ناصر إلى الإسراع في تعميم استعمال وسائل الدفع الالكتروني، مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة قد أخطأت عند تأجيلها لتنفيذ قرار إجبارية استعمال الدفع الالكتروني، حيث كان من الأجدر لها اعتماد هذا الأخير وعدم تأجيل استخدامه في بعض القطاعات الرئيسية التي تشمل المحلات الكبرى وتسديد مختلف الفواتير وفي محطات البنزين، وهو ما يسمح بتعويد الجزائريين على استعمال هذا النوع من وسائل الدفع، خاصة وأن استعمال بطاقات الدفع الالكترونية المتوفرة حاليا، يجبر مستعمليها على تمويل حساباتهم البنكية، وبالتالي إدخال أموالهم إلى البنوك والمؤسسات المالية ليتسنى لهم استخدامها عند الدفع أو تسديد الفواتير.

وحسب سليمان ناصر؛ فإن تعميم استعمال الدفع الالكتروني سيسمح بإنجاح عملية استقطاب الأموال المتداولة خارج الأطر الرسمية، وهي المهمة التي أرهقت كاهل الحكومات المتعاقبة وفشلت في تحقيقها، رغم الإجراءات والتدابير التحفيزية التي اتخذتها؛ ابتداء من الامتثال الضريبي إلى القرض السندي، وأخيرا اللجوء إلى الصيرفة الإسلامية.