يقترح نصر الدين الأزعر، المحامي المتخصص في قضايا التسيير، مدنية وجزائية، مجموعة من التدابير كفيلة، حسبه، بتجنب المتابعات الجزائية في حق المسيرين العموميين. ويبدي، في حوار مع “الخبر”، رفضا لقرار حكومي بإلغاء العمل بالرسائل المجهولة في مجال الكشف عن التجاوزات والفساد.

نصبت وزارة العدل لجنة لإعادة صياغة قوانين مكافحة الفساد الاقتصادي والتجاري والإجراءات الجزائية، بهدف رفع ما تتضمنه من تشدد في مجال اتخاذ القرارات في التسيير الاقتصادي والإداري. كيف تقرأ هذا المسعى؟

إن معالجة الأوضاع في النظام الجزائري تنتهج في غالب الأحيان طريقة مراجعة واستبدال القوانين الموجودة، بينما يقتضي الأمر في كثير من الحالات تقييم وتقويم كيفية تطبيق القوانين السارية المفعول. وهذا هو الحال في رأيي بالنسبة للإشكالية التي تفضلتم بطرحها، والمتعلقة بنزع التجريم عن التصرفات التسييرية.

إن إشكالية مكافحة الفساد ومعالجة ظاهرة الإفراط في تجريم التصرفات التسييرية لا تستوجب، حسب رأيي، مراجعة النصوص القائمة بقدر ما تستوجب دراسة كيفية تطبيقها، وأسباب عدم تحقيق الأهداف المنشودة والمنتظرة من إنشائها. إن النصوص الحالية ليست بدرجة السوء التي تستدعي إلغاءها ومراجعتها، وإنما يجب تنمية الكفاءات القانونية في المؤسسات حتى تمكن المسيرين من التعامل مع هذه القوانين، بما يفيد الفعالية الاقتصادية. أنا لا أرى في النصوص القانونية تشددا فيما يخص إجراءات اتخاذ القرارات التسييرية وتنفيذها، كما يزعم الكثير من المسيرين، بقدر ما أراه في عدم قدرة هؤلاء المسيرين وأعوانهم على استغلال مرونة النصوص ومجالات حرية التسيير المتضمنة في طياتها.

أقدم لكم مثالا مقتبسا من الواقع المعاش. اتصل بي ذات يوم مدير مؤسسة عمومية كان في حيرة أمره، وخاطبني قائلا: “يا أستاذ، لقد صدر نص قانوني تم بمقتضاه إخضاع مؤسستنا لقانون الصفقات العمومية، والمؤسسة تشتغل في استيراد مادة سريعة الهلاك والضياع، ولا يمكن تخزينها لمدة طويلة. ومن جهة أخرى، فإنه لا يمكن تحديد الكمية المحتاجة ولا وقت احتياجها، إلا بضعة أيام قبل الاستعمال. وأضاف قائلا إن تطبيق قانون الصفقات العمومية يقتضي اللجوء إلى المناقصات التي تستغرق حوالي ثلاثة أشهر. وانطلاقا من هنا يا أستاذ، فإنني أمام خيارين أحلاهما مر. الأول أن أستقيل والثاني أن أوقف نشاط المؤسسة، لأن تطبيق قانون الصفقات يؤدي إلى شل المؤسسة وضياعها، وعدم تطبيقه وعدم مراعاة أحكامه يعرضني للسجن المؤكد. وطلب مني استشارة قانونية تخرجه من وضعيته التي لا يحسد عليها.

عقدنا جلسة عمل وقدمت له تقريرا مفصلا، انتهيت فيه إلى وجود تقنيات إجرائية يتضمنها قانون الصفقات العمومية تسمح له بالتعامل مع هذه الوضعية الخاصة، بطريقة مرنة واضحة شفافة ومطابقة للقانون. نذكر بعض الأمثلة من التقنيات القانونية الملائمة لنشاطه: – إجراءات الاستعجال الملح المعلل بخطر داهم يتعرض له ملك أو استثمار – الإجراءات الخاصة بالصفقات التي تتطلب السرعة في اتخاذ القرار – تقنية “عقد البرنامج” وهو عقد يبرم لمرحلة تمتد بين سنة أو سنتين، يتم تحضير العقد والاتفاق على بنوده في بداية المرحلة، ولكن يتم تنفيذه عبر مراحل وهذا لتفادي تكرير إجراءات المناقصات الطويلة والمعقدة – نضيف التقنية المعروفة بمصطلح “عقد الطلبات” وهي تقنية تشبه “عقد البرنامج” ويلخص “عقد الطلبات” في انتقاء أحد المتعاملين عن طريق إجراءات المناقصة، ويتم الاتفاق على بنود العقد لمدة سنة قابلة للتجديد، ويمكن للمؤسسة كلما احتاجت إلى الحصول على السلعة أو الخدمة المذكورة أن ترسل طلبا بسيطا دون الحاجة إلى تكرار إجراءات المناقصة.

اقتنع المدير بالتقرير والإجراءات المقترحة، وكان في منتهى السرور إذ تفادى التقاعد، واستمر في نشاطه بأمان واطمئنان دون الخوف من كابوس المتابعة والسجن. ارتاح إلى درجة أنه لم يناقش حتى مبلغ الأتعاب التي حددتها، وقام بتسديدها بسرعة كبيرة. من الخطأ، حسب رأيي، أن نتمسك بأن قانون الصفقات العمومية متشدد ويفتقد المرونة الضرورية لصيرورة النشاط الاقتصادي وسرعة المعاملات التجارية.

يقترح المشرع آليات لاستبدال العقوبات الجزائية بعقوبات مدنية في مجال التسيير. بمعنى أن القاضي يصدر غرامات بدل السجن. ما هي العقوبات البديلة التي تقترحها أستاذ الأزعر؟

عفوا، ولكنني سأغرد خارج السرب، ترددت مرارا وتكرارا عبارة “رفع التجريم عن التصرفات التسييرية”. ومفهوم هذا المصطلح يؤدي إلى منح نوع من الحصانة الجزائية للمسيرين الاقتصاديين العموميين، أثناء ممارسة مهامهم التسييرية. نتيجة هذه الحصانة هي ترك القطاع الاقتصادي العمومي دون حماية جزائية وهذا لا يقبله عقل سليم.

معالجة الوضع لتفادي المتابعات الجزائية التعسفية ضد المسيرين العموميين تقتضي سلسلة من التدابير نلخصها فيما يلي:

– تكوين القضاة – وكلاء الجمهورية – أعوان الضبطية القضائية القائمين على هذه القضايا، وتمكينهم من تقنيات التحقيق والتدقيق في إشكاليات القرارات التسييرية.

– زرع وترسيخ ثقافة وقدسية قرينة البراءة لدى القضاة، حتى لا ينساقوا للبحث عن نية إجرامية في كل وضعية أو قرار غير عادي تم اتخاذه من طرف مسير في وضعية خاصة.

– تمسك القضاة باشتراط توفر عنصر النية الإجرامية للحكم بالإدانة.

– تحديد قاعدة ومبدأ اشتراط الإثراء الشخصي لتوفر الجنحة أو الجريمة التسييرية.

إن التوقف عند التعويضات المدنية بدلا من العقوبات، يفتح الباب على مصراعيه أمام نهب المال وإتلافه والتلاعب به بأبشع الصور.

أقترح أن أتطرق إلى إشكالية مشابهة تم طرحها منذ وقت ليس ببعيد، وهي إمكانية التفاوض مع “أفراد العصابة” لاسترجاع الأموال المنهوبة مقابل إطلاق سراحهم.

لقد سبق لي أن تطرقت لهذا الموضوع عند انطلاق المتابعات ضد رجال مال وأعمال بنوا امبراطوريات صناعية ومالية ضخمة، واستفادوا من الفترة التاريخية السالفة. وكنت تمسكت في مقالاتي المتواضعة بأنه يحبذ أن تتعامل العدالة مع هذه الملفات بمنطق الفعالية الاقتصادية، وأن تعطى الأولوية لاسترجاع الأموال المنهوبة ولو عن طريق التفاوض والمصالحة الجزائية، التي تعني التنازل عن المتابعة مقابل استرجاع ما سرق والحصول على تعويضات. لقد تم انتهاج هذه السياسة في بعض البلدان (روسيا ، سنغافورة) وتمكنت السلطات من استرجاع أموال ضخمة في وقت قصير.

أما فيما يخص الجزائر، فإنني أعتقد أن السلطات بدأت تفكر في هذه الطريقة، بعد فوات الأوان. أي عوض أن تنتهج سياسة المصالحة قبل المتابعات القضائية، تم اقتراحها من طرف الحكومة الحالية بعد صدور الأحكام النهائية، وأصبح التفاوض مع المحكوم عليهم نهائيا مساسا بمصداقية العدالة وسلطة القانون. ولكن مع كل هذا، فإنه من المفيد أن نفكر في طريقة تفاوض تراعي مبادئ دولة القانون وسلطان العدالة، ويكون هذا عبر مراعاة مبادئ وثوابت أساسية.

في أوت الماضي، أصدرت رئاسة الجمهورية تعليمات بعدم الأخذ بالرسائل المجهولة في الملاحقات القضائية. هل تعتقد أن ذلك سيضع مسيري المؤسسات العمومية في أريحية، وفي مأمن من التعرض للمتابعة أمام المحاكم؟

إنه لا يحق لرئاسة الجمهورية إملاء مثل هذه الأوامر المخالفة للقانون من جهة، إذ أنه من غير المشروع أن نقصي قناة من قنوات اكتشاف بعض الوقائع الإجرامية. إن هذه التعليمة تشكل تدخلا للسلطة التنفيذية أو السياسية في صلاحيات الهيئات القضائية.

إن الكثير من القضايا الإجرامية الاقتصادية تم اكتشافها وملاحقتها عن طريق الرسائل المبهمة، مع الملاحظ أن هذه الرسائل تصدر، في أغلبية الحالات، من طرف إطارات وأعوان من المؤسسة المعنية. إن بعض الجنح والجرائم الاقتصادية تتم بتقنيات معينة، لا يمكن معرفتها واكتشافها إلا من طرف أهل الديار، ولا يمكن لهؤلاء أن يغامروا بإفشاء أسمائهم تخوفا من العقوبات والملاحقات. أنا لا أنادي بتصديق كل ما يأتي من هذه الرسائل، ولكن لا يجوز تبني قاعدة عدم الأخذ بها. ينبغي اعتبار هذه الرسائل مصدرا عاديا من مصادر المعلومات، يجب أخذها بتحفظ والتحقيق في صحتها من عدمها.

هناك حديث عن ضرورة الفصل بين رفع التجريم عن أفعال التسيير، وعن مناخ الأعمال؟ هل توافق ذلك. وكيف برأيك؟

أنا أوافق تماما هذا الطرح. لا يمكن أن نتمسك بالقول إن تحسين مناخ الأعمال يقتضي أو يشترط رفع التجريم عن أعمال التسيير. بالعكس، إن تحسين مناخ الأعمال يقتضي الضبط القانوني للأعمال التسييرية، وتوفير الحماية الجزائية للاستثمار النظيف. إن المستثمرين النزهاء يتخوفون من منظومة قانونية توفر الحماية لجرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ، وغيرها من جنح وجرائم المال والأعمال.

كيف يمكن التقليل برأيك من احتمالات التعرض للمتابعة الجزائية في شؤون تسيير الاقتصاد والاستثمار؟

تفيد المتابعة والمعاينة الميدانية لكثير من المحاكمات المتعلقة بالجنح والجرائم التسييرية، بأن بعض الوقائع موضوع المتابعة حقيقة مخالفة للقانون، ولكن تم اتخاذها بحسن نية، إما لوجود فراغ أو غموض قانوني، أو للتعامل مع وضعية خاصة. يمكن التقليل من نوع هذه القضايا بتعزيز الطاقات والكفاءات القانونية في المؤسسات. الطريقة الثانية لتخفيض نسبة المخاطر الجزائية للمسيرين (أي احتمال المتابعات الجزائية) هي إعطاء الطابع الجماعي للقرارات التسييرية، أي إنشاء لجان استشارية تساعد المسيرين في اتخاذ بعض القرارات والخيارات.

شهدت البلاد في التسعينات حملة سجن كوادر عموميين. وسائل الإعلام قالت إنها كانت بمثابة “تصفية كل الإطارات الوطنية التي حاولت التصدي لعمليات الخوصصة وبيع المؤسسات العمومية”. أنت تابعت هذه القضية، هل تعتقد أن ما حدث كان فعلا “أخلقة للحياة السياسية” كما قالت السلطة؟

هذا الطرح قد يكون مقبولا وقد يكون مبالغا فيه. لا يمكنني كمحام أن أخوض في هذه الإشكاليات ذات الطابع السياسي، ولا يجوز لي كرجل قانون أن أحاكم النوايا والخلفيات، ولكن يمكن القول إنه في كثير من الحالات كان فتح ملفات القضايا الاقتصادية يتزامن مع مراحل تصفية حسابات بين جماعات مصالح، وتتحول العدالة إلى صرح ومسرح تتواجه فيه قوى سياسية متعارضة. إن استعمال العدالة كوسيلة ضغط أو وسيلة إقصاء لبعض الأشخاص أو بعض الفرق، من طرف أجنحة من النظام، لا يمكن أن يؤدي إلى أخلقة الحياة السياسية، وإنما ينشئ ثقافة توظيف العدالة لخدمة مراكز القوة وليس لتثبيت مراكز الحق والقانون.