في 7 أغسطس 2019، في ولاية ميسيسيبي، عاد مئات الأطفال إلى منازلهم بعد يومهم الدراسي الأول، يحملون حقائبهم ويستعدون لإخبار آبائهم بما حدث معهم. لكنهم بدلاً من ذلك وجدوا منازل فارغة أو مصانع محاطة بعناصر فيدرالية. في ذلك اليوم، نفذت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) أكبر عملية من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة على مستوى ولاية واحدة: حيث تم اعتقال 680 شخصًا، وتقييدهم بالأصفاد، ونقلهم في شاحنات بيضاء.

FALCON Tipline: التكنولوجيا وراء المداهمات

لم يتم التخطيط لهذه العملية على لوحة فلين بدبابيس وخيوط حمراء. تكشف وثائق تم الحصول عليها عبر قانون حرية المعلومات (FOIA) عن اسم يتكرر باستمرار: FALCON Tipline، وهي أداة طورتها شركة Palantir Technologies وتم بيعها لوكالة تحقيقات الأمن الداخلي (HSI). تقوم FALCON بتجميع البلاغات، ومطابقة الهويات، والمساعدة في التخطيط لعمليات منسقة بدقة جراحية.

تصف العقود الرسمية FALCON بأنها منصة بحث وتحليل اتحادية قادرة على ربط قواعد بيانات لم يكن من المفترض أن تتفاعل معًا. وبعبارة أخرى، مستندات بيروقراطية جافة تحمل في طياتها القدرة على تدمير حياة البشر.

من وادي السيليكون إلى المراقبة العالمية

لفهم شركة Palantir، يجب العودة إلى أوائل العقد الأول من الألفية، بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة. كانت الولايات المتحدة في حالة صدمة وتسعى بشدة إلى “ربط النقاط” لمنع أي هجوم جديد. أطلق البنتاغون لفترة قصيرة برنامج Total Information Awareness، لكنه أُلغي عام 2003 تحت ضغط الرأي العام.

هنا يظهر بيتر ثيل، الذي أسس Palantir مع ستيفن كوهين، وجو لونسديل، وناثان غيتينغز، وأليكس كارب. كانت المهمة: تجسيد فكرة المراقبة المركزية، ولكن من خلال شركة خاصة مرنة تعمل مباشرة مع محللي الحكومة.

اسم “Palantir” مأخوذ من عالم سيد الخواتم، ويشير إلى الأحجار التي تسمح برؤية ما يحدث عبر الزمن والمكان—وهو تشبيه يعكس طموحات الشركة بدقة.

من مكافحة الاحتيال إلى مكافحة الإرهاب

في PayPal، طور فريق ثيل خوارزمية متقدمة لكشف الاحتيال تُعرف باسم Igor. أدرك ثيل إمكانية استخدام نفس التقنيات في مكافحة الإرهاب.

في عام 2004، لم يكن العديد من المستثمرين في وادي السيليكون مهتمين بقطاع الدفاع. استثمر ثيل شخصيًا 30 مليون دولار، ووجد شريكًا حاسمًا في In-Q-Tel، صندوق الاستثمار التابع لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، الذي ساهم بمليوني دولار ومنح المشروع مصداقية كبيرة.

على مدى ثلاث سنوات، عمل مهندسو Palantir داخل الوكالات الحكومية، وطوروا أول منصة برمجية لهم: Gotham. كان النهج بسيطًا: نشر البرنامج، وضع المطورين داخل المؤسسات، وجعل الأداة تتطور جنبًا إلى جنب مع المحللين.

أليكس كارب وبيتر ثيل: ثنائي غير متوقع

يشكل أليكس كارب، الفيلسوف الحاصل على دكتوراه في النظرية الاجتماعية، وبيتر ثيل، الليبرتاري وعاشق تولكين، ثنائيًا غير مألوف. يصف كارب نفسه بأنه “يساري مجنون”، بينما يُعتبر ثيل “يمينيًا متطرفًا”. ومع ذلك، أسسا معًا واحدة من أقوى وأكثر شركات المراقبة سرية في العالم.

Gotham: مكنسة البيانات

يُعد نظام Gotham بمثابة مكنسة بيانات ضخمة: صور الأقمار الصناعية، تقارير الاستجواب، وسائل التواصل الاجتماعي، الملفات الضريبية، لوحات السيارات، والسجلات البنكية—كلها تُجمع وتُدمج لتكوين نسخة رقمية من الواقع.

يمكن إعادة بناء شبكة علاقات أي شخص يظهر في برامج المراقبة، حتى مزود البريد الإلكتروني الذي استخدمه إدوارد سنودن (Lavabit)، خلال بضع نقرات فقط.

كما تعاونت Palantir مع وكالة GCHQ البريطانية في مشروع Kite، القادر على معالجة بيانات معقدة وغير قياسية.

فضائح وعقود عسكرية

في 2010-2011، كشفت رسائل بريد إلكتروني مسربة عن تعاون Palantir مع شركتي HBGary وBerico لتطوير استراتيجيات ضد WikiLeaks، بما في ذلك الضغط على الصحفيين ونشر معلومات مضللة. وقد اعتذرت الشركة لاحقًا علنًا.

تولت Palantir لاحقًا مشروع Maven من Google، وهو برنامج ذكاء اصطناعي تابع للبنتاغون لتحديد الأهداف باستخدام بيانات المراقبة. واليوم، حصلت الشركة على عقود تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار على مدى 10 سنوات لتطوير برمجيات عسكرية أمريكية، كما تقدم دعمًا تحليليًا سريعًا للحكومة الأوكرانية.

بالانتير في الصحة والأمن التنبؤي

في المملكة المتحدة، تدير Palantir منصة البيانات الموحدة لخدمة الصحة الوطنية (NHS)، بعقد تبلغ قيمته 330 مليون جنيه إسترليني.

في الولايات المتحدة، استُخدمت خوارزميات “الشرطة التنبؤية” في لوس أنجلوس ونيو أورلينز لتحليل العلاقات الاجتماعية والسجلات الجنائية بهدف تحديد أشخاص قد يرتكبون جرائم مستقبلًا. وأظهرت مراجعات أن هذه الأنظمة قد تعزز التحيزات وتستهدف مجتمعات معينة بشكل غير عادل.

بالانتير اليوم

أصبحت Palantir شركة مدرجة في البورصة، وتبلغ قيمتها السوقية حوالي 430 مليار دولار بحلول بداية عام 2026، مع هدف تحقيق 4.4 مليار دولار من الإيرادات السنوية، مدفوعة بمنصتها للذكاء الاصطناعي (AIP) ووكلائها المستقلين.

لكن، كما في عالم تولكين، فإن الـ“بالانتير” أداة خطيرة: من يستخدمها قد يصبح هو نفسه تحت المراقبة أو عرضة للفساد.

الخلاصة: هل يجب أن نخاف من Palantir؟

نعم. تعمل Palantir على “دمقرطة” المراقبة الجماعية، مما يسمح للمحللين باستغلال بيانات استخباراتية عالمية دون الحاجة إلى خبرة تقنية متقدمة. خلف خطاب “إدارة البيانات للحكومات” تكمن خوارزميات وأدوات رقمية تراقب كل شيء باستمرار.

تذكرنا مداهمات ميسيسيبي عام 2019 بالتأثير الواقعي لهذه الأدوات غير المرئية.