قضايا اجتماعيةقضايا اقتصادية

بحث في الآثار الاقتصادية للبطالة و تداعياتها على الأمن المجتمعي

أضحت مشكلة البطالة عائقا تنمويا كبيرا في الكثير من دول العالم الثالث وأصبحت سببا في تهديد استقرار العديد من الأنظمة والحكومات في ظل المعدلات المتزايدة للنمو السكاني في هذه البلدان وزيادة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. تنعكس بلا شك البطالة التي يعاني منها شباب دول العالم النامي وكذلك البعض من دول العالم المتقدم على حد سواء على سلوكهم وتلقي بظلالها على المحيط الاجتماعي حيث بدأت تظهر في البعض من مجتمعات الدول النامية المحافظة ( اجتماعيا وسلوكيا ) صورا لأوضاع شاذة على شكل تعاطي المخدرات والسرقة والاغتصاب والإحساس بالظلم الاجتماعي وما يتولد عن هذا الإحساس بالإحباط والهزيمة الداخلية من قلة الانتماء والعنف وارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية وقد تقوم فئات أخرى بالكبت بداخلها مما يتحول بمرور الوقت إلى شعور بالإحباط ويخلق شبابا مدمرا نفسيا وعضويا.

 لقد أضحت البطالة في مختلف دول العالم هي مشكلة المشاكل بل هي أم المشاكل التي تؤدي غالبا إلى تفاقم نتائجها على المجتمع حيث إن أولى بنات البطالة الفقر ويليها المرض ومن ثم التخلف المطبق وهناك ما يقارب مليار عاطل عن العمل موزعين على مختلف أنحاء المعمورة. ويبدو أن البطالة قد دخلت مرحلة جديدة تختلف تماماً عن بطالة عالم ما بعد الحرب العالميّة الثانية حيث كانت البطالة جزءاً من الدورة الاقتصادية بمعنى أنّها تظهر مع ظهور مرحلة الركود وتختفي مع مرحلة الانتعاش. أمّا الآن فقد أصبحت البطالة ومنذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمان مشكلة هيكلية فبالرغم من تحقّق الانتعاش والنمو الاقتصادي تتفاقم البطالة سنة بعد أخرى. وفي البلاد النامية تتفاقم البطالة بشكل عام مع استمرار فشل جهود التنمية وتفاقم الديون الخارجية وتطبيق برامج صارمة للانضباط المالي ومما زاد من خطورة الأمر أن هناك فقراً شديداً في الفكر الاقتصادي الراهن لفهم مشكلة البطالة وسبل الخروج منها الأمر الذي شجع ظهور بعضا من الأفكار التي تتبنى فكرة البطالة أضحت مشكلة تخص ضحايا المجتمعات التي لم تنجح في التكييف مع مفهوم العولمة الجديد أو تندمج في اقتصادياتها. (1)

وتتجاوز مشكلة البطالة بعدها الاقتصادي إلى حدود اكبر وفضاءات أوسع حيث ينسحب ذلك التأثير على الواقع  السلوكي والنفسي والاجتماعي لشرائح كبيرة في المجتمعات المتخلفة حيث تؤكد التقارير الصادرة عن معهد السياسات الاقتصادية التابع لصندوق النقد العربي (2) ، أن خطورة مشكلة البطالة في الدول العربية لا تنبع من تأثيرها الاقتصادي فحسب ولكن من تأثيرها النفسي والاجتماعي. كما أن نسبة البطالة بلغت 15% بالإضافة إلى حجم البطالة المقنعة الذي يصل إلى 25% باستثناء نسبة العاملين في القطاع غير الرسمي والبالغة 35% من حجم قوة العمل حيث يتضح من هنا مدى عمق وحجم تلك المشكلة الاقتصادية في مجتمعات العالم النامي عموما والدول العربية خصوصا حيث أوضحت منظمة العمل العربية بأنه هناك البعض من البلدان التي كان يعتقد بأنها دول تستعصي على البطالة مثل دول الخليج حيث يؤكد التقرير على أن المعدلات العالية للبطالة في كثير من الحالات هي ليست قدراً محتوماً ولكنها تعود لأوضاع استثنائية لحالات غير مستقرة كانعدام الأمن وحالات الاعتداء الخارجي أو حالات سوء إدارة سوق العمل وهي حالات قابلة للتجاوز ويؤكد التقرير أن بطالة الشباب في البلدان العربية أصبحت مشكلة حيوية حيث تهدد السلام الاجتماعي فيها حيث تعد البطالة المقنعة أكثر إيلاما وخطرا في هذا الصدد(3).

البطـالــة مفهـوم وتعـريفـات

تعرف البطالة أنها حالة عدم وجود عمل لطالبه رغم الرغبة فيه والبحث عنه  أي وجود أشخاص لا يعملون وهم يدخلون في مفهوم قوة العمل إلا أنهم قادرين على العمل وراغبين فيه وباحثين عنه ولكنهم لا يحصلون عليه وبالتالي هم متعطلون عن ممارسة العمل . أما منظمة العمل الدولية فتعرف العاطل عن العمل بأنه كل من هو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبله عند مستوى الأجر السائد ولكن دون جدوى.(4)

فوفق تعريف منظمة العمل الدولية فإن العاطل عن العمل هو كل إنسان قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبله عند الأجر السائد ولكن دون جدوى. وان معدل البطالة هو عبارة عن نسبة عدد الأفراد العاطلين إلي القوة العاملة الكلية و هو معدل يصعب حسابه بدقة وذلك لاختلاف نسبة العاطلين حسب الوسط (حضري أو قروي) و حسب الجنس و السن و نوع التعليم والمستوى الدراسي (5).

ومن خلال هذا التعريف يتضح أن ليس كل من لا يعمل فهو يمكن اعتباره عاطل عن العمل فنجد إذن  أن كلا من  التلاميذ والطلبة والمعاقين والمسنين والمتقاعدين ومن فقد الأمل في العثور على عمل ومن هم في غنى عن العمل  لا يمكن اعتبارهم عاطلين عن العمل.

وينظر إلى مفهوم البطالة لدى البعض من علماء الاقتصاد على أنها عدم القدرة على استيعاب أو استخدام الطاقات أو الخدمات البشرية المعروضة في سوق العمل الذي يعتمد على العرض والطلب والذي يتأثر بقرارات أصحاب العمل والعمال والأنظمة التي تفرضها الدول من أجل التقيد بها وفي سوق العمل تتلاقى هذه القرارات مع قرارات هؤلاء الذين هم في حاجة إلى خدمات الأفراد. فالبطالة بهذا المفهوم تعني عدم استخدام القوى البشرية التي تعتمد في حياتها المعيشية اعتمادا كليا على الأجر أي على تقييم الغير لها بالرغم من حريتها القانونية بحيث يمكن تقسيم البطالة إلى مجموعتين

  • بطالة ترجع إلى عدم القدرة على العمل نتيجة عجز جسماني أو عقلي مثلا, وبطالة ترجع إلى عدم الرغبة في العمل نتيجة لأسباب نفسية أو اجتماعية.
  • بطالة بالرغم من وجود مجالات عمل ولكن ترجع إلى ضعف أو سوء تنظيم سوق العمل، وبطالة ترجع إلى عدم وجود مجالات عمل أي عدم قدرة رجال الأعمال على إيجاد فرص للعمل وقد يكون ذلك لأسباب عديدة تتصل بأوضاع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

ولهذا تعتبر البطالة سمة من سمات نظام السوق ومرتبطة بهيكله ويتوقف حجمها على مدى فاعلية رجال الأعمال والدول ممثلة في سياساتها في القضاء على البطالة والتقليل من آثارها في الوقت المناسب. ولذلك فان معظم الاقتصاديون في هذه الأنظمة يقرون أن البطالة هي الثمن الذي تدفعه هذه المجتمعات لاهتمام النظم في الإبقاء على حرية سوق العمل فهي تعتبر ثمنا للحرية والتخلص من الرق والاستعباد والإقطاع. (6)

كما يمكن تعريف البطالة بأنها التوقف الإجباري لجزء من القوة العاملة في الاقتصاد عن العمل مع وجود الرغبة والقدرة على العمل. والمقصود بالقوة العاملة هو عدد السكان القادرين والراغبين في العمل مع استبعاد الأطفال (دون الثامنة عشرة) والعجزة وكبار السن. وللحصول على معدل البطالة يمكن استخدام المعادلة التالية :

المفاهيم والأسس التي اتبعتها مختلف المدارس الفكرية والاقتصادية في تعريفها وتعليلها لنشوء ظاهرة البطالة من حيث الأسباب والنتائج والتقييم والتأثير على مختلف القطاعات الاقتصادية في المجتمع.

إن حدة البطالة ونتائجها وتأثيراتها في النظام الرأسمالي دفعت بعدد كبير من المفكرين من مختلف مدارس الاقتصاد السياسي إلى محأولة تحليلها وتفسيرها وإبراز انعكاساتها الاجتماعية والسياسية وواضح من خلال وجهة نظر تلك المدارس المختلفة أمثال المدرسة الكلاسيكية القديمة والمدرسة الماركسية والمدرسة النيو كلاسيكية  ومدارس أخرى وتفسيراتها للبطالة أن كل مدرسة كانت تنطلق من موقع طبقي واجتماعي معين في التحليل. بحيث كانت هذه المدارس السند الفكري والإيديولوجي لطبقات اجتماعية تريد أن تسود اقتصاديا وسياسيا ولكي نقف عند تلك المواقف والتنظيرات في مفهوم البطالة توجب علينا التوقف قليلا عند كل مدرسة من تلك المدارس لنتمكن من تكوين إطارا من الفهم الموجز حول تلك المدارس في نظرتها لمسألة البطالة ومن هذه المدارس نتوقف عند بعضها ومنها:

مفهوم البطالة لدى المدرسة الكلاسيكية
ومن وجهة نظر الاقتصاد السياسي الكلاسيكي فقد فسر البطالة باعتباره التوجه الإيديولوجي الذي عبر بوضوح تام عن مصالح ووعي الطبقة البورجوازية الحاملة لمشروع الرأسمالية الصناعية في نهاية القرن 17، وقد عرف بداياته الأولى مع كتابات وليم بيتي (1623- 1685) ليصل على أوجه مع أعمال آدم سميث (1723-1790) وديفيد ريكاردو(1772- 1823)، وقد شكل رواد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي أهم المعاول التي استهدفت المدرسة التجارية / الميركانتيلية وأبرز المنظرين للبورجوازية الصناعية الصاعدة خاصة في انكلترا.

لقد أفرد الكلاسيكيون أهمية بالغة للبعدين الاجتماعي والسياسي في تحليل الظاهرة الاقتصادية رابطين في تحليلهم مشكلة البطالة بالمشكلة الديموغرافية وبتراكم رأسمال والنمو الاقتصادي وبالطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وأهم ما شغل تفكير الكلاسيكيين هو مشكل التوزيع والربح وتأثيره في تراكم رأس المال حيث يقول ريكاردو في رسالتة إلى مالتس إن الاقتصاد السياسي ليس بحثا في طبيعة الثروة وأسبابها وإنما هو بحث في القوانين التي تعين على تقسيم ناتج الصناعة بين الطبقات التي ستشترك في تكوينه ” وقد ارتكزت دعائم الفكر الاقتصادي الكلاسيكي على النقاط التالية:

  • خضوع الاقتصاد إلى قوانين طبيعية موضوعية صارمة مستقلة عن وعي الناس وإرادتهم.
  • الحرية الاقتصادية (حرية التجارة، حرية العمل، حرية التعاقد) من خلال شعارهم البارز ” دعه يعمل… دعه يمر”. وذلك للحد من تدخل الدولة أو أي طرف آخر مثل النقابات العمالية.
  • رفض الاحتكار من خلال الإعلاء من شأن المنافسة الحرة الكاملة في جهاز السوق الفعال القادرعلى تجأوز أخطائه ومشاكله بصفة تلقائية وطبيعية فهو الذي يحدد كميات الإنتاج وأشكال توزيع الناتج الإجمالي وكذلك الأسعار وحجم الإنتاج والأجور وأي خلل يتكلف به ما كان يعرف بالرجل الاقتصادي عند الكلاسكيين.(7)

مفهوم البطالة لدى المدرسة الكينزية

“كنت ترى بائعي السندات السابقين على أرصفة الشوارع يحأولون بيع التفاح، على حين أصبح الكتبة السابقون يطوفون أحياء المال لكي يعيشوا على تلميع الأحذية ومسحها. وأخذ المتعطلون والمشردون يرحبون بالقبض عليهم بتهمة التشرد بغية الحصول على الدفء والطعام في السجن. وطلب أكثر من مائة عامل أمريكي العمل في الاتحاد السوفياتي.” بهذه الصورة القاتمة يختزل شانون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يعرفها المجتمع الأمريكي وهي الظروف التي ستعلن عن ميلاد واحدة من أهم المدارس الاقتصادية ألا وهي المدرسة الكنيزية.

ولم يحدث قط في تاريخ الخمسين سنة الماضية أن تدهورت دخول الناس كما هوت في هذه الأزمة التي لم تبق على مرتبات الموظفين وذوي الدخول الثابتة والزراعيين، وهي الدخول التي من النادر أن تكون قد مست أو لم تمس على الإطلاق في الأزمات السابقة. ” لقد أدت مرحلة الأزمة هذه إلى تحولات جوهرية في دور الدولة التي كانت في السابق وبفعل ضغط الكلاسيكيين والنيوكلاسيك – المحايدة بشكل مطلق – لتتحول إلى جهة متدخلة على عكس التصور الرأسمالي الذي يمنح للسوق أهمية بالغة وقد تجلى تدخل الدولة وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع السياسة التي نهجها فرانكلين روزفلت والمعروفة  ( بالنهج الجديد) مركزة على العامة لزيادة حجم الطلب الكلي وكان لهذه السياسة آثار إيجابية على خفض معدلات البطالة والفقر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بريطانيا وألمانيا مع صعود النازية واتجاهها نحو الأشغال الكبرى والتسلح الضخم.

لقد برز كينز في كنف هذا التدخل الدولي في الشأن الاقتصادي على نحو غير مسبوق فنزعت نظريته إلى تبرير وتنظير هذا التدخل حيث يتبين من كتابات كينز ما لدور الدولة من أهمية في إقامة التوازن للنظام الرأسمالي وبالتالي نقض الأطروحة الكلاسيكية والنيوكلاسيكية. فقد ركز كينز على أهمية الطلب الكلي الفعال والذي يقسمه إلى طلب على سلع الاستهلاك من جهة وطلب على سلع الاستثمار وهذا الطلب هو الذي يحدد حجم العرض الكلي وبالتالي حجم الناتج والأجور والعمالة. وبالنتيجة فإن البطالة هي المقابل الموضوعي لضعف الطلب الكلي الفعال ولغرض القضاء عليها يجب تنمية الطلب الكلي لـكينز أن يتعادل الادخار مع الاستثمار عن طريق الاشتقاق المنطقي من المعادلات التالية:

وتتضح أهمية هذه الخلاصة في ضوء المستجدات التي عرفها النظام الرأسمالي على عهد كينز حث بفاعلين جدد إلى مجال التحكم في الادخار والاستثمار عبر الأسواق النقدية والمالية وهو ما لم يعايشه الكلاسيكيون والنيوكلاسيك الذين لم يضعوا في الحسبان إمكانية انفصال الادخار عن الاستثمار إذ اعتبروا كل ادخار هو استثمار وبالتالي فلا مجال لوجود خلل بين العمليتين وهو ما أصبح ممكنا في عهد كينز الذي اعتبر الكساد والبطالة هما الحصيلة الموضوعية للخلل ما بين الادخار والاستثمار ومن ثم نادى بتدخل الدولة “فلو افترضنا مثلا أنه في فترة ما زاد حجم الادخار على الاستثمار فإننا نجد حسب المنطق الكنيزي أن الطلب الكلي الفعال سوف يقل عن العرض الكلي. في هذه الحالة سنجد أن المخزون السلعي في قطاع الأعمال يتزايد عن مستواه الطبيعي وتتراكم السلع في المحلات التجارية وتنخفض الأسعار وتقل الأرباح الذي يؤدي إلى الإقلال من حجم الناتج وتتزايد الطاقة العاطلة وتحدث البطالة وينخفض مستوى الدخل الوطني.

ولما كانت هناك علاقة دالية (علاقة ارتباط) بين مستوى الدخل الوطني ومستوى الادخار الوطني فإن انخفاض الدخل الوطني سيؤدي خلال الفترة الجارية إلى تقليل حجم الادخار حتى يتعادل مع حجم الاستثمار في نهاية الفترة. وبذلك يتحدد توازن الدخل الوطني عند مستوى أقل من مستواه في بداية الفترة. وخلال هذه الفترة يكون هناك انكماش قد حدث مسببا معه حدوث بطالة بين صفوف العمال.

مفهوم البطالة لدى النيوكلاسيك والاشتراكيين الطوبأويين
لقد جاءت أعمال الاقتصاديين الإنسانيين في أعقاب النتائج المدمرة التي خلفتها الرأسمالية الصناعية على المستوى الإنساني حيث انتشرت مظاهرالبؤس والفقروالبطالة والدعارة والجريمة وارتفعت بذلك الهامشية الاجتماعية وعادت أوربا إلى ممارسات العبودية والاستغلال اللاإنساني للطبقة العاملة بل حتى الأطفال لم يتم استثناؤهم من الآلة الهمجية للاقتصاد الرأسمالي الصناعي.

لقد ركز الاقتصاديون الإنسانيون على أن البطالة هي النتيجة الموضوعية لهيمنة الملاك على الأرض والرأسماليين على وسائل الإنتاج وبالتالي الهيمنة على القيمة التي هي ناتج عمل القوى البشرية ( العمالة ) بينما مالكي وسائل الإنتاج ما هم إلا مجموعات طفيلية على هامش الإنتاج تسعى فقط إلى السيطرة على فائض القيمة وتنمية الأرباح بخفض تكاليف الإنتاج وخاصة تسريح اليد العاملة أو استغلالها استغلالا بشعا لذا اعتقدوا ومعهم لفيف من المفكرين الاقتصاديين بأن للطبقة العاملة الحق في أن تفهم آليات الاقتصاد السياسي لكي تفهم آليات الاستغلال وبالتالي تنظيم صفوفها لمواجهة الرأسمالية وهو ما تحقق في العام 1825م. في بريطانيا إذ صدر أول قانون يشرع لتأسيس نقابات عمالية.
لمواجهة هذه الوضعية نشأت المدرسة الحدية النيوكلاسيكية كتعبير للبورجوازية الخائفة من تفاقم وعي الطبقة العاملة ونتائجه السلبية على مصالحها حاملة معأولها لهدم العلاقات الاجتماعية للاقتصاد وللتأكيد على قانون ساي من جديد ونفي تعرض النظام لأزمة فائض الإنتاج كما أكدت المدرسة الماركسية وبذلك رفضوا رفضا مطلقا إمكانية حدوث بطالة واسعة إذ أن المنافسة الكاملة تمكن الاقتصاد من بلوغ التوظيف الكامل وبالتالي لا يمكن تصورالبطالة في هذا النظام إلا بصورتها الاختيارية أو الهيكلية ولعل الظروف التاريخية (في نهاية القرن 19) التي اشتغلت فيها المدرسة النيوكلاسيكية والتي صادفت الحركة الاستعمارية التي ساهمت في تراكم رأس المال في البلدان الصناعية نظرا لعمليات النهب الكبيرة التي تعرضت لها في دراستها حول “ما هو الاقتصاد السياسي حيث مكنت هذه الوضعية من تحسن نسبي في الجوانب الاجتماعية للطبقة العاملة إضافة إلى التقدم التكنولوجي الهائل الذي عرفه العالم آنذاك (التلفون، الكهرباء، السيارة…الخ). في ختام هذا الجرد لتصورات النيوكلاسيك يتضح لنا بأن هذه المدرسة لم تعطي عناية ملمة لموضوع البطالة وذلك لطابعها المحافظ الذي آمن بالتوظيف الكامل للاقتصاد. (8)

أنواع البطالة:

لم تعد البطالة في تعريفاتها ومفهومها الاقتصادي يقتصر فقط على تعريف العاطل عن العمل هو الشخص الفاقد للعمل بل تجاوز مفهوم البطالة التي مستويات أوسع وأكثر شمولية بحيث تم تصنيف أنواع عديدة من البطالة وإدخالها ضمن تعريفات البطالة ولكي نتعرف على أشكال البطالة ارتأينا ان نلقي الضوء على البطالة بجميع أنواعها وهي تصنف كالتالي:

البطالة الاحتكاكية (Frictional Unemployment)

وهي عبارة عن التوقف المؤقت عن العمل وذلك بسبب الإنتقال من وظيفة لأخرى أو التوقف المؤقت للبحث عن وظيفة أخرى أو في سبيل الدراسة  وهكذا.

البطالة الهيكلية (Structural Unemployment)

وهي البطالة الناجمة عن تحول الاقتصاد من طبيعة إنتاجية معينة إلى أخرى. فتحول الاقتصاد الكويتي مثلاً إلى اقتصاد نفطي أدى إلى فقدان الكثير من البحارة الكويتيون لوظائفهم البسيطة وبصورة شبه دائمة. إلا أن مثل هذا النوع من البطالة يمكن التغلب عليه عن طريق اكتساب المهارات الإنتاجية المطلوبة والتدريب على مستلزمات الطبيعة الإنتاجية الجديدة للاقتصاد.

البطالة الدورية  (Cyclical Unemployment)

وهي البطالة الناجمة عن تقلب الطلب الكلي في الاقتصاد حيث يواجه الاقتصاد فترات من انخفاض الطلب الكلي مما يؤدي فقدان جزء من القوة العاملة لوظائفها وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة في الاقتصاد. إلا أن هذه النسبة تبدأ بالإنخفاض عندما يبدأ الطلب الكلي بالارتفاع مجدداً.

البطالة الموسمية (Seasonal Unemployment)

وهي البطالة الناجمة عن انخفاض الطلب الكلي في بعض القطاعات الاقتصادية (وليس الاقتصاد ككل). فقد تشهد بعض القطاعات الاقتصادية (كقطاع السياحة مثلاً أو الزراعة أو الصيد) فترات من الكساد مما يؤدي إلى فقدان العاملين في هذه القطاعات إلى وظائفهم مؤقتاً.

البطالة المقنعة (Disguised Unemployment)

لا يعني هذا النوع من البطالة وجود قوة عاملة عاطلة بل هي الحالة التي يمكن فيها الاستغناء عن حجم معين من العمالة دون التأثير على العملية الإنتاجية حيث يوجد هناك نوع من تكدس القوة العاملة في قطاع معين وغالباً ما تتقاضى هذه العمالة أجوراً أعلى من حجم مساهمتها في العملية الإنتاجية.

البطالة السلوكية (Behavioral Unemployment)

وهي البطالة الناجمة عن إحجام ورفض القوة العاملة عن المشاركة في العملية الإنتاجية والإنخراط في وظائف معينة بسبب النظرة الإجتماعية لهذه الوظائف.

البطالة المستوردة (Imported Unemployment)

وهي البطالة التي  تواجه جزء من القوة العاملة المحلية في قطاع معين بسبب إنفراد أو إحلال العمالة غير المحلية في هذا القطاع. وقد يواجه الاقتصاد هذا النوع من البطالة في حال انخفاض الطلب على سلعة معينة مقابل ارتفاع الطلب على سلعة مستوردة. (9)

أسباب البطالة
تعتبر البطالة من اشد المخاطر التي تهدد استقرار و تماسك المجتمعات العربية، و ليس بخاف أن أسبابها تختلف من مجتمع عربي لآخر، و حتى أنها تتباين داخل نفس المجتمع من منطقة لأخرى. و يمكن في هذا الصدد أن نوعزها لأسباب اقتصادية، اجتماعية و أخرى سياسية. كل سبب من هاته الأسباب له أثره على المجتمع من حيث إسهامه في تفاقم مشكلــة البطالة. بناء عليه على ما تقدم أمكن حصر أهم الأسباب التي تقف وراء تنامي الظاهرة في البلدان العربيــة في النقاط التالية:
– إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في البلدان العربية (10)؛
– نمو قوة العمل العربية سنويا؛
– انخفاض الطلب على العمالة العربية عربيا و دوليا ؛
– المنعكسات السلبية للمتغيرات الدولية على العمالة العربية.

1 ـ إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في البلدان العربية

بالإمعان في تطور النمو الاقتصادي في البلدان العربية، نجد أنها قد جاءت مخيبة للآمال و لم تحقق ما كان منتظرا منها، فلم ترفع مستوى نصيب دخل الفرد العربي بدرجة محسوسة، و أشد من هذا أن الفجوة بين الدول العربيـة و الدول الصناعية المتقدمة في تزايد مستمر لتباين معدلات النمو في كل منهـا، و يمكـن تحديد أشد العقبات التي تواجه الدول العربية في هاته المسألة من تأخرها عن مساعي التنمية، حيث يوعز ذلك إلى جمود الهيكــل الاقتصادي للدول العربية إضافة إلى تأخرها في الجهود الإنمائية و الصناعية، حيث نجد أن صناعاتها الآن بالضرورة ناشئــة لا تستطيع منافسة منتجات الدول الصناعية إلا إذا توافرت لها دفع من أنواع الحماية. و ما يزيد من العقبات التي تواجههـا الدول العربية نتائج تباطؤها في تحقيق معدلات النمو الاقتصادي و فشل سياساتها الاقتصادية التي كان ينتظر منها تقليــل قلاقل تفاقم أزمة البطالة بها.
إن ما نبرزه في هذا المقام هو بعــض الجوانب التي تعيق تقدم مخططات التنمية الاقتصادية هاته الــدول، حيث تبين هذه العقبات جانبا آخر من مسـاوئ الوضع الذي تواجهه الدول العربية نتيجة تأخرها في سلم التقدم الاقتصادي ، و التي يمكن تحديدها وفقا للنسق الموالي:

1 ـ 1 ـ فشل برامج التخطيط الاقتصادي و تفاقم أزمة المديونية الخارجية
في البلدان العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية، و خاصة بعد الوفرة النفطية التي شهدتها فترة مطلع السبعينات، فقد دلت دراسة أجراها مركز دراسات الوحدة العربية أن من أبرز مظاهر خطط التنمية الاقتصادية هو وقـوع أغلب الدول العربيـة في مأزق المديونية الخارجية التي وصلت سنة 1995 إلى نحو 220 مليار دولار، و في المقابل هروب رؤوس الأمــوال العربية إلى الخارج و التي تقدرها بعض المصادر بأكثر من 800 مليار دولار أمريكي، و كذا وجود أزيد من 60 مليون أمـي عربي و 9 مليون طفل لا يتلقون التعليم الابتدائي، و بالنظر لغالبية السكان في الدول العربية نجد أنها تقع ضمن شريحـة الدخل المتــدني و خاصة في الأرياف ، و أكثر من 10 ملايين لا يحصلون على طعـام كـاف.
هذا إضافة إلى غياب التخطيط الاقتصادي المنهجي و عدم تطابق برامج التعليم في معظـم الدول العربية مع حاجات سوق العمل الفعلية، كما أن التكوين التعليمي في معظم الدول العربيـة لا يتجــاوب مع التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في عالم اليوم.
1 ـ 2 ـ تبعات تنفيذ برامج الخصخصة
أدى تطبيق هذه البرامج إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال في شركـات و مؤسسات القطاع العام. و في هذا الصدد يمكن الاستدلال بحالة الجزائر، فقد انتقل معدل البطالة من حدود 17% سنة 1986 إلى 30 % خلال السداسي الأول لسنة 1999 بسبب ما رافق الإصلاحات من تسريح للعمال و غلق للوحدات.
كما نشير هنا أن الحكومات العربية تخلت عن دورها التخطيطي بعد أن أصبح دورها يتركز فقـط على الإشــراف أو التوجيه عن بعد، و بالتالي غابت الأدوات الفعالة لتنفيذ الخطط التنموية و على رأسها الحد من البطالة.
نتج عن خصخصة مشروعات القطاع العام موجة تسريح هائلة من العمالة الموظفة لديها، و خاصة العمالة ذات الأجور المرتفعة أو خفض رواتب العمال الذين بقوا في وظائفهم. و قد أصبحت عمليات الخصخصة التي تجرى على نطاق واسع أكبر مصدر لنمو البطالة في البلدان العربية، و يضاعف من حرج الموقف قيام الشركات الأجنبية التي أصبحت تمتلك هذه المؤسسات بترحيل أرباحها للخارج مما يؤثر سلبا موازين المدفوعات و القدرة التراكمية للبلدان العربية.

1 ـ 3 ـ إخفاق برامج التصحيح الاقتصادي

باءت أغلب برامج التصحيح الاقتصادي التي طبقتها الدول العربية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في إحداث أي نمو اقتصادي حقيقي، و بنسب مقبولة تعمل على التخفيف من حدة البطالة في هذه الدول، بل على العكس من ذلك تماما فقد وسعت هذه البرامج الفجوة و زادت من أعداد العاطليـن عن العمل، و كذا إفقار قطاعات كبيرة من الشعب نتيجة لرفع الدعم على السلع و الخدمات الأساسية. انبثق عن تطبيق هذه البرامج سياسات نقدية و مالية و توجهات اجتماعية زادت من حدة البطالة في هذه الدول، و نذكر منها :
– تخلي الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين و تقليص التوظيف الحكومي؛
– تقليص معدل الإنفاق العمومي الموجه للخدمات الاجتماعية أدى إلى خفض مواز في طلب الحكومة على العمالة المشتغلة بهذه الخدمات ؛
– تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي أدى إلى خفض الاستثمار الحكومي في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستوعب الأيدي العاطلة.
نشير في هذا الصدد أن الدول العربية خاصة النفطية منها قد عادت من جديد للاهتمام بقطاعات كانت قد تخلت عنها خلال فترة انهيار أسعار النفط لتعاود دعمها من جديد، و خير مثال تستدل به هو حالة الجزائر، حيث أنها عادت من خلال طرحها لمشروع الإنعاش الاقتصادي و الذي رصدت له مبالغ مالية ضخمة .
ارتفعت معدلات البطالة في السنوات الأخيرة في البلدان العربية بسبب أثر برامج التثبيت و التعديل الهيكلي التي تسارع تطبيقها. يؤكد التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة 1996 أن استمرار تطبيق برامج التثبيت الاقتصــادي و التكيف الهيكلي أدى إلى استمرار تفاقم المشكلة .
1 ـ 4 ـ التوجيه غير السليم للموارد المالية العربية
ذلك من خلال استنزاف معظم الموارد المالية العربية خلال فترة انتعاش أسعار النفط في الإنفاق على التسلـح و تمويل الحروب التي اندلعت في المنطقة العربية، مما أدى بها إلى الوقوع في شراك المديونية و خدمتها جد المكلفة. و قد بلغت حدة هذا التأثير السلبي ذروته حينما حدث الغزو العراقي للكويـت و اندلاع حرب الخليج الثانية، ناهيك عن الأولى، حيث عادت أعداد كبيرة جدا من العمالـة المهاجـرة إلى بلدانهـا. حيث خرج في هذه الآونة مليونيـــن و 510 ألف عامل عربي بنسبة 77.7 %من جملة العمالة العائدة و في عامــي 1990 -1991 و الشطر الأكبر من هؤلاء أضيف إلى رصيد البطالة المتراكم في بلدانهم.

2 ـ انخفاض الطلب على العمالة العربية عربيا و دوليا

إن اخطر ما نتج عن تدهور أسعـار النفـط عالميــا في سنوات ما قبل بداية الألفية الحالية في أوضاع العمالة العربية و التشغيل في البلدان العربية غير النفطية، هو ذلك الأثـر المتمثل في انخفاض طلب دول الخليج العربية على العمالة العربية، و ذلك أن الطلب بدا يقل تدريجيا ابتداء من النصـف الثاني من الثمانينات و زاد هذا الانخفاض مع اقتراب استكمال مشروعات البنية التحتية في نهاية الثمانينات و كذا تشهد دول الخليج العربية إحلالا للعمالة العربية بالعمالة الآسيوية خاصة، و ذلك لعدة أسباب منها انخفاض أجر هذه الأخيـرة و الحد من الهجرة العربية نحو هذه الدول خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، و كذا شروع بلدان مجلس التعاون الخليجي و التي تعد من أكبر المناطق استيعابا للعمالة العربية في تطبيق سياسات توطين العمالة، و هو ما تسبب في فقدان عشرات الآلاف من العمال العرب لوظائفهم، و في المقابل قامت الولايات المتحدة الأمريكية و الدول الغربيـة باتخـاذ إجراءات صارمة بحق الداخلين إليها، إضافة لموجة العداء و الكراهية و الاستفزاز التي سادت منذ أحداث الحادي عشـر من سبتمبر، و هو ما أثر سلبا على تحرك العمالة العربية في العالم و أدى إلى حدوث هجرة عكسية واسعة .
3 ـ نمو قوة العمل العربية
أصبحت اغلب الدول العربية تتحمل عبئا كبيرا في سبيل مواجهة تفاقم أزمة البطالة خصوصا بين الشبــاب و ذوي الشهادات العلمية و التقليل من آثارها السلبية، و ذلك بسبب تداخل عدد من العوامل ذات العلاقة المباشرة بقضية التشغيل كالنمو السكاني، نمو القوى العاملة و مستويات مهارتها و إنتاجيتها، الأداء الاقتصادي و التطورات الاجتماعية.
على الرغم من تحقيق البلدان العربية تقدما في بعض المؤشرات الاجتماعية كانخفاض معدل الوفيات، تحسن متوسط العمر المتوقع عند الولادة و في معدلات الأمية. لا تزال العديد من الدول تعاني من بعض هاته المشاكل و على رأسها نمو القوى العاملة بمعدل أكبر من معدلات نمو فرص العمل.
يقدر عدد السكان الإجمالي للدول العربية لسنة 2003 بحوالي 302 مليون نسمة مع تباين كبيـر بين هـذه الـدول إذ يتراوح بين 638 ألف نسمة في قطر و 67 مليون في مصر.
يقدر النمو السكاني في البلدان العربية للفترة1995- 2003 بحوالي 2.4 % ، و يعتبر هذا المعدل الأعلى بين الأقاليم الرئيسية في العالم باستثناء دول إفريقيا جنوب الصحراء(24)، كما يعتبر معدل النمو السكاني في الدول الخليجيــة و ليبيا مرتفعا مقارنة بباقي الدول العربية نتيجة زيادة عدد العمالة الوافدة إليها.
كما نشير إلى أن الفترة الممتدة بين 1970- 2001 قد تميزت بزيادة أعداد المهاجرين من الأرياف إلى المدن، حيـث تراوحت بين 25% – 50 % من سكان الريف، و ذلك بالنسبة لمعظم البلدان العربية نتيجة عدم توفر فرص العمل المناسبة و نقص الخدمات في الناطق الريفية مما أدى إلى اكتظاظ المدن و تزايد معدلا البطالة.

إن أهم ما يميز التوزيع السكاني في الدول العربية هو ارتفاع نسبة الفئة الأقل من 15 سنة مما يطرح مشكلـة مستقبليـة عويصة في الأجل القريب بسبب طلبهم المتوقع للعمل، حيث تتراوح هذه النسبة بين 25 % في الكويـت و 46 %في اليمن، بينما تتراوح نسبة السكان في الفئة العمرية 15 – 65 سنة بين حوالي 50% في اليمــــن و 74% في الكويت بسبب ارتفاع أعداد العمالة الوافدة إليها و التي تقع ضمن هذه الشريحة.
قدر حجم القوى العاملة العربية حسب إحصائيات سنة 2003 بحوالي 110 مليون مقابل 300 مليون نسمـة أي ما يعادل حوالي 37% من إجمالي سكان الدول العربية. تعود هذه الظاهرة إلى مجموعة عوامـل ديمغرافيـة و اجتماعيـة من أهمها التركيبة السكانية التي تتصف بالفتوة، حيث ترتفع نسبة السكان في الفئة العمرية 15 سنة فأكثر كما أسلفنـا الذكر إلى 50 %، إضافة إلى انخراط الشباب في مراحل التعليم المختلفة.
أدى النمو السكاني السريع إلى ارتفاع معدلات نمو القوى العاملة العربية بنسبة 3.1% خــلال الفترة 1995 -2001 و الذي تجاوز معدل النمو السكاني البالغ 2.5% خلال نفس الفترة الزمنية.
تتباين معدلات نمو القوى العاملة فيما بين الدول العربية، حيث يشير التقرير الاقتصادي العـــربي الموحد لسنة 2003 لارتفاعها عن المتوسط العام للدول العربيـة، وذلك في تسع دول هي الأردن، سوريا، اليمن، الجزائر، السعودية، العـراق، عمـان، لبنــان و ليبيــا، إذ تتراوح ما بين 3.2%و 5.5% .
من المتوقع أن يستمر نمو معدلات القوى العامة العاملة العربية لعدة عقود قادمة، مما يسمح بوصول أعداد كبيرة من العمالة لسوق العمل سنويا، ورغم ارتفاع هذه المعدلات فلا تزال نسبة مشارك المرأة منخفضة، حيث لا يتجـــاوز 29% من القوى العاملة باستثناء بعض الدول لعربية التي تتميز بمشاركة أكبر للمرأة خاصة في المجال الزراعية.
و ما يجـب التنبيه إليه في هذا المقام هو ما تدور حوله مشكلة البطالة في الوطن العربي هو ذلك التباين الموجود بين النمو الحادث بين قوة العمل و النمو المتواضع الذي ينمو به الطلب على العمالة سنويا، كما يمكن إيعاز هذا الاختـلال أيضا التباين الموجود بين نمو الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية و معدل نمو قوة العمل بها.

4 ـ المنعكسات السلبية للمتغيرات الدولية على العمالة العربية
تبقى كثير من الدول العربيـة بمنأى عـن تأثيـرات و اتجاهات العولمة و الاندماج الفعلي في نظام التجارة العالمي و الأسواق العالمية باستثناء الدول العربية النفطية التي تعتمد في علاقاتها مع الأسواق العالمية عل تصدير النفط إليها و استيراد احتياجاتها من السلع الاستهلاكية و الإنتاجيـة من هذه الأسواق. كما نعلم أنه خلال العقود الثلاثة الماضية اتجهت الاستثمارات الرأسمالية العالمية بصورة أساسية إلى دول شرق آسيا و بعض دول أمريكا اللاتينية عبر الشركات المتعددة الجنسيات، و لم يكن نصيب الأقطار العربية من هذه الاستثمارات بالقدر الذي يستحق الذكر، و على عكس ذلك من المفارقات العجيبة أن القسم الأكبر من الموارد المالية العربيـة و بصورة خاصة الفوائض المالية النفطية اتجهت صوب الأسواق و المصارف العالمية لتصب في دورة رأس المال العالمــي و إعادة إنتاجه في غير الدول العربية، حيث يقدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أنها بلغت حوالي 800 مليار دولار أمريكي سنة 1991، بعد أن كانت أضعافا قبل حرب الخليج.
لتأكيد تأثير المتغيرات الدولية على العمالة العربية، تجدر الإشارة إلى أن تطور التقسيـم الدولي الجديـد للعمـل، دفع بالشركات المتعددة الجنسيات للاهتمام بالدول الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية و تركيز استثماراتها في هذه الدول التي تدر أقصى ما يمكن من الأرباح، فمن أصل 500 شركة دولية كبرى تركز ثلث عددها على الفـروع الصناعيـة التي تتطلب استخداما عاليا لنتائج البحوث العلمية و التقنية، و غالبا ما تحتفظ هذه الشركات بمراكز البحوث و التطوير في مقراتها الرئيسية، و ما يمكن قوله في هذا المجال و نتيجة لاتجاهات الشركات الدوليـــة و خياراتها لمناطق الاستثمار في العالم التي تحقق مصالحها، فان المنطقة العربية مازالت خارج اهتمام هذه الشركات باستثناء الشركات الدولية العاملة في مجالات النفط و مشتقاته و التي تستخدم تقنية عالية و أيدي عاملة عالية التأهيــل، و قد تكون غيـر عربيــة في كثير من الأحيان.يقدر عدد العاطلين عن لعمل في الوطن العربي حوالي 12 مليون فرد و حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لسنة 1999 فإن عددا من الدول العربية (السودان، اليمن، الصومال، موريتانيا ) تقع في ترتيب الدول ذات التنمية المنخفضة أو ما يطلق عليه بلدان الفئة الثالثة، و التي يبلغ نصيب الفرد من الاستثمارات الإجمالية حوالي 04 دولارات فقط، بينما يزيد نصيب الفرد من الاستثمارات في بعض الدول العربية ذات الفئة الثاني،وحسب نفس التقرير 31 دولارا، في حين يقارب 300 دولارا في الدول ذات الفئة الأولى.
لتبيان أثر الاتجاهات الدولية وأسواق العمل الدولية على العمالة العربية في ظل الأوضاع العربيـة الاقتصادية السائدة، يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة في بعض الدول العربية فعلى سبيل المثال بلغ عدد العاطلين عن العمـــل من الخريجين الجامعيين في مصر مليون وثمانمائة ألف عاطل عام 1995 ، كما هو معروف بدأت مصر تجربـة الانفتاح والخصخصة وتحرير التجارة والأسواق في العديد من القطاعات قبل غيرها من البلدان العربية.
أما في الجزائر فقد بدأت سياسات التصنيع الثقيل بواسطة الشركات الأجنبية العملاقة وانتشرت مشاريع تسليم المفتاح باليد منذ مطلــع السبعينات وحيث تم التركيز على رفع إنتاجية العمل بالاعتماد على التقنيات الحديثة دون الاهتمام بالتشغيل واستيعاب قوة العمل الفائضة.
تعم البطــالة في الجزائر بين الشبـاب والنساء، فالبطالة والفقر يمكن إرجاع سببهما لما شهدته الجزائر خلال العشرية الماضية من أعمال تخريبية. كما يمكن أيضــا الاستدلال باليمن كمثال آخر عن التأثيرات السلبية الناجمة عن الخلافات العربية بالإضافة للعوامل الداخلية، فالبطالــة والفقر تفاقما إلى حد خطير بعد عودة العمال اليمنيين من دول الخليج على إثر حرب الخليج الثانية ونتيجة لما يسمــى بسياسات الإصلاح الاقتصادي التي تفرضها قوى العولمة التي أدت إلى التضخم الهائل وارتفاع الأسعار وعجز الحكومـة عن دفع رواتـب بعض فئات العمــال و الموظفين.
إن انخراط المنطقة العربية في اتجاهات النظام العالمي الجديـد قد يـؤدي في المستقبل إلى زيادة الاستثمـارات في بعض القطاعات التي تختارها القوى الممثلة لهذه الاتجاهات وفي مقدمتها الشركات الدولية وإلى زيادة إنتاجية العمل في بعض المؤسسات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالأسواق العالمية، إلا أن النتيجة المتوقعة للعولمة من خلال سياسات المؤسسات والمنظمات الدولية والشركات متعددة النشاط هي زيادة معدلات البطالة وتعميق الفقر وتعميمه. إذ يستحيل التفكير بأن الرأسمالية العالمية وتيارات أسواق العمل الدولية ستكون قادرة على حـل هذه المشاكل الحالية والمتفاقمة في المستقبل. ومن الملاحظ أن أسواق العمل في الدول المتقدمة تسعى فقط إلى جـــذب الكفاءات والأدمغة النادرة القادرة على التلاؤم مع معطيات التقنيات الحديثة في هذه الدول وذلك خلافاً لما كان عليـه الحال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فتحت الدول الأوربية أبوابها لليد العاملة الأجنبية ومنـها العربيـة ومن مستويات مختلفـة في المهارة لإعادة الإعمار وإصلاح ما خربته الحرب.

ثالثا : تراجع معدلات التشغيل في الوطن العربي و الآثار المترتبة عليها

تمثل البطالة إحدى التحديات الكبرى التي تواجهها البلدان العربية لآثارها الاجتماعية و الاقتصادية  الخطيـــرة، حيث طرحت منذ سنوات التحذيرات بشأن ما ستفرزه البطالة في واقع الدول العربية، و دق ناقوس الخطر من جـراء عواقبها السلبية على المن القومي العربي، و مع ذلك فإن معدلات البطالـة في البلـدان العربيـة تتزايد يوما بعد يوم.
سيتم في الموضع بداية تناول معدلات التشغيل في البلدان العربيـة و ذلك بهدف إعطاء صورة واضحة للقارئ عن هذه الاقتصاديات، ثم تقديم تحليل للآثار التي تفرزها مشكلة البطالة بها.
1 ـ تراجع معدلات التشغيل في الدول العربية
تعد البطالة من الظواهر السلبية التي تهدد السلم و الاستقرار الاجتماعي، باعتبار أن دخل الفرد من عمله يمثل صمــام الأمان و الاستقرار له و لمجتمعه، في حين أن البطالة و الحرمان من الدخل يولدان الاستبعاد و التهميش الاجتماعي علاوة على سائر العلل الاجتماعية الأخرى .
تعتبر معدلات البطالة في الوطن العربي الأسوأ في العالم حيث تجاوز معدلها 19.5% سنة 2001 مقارنــة بالـدول الإفريقية جنوب الصحراء (14.4 %) و البلدان الاشتراكية سابقا ( 13.5% ) و دول أمريكا اللاتينيـة (9.9% ) و بعض المناطق الآسيوية (أقل من 4.2 %).
يجب أن ننوه في هذا المقام إلى تلاشي فكرة أن هناك دولا محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد بالنسبة لحالة دول الخليـج العربية، و ما يثير الدهشة أن معدل البطالـة في أكبر دول الخليـــج العربي حجمـا و تشغيــــلا و استقبــالا للوافدين و هي المملكة العربية السعودية تقارب 9.6% بين السعودييـن وكذا الأمر بالنسبة لسلطة عمان حيث كان هذا المعدل يتجاوز 17.2% سنـة 1996 أو قطـر بنسبـة تقـدر بــ11.6% حسب إحصائيات سنة 2001 و ليبـيا بمعــدل 11.2% لسنة 1998، و هي بطالة ذات طبيعة خاصة أقرب ما تكون إلى البطالة الهيكلية. توعز أسبابها لسياسـات التعليم و التدريب و الاستخدام المنتهجة في هذه الدول.

 أصبح تفشي البطالة بين فئة الشباب خاصة، ظاهرة عالمية تعاني منها الدول النامية و المتقدمة على حد السواء تكـاد تكون هذه الظاهرة محورا أساسيا لكثير من النقاشات الاقتصادية و القرارات السياسية داخل كل دولة ، حيـث بلغت معدلات البطالة بين الشباب مستويات مرتفعة و بشكل متفاوت فيما بين الدول العربية، حيث بلغ هذا المعدل أقصـاه في البحرين 65% سنة 1997 و 61% في مصـر سنة 1998، و يتجــاوز ذلك في حالـة سـوريا
و تقـارب النسبة 40% في فلسطين و المغرب. أما بالنسبة للجنسين، فكان للذكور حظ ثلاثة إناث من البطـالة في الجزائر و بالعكس في حالة مصر، فللإناث حظ الذكرين و تقع لبنان بينهما، كما أن هذه النسبة تكاد تتساوى بين الجنسين في البحرين.
الأشد وقعا و إيلاما في بطالة الشباب هم حملة الشهادات، حيث أن مؤسسات التعليم و التدريب تبدو و كأنها مولـد للبطالة و الدخول المنخفضة وتعمل على هدر جهود التنمية البشرية. انتشرت هذه الظاهرة بداية في مصـــر و خاصة بالنسبة لحملة المؤهلات المتوسطة الذين يمثلون ما يزيد عن 70% من المتعلمين المتعطلين، و بالمقابل فإن 4.1% فقـط من المتعطلين هم من الأميين و نسبة أقل بين من يعرف القراءة و الكتابة بنسبة تقدر بـ 2.5% و هي حالة متطرفـة و غير أنها سرعان ما امتدت لتشيع بين الدول العربية الأخرى كالجزائر، المغرب، تونس، عمـــان، الأردن و سوريا…الخ

 

أبعاد تأثيرات البطالة على الاقتصاد:

البطالة يمكن وصفها بأنها داء يسري في عروق ودماء اقتصاديات العالم  فان أصاب أي اقتصاد في العالم بنسب مرتفعة تتجاوز 5% من مجمل القوى البشرية العاملة في أي مجتمع فانه يمكن القول بأن مراحل وعوارض التراجع قد بدأت بالظهور على جسم الاقتصاد وبتزايد تلك النسبة إلى معدلات أو مستويات أعلى سيخلف أثارا سيئة على صحة الاقتصاد لذلك البلد من دون أدنى شك. الأمر الذي يتطلب من الساسة والمفكرين الاقتصاديين الوقوف عند تلك الظواهر من اجل دراستها وتحليل أسبابها لكي يتم اختيار العلاج والترياق الشافي. ويمكن القول دائما أن الوقاية أفضل من العلاج وأنها أكثر اقتصادية من العلاج بحد ذاته الأمر الذي يدفع الجميع من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة إلى اليقظة والانتباه إلى أي خلل أو انحراف في مسيرة التنمية الاقتصادية. إن سلامة الوضع الاقتصادي هو انعكاس طبيعي لسلامة بقية القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى أي بعبارة أخرى إن سلامة الوضع الاقتصادي يعكس مدى التكامل والتناغم الحاصل ما بين المكونات الأساسية لأي مجتمع على وجه البسيطة مثل المكون الاجتماعي والمكون السياسي والمكون الاقتصادي. ولهذا علينا أن ندق ناقوس الخطر عندما نلحظ أن مؤشرات البطالة أخذه باتجاه تصاعدي وعلينا أن نجمع ونستحث الهمم لمعالجة مثل تلك الأزمات. ولكي نفهم مدى خطورة البطالة ارتأينا أن نتدارس تأثيرات البطالة على الأعمدة والمكونات الرئيسية لأي مجتمع سواء أكان متقدما أم ناميا. ولهذا الغرض فإننا سوف نتناول تلك الآثار وفق السياق التالي:

البعد الاقتصادي

يقول البرفسور لودفينغ فوس ميزس عليكم أن تتذكروا أنه في السياسات الاقتصادية لا توجد معجزات. لقد قرأتم في كثير من الصحف والخطب حول ما سمي بـ”المعجزة الاقتصادية الألمانية وان كل بلد يستطيع أن يمر بمعجزة مماثلة من النهوض الاقتصادي، على الرغم من إصراري على القول بأن النهوض الاقتصادي لا يتأتى عن معجزة الا إنه يتأتى عن تطبيق سياسات اقتصادية سليمة. وعليه يجب أن تكون الحكومة راعية ليس للناس أنفسهم ولكن للأحوال التي تسمح للأشخاص والمنتجين والتجار والعمال ورجال الأعمال والمدخرين والمستهلكين من متابعة ما يصبون إليه من أهداف بسلام. فإذا ما فعلت الحكومة ذلك وليس أكثر من ذلك فسوف يصبح الناس قادرين على العناية بأنفسهم أفضل كثيراً مما يمكن للحكومة أن تفعل. (11)

وللبطالة تأثيرات اقتصادية واجتماعية عديدة حيث تؤدي البطالة إلى الظواهر التالية:

  • البطالة تؤدّي إلى انتقاد الأمن الاقتصادي حيث يفقد العامل دخله وربّما الوحيد، ممّا يعرضّه لآلام الفقر والحرمان هو وأسرته.
  • تسبب البطالة معاناة اجتماعيّة وعائليّة ونفسيّة بسبب الحرمان وتدني مستويات الدخل.
  • تدفع البطالة الأفراد إلى تعاطي الخمور والمخدّرات وتصيبه بالاكتئاب والاغتراب الداخلي.
  • تدفع البطالة الأفراد إلى ممارسة العنف والجريمة والتطرّف.
  • تؤدّي البطالة إلى إهدار في قيمة العمل البشري وخسارة البلد للناتج الوطني.
  • تؤدّي البطالة إلى زيادة العجز في الموازنة العامّة بسبب مدفوعات الحكومة للعاطلين ( صندوق دعم البطالة ).
  • تؤدّي البطالة إلى خفض في مستويات الأجور الحقيقيّة.
  • تؤدي البطالة إلى انخفاض في إجمالي التكوين الرأسمالي والناتج المحلي وهذا ما يؤدي بمرور الزمن إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
  • تؤدّي البطالة إلى شلّ الحياة في بعض القطّاعات الإنتاجية بسبب لجوء العمّال أحياناً إلى الإضرابات والمظاهرات.
  • تؤدي البطالة إلى دفع العديد من الكفاءات العلمية وشريحة واسعة من المتعلمين إلى الهجرة الخارجية بحثا عن مصادر دخل جديدة لتحسين قدرتهم المعيشية ولتلبية طموحاتهم الشخصية التي يتعذر تحقيقها في مجتمعاتهم التي تعج بأعداد العاطلين عن العمل. حيث ساعدت البطالة على جعل الهجرة والسفر إلى الخارج حلما يراود أذهان الكثير من الشباب وتقول الإحصائيات انه خلال الـ15 سنة الماضية تزايد عدد من يعبرون الحدود سعيا وراء حياة أفضل بشكل مستمر ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين هناك فرد واحد من كل خمسة وثلاثين شخصا حول العالم يعيش كمهاجرين إننا إذا جمعنا كل المهاجرين في مكان واحد فإنهم سيكونون دولة هي الخامسة على مستوى العالم من حيث تعداد السكان. كما يقدر الخبراء أن ما تجنيه الولايات المتحدة من جراء هجرة الأدمغة إليها بنصف ما تقدمه من قروض ومساعدات للدول النامية وبريطانيا 56 % أما كندا فان العائد الذي تجنيه يعادل ثلاثة أضعاف ما تقدمه من مساعدات للعالم الثالث.(12)
  • تؤدي البطالة إلى خلق اختلالات كبيرة في مفهوم المواطنة والارتباط بالوطن حيث يسود الفهم الخاطئ اذا لم يكن الوطن قادرا على إعالتي أو حمايتي فلماذا انتمي إليه؟.

ومن هنا ننطلق في النظر إلى السياسات الاقتصادية السليمة التي يجب تبنيها ليتمكن المجتمع من الاستمرار في طريقه نحو التطور والتقدم وتحقيق معدلات نمو اقتصادية تضفي على سياسة التنمية المزيد من فرص تحولها من سياسة تنموية بحتة إلى تحقيق عامل الاستدامة الكفيل برفد الاقتصاد بجميع العناصر الضرورية لتامين النمو الاقتصادي وبالنسب المعقولة. فلا يمكن ترك الحابل على الغارب كما يقول المثل إلى القطاع الخاص باتخاذ عنصر المبادرة وحيدا دون ضوابط وقوانين تحد من طموحاته وتهذبها باتجاه السياسة التنموية المنشودة وكما لا يمكن إطلاق يد القطاع العام هكذا دون وجود عامل المنافسة من قبل القطاع الخاص والرقابة النوعية لكي يتمكن القطاع العام من مواصلة التطور والاندفاع نحو الأمام تحت مظلة التطور وتحسين الجودة الإنتاجية. فإذن إن إتباع سياسات اقتصادية سليمة ستمكن الاقتصاد من تدعيم فرص نموه وثباته حتى في حالة وقوع الأزمات.

البعد الاجتماعي

تعتبر البطالة من الأمراض الاجتماعية التي يواجهها المجتمع لما يترتب على تلك الظاهرة من آثار اجتماعية سيئة، تتمثل في أمراض وشرور اجتماعية ومشاكل عائلية قد تؤدي إلى تفكك المجتمع الذي تنشر فيه وتستفحل ويؤدي إلى انقسام هذا المجتمع وتشوه القيم الأخلاقية والاجتماع.(13)

حيث تمثل البطالة إن قدر لها الانتشار بشكل واسع بين صفوف الفئات العمرية القادرة على العطاء والتي تملك مخزونا من الطاقة الإنتاجية خطرا حقيقيا على صحة المجتمع الأمر الذي يعيق أي مجتمع متخلف إلى أن ينموا ويرتقي إلى مصاف المجتمعات المتقدمة فنيا وعلميا واقتصاديا وكما أن لهذا الداء أثارا تدميرية نفسية  على صحة المجتمع وعافيته وبكل قطاعاته المتنوعة حيث تفيد الإحصاءات العلمية أن للبطالة آثارها السيئة على الصحة النفسية والجسدية وأن نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل تعتريهم جملة من الخصائص النفسية التي نتوقف عند البعض منها:

  • يفتقد العاطلون عن العمل إلى تقدير الذات ويشعرون بالفشل.
  • يستشري الإحساس بانخفاض قيمتهم وأهميتهم الاجتماعية وأنهم أقل من اقرأنهم الذين يزاولون أعمالا وأنشطة إنتاجية.
  • وقد وجد أن نسبة منهم يسيطر عليها الملل وأن يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة .
  • أن البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو والنضوج العقلي.
  • أن البطالة تولد عند الفرد شعورا بالنقص بالإضافة إلى أنه يورث الأمراض الاجتماعية الخطيرة كالرذيلة والسرقة والنصب والاحتيال.
  • كما وأن الفرد العاطل عن العمل يشعر بالفراغ وعدم تقدير المجتمع فتنشأ لديه العدوانية والإحباط وكما ان البطالة تحرم المجتمع من الاستفادة من طاقة أبنائه حيث أن الأسر التي يفقد فيها الزوج وظيفته فإن التأثير يمتد بدوره إلى الزوجات وبقية أفراد الأسرة سلبا مما ينعكس بدوره على العلاقة الأسرية ومعاملة الأبناء داخل أهم مكون من مكونات المجتمع العام.

وتؤكد الأبحاث والدراسات التي أنجزت في هذا الشأن ومنها دراسة أعدها المركز الوطني للدراسات الاجتماعية والجنائية في جمهورية مصر العربية حيث أكد على نتائج خطيرة فيما يتعلق بخصوص تفشي ظواهر اجتماعية سلبية بشكل عام بين قطاعات كبيرة ومختلفة من أبناء المجتمع المصري وهو تأخر سن الزواج حيث كشف تقرير أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة في جمهورية مصر وبحوث الإحصاء حول الحالة الاجتماعية عن أن عدد عقود الزواج خلال عام 2004 قد انخفض إلى 491 ألف عقد مقابل 511 ألف عام 2003 وذلك بالرغم من تزايد عدد السكان وتشير الدراسات كذلك إلى أن متوسط عدد الفتيات والشباب في سن الزواج من 20 ـ 30 سنة في مصر لهو أكبر من حيث النسبة مقارنة بعدد الشباب في نفس السن في المجتمعات الأوروبية والنتيجة هي ارتفاع متوسط سن الزواج وإدراك الشباب بأنه ليس لديه أمل في الزواج فنشأت مأساة أخرى وهي وجود حاجة قائمة لم يتم إشباعها فكان البحث عن وسائل أخرى للتفريغ والإشباع فكان انتشار ( الزواج العرفي ) كمخدر وكمخرج ذاتي التكوين ( كرد فعل عكسي ) لعدم القدرة على الزواج الشرعي وكغطاء للعلاقات المحرمة البعيدة عن القيم والأخلاق. (14)

إن البطالة تؤثر في مدى إيمان الأفراد وقناعتهم بشرعية الامتثال للأنظمة والمبادئ والقواعد السلوكية المألوفة في المجتمع. وبذلك فإن البطالة لا يقتصر تأثيرها على تعزيز الدافعية والاستعداد للانحراف وإنما تعمل أيضاً على إيجاد فئة من المجتمع تشعر بالحرية في الانحراف. ووفقاً لهذه القناعة والإيمان فإن انتهاك الأنظمة والمعايير السلوكية العامة أو تجاوزها لا يعد عملاً خطأ أو محظوراً في نظرهم لأنهم ليسوا ملزمين بقبولها أو الامتثال لها.

أن الفقر والبطالة يؤديان إلى حالة من شعور الرفض والعداء تجاه المجتمع وعدم الإيمان بشرعية أنظمته والامتثال لها مما يؤدي إلى الانحراف والسلوك الإجرامي وبخاصة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس. لذا فإن ضعف الضوابط الأسرية وتأثير القيم العامة الذي ينتج من ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع يؤدي إلى ضعف الاستعداد والقابلية للامتثال والتكيف مع الأنظمة والضوابط الاجتماعية وهذا الوضع يكون سبباً رئيساً في زيادة نسبة الجريمة، وبخاصة جرائم الاعتداء على الأملاك (السرقة، وسرقة السيارات)، التي يصعب في الغالب السيطرة عليها من قبل المؤسسات المعنية بالضبط الإداري (الأجهزة الأمنية).حيث نجد أن معدلات جرائم السرقة للسيارات بمدينة الرياض  في المملكة العربية السعودية بين الأعوام ( من عام 1406 هـ / 1985م  – 1411هـ / 1990م) قد بلغت76.3%.

تؤدي حالة البطالة لدى الأفراد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي إضافة إلى أن كثيراً من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية. فمثلاً يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم. إضافة إلى أن العاطلين عن العمل يتعرضون للضغوط النفسية أكثر من غيرهم بسبب معاناتهم من الضائقة المالية، التي تنتج من جراء البطالة.

العمل يدعم ويعزز الوظائف التالية:

  1. تنظيم وجدولة الوقت.
  2. اللقاء والاتصال الاجتماعي.
  3. المشاركة في تحقيق أهداف أو مقاصد عامة.
  4. تحقيق الذات – المكانة والهوية.
  5. أداء وممارسة أنشطة معتادة.

 لذا فإنه في حالة البطالة والتعطل يفتقد الفرد هذه الوظائف على اعتبار أنه ليس هناك ما يدفعه أو يتطلب منه القيام بها، الأمر الذي يؤدي به إلى الشعور بعدم الانتماء والعزلة مما يحد من توافقه وتفاعله مع المجتمع. كما ثبت أن العاطلين عن العمل ممن تركوا مقاعد الدراسة بهدف الحصول على عمل ثم لم يتمكنوا من ذلك يغلب عليهم الاتصاف بحالة من الملل والوحدة والشعور بالغضب نحو المجتمع إضافة إلى الشعور بحالة من البؤس والعجز. علماً أن بعض الدراسات أكدت ازدياد وجود حالة الشعور بعدم الرضا عن الحياة لدى العاطلين عن العمل أكثر مما هي عليه لدى العاملين بدوام كامل.

لذا تحدث حالة البطالة خللاً في عملية التكيف النفسي – الاجتماعي للفرد مع مجتمعه، الأمر الذي يؤصل الشعور الدائم بالفشل والإخفاق مما يدفع إلى العزلة وعدم الانتماء وبهذا يصبح الفرد عرضة للإصابة بحالة الاكتئاب التي تؤدي بالفرد إلى اللجوء لتعاطي المخدرات وسيلة للخروج أو الهروب من معاناة الواقع ومواجهته علماً أن الاكتئاب يعد من أهم العوامل النفسية الدافعة إلى الإدمان وذلك لما يلازم حالة الاكتئاب النفسي من توتر وإحساس بالعجز عن مواجهة الضغوط الخارجية.(15)

البعد السياسي

إن الوضع السياسي والأمني يلعب أيضا دورا كبيرا في تغيير معدلات البطالة بشكل عام حيث نشهد أن الدول التي يكون فيها النظام السياسي نظاما مستقرا ويتمتع بنوع من الأمن والهدوء لا تحكمه أمزجة فردية  أو أحزاب أحادية المنهج والتكوين ويتمتع بقدر معقول من التعددية الحزبية التي تمارس دور الرقيب على مجمل السياسات المحلية والقرارات التي تخص امن وسلامة واقتصاد المجتمع ككل. في مثل هكذا نظام سياسي تعددي قائم على أساس الكفاءة والعدل والشفافية سنجد حتما أن معدلات البطالة تشهد انخفاضات وانحدارات ملحوظة بل على العكس فإننا قد نلحظ نشاطا ملحوظا في ارتفاع معدلات العمالة والتوظيف في القطاعات الإنتاجية المختلفة كقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعليم والصحة والبيئة وما إلى ذلك.

أكثرية علماء الاجتماع يعتبرون البطالة والفقر سببان رئيسيان في زيادة العنف الاجتماعي بمختلف أشكاله وطرقه ومؤشران على نهج السياسة التسلطية التي تمارسها الدولة وقيادتها السياسية. إلا أن البطالة باعتبارها تصيب الفئات الكادحة والفقيرة أكثر من غيرها لم تشهد وتائر تصاعدها وانتشارها مثلما حدث بعد حرب الخليج الثانية وخروج العراق من دولة الكويت واتسعت مظاهر البطالة يوماً بعد آخر بسبب السياسة التسلطية القمعية للأنظمة الدكتاتورية التي كانت تضع الخطوط الحمراء في التعيينات والتوظيفات وحسب المفهوم الحزبي الضيق والعشائري المقيت وبما أن البطالة نتيجة طبيعية في النظام الرأسمالي وملازمة له فهي أصبحت حالة عائمة في الأنظمة الدكتاتورية ومنها العديد من أشكال الحكومات الفردية في العالم العربي خصوصا وفي العالم الثالث بشكل عام. وقد تكون الأسباب كثيرة منها ألازمة السياسة والحصار الاقتصادي وتشويه الاقتصاد وكثرة نماذجه.

إن مثل تلك سياسات تولد بالتأكيد نسبا من البطالة قد تكون كارثية على جميع القطاعات ولنا في الجمهورية العراقية أوضح بيانا ومثالا على ذلك . فبعد غزو العراق من قبل القوات الأمريكية وتغير نظام الحكم فيه الذي كان يعتمد على سياسة الحكم الفردي المطلق بأنظمة كان يقال عنها بأنها تتسم بالصفات الديمقراطية إلا أن الواقع العملي قد أكد أن تلك الأنظمة لازالت مشتركة في مفهوم الحكم الفردي السابق مع اختلاف بسيط هو التظاهر بالديمقراطية الإعلامية أما ما يدور في أروقة الدولة وكواليسها هو في الحقيقة لم يختلف كثيرا عما سبقه. ولكي لا ننحرف عن لب الموضوع فلن نتوسع في الوصف أكثر من ذلك.

فقد شهدت ساحة العمل في العراق مشاكل حقيقية موروثة قديماً وأخرى جديدة وجدت بسبب انهيار الدولة وإعادة البناء بشكل مشوه غير طبيعي وإتباع سياسة التعيين الحزبي والطائفي مما أدى إلى زيادة في عدد العاطلين والتحاق عاطلين جدد بسبب حل الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية وقيام بعض الأحزاب الطائفية بالاستيلاء على الوزارات وتعيين منتسبيها وموظفيها وعمالها حسب المفهوم الحزبي القديم والطائفي الجديد فأصبحت العديد من المؤسسات والدوائر عبارة عن دوائر مغلقة للبعض ومن الصعوبة بمكان أن يُوظف فيها من غير الموالين وأصبحت المحسوبية والبيروقراطية والروتين منهجية منظمة يعمل بها وقد يجابه المواطن بطلب تزكية من حزب ما أو جهة معينة مما أدى إلى توسع دائرة الفساد المالي والإداري.

التقارير الكثيرة التي صدرت من قبل لجان النزاهة والمراقبة أشارت بكل وضوح إلى الكم الهائل من المعوقات والتجاوزات والسرقات وغيرها من القضايا السلبية التي أضرت بالاقتصاد الوطني وتفاقمت مشاكل المواطنين بدلاً من حلها ولقد أثرت مجمل الأوضاع الاستثنائية على حياة المواطنين واتساع ظاهرة اللجوء بسبب العنف الطائفي وممارسات المنظمات والمليشيات الطائفية المسلحة كما أدت هذه الظاهرة إلى زيادة في أعداد العاطلين عن العمل حيث أفادت مصادر وزارة التخطيط في آخر إحصائية جديدة لها بان البطالة بلغت 50% بين الشباب ووصلت حالة الفقر إلى 60% في العراق وتشير إحصائيات أخرى إن البطالة ازدادت بشكل عام حتى وصلت إلى أكثر من 60% مع تدهور مستمر في الحالة المعيشية والاقتصادية للمواطنين وبخاصة الفئات والطبقات الكادحة حيث بلغت حوالي أكثر من 65% وتتحمل هذه الفئات الكادحة وزر وثقل صعوبة المعيشة والبطالة المتفاقمة بينهم.

في ظل وضع كهذا وتفاقم أعداد البطالة وزيادة الضغوط النفسية على المواطن الكادح البسيط فإننا لا نتوقع أي مظهرا من مظاهر النزاهة والشفافية بل على العكس فإننا نجد أن شبح البطالة قد ألقى بظلاله الكئيب على قطاعات واسعة من المجتمع بحيث تنجم عن تلك البطالة والاستقرار الأمني المظاهر التالية:

  • انتشار واتساع دائرة الفساد المالي والإداري.
  • تفشي المحسوبية والتملق للمسئولين وأصحاب القرارات.
  • تفكك أواصر اجتماعية كانت فيما مضى من أهم وابرز صفات ومكونات المجتمع بحكم الفتن والعوز والفاقة.
  • انخفاض مستوى التعليم كما ونوعا.
  • تزايد ظاهرة عمالة الأطفال وهجرة المقاعد الدراسية مبكرا كنتيجة طبيعية لتدني الحياة المعيشية وانتشار الفقر.
  • تدني مستوى الخدمات والوعي الصحي نتيجة إلى انعدام الأمن والاستقرار السياسي.

كما أن مشكلة البطالة وانعدام الأمن السياسي وارتباطه بالفقر والحاجة قد يصيب الدول المتقدمة أيضا وقد لوحظ في ألمانيا تزايد العنف داخل محيط اليمين المتطرف في ألمانيا . هذا ما أشارت إليه آخر الأرقام التي عرضها مكتب التحقيقات الجنائية الفدرالي حيث أظهرت تلك الأرقام أن عدد أعمال العنف التي قام بها متطرفون يمنيون ألمان شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنة الجارية. فقد سجل الجهاز الأمني ما يربو عن 8000 جنحة قام باقترافها أشخاص محسوبين على اليميني المتطرف في عام 2006م وهي زيادة بلغت نسبة 20 في المائة مقارنة مع العام السابق 2005م لكنها تمثل في نفس الوقت زيادة بنسبة 50 في المائة مقارنة مع إحصائيات أجرتها الأجهزة الأمنية في عام 2004.ويسود نوع من الجزم في الأوساط السياسية الألمانية بأن الفقر والمشاكل الاجتماعية، التي باتت تحيط بعدد متزايد من المواطنين الألمان بالإضافة إلى تفشي البطالة بين فئة الشباب تعد أهم العوامل التي تقف وراء نمو التيار اليميني المتطرف داخل ألمانيا واتساع شريحة مؤيديه. لذا يرى معظم الخبراء الألمان أن محاربة التطرف اليميني يبدأ بتحسين الظروف الاقتصادية وخلق مناصب شغل جديدة وتهيئة برامج اجتماعية لإدماج ومساعدة المتطرفين اليمينين الذين يرغبون في الانتقال إلى بيئة جديدة بعيدة عن العنف والتطرف.(16)

تؤدي تداعيات البطالة نتيجة إلى تأثير الوضع السياسي والأمني العام إلى تداعيات خطيرة ومنها ما يتعلق بمبدأ الشفافية حيث أن انتشار البطالة وتفشي الفقر يؤديان بالنتيجة إلى اختفاء مفهوم الشفافية والنزاهة ويكون العامل السياسي والأمني من أهم الأسباب التي تقف وراء ذلك. كما أن هنالك عوامل إضافية تساعد على اضمحلال الشفافية والنزاهة واختفائها شيئا فشيئا من بين قاموس ومعجم العلاقات الإنسانية ومنها التالي:

  • عدم وجود قوانين ردع كافية ومحاكم تحاسب المسيء.
  • التغيرات السياسية و الاقتصادية التي ترمي أصحاب السلطة فجأة إلى هاوية الفقر والحرمان.
  • غياب آليات الردع المجتمعي فالمعايير الأخلاقية تعتمد على ميزان القوة.
  • التدهور الثقافي و تسلق السلم الوظيفي دون المرور بالتدرج و مراتب السلم الوظيفي.
  • تزايد الحاجات الإنسانية و تنوعها بحيث لا تكفي الدخول لسد النفقات.

عرفت الشفافية بأنها الوصول إلى المعلومات و تتزايد دقة الشفافية كلما كان الوصول إلى المعلومات يخلو من التعقيد وكانت واضحة لا غموض فيها و يمكن الاطلاع عليها. وينتج عنها أن دراسة هذه المعلومات تصب في المصلحة العامة ومصلحة اكبر عدد من الناس. إن الوصول إلى درجة عالية من الشفافية يتطلب إصلاح مراتب الدرجات الوظيفية بما تحمله من العمالة المقنعة وإيجاد فرص عمل دون عمل كي لا يكون هناك ترهل يؤدي إلى ضياع المعلومات و اختفائها.(17)

طرق وأساليب المعالجة

إن مشكلة البطالة هي من اخطر المشكلات التي تواجه اقتصاديات العالم النامي عموما واقتصاديات البلدان العربية خصوصا نظرا لما لها من آثار سلبية خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية  فعلى المستوى الاقتصادي تفقد الأمة عنصرا هاما من عناصر التنمية ألا وهو عنصر الموارد البشرية وذلك سواء من خلال تعطيل قدراتهم نتيجة البطالة أو من خلال هجرتهم إلى الخارج أما على المستوى الاجتماعي فان البطالة توفر الأرض الخصبة لنمو المشكلات الاجتماعية وجرائم العنف والسرقة والقتل والاغتصاب والانتحار . وفيما يلي أهم الإقتراحات التي من شأنها أن تجعل من عملية مكافحة البطالة أمرا ممكنا فيما لو خلصت النية وتوفر القابلية على التضحية من اجل الجميع دون التركيز على المنافع والعوائد الخاصة ومنها(18):

  • يقوم علاج مختلف صنوف البطالة على إيجاد فرص عمل كافية يوظف فيها العاملون قدراتهم لأقصى حد بما يحقق كفاءة إنتاجية عالية ومتزايدة من ناحية ويوفر كسباً مرتفعاً ومتنامياً يكفل إشباع الحاجات الأساسية للناس في المجتمع وارتقاء مستوى الرفاه البشرى مع الزمن من ناحية أخرى. و يعنى هذا الهدف المركب خلق فرص عمل أفضل من المتاح حاليا على جانبي الإنتاجية والكسب على حد سواء وأكثر بكثير من المطلوب لمجرد مواجهة البطالة السافرة بحيث يمكن للمشتغلين فعلاً في أي نقطة زمنية الانتقال لأعمال أعلى إنتاجية وأوفر كسباً.
  • يتعين الارتقاء بنوعية رأس المال البشرى من خلال الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب المستمرين وفي الرعاية الصحية مع إيلاء عناية خاصة للمستضعفين الفقراء والنساء حتى يتأهل الأفراد في سوق العمل لفرص العمل الأفضل. وهذه مهمة تاريخية ليس لها إلا الدولة وعلى حد وفائها بهذه المهمة سيتحدد مدى خدمتها لغاية التقدم.
  • وحيث لا يُتوقع أن يتمكن رأس المال الكبير من خلق فرص العمل الكافية لمواجهة تحدى البطالة نظراً لتركيزه على الأنشطة الاقتصادية كثيفة رأس المال وخفيفة العمالة فيتعين توفير البنية المؤسسية المواتية لقيام المشروعات الصغيرة بدور مهم في خلق فرص العمل مع تحقيق تضافر فعال بين المشروعات الصغيرة وقطاع الأعمال الحديث. ويتطلب تحقيق ذلك الهدف، تمكين عموم الناس خاصة الفقراء من الأصول الإنتاجية بالإضافة إلى رأس المال البشرى. ويأتي على رأس القائمة الائتمان بشروط ميسرة والأرض والماء في المناطق الريفية حيث يعيش أكثر الفقراء. كذلك يتعين توفير البيئة القانونية والإدارية لتسهيل قيام المشروعات الصغيرة ورعايتها حيث تتسم هذه المشروعات بالضعف وارتفاع احتمال الفشل. ويمثل ذلك التوجه – إن قام – تحولاً جذرياً في بيئة الاستثمار الحالية التي توفر الحوافز كل الحوافز لرأس المال الكبير بينما تترك المستثمر الصغير قليل الحيلة بالتعريف يرزح تحت ثقل أقسى العوائق التمويلية والإدارية والتسويقية.
  • وقد تتطلب مكافحة البطالة – خاصة في البداية – توفير فرص عمل من خلال الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية الأساسية مما يحقق غرضاً مزدوجاً:
    • تشغيل مكسب للفقراء.
    • تحسين البنية الأساسية والتي هي بحاجة لتطوير ضخم ومستدام.
  • ويتضح من التوجهات الموصى بها ضخامة العبء الملقى على الدولة ولن يقوم به طرف آخر مما يثير مفارقة قوية بين الحد من دور الدولة في سياق إعادة الهيكلة الرأسمالية في إطار سياسات التكيف الهيكلي من ناحية وبين مهام الدولة في حفز التنمية المولدة لفرص العمل الكافية لمكافحة فعالة للفقر من ناحية أخرى.

في النهاية فإن بلوغ التوجهات الإستراتيجية السابقة غاياتها في مكافحة البطالة يتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدى في البنية الاقتصادية والسياسية تشمل:

  • زيادة كفاءة سوق العمل في سياق تدعيم تنافسية الأسواق عامة وضبط نشاطها في إطار من سيادة القانون التامة.
  • استقلال للقضاء استقلالا غير منقوص.
  • إصلاح الخدمة الحكومية وإقامة نظم فعالة للضمان الاجتماعي.
  • إصلاح نظم الحكم لتصبح معبرة عن الناس بشفافية ومسئولة أمامهم بفعالية.
  • دعم وتشجيع القطاع الخاص المحلي ليأخذ دوره في المشاركة في تقليل نسب البطالة عن طريق مساهمته في خلق فرص عمل تتناسب وقدراته.
  • التوسع في برامج التدريب وإعادة التدريب والتأهيل للقوى البشرية العاملة وتلك التي تقف في طابور البحث عن فرصة للعمل.
  • الارتقاء بمستوى التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية من خلال الاستثمارات الموجهة والمدروسة باتجاه البنية التحتية.
  • إصدار القوانين الخاصة بجذب الاستثمار الأجنبي مع مراعاة تحديد سبل ووسائل الاستثمار الأجنبي بحيث لا تؤدي إلى نتائج ضارة وسلبية على الاقتصاد حيث إن رأس المال الأجنبي لا يهتم إلا بتحسين مستويات عوائده الربحية سواء عن طريق الاستفادة من الامتيازات الممنوحة له أو من خلال مساهماته في تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج دون إعادة استثمارها من جديد في اقتصاد الدولة المضيفة. فضلا عن دور رأس المال الأجنبي الذي يعمل وفق رزنامته التي تكفل له حماية عوائده المتحققة فضلا عن سياساته التشغيلية من خلال استخدام العمالة الخارجية التي تتسم بالكفاءة المتطورة والابتعاد عن استخدام العمالة المحلية إلا في حدود العمل غير الماهر الأمر الذي يضعف من إمكانية استفادة العمالة المحلية من تطوير إمكانياتها.
  • العمل على وضع قاعدة معلومات حديثة للقوى العاملة تشتمل على التصنيفات والتفريعات الأساسية، وذلك نظراً لأهميتها في تسهيل عملية البحث العلمي، ولدعم دقة نتائجه في تمثيل الواقع ووصفه وتقييمه.
  • نظراً لارتفاع نسبة تمثيل المرأة في التركيبة السكانية ومحدودية خيارات العمل المتاحة لها في الوقت الراهن يتعين إتاحة الفرصة أمامها بشكل أكبر للإسهام في قوة العمل وذلك من خلال توسيع مجالات نطاق عمل المرأة وتنويعها وعدم حصرها في مهن محددة.
  • إتخاذ الإجراءات المناسبة لتسهيل حركة انتقال الأيدي العاملة من مهنة إلى أخرى ، وإزالة ما يعترض هذه الحركة من صعوبات تتعلق باعتبارات اجتماعية أو نفسية معينة أو إدارية ، و تحقيق نمو متوازن في نسب العمالة الوطنية في جميع المناطق بإتباع سياسة مناسبة لتوطين الصناعة وفق ظروف كل منطقة .
  • إتخاذ الإجراءات والوسائل لزيادة عائد الصادرات و تجنب التقلبات العنيفة في هذا العائد و تشجيع الاستعانة برأس المال الأجنبي ووضع التسهيلات المناسبة له حتى لا تتعرض سياسات العمالة إلى صعوبات تؤدي إلى فشلها نتيجة اختلال في ميزان المدفوعات في الدولة .
  • وأخيرا فان مستوى حجم الاستثمارات و بالتالي مدى سرعة التغلب على البطالة أو مدى امتصاص العاطلين يتوقف على مدى كفاية رأس المال اللازم لحجم الاستثمارات المطلوبة و اتخاذ الوسائل الكفيلة بتقييد الاستهلاك وإعادة توزيعه بحيث تتجه كل زيادة ممكنة من الناتج الوطني إلى الاستثمار ، و في مقدمة هذه الوسائل إتباع سياسة مالية فعالة و سياسة هادفة للأجور وسياسة إدارية حازمة .

مكافحة البطالة إذاً، كما ألمحنا سابقاً ليست شأناً قطاعياً خاصا بل هو هم مجتمعي شامل. و الواقع أن هذا هو حال كل القضايا المهمة فقد صار الحل الجذري الشامل حتمياً إن أُريد حل ناجع على الإطلاق.

التهميش والإحالات:

  1. دربك, هيفاء, ” البطالة المقنعة في الدول العربية تصل إلى 25% “, مجلة الجزيرة, العدد 102, تصدر عن صحيفة الجزيرة.
  2. صندوق النقد العربي هو المسئول عن الإشراف على الجانبين المالي والنقدي في اقتصاديات الدول العربية وقد أنشئ صندوق النقد العربي على غرار صندوق النقد الدولي ليكون بمثابة مؤسسة نقدية إقليمية تهتم بالشئون النقدية والمالية لدول المنطقة العربية، ويتخذ الصندوق من مدينة أبو ظبي.
  3. زيدان, رامي, خمسة أسباب لظاهرة البطالة في سوريا ( مقال ), صحيفة تشرين, الصفحة الاقتصادية, العدد 9918, الجمهورية العربية السورية – دمشق, 28 تموز 2007م.
  4. ويكبيديا الموسوعة الحرة.
  5. الغريب, مصطفي, البطالة اكبر تحدي تواجهه دول الخليج منذ عقود, موقع قناة العربية الإخباري, صفحة الأسواق, 25 مايو 2005م.
  6. ويكبيديا الموسوعة الحرة, اقتصاديون أمريكيون, إسهامات ادم وند فيليبس حول التضخم والبطالة.
  7. حمزة, عادل, تفسير البطالة في الاقتصاد السياسي, الحوار المتمدن, العدد 1876, 5 – 4 – 2007م.
  8. الدباغ, أسامة بشير, البطالة والتضخم, المؤسسة الأهلية للنشر والتوزيع, الطبعة الأولى, 4- 1- 2007م
  9. موسى, عبدا لله, البطالة بين أرقام العولمة والحل الشامل, مجلة النبأ, العدد 36, السنة الخامسة.
  10. مقالة بعنوان:” البطالة في الوطن العربي: أسباب وتحديات، مقالة منشورة في الجمعية الوطنية للدفاع وترقية الشغل، ماي 2011
  11. نافع, شريف, البطالة مشكلة مزمنة تبحث عن حل ( مقال ), شبكة الأخبار العربية – محيط, 6 – 6 – 2007م.
  12. المطوع, خليل احمد, المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي, مؤتمر منتدى الدوحة السادس للديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة, المنعقد في الدوحة من ( 11 – 13 ابريل – 2006م, الدوحة – قطر.
  13. نافع, شريف, شبكة الأخبار العربية – محيط ( مقال ), 6 – 6 – 2007م.
  14. البكر, محمد عبدا لله, اثر البطالة في البناء الاجتماعي ( دراسة تحليلية للبطالة وأثارها في المملكة العربية السعودية), مجلة المال والاقتصاد, 12 – 10 – 2007م.
  15. الفقر والبطالة وراء نمو أعمال اليمين المتطرف الألماني( مقال ), مؤسسة دويتشة فيلة الألماني, ألمانيا الاتحادية, 17 – 10 – 2006م.
  16. كاشف الغطاء, آمال, مبدأ الشفافية ضرورة في محاربة الفساد الإداري ( دراسة ), مؤسسة الجيران الجمعية العراقية الكويتية, 9 – 9 – 2007م.
  17. البكر, محمد عبد الله, اثر البطالة في البناء الاجتماعي, دراسة تحليلية عن البطالة وآثارها في المملكة العربية السعودية, مجلة العلوم الاجتماعية, المجلد 32, العدد الثاني, 2004م.
  18. الخيالي، وليد ناجي، دراسة بحثية حول البطالة، كلية الإدارة والاقتصاد، الأكاديمية العربية المفتوحة، الدانمارك، 200

بقلم الباحثة رقم (1): زنيني فريدة  + الباحثة رقم (2): شيشة نوال

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock