دراسات سياسية

بريكس…مآرب من احادية قطبية إلى تعددية الاقطاب

عند خروج العالم من أزمة اقتصادية سياسية عسكرية او صحية يعاد النظر في إيجاد تكتل او تنظيمات تمكن للقوى الكبرى من نفس جديد على الاصعدة السالفة الذكر.

فإذا تتبعنا تاريخية ظهور الأنظمة العالمية سوءا سياسية او مالية اقتصادية نجد أنها تظهر للعيان اما بعد حرب ضروس او ازمة الاقتصادية اكلت اللحم والشحم ونقت العظم كما يؤخذ التنافس الاقتصادي حيزا مهما في بروز التكتلات مثل الكارتل و اتفاق الحديد بين هولندا بلجيكا ولكسمبورغ هذا الاتحاد الذي انبثق عنه الاتحاد الأوروبي.

فقد ظهرت اتفاقية بروتن ودز في 27 جويلية 1944 بغية تحقيق استقرار مالي يمنع تبادل العملات بين البلدان والحد من المضاربة في العملات الدولية قبل هذه الاتفاقية كانت قاعده تبادل الذهب هي السائدة فى الفترة من 1876م إلى غاية الحرب العالمية الاولى ثم تبنت اتفاقية بروتن ودز الدولار كقاعدة واصبح عملة مرجعية وانتقلت الهيمنة من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية المالية والاقتصادية.

انا من الناحية السياسية والإستراتيجية فقد كانت الحروب الدولية واقعا قويا في ظهور التكتلات الدولية وتشكلات النظام العالمي الجديد.

وإذ يعد النظام العالمي الجديد تغيير جذري في الفكر السياسي والاقتصادي العالمي اي توازن القوى ويفسر لنا إيديولوجية حكم العالم والتي تعني حسب الفكر السياسي الغربي الجهود الجماعية في حل معضلات العالم بشكل جماعي بما يتجاوز إمكانيات الدولة القومية هذا ظاهريا فقط وحقيقة الأمر هي تفرد القوى العالمية في صناعة القرار العالمي بمساعدة حلفائها الاقتصاديين والسياسيين وهذا تجسد في دور الولايات المتحدة الأمريكية عند فرض العقوبات على الشعب العراقي وغزو العراق 1991واستعمال منظمة الامم المتحدة كغطاء قانوني لاجاد مبرر للغزو بناءا على القرار 660/1990

تمهيدا لغزو العراق

حيث صرح الرئيس جورج بوش” بالقول نحن نسعى لإقامة نظام دولي جديد”

حيث وضعت حرب الخليج معالم هذا النظام العالمي الجديد القائم على الهيمنة الامريكية المطلقة في إدارة شؤون العلاقات الدولية والتحكم في مصادر النفط ومنافذ التجارة الدولية تحت ذريعة محاربة ظاهرة الإرهاب العالمي وتهميش دور الامم المتحدة في إرساء قواعد السلم والأمن الدوليين.

كل هذه الإرهاصات مكنت من تحديد معالم جديدة تمكن من سيطرة القوى الغربية الراسمالية في صناعة القرار العالمي دونما إشراك جزئي او كلي للمعسكر الشرقي من خلال معارضة روسيا والصين لإعلان الحرب وغزو العراق عام 2003.

وعليه فإنه كان لزاما على دول مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا التفكير في إيجاد آلية اقتصادية تمكن من الخروج من عن الهيمنة الامريكية والاوروبية.

حيث عقدت اول قمة في هذا السياق بتاريخ جويلية 2008 هوكايدو اليابانية اجتمعت كلا من روسيا والصين والهند والبرازيل وسميت المنظمة آنذاك باسم بريك BRIC بداية ثم تطورت المنظمة إلى بريكس BRICS  بعد انضمام جنوب افريقيا مختصر الاسم هو الحروف الاولى لدول الأعضاء وهم على توالي

  • البرازيل
  • روسيا
  • الهند
  • الصين
  • جنوب افريقيا

ثم انضمت الى التكتل الإقتصادي دول ست (06) هي ( الأرجنتين.إثيوبيا.إيران . المملكة العربية السعودية.مصر . الامارات العربية المتحدة)

ليصبح عدد دول بريكس 11 عضو انطلاقا من قمة جوهانسبرغ بتاريخ 22 أوت 2023 وتعدد هذه القمة تحولا تاريخيا في مسار بريكس إذ ساهمت في اتساع بريكس جغرافيا وزيادة نفوذها والقدرة الاقتصادية إذ اصبحت تمثل ربع اقتصاديات العالم والتخلص من هيمنة النمط الإقتصادي الغربي وزيادة حجم اقتصاد المجموعة من 26 تريليون دولار بنسبة 25,6%عام 2022 الى 29% من الاقتصاد العالمي عام 2023.

بانضمام الدول الست تصبح بريكس تسيطر على نحو 32%من اليابسة في العالم وهذا ما يمكنها من ان تكون قوة صاعدة حسب البنك الدولي ومن خلال قراءة اولية لإحصائيات هذا الاخير قبل وبعد انضمام الدول الست يتبين لنا مايلي 

1/بريكس قبل انضمام الدول الست 06

  • 26% من اقتصاد العالم
  • 41% من سكان العالم
  • 26% من مساحة اليابسة
  • 2/ بريكس بعد انضمام الدول الست 06
  • 29% من اقتصاد العالم
  • 46% من سكان العالم
  • 32% من مساحة اليابسة

تظهر الاحصائيات حسب راينا قوة بريكس مستقبلا على الصعيد الاقتصادي هذه القوة التي تتجاوز إلى الميدان السياسي وإدارة العلاقات الدولية وهذا ما يفسر التقارب الأمريكي الفيتنامي في عهد الرئيس بايدن عقب الزيارة التي قام بها إلى هانوي حيث عززت العلاقات الامريكيه بين الفيتنام والولايات المتحدة الأمريكية حسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز لكبح جماح الطموح الصيني في المنطقة رغم عدم التطرق الصين ضمن المحادثات الفيتنامية الأمريكية.

ومن الصبغ السياسية التي اخذتها منظمة بريكس او الداعي لها حسب رأينا هو تخلص القوى الصاعدة في مقدمتها الصين وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا من الاحادية القطبية.

وتأسيس إيديولوجية جديدة تمكن من إيجاد حلول للنزاعات والحروب خارج النطاق الغربي الأمريكي بمعنى الوصول إلى إنشاء منظمة تجمع دول بريكس تكون وصيفا الامم المتحدة او امتداد لها بعد بروز بريكس كقوة اقتصادية.

يستخلص هذا الطرح من تصريح الرئيس الصيني شي جين بينغ “إن توسيع العضوية في بريكس حدث تاريخي”

وعليه فإن هذا التصريح يعد إبراز أهمية بريكس خارجيا الذي سبق وبينا خلفيته انت داخلياً فهو حدث براغماتي محض يخص الصين كقوة اقتصادية ذات تأثير اقتصادي وسياسي تبحث عن دور الوسيط في حل النزاعات بين الدول.

فالبنسبة الصين فإن انضمام كلا من المملكة العربية السعودية وإيران إلى منظمة بريكس رغم الخلافات مكن الصين على المستوى الاقتصادي من تأمين وصول إمدادات النفط على الدوام إليها بعد الاتفاق الذي تم بين السعودية وإيران قوتين بارزتين  في المنطقة.

فالسعودية استثمرت مليارات دولارات في الصين وانضمت إلى منظمة التعاون شنغهاي وهذا الانفتاح نحو تعدد الأسواق يكسر احادية القطب وبذلك نكون أمام نظام عالمي جديد قائم على تعدد الاقطاب وتحرر تام من الهيمنة الامريكية بالنسبة للمملكة العربية السعودية حيث تجري محادثات بين أرامكو السعودية والصينوباك الصينية للاستثمار في تطوير حقل الغاز الجافورة أكبر الحقول غير المستغلة إذ يعد جزءا مهما من رؤية المملكة لتنويع الطاقة.

هذا من الناحية الاقتصادية للجانب الصيني انا بخصوص الطموحات السياسية فيعد الاتفاق السعودي الإيراني محفز الصين باعتبارها منقب عن دور مؤثر في مسار العلاقات الدولية وإيجاد الحلول للنزاعات خارج النسق الغربي القائم على مبدع الردع والعقوبات.

اما مارب الروسية من منظمة بريكس فهي لا تشذ على القاعدة الصينية يستقرأ هذا من تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين امام أعضاء بريكس بالقول “ان موسكو تسعى لتوطيد علاقاتها مع افريقيا وستظل شريكاً يعتمد عليه في إمدادات الغذاء والوقود التي تأثرت بالحرب في اوكرانيا”

يتضح ان روسيا تبحث عن إطار قانوني و ارضيه اكثر فعاليه وتنظيم لدورها في افريقيا بمعنى سوقا واسعا للقمح و السلاح الروسي كطوق في رقاب الدول الإفريقية خصوصا بعد حركة الانقلابات العسكرية في دول الساحل الإفريقي.

ورغم تعدد المآرب والاهداف بين الدول الاعضاء في بريكس الا اننا نلمس توافقية بينهم إذ يجمعون على ضرورة دحض والتخلص من استخدام المؤسسات المالية الدولية ضمن أدوات الصراع السياسي والحروب ومحدودية دور مجلس الأمن الدولي هذه المحدودية قد تكون نواة لإعادة صياغة أرضية دولية تساهم في إيجاد منظمة تخلف مجلس الامن الدولي او تساهم في توسيع العضوية ومنح حق النقض للأعضاء وخفظ حدة هيمنة الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية على منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وكبح النظرة الاستعمارية الفرنسية في دول الساحل الإفريقي.

ان منظمة بريكس تهدف إلى استبعاد الدولار بين الدول الأعضاء في تعاملاتها واستبداله بعملات المحلية يؤسس لنظام عالمي جديد يكون موازياً .

لقد إبان ظهور تكتل بريكس كبديل عن النظام العالمي السائد لاعتباره محتكر لقرار الدولي وقائم على نظام الهيمنة والتفرد في مسار العلاقات الدولية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية مما عزز مبدأ الاحادية القطبية فهل انتقل العالم من خلال بريكس من احادية قطبية إلى تعدد الاقطاب ام انه مجرد تبادل الادوار في تسيير العلاقات الدولية والتحكم في مصادر الطاقة والاقتصاد العالمي ؟

الاستاذ محمد عدنان بن مير

كاتب وباحث

5/5 - (28 صوت)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى