تكشف دفاتر التّاريخ، أن دولة بني مزني ظهرت بمنطقة بسكرة بداية من 1279، ودام حكمها نحو قرن ونصف القرن من الزمن، وشملت منطقة الزاب الجزائري وحتى مدينة توزر التونسية، وامتدت حتى عام 1402 تاريخ سقوطها على يد الحفصيين، حيث أعد لها السلطان أبو فارس عبد العزيز حملة عسكرية قادها بنفسه. حكمها خمس أمراء وأشهرهم احمد بن يوسف. واللافت أنّ العلامة عبد الرحمن بن خلدون، كان شاهدا على تاريخ هذه الإمارة ولم يكن على هامش الأحداث، بل كان يعيش صميمها، ما أتاح له فرصة القيام بالأدوار الفاعلة بفضل عبقريته وحنكته السياسية وجاء إلى إمارة مزنة وهي في تألقها قادما من تونس حاضرة الدولة الحفصية .

 أثارت مؤخرا الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية في ملتقى “بسكرة عبر التاريخ” حول العلامة ابن خلدون علاقة هذا الأخير بدولة بني مزني التي ظهرت بإقليم منطقة بسكرة، وكشفت التدخلات أن ابن خلدون لم يكن مروره بهذه الجهة مرورا سياسيا فقط، بل كان مرورا اجتماعيا وثقافيا، والمقصود بالاجتماعي هو أنه كان له نسب بهذه المنطقة، فهو كان يذكر في مذكراته المعروفة برحلة ابن خلدون التي تحدث فيها عن وجود أسرة له تركها في هذه المنطقة، لكن السؤال الذي ظل يردّده المثقفون والمؤرخون هو هل القصد بالأسرة أسرته الخاصة التي تزوج بها ؟ أم أسرته الكبرى التي ينتمي إليها ؟ لأنه كان صهرا لبني توجين. وهي إحدى القبائل الأمازيغية التي كانت في هذه المنطقة. وعن دولة بن مزني قال المؤرخ عبد الرحمان الجيلالي ” وحسنت سيرة بني مزني وأحسنوا التدبير فعاشوا وعاش الناس في أرغد عيش …” أما المؤرخ المرحوم مبارك الميلي فقد خصها بقوله “..ولم يعرف الزاب إلى اليوم عصرا كعصرها وهناء ورغادة عيش لما كان عليه بنو مزني من حسن التدبير والإدارة”.

الأستاذة شرقي وردة:  قراءة تاريخية لإمارة بني مزني بمنطقة الزاب 

تعتقد الأستاذة شرقي وردة من جامعة الأمير عبد القادر، بقسنطينة، أن تسليط الضوء على تاريخ إمارة بني مزني في منطقة الزاب بالجزائر، يندرج ضمن الدراسات التاريخية التي تعنى بالبحث في حيثيات التجربة التاريخية لهذه الإمارة التي صمدت لفترة طويلة أمام مختلف الأخطار والتقلبات السياسية التي هدّدت سلطتها، وكادت أن تقضي على وجودها. وبرأيها أن منطقة الزاب وقاعدته بسكرة، عرفت قدوم قبائل جديدة في القرن 5 هجري /11م وهم العرب الهلالية، وقد استوطن فرع منهم “الأثبج” المنطقة بعد تركهم الترحال، واستقروا في البوادي والقرى وقد استقر بني مزني- والذين ينسبون حسب عبد الرحمن بن خلدون إلى أبيهم “مزنة بن ديفل بن محيا” من الأثبج- في قرية حياس (إحدى قرى بسكرة)، ومنها كان دخولهم التدريجي إلى مدينة بسكرة التي كانت تمثل قاعدة الزاب، ومركز السلطة المحلية له. وسرعان ما اكتسب بنو مزني مكانة اجتماعية في المدينة وأصبحوا يتطلعون للسلطة والحكم، وهذا التوجه مكّن شيوخهم من تقاسم السلطة مع بني رمان وهم كبار حكام بسكرة، وقد ساهم نظام الشورى المطبق في توسيع نفوذهم وسلطتهم. وأضافت أنه بمرور الوقت تنامى الخلاف بين بني مزني وبني رمان، ليصل إلى السلطة المركزية الحفصية بتونس، ولكن عدم استقرار الوضع بتونس أدخل الطرفين في ولاءات وتحالفات مضادة مع الأمراء الحفصيين.

والجدير بالذكر حسبها، أن استحواذ بنو مزني على كامل السلطة المحلية في بسكرة تأتى لهم بوصول الأمير أبو إسحاق إلى الحكم سنة 678 هجري/ 1279 م، الذي عين فضل بن علي على الزاب ولأخيه عبد الواحد على بلاد الجريد، وهما من بني مزني وذلك من باب الولاية، ولكن اضطراب أحوال إفريقية الحفصية جعلهم يواجهون أعداءهم السابقين من بني رمانة، وحلفاءهم من القبائل الأخرى ما أنهى سلطتهم على بسكرة والزاب إلى حين.

في ذات السياق قالت الأستاذة شرقي وردة إن منصور بن فضل بن علي من بني مزني، استغل انقسام الدولة الحفصية للعودة من جديد إلى بسكرة من مركز قوة وبدعم من صاحب بجاية، واستطاع خلع شوكة منافسيه من بني رمان وفي عهده اتسعت ولايته إلى جبل أوراس وقرى ريغه وبلد واركلي وقرى الحضنة ثم تعداها إلى مناطق تلية أخرى، ولذلك زادت أمواله وقوي حكمه وأصبحت له استقلالية في الحكم مقابل الاستفادة العسكرية والجبائية للسلطة المركزية من ذلك.

وقد استفاد بنو مزني من الرخاء الفلاحي لمنطقة الزاب، وخاصة مدينة بسكرة التي كثر حولها البساتين التي تنتج الزيتون وأنواع مختلفة من التمر. والملاحظ برأي المتحدثة أن منصور بن فضل كرّس الحكم الوراثي لأسرته في بني مزني، واستطاع بذكائه التخلص من أعدائه المتمردين على سلطته مبديا نوعا من الاستقلالية عن السلطة في بجاية، وقد سار على دربه بنيه من بعده في القرن 8 هجري/14 م حسبما أورده ابن خلدون، الذي قضى وقتا عند بني مزني ببسكرة. واعتمد بنو مزني على سياسة مرنة مبنية على إبداء الولاء للسلطة الأقوى في المنطقة المغاربية، فتارة هم حلفاء للحفصيين وأحيانا للزيانيين، وأخرى للمرنيين، وهذا ما رسّخ حكمهم لفترة طويلة ليزول ملكهم في عهد أحمد بن يوسف بن مزني سنة 804 هجري /1401 م من طرف الحفصيين.

الأستاذ سعدي شخوم: العلامة ابن خلدون وعلاقته ببني مزني 

يحرص الأستاذ سعدي شخوم من جامعة سيدي بلعباس على أن فهم علاقة ابن خلدون ببني مزني يتطلب معرفة طبيعة التركيب السياسي في القرون الوسطى في بلاد الإسلام، فقد كانت “الأحزاب الاجتماعية” بمثابة العُصب الـمؤثّرة في دول بلاد الإسلام خلال فترة القرن الرابع عشر الـميلادي (الثامن الهجري)، ورغم كون ابن خلدون من كبار العلماء الذين راج اسمهم ببلاد المغارب في هذه الفترة؛ إلاّ أنه من جهة أخرى كان رجلا سياسيا، بل وينتمي إلى عصبة اجتماعية هي القحطانية التي تشكّل أحد مكوناته الشخصيّة، أمّا بنو مزني فكانوا من الأثبج الهلاليين، وفي الـمفهوم الـمذكور آنفا ينتمون إلى القيسية، والـمعروف تاريخياً: الصراع المستدام بين القيسية واليمينة؛ فهذا هو الإطار العام الذي كان يُشكّل الـمنظور التاريخي  لعلاقة ابن خلدون ببني مزني، غير أننا نجده في مذكراته المعروفة تاريخيا بـ: “التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا” يذكُر نزوله عندهم ولعلّ ما يفسّر هذه العلاقة بين الطرفين هو التحوّل الواقع في هذه الإمارة التي غيرت ولاءها من الفرع الحفصي الذي كان بتونس (منشأ ابن خلدون ومحلّ عُصبته) إلى الفرع الآخر ببجاية تحت إمارة أبي عبد الله الحفصي (1364م/765هـ) والذي كان ابن خلدون حاجبه (بمثابة الوزير الأوّل هذه الأيّام)؛ وذلك للنسب القديم بين بني خلدون وبني حفص قديمة كما ذكر هو في رحلته، وذلك عندما سيطر الموحدون على الأندلس، بفضل أحد أجداده من جهة الأمهات يعرف بابن الـمحتسب الذي كانت له صلة قوية بهم”.

وأضاف سعدي شخوم أن ابن خلدون ربطته علاقة أخرى ببني مزني وهي العلاقة العلميّة؛ فقد تعرّف إلى أحد أمرائها الفقهاء ويعرف بـ: محمد ابن الرئيس منصور بن مزني عرفه في مرحلة شبابه، بل ويبدو أن بعض أخباره نقلها بما يمكن وصفه بالرواية الشفوية عن أحد رواتها آو ربّما مؤرخيها هو محمد بن منصور، فكانت العلاقة بين ابن خلدون وبني مزني في بداية عهدها تدور في محور الولاء العام الحفصي والرعاية في كنفها يُضاف إليها السِّمة العلمية الـمذكورة، لكنها بدأت تسوء في  ما قبل الفترة التي سبقت انتقاله للمشرق بسبب الصراع بين مختلف الدول المغاربية خاصة بني حفص وبني زيان، حيث استقر ابن خلدون بحاضرتهم بسكرة سبعة سنوات قام بادوار سياسية هامة، حيث أنه توسّط في الصراع بين بني مزني ويعقوب بن علي (أحد رؤساء قبائل الذواودة: من الفرع الآخر الكبير(رياح) لبني هلال الذي كان ولاؤه للأمير الحفصي أبي العباس، فكان الصراع بين الفروع المتنازعة داخل البيت الحفصي بالإضافة إلى دور مملكة بني زيان تتحكم في هذه المرحلة في العلاقة بين ابن خلدون وبني مزني ومما زاد في هذا التذبذب الانقسام الحاصل داخل البيت الحفصي؛ يضاف إليها تذبذب ولاء ابن خلدون بين هذه الدول بل وصل حاله إلى عرض خدماته على المرينيين (أحد دول السلطنة التي كانت تتخذ فاس عاصمة لها) وهذا بعد استيلائهم على تلمسان سنة 1370م، فكلّفه السلطان المريني بالسعي لتحويل ولاء قبائل الزاب ومنها بني مزني لصالحهم؛ وهو ما قام به وبقي المدة المذكورة ببسكرة قرب أهله ، لكن الأوضاع تقلبت بسبب سياسة الضرائب المفروضة على بني مزني وبعد اتصال هؤلاء بالسلطان المريني ونقدهم لتصرفات ابن خلدون وهنا خرج ابن خلدون من بسكرة بعد إن استدعاه الأمير المريني. وتابع المتحدث “كانت تجربة ابن خلدون في بسكرة التي هي امتداد لمنصبه ببجاية تجربة قاسية وأثرت في شخصيته، ويظهر ذلك في مذكراته وواكب انقساما حادا في البيت الحفصي، وهو ما أدى في النهاية إلى تركه الـمغرب نهائيا متوجها نحو الـمشرق مستقره الجديد.

 فوزي مصمودي (باحث في التاريخ): أعلام دولة بنو مزني

 أكد فوزي مصمودي الباحث في التاريخ أن دولة بني مزني ببسكرة برزت على مسرح الأحداث في فترة زمنية عصيبة عاشتها بلاد المغرب خلال العصر الوسيط، التي كانت تتقاسمها الدولة الحفصية بتونس والزيّانية بالجزائر والمرينية بالمغرب الأقصى. في هذه الظروف المتلاطمة يقول المتحدث ظهرت دولة بني مزني (1279 م ـ 1402م) التي استطاعت أن تصمد أمام العواصف والمؤامرات الداخلية والخارجية، وأن تحافظ على استقلالها طيلة (123 عاما)، وأن تكون لها علاقات دبلوماسية وأخرى اقتصادية مع دول الجوار وأواسط إفريقيا، وعملة تُطبع باسمها، كما برز في ربوعها عديد العلماء والمؤرخين والأدباء، إلى غاية سقوطها على يد السلطان أبي فارس عبد العزيز الحفصي الذي قاد حملة عسكرية بنفسه ضدها فدخل بسكرة عنوة خلال 1402 وساق إلى تونس أميرَها أحمد بن يوسف الذي توفي في سجنه.

وابن خلدون حسب فوزي مصمودي يحتفظ بفضل السبق في التأريخ لهذه الدولة في كتابه (العبر وديوان المبتدأ والخبر)، منطلقا من مكوثه لسنوات متفرقات في كنف أمرائها لاسيما صديقيه الأمير يوسف بن مزني وابنه من بعده الأمير أحمد بن يوسف. إلا أنّ ما ميز هذه الدولة ازدهار حركة علمية نشطة بها حتى أضحت بسكرة حاضرة علمية بامتياز، تضاهي حواضر: قسنطينة وبجاية وتونس وتلمسان وفاس.. وقد ساعد على انتعاشها الموقع الاستراتيجي لمنطقة الزيبان باعتبارها ملتقى الطرق والقوافل التجارية واتساع إطارها المكاني الذي امتد حتى ورقلة جنوبا، مع تشجيع أمرائها للعلم والعلماء وتحفيزهم على النشاط والتأليف.

ومن أبرزهم حسب قوله الفقيه المقرئ المؤرخ ناصر بن أحمد بن يوسف بن مزني (1379م ـ 1420 م) الذي درس بمسقط رأسه ببسكرة، ثم انتقل إلى تونس، حيث اجتمع مع بعض علمائها، وبعد سقوط دولة أجداده حلّ بالقاهرة، حيث التقى بابن خلدون الذي كانت تربطه علاقات صداقة مع أمراء بني مزني، فأكرمه وأواه، كما لزم ابن حَجَر العسقلاني، الذي قال عن مصنّفه الضخم: “إنّه لو أتم كتابه المذكور في التاريخ لكان مائة مجلد”.

إلى جانب الفقيه المحدّث أحمد بن محمد البسكري الذي قال عنه السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: “اشتغل بالعلم الحديث ببلده، ثم ارتحل إلى المشرق واستقر بالمدينة المنورة”. أما العلاّمة عبد الله بن إبراهيم البسكري المالكي (توفي في  1426م) فقد كان من كبار المقرئين ومن فضلاء وفقهاء المالكية، ذاع صيته ببسكرة ثم انتقل إلى المشرق العربي حيث نزل ببيت المقدس بفلسطين وتولى بها مشيخة دار القرآن بالمدرسة السلامية، دون إغفالنا الأديب الشاعر أبي عبد الله بن عمر بن موسى البسكري (كان حيا عام 765هـ) أحد علماء المالكية، درس ببسكرة ثم رحل إلى المشرق حيث أدّى فريضة الحج واستقر بالمدينة المنورة.

وفي مجال الحديث يضيف مصمودي، نبغ أبو جعفر محمد بن محمد بن عنقة (1322 م ـ 1402م) الذي كان من كبار المحدثين وفقهاء المالكية، طاف بلاد الشام ومصر والحجاز.. لطلب الحديث، كما برزت ابنته المحدّثة أم الحياء البسكرية التي تتلمذ على يديها نخبة من الطلبة والطالبات. وقد حدّثت ببسكرة وبالمدينة المنورة، مما يدل على تشجيع دولة بني مزني لتعليم المرأة، أثنى عليها صاحب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.

كما برع في أكنافها الفقيه محمد بن منصور بن مزني الذي قال عنه ابن خلدون: “سافرتُ إلى قفصة وأتممتُ بها أيّاما أترصّد الطريق حتى قدم علينا الفقيه محمد بن الرئيس منصور بن مزني وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب، وكان هو بتونس”.. وغيرهم من الأعلام الذين نفتقد إلى تراجم وافية حول شخصيتهم ومواقفهم ومسيرتهم العلمية.