بقلم : مصطفى الكردي – صحفي وباحث في الاقتصاد السياسي – مصر

  • المركز الديمقراطي العربي

بزغ فجر شرق أوسط جديد في حديقة البيت الأبيض، ولأول مرة من دون إراقة قطرة دماء، على حد تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتوقيع الإمارات العربية وإسرائيل لاتفاق لتطبيع العلاقات بينهما.

أكثر الناس صراحةً – بعد الرئيس ترامب طبعًا – كان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، حيث صرح مؤخرًا بأن اتفاق التطبيع بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية (وصف اتفاقيات التطبيع بدائرة السلام)، تخفي تغييرات كبيرة وراء الكواليس.

وبخلاف صراحة نتنياهو، فإنه قد أصاب أيضًا بتعبيره “دائرة السلام”، ففي مقابل هذه الدائرة التي تتسع، توجد أيضًا دائرة أخرى قد تتسع معها بالتوازي، وهي دائرة السلاح أو التسليح، والميدان في جميع الأحوال هو الشرق الأوسط، ومن دون الأرض التي تخضع للسيادة الإسرائيلية.

فمؤخرًا ومجددًا، طلبت الإمارات العربية من واشنطن أن تحصل على مقاتلات F – 35، وهي أحدث مقاتلة متعددة المهام في العالم، كما أنها وبلا شك مقاتلة حربية استثنائية ولدى إسرائيل عددٍ منها، ومن المقرر أن يصبح هذا العدد 50 بحلول عام 2024، وقد استخدمتها إسرائيل منذ عام 2018 في استهداف المواقع الإيرانية داخل سوريا، كما استخدمتها في اختراق المجال الجوي اللبناني مراتٍ عديدةٍ، وذلك بحسب عددٍ من الصور التي التقطت لها في سماء العاصمة بيروت.

لكن إذا كان القانون الأمريكي ينص على أن مبيعات السلاح الأمريكية إلى دول الشرق الأوسط يجب أن لا تعرض التفوق العسكري النوعي لإسرائيل للخطر، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو كان بالفعل يقصد أن هناك تحركات كثيرة تجري وراء الكواليس (سوف يصاحبها تغييرات)، بينما تمنعه ظروف السياسة من الاستمرار في صراحته المعهودة.

ففي مقابل طلب الإمارات شراء مقاتلات F – 35، كان بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي قد طار إلى الولايات المتحدة مطلع شهر نوفمبر الماضي، حاملًا معه قائمة مشتريات أسلحة ترغب إسرائيل في الحصول عليها، وذلك في إطار ضمان واشنطن لتفوق تل أبيب الجوي والعسكري عمومًا في إقليم الشرق الأوسط.

الأمر المثير أن قائمة الأسلحة التي ترغب إسرائيل في شرائها ربما تتضمن مقاتلات EX – 15، وطائرات أوسبري V – 22، بالإضافة إلى صواريخ متطورة موجهة بالليزر، ولكن الأهم والأخطر القنابل من نوع GBU – 57، وهي ذات قدرة تدميرية عالية، ويبلغ وزن القنبلة الواحدة نحو 14 ألف كيلو جرام، وتلك القنبلة مصممة أساسًا لتدمير التحصينات القوية تحت الأرض!.

تجدر الإشارة في هذا الصدد – حصول إسرائيل على القنابل من نوع GBU – 57 – أن اثنين من المشرعين بالكونجرس كانا قد طلبا من الكونجرس قبل بضعة أسابيع السماح لإسرائيل بالحصول عليها.

وإذا كانت الإمارات سوف تحصل على مقاتلات F – 35، وأن ذلك لن يهدد أو على الأقل يقلل من التفوق الجوي الإسرائيلي، فمن المؤكد أن دولًا عربية أخرى سوف تصل إليها هذه المقاتلات المتطورة.

وفي ظل الظروف الراهنة فلا يعني هذا سوى أن معسكر الدول العربية المناهضة لسياسات إيران ومعهم إسرائيل يتهيأون أكثر لمواجهة التسلح الإيراني، وذلك ما عبر عنه السفير الأمريكي لدى تل أبيب ديفيد فريدمان، الذي اعتبر أن امتلاك الإمارات العربية لمقاتلات F – 35 يعني أن إسرائيل سوف تستفيد من حليف قوي لديه شاطئ على مضيق هرمز، وفي الناحية المقابلة لإيران.

بالوقت ذاته وإن كانت إيران تعاني من حالة شيخوخة في سلاحها الجوي، لكنها تسعى منذ أكثر من 10 سنوات في تطوير أنواع من الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، ويضاف لما سبق الطائرات من دون طيار (الدرون).

ولما كانت الخلافات الإقليمية بالشرق الأوسط قد وصلت إلى هذا المستوى من احتمالات الصدام بالقوة الصلبة (العسكرية)، فما كان من الإدارة الأمريكية التي تتهيأ لمغادرة البيت الأبيض بقيادة رجل الأعمال ترامب، إلا أن أطلقت يد مؤسساتها لكي تدير صراع التسلح هذا لنفسها ومع نفسها، وذلك في محاولةٍ منها لمواجهة مبيعات الأسلحة الصينية لدول المنطقة، حيث سبق ووصف الرئيس ترامب مبيعات الصين للطائرات من دون طيار لبعض الدول العربية والشرق أوسطية بـ “الجني الذي خرج من القمقم”، وفي سبيب تعظيم مكاسب شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية استخدم الرئيس الراسب في الانتخابات الأخيرة قوانين الطوارئ خلال العام الماضي 2019 لتجاوز معارضة الكونجرس لبيع أسلحة تقدر بمليارات الدولارات لصالح بعض الدول العربية.

تبقى نقطة أخيرة يجب الإشارة إليها، هي أنه إذا كانت الإمارات العربية سوف تحصل على مقاتلات F – 35، أو قد تحصل عليها معها دولًا خليجية أخرى، فإن النقطة الساخنة حاليًا بين الدول الخليجية (من دون قطر) وإيران هي اليمن، مما يعني أن أي استخدام قريب لتلك المقاتلات سوف يكون في الميدان اليمني، وتحديدًا ضد جماعة الحوثي حليفة إيران، كما يعني ذلك أن القضية الفلسطينية سوف تبقى لفترة أخرى بالثلاجة، لحين برودة الصراع (السني – الشيعي) الشرق أوسطي.