قضايا سياسية

بوادر بروز جيوسياسة روسيا المستقبلية

بالنظر إلى جميع العوامل الرئيسية الأساسية، يتضح أن روسيا الاتحادية هي الوريث الجيوسياسي لكل الأشكال التاريخية والسياسية والاجتماعية السابقة، التي تبلورت في جميع أنحاء الإقليم المحيط بالسهل الروسي، من أيام “روس الكييفية” إلى مرحلة “القبيلة الذهبية” وحتى مرحلة حكم الدولة الروسية المركزية أيام إيفان الرابع، ما كان يسمى مقاطعة موسكو وحتى الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفييتي. هذه الاستمرارية ليست فقط من الناحية الإقليمية ولكن أيضا من النواحي التاريخية والاجتماعية والروحية والسياسية والعرقية. بدأت الحكومة الروسية من العصور القديمة بالتوسع التدريجي أكثر فأكثر في فضاء “قلب الأرض”، حتى احتلت هذا الفضاء كله بالإضافة للمناطق المحاذية له. وترافق هذا التوسع المكاني للسيطرة الروسية على الأراضي الأوراسية بعملية اجتماعية موازية عززت اللغة الروسية في المجتمع كأحد الترتيبات الاجتماعية في الأراضي الروسية باعتبارها سمة حضارية روسية ممتدة بشكل قاري. الميزات الأساسية لهذه الحضارة هي:
• سمة المحافظة
• السمة الكلية
• الأنثروبولوجيا الجماعية (الجماعة أكثر أهمية من الفرد)
• التضحية
• التوجه المثالي
• قيم الإخلاص، والزهد والشرف والولاء.
علم الاجتماع، بعد زومبارت يصف هذا الأمر “بالحضارة البطولية”. وحسب عالم الاجتماع بيتريم سوروكين، هو نظام اجتماعي وثقافي مثالي. تم التعبير عن مثل هذه الخصوصية الاجتماعية في مختلف الأشكال السياسية، التي لديها قاسم مشترك، من خلال  التكاثر المستمر للثوابت الحضارية والقيم الأساسية، التي استحوذت على تعبيرات تاريخية مختلفة. النظام السياسي في “روس الكييفية” يختلف نوعيا عن السياسة في مرحلة “القبلية الذهبية”، والتي بدورها تختلف عن مرحلة “مقاطعة موسكو”. بعد بيتر الأول، تغير النظام السياسي بشكل حاد مرة أخرى حتى ثورة أكتوبر،تشرين الأو عام 1917، التي أدت أيضا إلى ظهور نوع جديد للدولة مختلف بشكل جذري. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نشأت على أراضي “قلب الأرض” حكومة أخرى مختلفة عن سابقاتها: الاتحاد الروسي المعاصر.
لكن كل هذه الأشكال السياسية، التي تميزت باختلافات نوعية وأحيانا بمبادئ أيديولوجية متناقضة، حملت على مدى التاريخ السياسي الروسي مجموعة من الصفات المشتركة. في كل مكان نرى تعبيرات سياسية عن الأوضاع الاجتماعية المميزة للمجتمع الممتد بشكل قاري، تتحدث عن البطولة. ظهرت هذه الخصائص الاجتماعية في السياسة من خلال ظاهرة تحدث عنها العديد من الفلاسفة الأوراسيين منذ العام 1920، وهي ظاهرة الإيديوكراسيا أو الحكومة المعتمدة على النظريات المجردة. هذا النموذج الفكري في المجال الاجتماعي والثقافي، بقي كصفة عامة روسية، ملازما للمجتمع الروسي في جميع مراحل تاريخه، ويصب في مجال السياسة الايديوكراسية، الذي كان يعبر أيضا عن توجهات فكرية مختلفة، ولكنه حافظ على النظام الرأسي الهرمي “الهيكل الفكري المثالي” للحكومة.
الاتحاد الروسي والخريطة الجيوسياسية للعالم
بعد تحديد الهوية الجيوسياسية لروسيا المعاصرة بشكل دقيق، يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة التالية. آخذين بالاعتبار هذا التحليل الجيوسياسي، الذي يمكننا من تحديد مكان الاتحاد الروسي المعاصر على الخارطة الجيوسياسية للعالم. يقع الاتحاد الروسي في نطاق قلب الأرض، والهيكل التاريخي للمجتمع الروسي يشير بوضوح  إلى الصفات العامة للمجتمع الروسي، وبدون تردد علينا أن نكون مرتبطين بالاتحاد الروسي أيضا وبالحكومة التي تعتمد على مبدأ القوة الأرضية كقاعدة وشعب يعتمد البطولة كمفهوم.
عواقب مثل هذا التحديد الجيوسياسي هي النظرة العالمية. لذلك يمكننا أن نتوقع سلسلة كاملة من الخصومات، التي تكمن بشكل أساسي في النظرة الروسية الجيوسياسية الشاملة نحو المستقبل.
1. الهوية الجيوسياسية الروسية، تعتمد نظرة قائمة على الدولة ذات القوة البرية، تتطلب تعميق وتقوية المعرفة والتنمية. على وجه التحديد تم في هذا الجانب تأكيد النظرة السياسية فيما يخص السيادة في بداية العام 2000 من قبل رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين. يتم النظر إلى السيادة الروسية بشكل أعمق وأهم من ذلك بكثير: تحقيق المشروع الاستراتيجي لصيانة الوحدة السياسية الإدارية لقلب الأرض، وإعادة خلق الظروف الملائمة لروسيا للعب دورها القطبي على نطاق العالم. بتعزيز سيادة روسيا نكون قد عززنا أحد أعمدة البناء الجيوسياسي في العالم. وهذا ما نقوم بتنفيذه، والعملية أكبر بكثير من نطاق مشروع السياسة الداخلية المتعلقة بجيراننا. حقيقة أن روسيا من خلال منظورها الجيوسياسي لـ”قلب الأرض” تجعل من سيادتها مشكلة للآخرين. كل القوى والدول في العالم تراقب روسيا، إذا كانت ستنجح في هذا التحدي التاريخي، وهل ستكون قادرة على حفظ وتعزيز سيادتها.
2. بغض النظر عن التفصيلات الإيديولوجية، روسيا محكومة بنزاع مع حضارات البحر (القوى التي تعتمد على القوى البحرية) والتي تتجسد اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية ونظام القطب العالمي الأمريكي الواحد. الثنائية الجيوسياسية ليس لديها شيء مشترك مع الخصوصيات الأيديولوجية أو الاقتصادية لهذا البلد أو ذاك. تكشفت أبعاد الصراع الجيوسياسي العالمي بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية البريطانية، بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي. واليوم يتكشف الصراع نفسه بين روسيا الديمقراطية وكتلة الدول الديمقراطية في منظمة حلف شمال الأطلسي. المشاكل الجيوسياسية أعمق من أن تكون متعلقة بالتناقضات السياسية والأيديولوجية أو بأوجه التشابه. وجود مثل هذا الصراع المبدأي لا يعني الحرب أو الصراع الاستراتيجي المباشر. ويمكن فهم الصراع بطرق مختلفة. من الناحية الواقعية في العلاقات الدولية، نحن نتحدث عن صراع المصالح، الأمر الذي يؤدي إلى الحرب فقط عندما يكون أحد الطرفين مقتنع بما فيه الكفاية بضعف الآخر أو عندما يكون على رأس الدولة الأخرى نخبة تضع المصلحة الوطنية فوق كل الحسابات العقلانية. ويمكن أن يتطور الصراع سلميا من خلال نظام التوازن الاستراتيجي والاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي العام. في بعض الحالات يمكن أن يخف التوتر إلى مستوى التنافس والمنافسة، على الرغم من أن قرار الآخرين لا يمكن الحكم عليه في أي ظرف من الظروف. في مثل هذه الحالة تبقى مسألة الأمن السياسي في مركز الاهتمام، دون إهمال أي من العوامل الأخرى كالتحديث وزيادة الناتج المحلي الإجمالي أو تحسين مستوى المعيشة، الذي يبقى ذا أهمية مستقلة. هذه ليست “عدوانية”، وإنما تحليل عقلاني سليم من روح الواقعية. هذه هي الواقعية السياسية.
3. بوجهة النظر الجيوسياسية، روسيا أكبر من الاتحاد الروسي في الحدود الإدارية الحالية. الحضارة الأوروآسيوية التي أنشئت في جميع أنحاء قلب الأرض بجوهرها الروسي، هي أوسع بكثير من روسيا المعاصرة. بشكل أو بآخر تنتمي جميع بلدان رابطة الدول المستقلة عمليا إليها. وفي إطار هذه الخصوصية الاجتماعية، فرض العامل الاستراتيجي على روسيا ضمان أمن أراضيها بضرورة إمتلاكها لقوة عسكرية تحمي المناطق المرتبطة بها – في الجنوب والغرب، وأيضا في  الشمال حيث المحيط المتجمد الشمالي. وعلاوة على ذلك، إذا اعتبرنا روسيا قطبا يعتمد القوة البرية، يصبح من الواضح أن مصالحها المباشرة تمتد في جميع أنحاء الإقليم، الممتد والملامس لجميع القارات والبحار والمحيطات. وتنشأ بالتالي ضرورة وضع استراتيجية جيوسياسية عالمية لروسي،ا بشكل يضمن هذه المصالح ويضمن الاحترام لكل بلد ولكل منطقة.
يمكن تحديد عدد من النتائج التي تتعلق بآفاق الإمبراطورية القادمة على أنها الصيغة الوحيدة للوجود اللائق والطبيعي للشعب الروسي وعلى أنها الإمكانية الوحيدة للوصول برسالته التاريخية والحضارية إلى أبعد مداها.
1 _ الإمبراطورية القادمة لا ينبغي أن تكون “دولة جهوية” (إعطاء صلاحيات واسعة أو مايشبه حكم ذاتي للأقاليم) ولا “دولة- أمة”:
وهذا أمر واضح. فليس من الضروري التوكيد على أن مثل هذه الإمبراطورية لا يمكن أن تكون في أي يوم استمرار أو تطويرا لدولة جهوية أو “دولة – أمة” (هي منطقة جغرافية تتميز بإنها تستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها أمة أو قومية مستقلة وذات سيادة وهي كيان ثقافي وإثني) لأن مثل هذه المرحلة البيئية تحمل ضررا لا يمكن إصلاحه للتوجه الإمبراطوري القومي المتعمق وتنتهي بالشعب الروسي إلى متاهة التناقضات الجيوبوليتيكية والاجتماعية التي لا حل لها، وهذا بدوره ما يجعل البناء الإمبراطوري المنطقي، العقلاني أمرا مستحيلا.
2 – الإمبراطورية الجديدة يجب أن تقام دفعة واحدة كإمبراطورية، ويجب أن ترسي المبادئ الإمبراطورية الكاملة الأهلية والمتطورة في أساس مشروعها منذ الآن. ولا يجوز إرجاء هذه العملية إلى الأفق البعيد أملا بتوفر الظروف الملائمة في المستقبل. فأمثال هذه الظروف لإقامة الإمبراطورية الروسية الكبرى لن تتوفر أبدا ما لم يبادر الشعب والقوى السياسية الطامحة إلى العمل باسمه منذ الآن إلى توطيد توجهها الجيوبوليتيكي والحكومي الأساسي وبصورة واعية وواضحة.
فالإمبراطورية ليست مجرد دولة كبيرة جدا. إنها أمر مختلف كل الاختلاف. إنها حلف استراتيجي جيوبوليتيكي يتجاوز المعاملات الخاصة بالدولة الاعتيادية، إنها مافوق الدولة. ومن الناحية العملية لم تتطور أي دولة اعتيادية لتصبح إمبراطورية\. أقيمت الإمبراطوريات دفعة واحدة كتعبير عن إرادة حضارية متميزة، كحافز هائل لبناء العالم.
ولهذا فإن من الضروري القول منذ الآن لا “الدولة الروسية” بل الإمبراطورية الروسية. لا طريق التطور الاجتماعي، بل طريق الثورة الجيوبوليتيكية.
3 –  الملامح الجيوبوليتيكية والإيديولوجية لإمبراطورية الروس الجديدة يجب أن تتحدد على أساس التخلص من تلك اللحظات التي أدت من الناحية التاريخية إلى إفلاس الصيغ الإمبراطورية السابقة.
وبناء على ذلك يجب على الامبراطورية الجديدة:
_ أن تكون لا مادية، لا إلحادية، ذات اقتصاد لا مركزي.
_ أن تكون لها إما حدودها البحرية أو الأحلاف الصديقة على الأراضي القارية المجاورة.
_ أن تتميز بالبنية العرقية-الدينية التعددية المرنة بالنسبة لبنائها السياسي- الإداري الداخلي وما إلى ذلك، بمعنى أن تأخذ في الحسبان الخصائص المحلية العرقية، الدينية، الثقافية، الأخلاقية وما إلى ذلك بالنسبة لكل منطقة وأن تضفي الصفة القانونية على هذه العناصر.
_ إضفاء المرونة على مشاركة الدولة في توجيه الاقتصاد، فلا تمس إلا آفاقه الاستراتيجية، وتقليص الدورة الاجتماعية بشدة، والعمل على الوصول إلى المشاركة العضوية للشعب في قضايا التوزيع.
(هذه البنود الأربعة الأولى تنطلق من تحليل أسباب إفلاس الإمبراطورية السوفياتية)
_ شحن المعادلة الدينية – القيصرية بالمضمون المقدس الصافي الذي ضاع تحت تأثير الغرب العلماني على أسرة رومانوف، وتحقيق ثورة أرثوذوكسية “محافظة” من أجل العودة إلى منابع النظرة المسيحية الحق.
_ تحويل مصطلح “الشعبية” من الشعار الأوفاروفي إلى أفق مركزي للبناء الاجتماعي – السياسي وجعل الشعب المقولة المؤسسية السياسية والحقوقية الأهم، ومعارضة التصور العضوي للشعب عن طريق المعايير الكمية للقانونية الليبيرالية والاشتراكية وصياغة نظرية “حقوق الشعب”.
_ التوجه بدلا من الجيوبوليتيكا السلافيانوفيلية إلى المشاريع الاوراسية التي ترفض سياسة روسيا المعادية للألمان في الغرب وسياستها المعادية لليابانيين في الشرق والتخلص من التوجه الأطلسي الثاوي تحت قناع “القومية الروسية”.
_ الحيلولة دون عمليات الخصخصة والرسملة وأيضا دون لعبة البورصة والمضاربات المالية في الإمبراطورية، والتوجه نحو رقابة الشعب التعاونية، الجماعية والحكومية على الواقع الاقتصادي، ونبذ خرافة “الرأسمالية الوطنية” المثيرة للريبة.
_ الانتقال من مبدأ المحافظات إلى إقامة العرقية – الدينية ذات المستوى الأعلى من المستوى الذاتي الثقافي، اللغوي، الاقتصادي والحقوقي في استقلالية سياسية، استراتيجية، جيوبوليتيكية وإيديولوجية واحدة.
(هذه البنود الخمسة تنطلق من نقد الأنموذج القيصري)
وعلى بناة الإمبراطورية الجديدة أن يقفوا بفعالية ضد توجهات “الشبان الروس” في القومية الروسية، من يتطلعون إلى تثبيت وضعية “الدولة- الأمة” على روسيا، وضد جميع القوى السياسية الرومانسية التي تضع في مخططاتها الجيوبوليتيكية الدعوة إلى تلك العناصر التي كانت قد انتهت بالإمبراطورية إلى الكارثة.
لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية بدون إبداع قاري يقوم على بناء الإمبراطورية. ولن يغدو الروس شعبا إلا في إطار الامبراطورية الجديدة. وعلى هذه الإمبراطورية، وفق المنطق الجيوبوليتيكي أن تتفوق من الناحية الاستراتيجية والمدى المكاني على الحالة السابقة (الاتحاد السوفييتي) وعلى هذا فإن الأمبراطورية الجديدة ينبغي أن تكون أوراسية قارية كبرى وأن تكون في المستقبل عالمية.
فمعركة الروس من أجل السيادة على العالم لم تنته بعد.
قوانين المدى الكبير
قانون الجيوبولتيكا الأساسي هو مبدأ المدى الكبير الذي استنبطه ماكيندر وهاوسهوفر وطوره كارل شميدت. والاستقلال الوطني للدولة لا يرتبط وفقا لهذا المبدأ فقط بالقوة العسكرية، وبالتطور التقني والقاعدة الاقتصادية بقدر ما يرتبط  باتساع أراضي هذه الدولة ومساحاتها وبمكان توضعها الجغرافي. وقد دبَج منظرو الجيوبولتيكا الكلاسيكيون مئات المجلدات لبرهنوا على أن مشكلة الاستقلال ترتبط ارتباطا مباشرا بالاستقلالية الجيوبولتيكية للإقليم وباكتفائه الذاتي. وعلى تلك الشعوب والدول التي تتطلع حقا إلى الاستقلال أن تحل بالدرجة الأولى مشكلة اكتفائها الذاتي الترابي. وفي أيامنا هذه لا يمكن أن تتمتع بهذا الاكتفاء الذاتي إلا الدول البالغة الضخامة والواقعة في مناطق محمية استراتيجيا من أي هجوم محتمل استراتيجيا (عسكري، سياسي أو اقتصادي) من طرف التشكلات الدولية الأخرى.
وفي مرحلة المواجهة بين الرأسمالية والاشتراكية كانت الحاجة إلى الأحلاف والمجالات الكبرى أمرا واضحا. ولم يكن أحد يشك في أن البلاد لا يمكن أن  تكون  “غير منحازة” إلا بثمن إزاحتها عن مجال الجيوبولتيكا الكونية على حساب التهميش والعزل إلى الأطراف. وفضلا عن ذلك فإن جميع “غير المنحازين” قاموا باختيارهم لصالح هذا المعسكر أو ذاك وإن كان اختيارا أقل جذرية من اختيار أنصار الاشتراكية أو الرأسمالية. وانهيار إحدى الدولتين الأعظم يغير دون شك وبصفة جادة المدى الجيوبولتيكي للأرض. لكن مبدأ المجالات الكبرى لا يفقد بأي حال قوته – بل على العكس من ذلك يغدو مشروع “العولمة” الجيوبولتيكي اليوم الأكثر انتشارا والذي يفضي مغزاه إلى تحويل كافة سطح الأرض إلى مجال كبير موحد، تتم إدارته من المركز الأمريكي.
pax Americana  وجيوبولتيكا العولمة
مشروع المجال الأطلسي الكبير الموالي لأمريكا وإقامة  Pax Americana أو فرض “النظام العالمي الجديد” ذي “الحكومة العالمية” الواحدة – كل هذا في جوهره مترادفات جيوبولتيكية. ومثل هذا المخطط بالذات يتدارس ويطبق اليوم في سياسة الغرب الدولية والولايات المتحدة بالدرجة الأولى. ومن الواضح أن المنظومة العالمية للمجال الكبير تستثني بصفة كلية أية صيغ للاستقلالية الحكومية والسياسية الأصلية بالنسبة لأي شعوب أو دول مهما كانت. والأدهى من ذلك أن العالم المزدوج القطبين قد أعطى من مستويات الحرية (السيادة) للدول الداخلة في نطاق نفوذ أحد المجالين الكبيرين ما يزيد بدرجة لا يمكن مقارنتها بما يخطط له في المشروع المعولم، وذلك على الأقل لأن المجابهة الكونية ما أجبرت فقط على خنق الدول التابعة بل وعلى رشوتها أيضا. والمجال الكوني الكبير الوحيد لدارسي المستقبل العولميين سيعني الزوال الكامل حتى لأقل ظل من أي استقلال مهما كان طفيفا، لأن الضغط بالقوة (العسكرية أو الاقتصادية) على “الآماد الصغرى” المفتتة المذراة يغدو الوسيلة الوحيدة للسيطرة (وضرورات الرشوة تنتفي من تلقاء نفسها خلف غياب المنافس الجيوبولتيكي المعادي).
والوضع العملي يطرح أمام كل دولة وكل شعب (وبخاصة أمام الحكومات والشعوب التي كانت قد دخلت في المعسكر الجيوبولتيكي المعادي للغرب الأطلسي)، خيارا ملحا – إما التكامل ضمن مجال كبير تحت قيادة الأطلسيين، وإما إقامة مجال كبير جديد قادر على مواجهة الدولة فوق العظمى الأخيرة.
ومسألة الاستقلال الجيوبولتيكي الحقيقي ترتبط بعلاقة مباشرة بهذا الخيار، ولكن لا يمكن أن يكون ثمة أي استقلال كامل لأي شعب أو دولة في أي حالة من الحالتين. فلدى اعتناق الأنموذج العالمي يتم بصورة معروفة مسبقا استبعاد أي استقلال لأن “الحكومة العالمية” تصبح مركز السلطة الأوحد والذي لا خيار سواه والمستقل في هذه الحالة هو فقط  إمبراطورية “النظام الكوني الجديد” العالمية الزائفة. وتصبح جميع أجزائها، وفقا لذلك مستعمرات وإزاء تنظيم المجال الكبير الجديد نتعامل مع سيادة نسبية في إطار تشكل جيوبولتيكي كبير، لأن هذا المجال الكبير سيغدو حرا بصفة نسبية لدى تحديد الفكرة الأساسية الأيديولوجية المتعلقة برؤية العالم. وهذا يعني أن الشعوب والدول التي تدخل في هذا المعسكر يمكن أن تعول، على الأقل، على سيادة إتنوثقافية وعلى مشاركة مباشرة في بناء وإعداد إيديولوجية كبرى، بينما تكون الصفة المعولمة  “للنظام العالمي الجديد” قد انتهت فكريا وتم إعدادها فتعرض على جميع شعوب الأرض كنظير استعماري للنموذج الليبرالي – السوقي الأمريكي.
المفارقة الروسية
خصيصة الموقف الجيوبولتيكي الفعال في أن مبادرة دمار المجال الأوراسي الكبير والذي كان قد وجد في صيغة المعسكر الاشتراكي انطلقت من نفس مركز هذا المعسكر، من عاصمة الأوراسيا – موسكو. فالاتحاد السوفيتي بالذات في شخص غورباتشوف صار المبادر إلى إدخال المعسكر الأوراسي في المشروع العولمي. وأفكار “البيريسترويكا” و “التفكير الجديد” وما إلى ذلك كانت، على المستوى الجيوبولتيكي، تعني الاعتناق الكامل لأنموذج المجال الكبير والموحد والانتقال الواعي من العالم ثنائي القطبين إلى العالم الوحيد القطب. فتم في البداية تدمير المعسكر الاشتراكي، ثم تقليص الحلف الشرقي. وتواصلت التصفية الجيوبولتيكية الذاتية بعد ذلك وأبعدت عن روسيا تلك الأقاليم التي درج على تسميتها اليوم “ببلاد الخارج القريب”.
ومهما يكن من أمر فإن روسيا – كقلب الجزيرة الأوراسية، ك heartland ، استطاعت في الوضع الجيوبولتيكي الحيوي، وبصورة أفضل من جميع الأقاليم الأخرى، أن تواجه الجيوبولتيكية الأطلسية وأن تكون مركز المجال الكبير البديل. إلا أن حقيقة تصفيتها الجيوبولتيكية الذاتية قد أجبرتها على التنحي لفترة زمنية (نأمل أن تكون قصيرة) عن الأدوار المركزية في المواجهة  الجيوبولتيكية.
ولهذا ينبغي تدارس إمكانات أخرى لإقامة مجال كبير بديل لكي تتمكن الدول والشعوب الرافضة المشروع العولمي من اتخاذ بعض الخطوات الذاتية دون انتظار صحوة روسيا الجيوبولتيكية.

الأوراسيا – “الأرض المتوسطة” .. بيوتر نيكولايفتش سافيتسكي

كان بيوتر نيكولايفتش سافيتسكي (1895 – 1968) الكاتب الروسي الأول و”الوحيد” الذي يمكن وصفه بالعالم الجيوبوليتيكي بكل ما في الكلمة من معنى. وهو اقتصادي من حيث الاختصاص. هاجر بعد الثورة إلى بلغاريا ثم انتقل إلى تشيكوسلوفاكيا، وفي سنة 1921 ترأس برفقة الامير تروبيتسكوي الحركة الأوراسية التي كانت تلعب فيها العوامل الجيوبوليتيكة دورا مركزيا.
تكونت أفكار سافيتسكي بتأثير من أعمال مؤيدي السلافيانوفيل، وكان ذلك واحدا من مظاهر السلافيانوفيلية الثورية مقترنة بالفكرة المركزية حول خصوصية التميز التاريخي ” لأبناء روسيا الكبرى” والتي لا ترتبط بالخصوصية الدينية ولا بالخصوصية الاخلاقية السلافية، وهو ما يعني ” أن التقارب الاتني واللغوي بين الشعوب السلافية ليس شرطا كافيا للحديث عن وحدة ثقافية مميزة لهذه الشعوب”. والحركة الأوراسية كانت قريبة من الثوريين المحافظين الألمان، من حيث التجذر في التقاليد القومية الروسية مع العصرنة الاجتماعية، والتطور التقني وسياسة الصيغ غير التقليدية. وعلى هذا أيضا يستند موقف الأوراسيين “الإيجابي” الحذر من الدولة السوفييتية ومن ثورة أكتوبر.
الفكرة الأساسية لسافيتسكي تتلخص في كون روسيا تمثل تكوينا حضاريا مميزا تحدده خاصية ” التوسط”. وتبدأ إحدى مقالاته بهذه الكلمات ” لروسيا عدد من الأسباب يفوق بكثير ما لدى الصين من الأسباب التي تسمح بتسميتها دولة متوسطة”.
وإذا كان “توسط” ألمانيا يتحدد بالقارة الأوروبية، و كانت أوروبا لا تزيد عن كونها الرأس الغربي للأوراسيا، فإن روسيا تحتل الموقع المركزي في إطار القارة ككل. و”توسط” روسيا بالنسبة لسافيتسكي هو أساس تفردها التاريخي. فهي ليست جزءا من أوروبا وليست امتدادا لآسيا. إنها عالم مستقل بذاته، واقع جيوبوليتيكي روحي-تاريخي مستقل يسميه سافيتسكي ب”الأوراسيا”.
وهذا المفهوم لا يعني أرضا ولا قارة، بل فكرة انعكست في المجال الروسي والثقافة الروسية، إنها مقياس تاريخي، حضارة خاصة. وسافيتسكي لا يرى في سكان روسيا الكبرى مجرد فرع من السلاف الشرقيين بل تكوينا إمبراطوريا خاصا يلتقي فيه الأساسان “السلافي والتركي”، وهذه اللحظة تخرج به إلى موضوع هام وهو موضوع طوران.
كانت العودة إلى طوران كتوجه إيجابي أمرا فضائحيا بالنسبة للكثيرين من القوميين الروس. فبهذه الطريقة برر سافيتسكي بطريقة غير مباشرة الظلم المغولي التتري الذي بفضله “اكتسبت روسيا خصوصيتها الجيوبوليتيكية وحافظت على استقلالها الروحي عن العالم الرومانو-جرماني العدواني”.
أما الثنائية المؤسسة للسطح التضاريسي الروسي –وتقسيمه إلى غابة وسهب- ، فهي أمر كان السلافيانوفيل قد لاحظوه من قبل. والمعنى الجيوبوليتيكي لأوراسيا يظهر لدى سافيتسكي كتركيب وتكامل لهذين الواقعين – الغابة الأوروبية والسهب الآسيوي.
وروسيا-الأوراسيا لا تنتهي في مجموعها إلى طوران، إنها شيء أضخم من ذلك. أما بالنسبة لأوروبا التي ترى في كل ما يخرج عن أطر وعيها “الساحلي” “همجية” فهذا استفزاز يكشف التفوق التاريخي والروحي للأوراسيين.
الإيديوكراتيا
يمثل مبدأ الإيديوكراتيا بعدا بالغ الأهمية في نظرية سافيتسكي. فقد كان يرى أن الدولة الأوراسية يجب أن تبنى على أساس الانطلاق من الدافع الأولي الروحي، وعليه فإن البنيان كله يجب أن يقوم في توافق مع الفكرة الأولية وعلى رأس هذا النظام يجب أن تقف طبقة خاصة من ” القادة الروحيين”.
كانت الإيديوكراتيا تفترض أولوية النظرة غير البراغماتية، اللامادية، اللاتجارية، وإن قيمة “الشخصية الجغرافية” تتجسد، برأي سافيتسكي، في القدرة على التسامي فوق الضرورة المادية، مع الجمع العضوي للعالم الفيزيائي في دافع روحي إبداعي واحد للتوزيع الكوني التاريخي.
الإيديوكراتيا مصطلح يجمع بين كافة صيغ الدوافع الديمقراطية، غير الليبيرالية للإدراة القائمة على بواعث لا مادية ولا نفعية. وإلى جانب هذا نجد سافيتسكي يتفادى عامدا تحديد هذا المصطلح الذي يمكن أن يتجسد في المجتمعية التيوقراطية وفي الملكية الشعبية والديكتاتورية الوطنية والدولة الحزبية ذات النمط السوفياتي. هذا الاتساع في المصطلح يتفق والآفاق الجيوبوليتيكية الصرفة للأوراسيا.
ومن الواضح أن الإيديوكراتيا تتعارض تعارضا مباشرا مع النظرة البراغماتية التجارية التي كانت طاغية في مقولات ماكندر، ماهان وسبيكمان. وعلى هذا فإن الأوراسيين وصلوا بالمصطلحات الإيديولوجية التي انعكست فيها المواجهة التاريخية بين “البحر والأرض” حتى أسمى درجات الوضوح. فالبحر هو “الديمقراطية الليبيرالية” ، “النظام التجاري، البراغماتية”. والأرض هي الإيديوكراتيا (بجميع أوجهها)، الإدارة التدرجية، هيمنة المثل الديني الأعلى.

المحور الجيوبوليتيكي: موسكو – برلين والتناقض مع الأطلسية

أوروبا الوسطى تمثل تشكيلا جيوبولتيكيا طبيعيا موحدا من الناحية الإستراتيجية والثقافية، ومن الناحية السياسية إلى حد ما، أما من الناحية الاتنية فتدخل في هذا المجال شعوب الإمبراطورية النمساوية السابقة بالإضافة إلى ألمانيا وبروسيا وجزء من الأراضي البولندية والأوكرانية الغربية. والقوة المكتلة المركزية لأوروبا الوسطى هي، تقليديا، ألمانيا التي وحدت تحت سيطرتها هذا الخليط الجيوبولتيكي.
وتتمتع أوروبا الوسطى وفقا لتصورات طبيعية – جغرافية وتاريخية بطابع قاري “يابسي” بالغ الوضوح يتناقض مع الآماد “البحرية”، “الأطلسية” لأوروبا الغربية. ومن الناحية المبدئية يمكن للتأثير السياسي لأوروبا الوسطى أن يمتد جنوبا – إلى إيطاليا وإسبانيا وهو ما مهدت له أحداث تاريخية كثيرة. ومن الأكثر منطقية اعتبار العاصمة الجيوبولتيكية لأوروبا الوسطى مدينة برلين كرمز لألمانيا التي تعد بدورها رمز هذا التشكل في مجموعه ومركزه. وألمانيا والشعب الألماني فقط يتمتعان بجميع الخصائص اللازمة لتحقيق التكامل الفعال لهذه المنطقة الجيوبولتيكية – الإرادة التاريخية، الاقتصاد المزدهر بصفة رائعة، الوضع الجغرافي ذو الأفضلية، التجانس الاتني ووعي الرسالة الحضارية الخاصة. كانت ألمانيا القارية الإيديوكراتية تقف تقليديا في وجه انجلترا التجارية – البحرية، وخصوصية هذه المواجهة الجيوبولتيكية والثقافية لمست بطريقة ملحوظة التاريخ الأوروبي وبخاصة بعد أن تسنى للألمان إقامة دولتهم الخاصة.
من الناحية الجيوبولتيكية تبدو انجلترا الدولة الأقل أوروبية والتي تتناقض مصالحها الجيوبولتيكية تقليديا مع مصالح دول أوروبا الوسطى وبصفة أوسع مع الميول القارية في أوروبا. ومن ناحية أخرى فبصورة موازية لتفاقم دور الولايات المتحدة وانفرادها، عمليا، بالسيطرة الشاملة على المستعمرات الانكليزية، أخذ دور انجلترا الاستراتيجي بالتقلص، وهذه البلاد تبدو اليوم في أوروبا أقرب إلى أن تكون قاعدة الولايات المتحدة الأمريكية، القاعدة العائمة الخارجة عن نطاق الأرض منها إلى أن تكون قوة مستقلة.
ومهما يكن من أمر فإن انجلترا تبدو في نطاق أوروبا الدولة الأكثر عداء للمصالح القارية، خصم أوروبا الوسطى وبالتالي فإن الإمبراطورية الأوراسية الجديدة تجد في شخصها العدو السياسي، الإيديولوجي والاقتصادي. ومن الأمور الأقل احتمالا أن يتم التوصل بطريقة إرادية إلى تصديع الطريق الحضاري لهذه البلاد ذات الخصوصية والتي أقامت في حينها إمبراطورية تجارية – استعمارية جبارة ذات طابع “بحري” صرف، والتي ساعدت بكل الإمكانيات على ظهور مجموع الحضارة الغربية المعاصرة القائمة على التجارة، والكم والرأسمالية والمضاربات ولعبة البورصة. فذلك شيء غير واقعي على الإطلاق، وبتاء عليه تغدو انجلترا في المشروع الأوراسي وبصفة لا مفر منها “كبش الفداء” لأن العمليات الأوروبية للتكامل القاري ستجري بالضرورة ليس فقط دون احتساب المصالح الإنكليزية بل ويتناقض مباشر مع تلك المصالح. وفي هذا السياق يلعب دورا غير ثانوي الدعم الأوروبي، ثم بصورة أوسع، الدعم
الأوراسي للروح القومية الإيرلندية، السكوتلندية والويلزية حتى حدود تشجيع الميول الانفصالية واللااستقرار السياسي في بريطانيا العظمى.
التشكيل الجيوبولتيكي النقيض الآخر هو فرنسا. وقد حمل التاريخ الفرنسي في كثير من وجوهه طابعا أطلسيا يناقض التوجهات القارية والأوروبية الوسطى. وكانت فرنسا العدو التاريخي الأول لإمبراطورية النمسا والمجر، أيدت بكل الطرق الوضع التفتيتي للإمارات الألمانية متطلعة إلى “تقدمية” و”مركزية” ذات طابع لا تقليدي ومناقض للطبيعي. وعلى العموم فمن وجهة نظر تدمير التقليد القاري الأوروبي كانت فرنسا على الدوام في الطليعة وفي حالات عديدة كانت السياسة الفرنسية تتماهى مع الأطلسية الأشد عدوانية. وظل ذلك ساريا على الأقل حتى الوقت الذي أمسكت فيه الولايات المتحدة بناصية الدور العالمي لقطب الأطلسية الأعظم.
ويوجد في فرنسا توجه جيوبولتيكي بديل يعود إلى الخط القاري لنابليون (الذي رحب به غوته في عهده كقائد التكامل القاري في أوروبا) وهو ما تجسد في سياسة ديغول الأوروبية والذي بحث عن تحالف مع الألمان وعن تأسيس اتحاد أوروبي – كونفدرالي مستقل عن الولايات المتحدة. وإلى حد ما كان هذا الخط يلهم مشاريع ميتران الفرانكو – جرمانية. ومهما يكن من أمر، فبوسعنا، من الناحية الافتراضية، أن نتخيل لأنفسنا مثل هذا التحول للأحداث بأن تعترف فرنسا بأولوية عامل أوروبا الوسطى وأن تسير طواعية نحو المشاركة في المعسكر الجيوبولتيكي الأوروبي ذي التوجه القاري المعادي لأمريكا. والأراضي الفرنسية هي العامل الضروري للمعسكر الأوراسي في الغرب، فبه ترتبط، وبصورة مباشرة، السيطرة على الساحل الأطلسي ويرتبط طبقا لذلك أمن الإمبراطورية الجديدة في المناطق الغربية. والحلف الفرانكو – جرماني على أية حال هو الحلقة الرئيسة للجيوبولتيكا الأوراسية في الغرب القاري بشرط أن تكون الأفضلية هنا لمصالح أوروبا الوسطى وبالذات لاكتفائها الذاتي واستقلالها الجيوبولتيكي. ويعرف هذا المشروع باسم “الإمبراطورية الأوروبية”. وتكامل أوروبا تحت راية ألمانيا كأساس لمثل هذه الإمبراطورية الأوراسية يتسق تماما والمشروع الأوراسي ويبدو الأكثر قبولا في قضية تكامل قاري أكثر عالمية.
ولن يكون لجميع التوجهات نحو الوحدة الأوروبية حول ألمانيا (ألمانيا الوسطى) أي مغزى إيجابي إلا بمراعاة شرط أساسي واحد – وهو إقامة المركز الجيوبولتيكي، الاستراتيجي الثابت موسكو – برلين وأوروبا الوسطى لا تملك بمفردها المقدرة السياسية والعسكرية الكافية لتصل إلى الاستقلالية الحقيقية عن الهيمنة الأطلسية للولايات المتحدة. وفضلا عن ذلك يصعب في الظروف الحالية توقع حدوث صحوة قومية وجيوبولتيكية حق بمعزل عن التأثير الثوري للعامل الروسي. أن الإمبراطورية الأوروبية بدون موسكو، والأوراسيا بكلمة أوسع، ليست عاجزة فقط عن أن تنظم بصورة كاملة مداها الاستراتيجي إزاء نقص قدراتها العسكرية ومبادرتها السياسية ومواردها الطبيعية بل وإنها لا تملك، في المعنى الحضاري، المثل والتوجهات الواضحة، لأن تأثيرات النظام التجاري والقيم السوقية الليبرالية قد أصابت بشلل عميق أسس الرؤية الوطنية للشعوب الأوروبية، وعطلت النظم القيمية العضوية التاريخية لها. والإمبراطورية الأوروبية لن تصبح واقعا جيوبولتيكا وحضاريا مكتملا إلا تحت تأثير طاقة إيديولوجية وسياسة وروحية جديدة تنطلق من أعماق القارة أي من روسيا. وفضلا عن ذلك فبإمكان روسيا والروس فقط أن يقدما لأوروبا الاستقلال الاستراتيجي والاكتفاء الذاتي بالموارد الطبيعية. ولهذا يجب أن تشكل الإمبراطورية الأوروبية بالذات، الواقعة على محور مباشر مع موسكو.
ألكسندر دوغين
الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock