Print Friendly, PDF & Email
بيادق تُصادم الموت

بقلم: أحمد طه الغندور.

22/8/2019.

في العام 1993 أذهلتني رقعة الشطرنج المخطوطة على مساحة من الأرض تقارب مساحة ملعب لكرة المضرب أمام الكاتدرائية الكبرى في مدينة “سالزبورغ” النمساوية، والتي تحظى بمجسمات كبيرة من قطع الشطرنج يحملها اللاعبان ويتنقلان بها على هذه الرقعة الممتدة، والمحاطة بجمهور المشاهدين والمتداخلين في مخططات اللعبة.

 كل ذلك يجري في جو راقٍ من التعامل يتناسب مع الجو العام لهذه المدينة الرائعة والتي تصدح ليل نهار بموسيقى أحد أشهر الموسيقيين العالميين في الموسيقى الكلاسيكية؛ وأعني به الموسيقار “موزارت ” الذي وُلد ونبغ في هذه المدينة، فما كان منها إلا أنها كرمته، بأن جعلت منزله متحفاً عاماً للجمهور.

في ذلك الوقت لم يخطر ببالي أني قد أرى “رقعة شطرنج” أكبر من تلك التي وصفت، ولكن تمضي الأيام وتضعني السِنون أمام رقعة شطرنج أكبر تمتد على كامل خريطة فلسطين التاريخية، رقعة طرّزتها الدماء.

أما بيادقها البيضاء فهي تتشكل من “جموع الأبرياء من الشعب الفلسطيني”، والتي تقف في شموخ في مقابل “آلة القتل الصهيوني الهمجي ومن تأمر معه”، والمُمثلة بالحجارة السوداء على هذه الرقعة الدموية.

وأما الجمهور؛ فهو في جُله من المصفقين للقوى الظالمة أو من المتعهدين اللاهثين لدفع مزيد من البيادق البيضاء للتضحية بها على رقعة الشطرنج؛ بهدف إسعاد الظالمين والمصفقين!

جماهير البيادق البيضاء من الأبرياء التي احترفت الصبر والغربة واللجوء، لا زالت تُصادم الموت دون هوادة، في الوطن وفي مخيمات الشتات، جماعات وفرادى، بالعلم وبالرصاص، بالكلمة والصورة، ولكنها إلى الأن لم تنجح في الخلاص من المتعهدين!

لذلك نجدهم قد تحلقوا بالرقعة من كافة أطرافها، فلا غرابة أن نجد البعض منهم “مستشاراً” على درجة عالية لدى القيادة، وربما أوصلته “قِوى أجنبية” ـ وليس بالضرورة غربية ـ إلى منصبه ليشكل حاجزاً بين القيادة والشعب مما يبعث على اليأس والكراهية لدى العامة، أو ربما قد يكون هذا “المستشار” شخصاً موتوُراً فاسداً، سانده الحظ، وغياب سياسة “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب”، لذلك فهو يسعى لتحقيق مآربه بالصمت أو النفاق، أو الانتقام، لكن المهم ألا يقوم بحقيقة مهام وظيفته كمستشار!

بل لعله يكون ممن تسلقوا منصباً في أحد التنظيمات، لا رغبة لدية إلا تقديم القرابين من الأبرياء، كي يحقق مزيداً من الثراء والشهرة على حساب الشهداء وذوي الإعاقات من الأبرياء، فلا حاجة إلى تحرير الوطن ما دام هو ومقربيه بخير!

وقد يكون جاهلاً أو مدعياً ممن أتاحت لهم وسائل “الإعلام المُغرضة” المساحة الكافية للنيل من عزيمة ” شعب البيادق البيض “، فتارة يُحرضها على اليأس من الإصلاح وانهاء الانقسام، وأخرى حين يسمع “العدو” يدعي أنه “يرغب في مساعدة الراغبين في الهجرة من الوطن”، فهو يُسارع إلى تزيين “الهروب من الوطن” لها تحت مسمى “مزايا وفوائد الهجرة” وبفتاوي جاهزة نحو طيب العيش والرزق، ما دام هو وفريقه ينعم بخيرات الوطن، وما دام يسرق أخر قطعة نقد استدنها “البيدق” المتعلق بالوهم، فلا حاجة لديهم للقلق على مصيره؛ سواء انتهى أمره إلى تاجر أعضاء بشرية، أو قارب موت، أو غربة لا ترحم، فما هو إلا “بيدق” تم تهيئته للإعدام!

من الطبيعي ألا يتسع المقام لسرد كل صور المتعهدين، ولكن يبقى السؤال الأهم هو؟!

إلى متى؟

إلى متى ستبقى هذه “الفئة العفنة” تؤثر في القرار الوطني الفلسطيني؟!

وإلى متى سيعيشون على وهام بأنهم محصنون، وأن الأيدي لن تصلهم؟!

أخيراً؛ إلى متى سيبقى هذا الشعب البطل مقتنعاً بالقيام بدور “البيادق” على هذه الرقعة الدموية وهو القادر على وضع الأمور في نصابها الصحيح؟!