في مقارنة بسيطة و سريعة بين سعر برميل النفط الذي لا يتجاوز 65$ و السعر المتوسط للهواتف الذكية في السوق العالمية الذي تجاوز 700$ يتضح لنا أن الهاتف الذكي الواحد يساوي 10 براميل بترول.
هذه المقارنة قد لا تعني الكثير لو اكتفينا بالسعر لكنها ستتضح أكثر بعد التعمق في( production chain) سلسلتي الإنتاج و تكلفتهما .
بالنسبة للهاتف الذكي Smart phone و الذي شخصيا أطلق عليه إسم الجهاز الذكي أو (Smart Device) و ليس الهاتف الذكي لأن خدمة الهاتف فيه لا تتجاوز 2% بالمقارنة مع الكم الهائل من الخدمات التي يمكن أن يوفرها هذا الكومبيوتر المصغر و التي لا يمكن عدها و لا إحصاؤها، ففي كل يوم جديد هناك إبداع جديد و بالتالي خدمات جديدة منذ أن تم اكتشاف خدمة الهاتف سنة 1876 بواسطة ” غراهام بل” ثم إختراع الهاتف الجوال سنة 1973 بواسطة الأمريكي “مارتن كوبر” إلى يومنا هذا و إلى يوم القيامة.
هذا الكومبيوتر المصغر يحتوي على حوالي 50 قطعة يتم تجميعها قبل اختيار التصميم المناسب ثم القيام بعدة تجارب على جودة المكونات الفيزيائية (Hardware) قبل تزويده بالبرمجيات المناسبة (Software) و التي تمر عبر تجارب الجودة هي الأخرى ليتم عرض المنتوج في السوق العالمية.
لو نأخد على سبيل المثال لا الحصر علامة سامسونغ التي تتراوح أسعارها بين 170$ إلى أكثر من 2200$ .
و تمثل حصة هذه الشركة في السوق العالمية 31,37% متبوعة بشركة آبل بنسبة 24,79% حيث وصلت مبيعات شركة سامسونغ لحالها 292 مليون جهاز سنة 2018 فيما بلغت مداخيل الشركة حوالي 221 مليار دولار لنفس السنة.


لابأس إذا اعتبرنا أن السعر المتوسط للجهاز الواحد هو 700$ … و السؤال المهم هنا:
ماهو سعر المواد الأولية المكونة لهذا الجهاز …؟
اغلب الشركات العالمية تتحفظ في الكشف عن السعر الحقيقي للمواد الأولية فمنها من تقدره بحوالي 10$ و أخرى تقدره بحوالي 29$ في تقاريرها التقنية.
بمعنى ان متوسط سعر المواد الأولية لهذا الجهاز لا تتعدى 20$ على أقصى تقدير و هنا نطرح السؤال الأهم:
إذا كان سعر الجهاز 700$ و سعر مواده الأولية 20$ فمن أين يأتي الباقي 680$…؟
و الجواب بإختصار شديد 680$ هي عبارة عن الذكاء البشري بكل بساطة بمعنى ان الذكاء البشري يمثل 97% من سعر الجهاز.
أما بالنسبة لبرميل النفط الذي يتوقف عليه حاضر ومستقبل الجزائر وشعبها فإن سلسلة إنتاجه يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل أساسية تبدأ بعملية تحديد مكان الحقل عن طريق تقنية المسح الزلزالية أو تقنيات أخرى نجهلها ثم الحفر حيث تحفر آبار في عمق الأرض ثم مرحلة الاستخراج والاستخلاص ليتم عرضه بالسوق العالمية.
الجزائر على سبيل المثال تحتل المرتبة 18 عالميا من حيث الإنتاج بحوالي 1,34 برميل يوميا و تمثل حصة الجزائر 0,9% من السوق العالمي للنفط فيما بلغت صادرات الجزائر لسنة 2018 حوالي 41 مليار دولار حيث بلغ متوسط السعر حوالي 65$ للبرميل الواحد.
65$ هو سعر البيع دون حساب أسعار التكلفة و مراحل إنتاجه المعقدة التي تستفيد منها الشركات الأجنبية في أغلب الأحيان .
و هكذا هجرت العقول الجزائرية حيث يستثمرون في العقل البشري لتستفيد منها الشركات العالمية التي تسوق منتوجاتها لبلدهم الجزائر مقابل أموال النفط التي يستخرجونها من باطن الأرض.


و هكذا تفوقت شركة سامسونغ التي تستثمر في العقل و الإبداع البشري بمدخول 221 مليار دولار سنويا على دولة بحجم الجزائر التي تهجِّر فيها العقول و تُسجن الكفاءات و تُحطّم الآمال و تُقتل الأحلام….و النتائج كارثية بمدخول 41 مليار دولار سنويا مستخرجة من باطن الأرض كلها تُصرف على الأكل و اللباس و المواد المستوردة.
و المحزن أن الوضع في المستقبل سيكون أخطر بكثير مما هو عليه الآن ونتائجه ستكون كارثية على الجزائر وشعبها في ظل تصميم النظام على استخراج الغاز الصخري بأي ثمن وهو ما يوحي ان هذا النظام متمسك بخياراته القديمة المتمثلة في الاعتماد على الريع دون غيره من خلال استغلال الثروات الباطنية على حساب الإنسان والطبيعة.


بقلم يوسف بوشريم.

Print Friendly, PDF & Email