بعد 60 سنة على استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 سنة، لا تزال جملة من الملفات تسمم علاقات الدولتين، أبرزها الذاكرة الاستعمارية. وكلما حاول البلدان السيرإلى الأمام في سبيل حل هذا الملف الشائك،سرعان ما تعود العلاقات الدبلوماسية بينهما خطوات أخرى إلى الوراء، نتيجة غياب نية حقيقية من المستعمر السابق في الوقوف أمام حقائق التاريخ.

ومنذ تولي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرئاسة بات ملف الذاكرة أساس التوتر الشديد في العلاقات التي تشهد اليومواحدة منأسوأ مراحلها منذ الاستقلال، ولم يتردد رئيس الجمهورية في القول، خلال عدة تصريحاتإعلامية سابقة، إن ضمان علاقات طبيعية مع فرنسا مربوط بمدى جاهزيتها لمعالجة ملفات الذاكرة.

وفي خطوة نحو تطبيع العلاقات، اتفقت السلطات العليا للبلدين، صيف 2020، على تعيين خبيرين في المسائل التاريخية للعمل على حل القضايا العالقة لأول مرة منذ الاستقلال،وتم تكليف مستشار الرئيس، عبد المجيد شيخي، عن الجانب الجزائري، في 19 جويلية 2020، والمؤرخ بنجامين ستورا عن الجانب الفرنسي قبل ذلك، فيما بدا وقتها أنها رغبة منأول رئيس فرنسي ولد بعد هذه الحرب، في حلحلة الملف ومحاولة تهدئة العلاقات المتقلبة، خصوصا أن إيمانويل ماكرون كان قد وصف، خلال حملته الانتخابية لسنة 2017، استعمار فرنسا للجزائر بالجريمة ضد الإنسانية.

وقبل ذلك، حاول ماكرون إبداء حسن النية وساهم في تلبية مطلب الجزائر بعد مماطلة فرنسية طويلة، باسترجاع جماجم 24 من قادة المقاومة الشعبية الجزائريين الذين أعدمهم جيش الاستعمار ونكّل بهم، قبل ترحيل رؤوسهم، بحجة الدراسات الأنثروبولوجية. ولا تزالالجزائر تتمسك إلى اليوم باسترداد جميع الرفات والجماجم الموجودة في متحف الإنسان في باريس، رغم أنها لا تحوز على أرقام مضبوطة في ظل الإحصائيات المتضاربة التي تقدمها فرنسا في كل مرة. وفي ديسمبر 2017 تعهّد ماكرون، خلال زيارة للجزائر، بإنهاء قضية جماجم الشهداء، لكن الإجراءات تأخرت بسبب توتر العلاقات بين البلدين.

وتواصلت بعد ذلك التصريحات المجاملة، إلى أن سلّم ستورا تقريره المكون من 150 صحيفة للرئيس الفرنسي، بعد أشهر من العمل تخللتها اتهامات جزائرية للجانب الفرنسي بالاستفراد في العمل والتصرف.وقوبل التقرير عموما في الجزائر بردود فعل سلبية باعتبار أنه ”غير موضوعي ودون التّوقعات”، لأنه وضع الضحية والجلاد على قدم المساواة.

ومن بين المبادرات التي تضمنها التقرير،تشكيل لجنة “ذاكرة وحقيقة” في فرنسا، تكلف بطرح مبادرات مشتركة بين فرنسا والجزائر حول قضايا الذاكرة،وتخصيص مساحة أكبر لتاريخ البلدين في مناهج التعليم، ونصب تمثال للأمير عبد القادر بمكان سجنه في فرنسا، وهو من قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في القرن19.

كما أوصى التقرير بمواصلة إحياء ذكرى مختلف التواريخ الرمزية لحرب الجزائر، ودعا إلى نشر “دليل للمفقودين” الجزائريين والأوروبيين خلال حرب الجزائر، وكذا نقل رفات المحامية جيزيل حليمي التي دافعت عن الثوار الجزائريين إلى مقبرة العظماء، وتسهيل تنقل (الحركى) وأبنائهم بين فرنسا والجزائر، وغيرها من المقترحات التي لم ترقإلى تطلعات الجزائريين، في غياب حديث صريح حول جرائمالاستعمار واعتذار رسمي عنها.

ووفقا لما أوصى به المؤرخ بنجمين ستورا في تقريره، رفع ماكرون السرية عن وثائق مدرجة تحت بند أسرار الدفاع الوطني وتخص حقبة استعمار الجزائر.ويقول المؤرخون إن القوات الفرنسية إبّان فترة الاستعمار، هرّبت مئات الآلاف من الخرائط والوثائق التاريخية، منها ما يعود إلى الحقبة العثمانية (1518 – 1830)، هي تراث وطني ما زال موجودا في الأرشيف الفرنسي وتطالب الجزائر باسترجاعه كاملا.

وبحسب تقرير سابق لمجلس الشيوخ الفرنسي، فإن الأرشيف الجزائري طوله 10 كيلومترات، وكان عبد المجيد شيخي المكلف بإعداد تقرير الجانب الجزائري قد هدد باللجوء إلى التحكيم الدولي لاسترجاع الأرشيف في حال لم تلتزم باريس بوعودها. وتصر الجزائر على استرجاع الأرشيف وليس فقط مجرد فتحه للاطلاع بفرنسا.

وبقيت خطوات فرنسا لحل ملف الذاكرة رمزية، في ظل تغاضيها عن مطالب أساسية تتعلق بالاعتذار رسميا عن جرائم الاستعماروحل ملفات مرتبطة به مثل الأرشيف، وتعويض ضحايا تجارب نووية في الصحراء، حيث لايزال تحديد مواقع دفن النفايات النووية وتطهيرها من المواد المشعة أحد الخلافات الرئيسة في قضايا الذاكرة.

وطلبت فرنسا الاحتكام لقانون مورال الفرنسي كأرضية للتفاوض في ملف التعويضات الخاصة بالتفجيرات النووية، لكن الجزائر رفضت على اعتبار أن باريس ضمنت، في قانونها، شروطا تعجيزية تستهدف منع الجزائريين المتضررين من الحصول على أي تعويض، على الرغم من أن التجارب النووية ما زالت تسبب أمراضاسرطانية وتشوهات جسدية.

وتعمل الجزائر على حل قضية الأموال والوثائق التاريخية الثمينة التي سرقت من أراضيها وخرائط الألغام، وملف المفقودين إبان حرب التحرير والبالغ عددهم2200، وكذا قضية المهجرين إلى جزر كاليدونيا وغويانا وغيرها من المستعمرات الفرنسية وما ترتب عنها.

ورغم التقدم الشكلي في ملف الذاكرة الذي أنعشه فتح حوار رئاسي مباشر،فقد تكررت بشكل لافت التوترات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، ففي عهده استدعت الجزائر لأول مرة منذ 25 سنة سفيرها لدى فرنسا، احتجاجا على ما قالت إنهتهجم على الشعب الجزائري ومؤسساته، بما في ذلك الجيش الوطني الشعبي، وذلك بعد نشر قناة فرنسية شريطا عن الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير 2019، وتضمن معلومات قالت الجزائر إنها مغلوطة وهدفها تضليل الراي العام.

وسرعان ما عاد السفيرإلى منصبه بعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين تبون وماكرون، تحدث فيها الأخير عن رغبة بلاده في علاقات هادئة مع الجزائر، لكن علاقات البلدين مرت بعدة مطبات أخرىأدت الى إلغاء زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إلىالجزائر.

وفي آخر حلقات التوتر، تبدو جهود تطبيع العلاقات قد عادتإلى نقطة البداية، بعد تصريحات الرئيس الفرنسي أنه “قبل 1830 لم تكن هناك أمة جزائرية”، وبات مصير المصالحة بين البلدين مربوطا بحجم التنازلات التي ستقدمها فرنسا لامتصاص التوتر الذي تعدى التصريحات والبيانات إلى إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية بعد سنوات من الامتياز.