محمد عبدالرحمن عريف

ولد في القاهرة في 14 نوفمبر 1922 إلى أسرة مسيحية قبطية. كان والده يوسف بطرس غالي ابن بطرس غالي (الذي يحمل إسمه أيضاً)، الذي كان رئيس الوزراء المصري من عام 1908 حتى أغتيل في عام 1910. كانت والدته صفيلة ميخائيل شاروبيم ابنة ميخائيل شاروبيم (1861-1920)، موظف ومؤرخ عام بارز. هو أيضاً عم يوسف بطرس غالي الذي كان وزيراً للمالية. تخرج بطرس غالي من جامعة القاهرة عام 1946. حصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي العام من جامعة باريس ودبلوم في العلاقات الدولية من معهد الدراسات السياسية بباريس في عام 1949. خلال 1949-1979، تم تعيينه أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة القاهرة. أصبح رئيساً لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في عام 1975 ورئيس الجمعية الأفريقية للدراسات السياسية في عام 1980. وكان باحث فولبرايت في جامعة كولومبيا من 1954 إلى 1955، مدير مركز بحوث أكاديمية لاهاي للقانون الدولي من 1963 إلى 1964، والأستاذ الزائر في كلية الحقوق في جامعة باريس من 1967 إلى 1968. في عام 1986 حصل على دكتوراه فخرية من كلية الحقوق في جامعة أوبسالا، السويد.

كان أيضاً رئيس فخري لمعهد الدراسات العليا للدراسات السلام، في فرع من جامعة كيونغي، سول. مهنته السياسية حياة بطرس بطرس غالي السياسية تطورت خلال رئاسة محمد أنور السادات. كان عضواً في اللجنة المركزية للإتحاد الاشتراكي العربي في الفترة من 1974 إلى 1977. شغل منصب وزير خارجية مصر من عام 1977 حتى أوائل عام 1991. ثم أصبح نائب وزير الشؤون الخارجية لعدة أشهر قبل الانتقال إلى الأمم المتحدة. بوصفه وزيراً للدولة للشؤون الخارجية، لعب دوراً في إتفاقات السلام بين الرئيس السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجن. كان يشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة عندما وقعت عمليات الإبادة بعد أربع سنوات.

«بين النيل والقدس يوميات دبلوماسي مصري» تحت هذا العنوان يطرح الدبلوماسي الشهير، بطرس بطرس غالي، صورة بالعدسة المكبّرة لواقع الدبلوماسية المصرية في أفريقيا تحديدًا، وفي العالم بشكل عام، خلال الفترة التي امتدت لأكثر من عشرة أعوام منذ توليه منصب وزير الدولة للشئون الخارجية عام 1977، ونائب رئيس الوزراء للشئون الخارجية عام 1991، قبل أن يتم اختياره كسادس أمين عام لمنظمة الأمم المتحدة في يناير عام 1992. وإذ يسرد غالي، خلال الكتاب، الصادر عن دار «الشروق»، يوميات عمله الدبلوماسي، فإن صفحات الكتاب تزدحم بالعديد من القصص والحكايات والوقائع التاريخية التي جمعت المؤلف بالعديد من رؤساء وملوك الدول وزعمائها البارزين، فضلًا على المواقف التي جمعته بالرئيس السابق حسنى مبارك وعدد من وزراء حكوماته المتعاقبة ورجال الدبلوماسية البارزين خلال السنوات الماضية.

يبدأ غالي كتابه بمقدمة طويلة، تحدث خلالها عن السياسة الخارجية لمصر بين السادات ومبارك قائلًا: «وإذا كان هناك من استمرارية في نهج السياسة الخارجية ما بين عهدي الرئيس السادات والرئيس مبارك، فهناك فرق في طريقة إدارة كل منهما للشئون الخارجية؛ فبقدر ما كان السادات يطرح أفكارًا وآراء جريئة، وكان مستعدًا للإقدام نحو تنفيذها بغض النظر عن المخاطر فإن مبارك كان يدير الأمور بحذر واضح».

يلخص غالي أهداف السياسة الخارجية في الفترة ما بين 1981 و1991 كالتالى: «دعم الشعب الفلسطينى»، وبالتالى دعم «منظمة التحرير الفلسطينية، والحفاظ على علاقات طبيعية مع إسرائيل رغم اعتداءاتها، والتكامل مع جنوب السودان رغمًا عن الصراع الدائر في جنوبه، والوجود المصري في أفريقيا، ودعم المرحلة الثانية من عملية التحرر من الاستعمار الأجنبي للقارة، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع البلاد العربية، ودفع حركة عدم الانحياز التي تراجع دورها مع نهاية حقبة التحرر من الاستعمار، ونتيجة للتقارب بين الشرق والغرب، وإقامة أسس جديدة للعلاقات مع الغرب لفترة ما بعد التحرر من الاستعمار».

مقدمة الكتاب التي تطرقت لموضوعات شتى لم تغفل الحديث عن قضية القضايا، وهي المشكلة الفلسطينية، ورأى غالي أنه «ليس لها سوى حل وحيد ليس له بديل؛ ألا وهو إنشاء دولة عربية ــ إسرائيلية واحدة يعيش فيها المستعمرون اليهود كأقلية نشطة وسط أغلبية فلسطينية. إن وضع هذه الدولة الفلسطينية ــ الإسرائيلية سيذكرنا بوضع جمهورية جنوب أفريقيا بعد انتهاء حقبة التمييز العنصري (الآبارتايد) هناك ولذلك يجب أن يظهر نيلسون مانديلا فلسطيني وديكليرك إسرائيلي، وأن يكون لهما الشجاعة والخيال والإقدام ما يمكنهما من أن يهبا الحياة لهذه الدولة الجديدة، وأن يتخطيا مشاعر العداء المتبادلة بين الجانبين والتي ما زالت تسيطر على ذهنية هذين الشعبين الواقعين في العداء». وعن معضلة المصالحة الوطنية الفلسطينية قال غالي: «إن أصعب شيء هو أن تصالح الإخوة الأعداء بعضهم على بعض. أعتقد أن الجبهة الفلسطينية ستظل منقسمة على نفسها لأمد طويل، أي أنها ستظل ضعيفة، وسيكون لهذا الضعف أثره في خدمة التشدد الإسرائيلي».

العلاقة بين إسرائيل ومصر عقب وفاة السادات

استمرت كما هي حيث استقبل مبارك، وفدًا إسرائيليًا برئاسة يوسف بورج، وكان آرييل شارون وموشيه نسيم هما أبرز أعضائه، وجرى استعراض صورة متفائلة للعلاقات بين مصر وإسرائيل، وخلال اللقاء اتسم حديث مبارك بالود والأريحية وإن لم يغب عنه القدر اللازم من الحسم وأتاح هذا اللقاء لمبارك بناء جو من الثقة كان من شأنه فيما تلا ذلك أن يسهل محادثاتنا حول التطبيع مع إسرائيل».

خلافا لتوقعات غالي، بشأن مماطلة الإسرائيليين في الانسحاب من سيناء، فقد انسحبوا منها، كما يروي بنفسه، في الموعد المحدد أي في يوم 26 أبريل 1982، وأنشئت لجنة تحكيم بشأن طابا في سبتمبر 1986 وقضت في سبتمبر 1988 بأنها جزء لا يتجزأ من الأرض المصرية».

التكامل مع السودان

تحدث غالي عن العلاقة مع السودان، قائلًا: «كان السودان جزءًا لا يتجزأ من مصر منذ أن غزاه محمد علي ووحده لأول مرة في تاريخه. وفي سنة 1881 ظهرت بوادر الفتنة الكبرى على يد أحد الأصوليين فاستولى على الخرطوم في سنة 1885، واستولى المهديون على جزء من السودان حتى سنة 1898 ونجح الماريشال كيتشنر في إعادة فتح السودان بعدما سحق قوات المهدى. وتم إنشاء حكم مشترك إنجليزي مصري في السودان بناء على اتفاقية 19 يناير 1899 التي وقعها جدي بطرس غالي باشا والتي أبقت على الوجود العسكري المصري في السودان».

في أكتوبر 1951 ألغى الملك فاروق اتفاقية 1899 وأعلن نفسه ملكًا على مصر والسودان وبعد ذلك بعدة أشهر قامت مجموعة من الضباط الشبان بخلع فاروق عن العرش. ووجهت بريطانيا أول ضربة لهؤلاء الضباط الشبان عندما أسرعت بمنح الاستقلال للسودان وفي وقت قياسي يتناقض تمامًا مع المماطلات التي مارستها مع مصر بخصوص منحها الاستقلال. وكان هدف لندن هو قطع الحبل السري الذي يربط بين القاهرة والخرطوم بينما كانت السياسة المصرية تريد إقامة اتحاد فيدرالي يجمع بين البلدين. «وفى الخلاصة يمكن القول إن عبدالناصر والسادات ومبارك لم يتوصلوا لإقامة تكامل حقيقي مع الخرطوم، كما أن النميري والصادق المهدي وعمر البشير لم يتوصلوا بدورهم لإيجاد حل سلمي للصراع الدائر بين شمال السودان وجنوبه».

يضيف غالى: «أمام سيناريو تفتيت السودان هكذا اتخذت الدبلوماسية المصرية موقفًا سلبيًا ولم تفعل أى شىء لمحاولة علاج هذه الصراعات القبلية، كما أنها لم تتخذ أي إجراء استعدادًا لاحتمال تقسيم السودان ولمواجهة العواقب التي ستنتج عن هذا الانفصال».

الوجود المصري في أفريقيا

ظل مستوى علاقات القاهرة والخرطوم أدنى بكثير من المستوى الذي كان يجب أن يكون عليه بالفعل في ظل الإمكانات الكامنة. لكن في المقابل، كان الوجود المصري في أفريقيا ناجحًا، والفضل في ذلك يرجع ــ في المقام الأول ــ للمساعدات التي قدمتها مصر لمختلف حركات التحرير طوال حقبة التحرر من الاستعمار الغربي لدول القارة. خلال الفترة بين 1981 و1991 قام مبارك بزيارات رسمية لنحو عشر عواصم أفريقية، واستقبل في القاهرة قرابة عشرين من رؤساء الدول الأفريقية، وحرصت على القيام بجولات عديدة في أفريقيا فزرت ثلاثين عاصمة إما لتسليم رسالة من مبارك أو لرئاسة لجان التعاون الثنائية أو إنشاء لجان جديدة وتم عقد ستين اتفاقية تعاون بين القاهرة ومختلف الدول الأفريقية، وفي عام 1980 تم إنشاء «صندوق التعاون الفني مع أفريقيا».

بعد مرور أكثر من عشرين عامًا على هذا النشاط الفعال في أفريقيا، أصبح الوجود المصري هناك مجرد ذكرى. وما زال لدى مصر فرصة للعودة مجددًا لسابق عهدها في أفريقيا، وذلك بإنشاء تجمع الدول الواقعة على ضفاف نهر النيل: إن المشاريع الضخمة الخاصة بالملاحة النهرية والري وتوليد الكهرباء يمكنها أن تنشئ تجمعًا مع دول شرق أفريقيا وبشكل أوسع مع باقي دول القارة.

عودة العلاقات مع العرب قطعت جميع الدول العربية باستثناء السودان وعمان والصومال علاقاتها الدبلوماسية مع مصر. فى عام 1987 استعادت مصر عضويتها في المؤتمر الإسلامي، ثم استعادت عضويتها في جامعة الدول العربية عام 1989 وبعد ذلك بعام واحد عاد مقر الجامعة العربية إلى القاهرة من جديد. ولا يمكن إغفال موت الحلم العظيم بالوحدة العربية، هذا الحلم الذي كان يلهب خيال النخبة المصرية غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، بل استجد ما هو أخطر: حيث كان من شأن الارتفاع الشديد في أسعار البترول والغاز خلق شرخ جديد داخل العالم العربي بين من يمكن وصفهم بالأثرياء الجدد والفقراء القدامى. وفي النهاية دومًا تبقى مصر هي أم العالم العربي، حتى لو فتر الاهتمام هنا أو تباعد الوصل من هناك.

العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة

يجب علينا أن نتذكر أن مصر كانت ولاية عثمانية قبل نشوب الحرب العالمية الأولى، لكنها فعليًا كانت واقعة تحت حكم ثنائي، أنجلو فرنسي مشترك، فقد كانت بريطانيا العظمى تحتل مصر عسكريًا بينما كانت فرنسا تحتلها ثقافيًا. وتقوم العلاقات بين واشنطن والقاهرة على ما تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية من مساعدات مالية لمصر وعلى دور الوسيط الذي تقوم به واشنطن في الصراع العربي ــ الإسرائيلي.

بأسلوبه، ينتقل غالي من مقدمة كتابه إلى المتن مباشرة، ويبدأ بقصة اغتيال السادات، ثم تتوالى اليوميات حتى نهاية الكتاب، ففي القاهرة: الأحد 4 أكتوبر 1981 مناقشة طويلة تناولت مواضيع شتى مع الفريق كمال حسن علي، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. أخبرته بأنني قررت عدم حضور العرض العسكري الذي سيقام للاحتفال بانتصار السادس من أكتوبر 1973يوم تدمير «خط بارليف» والعبور إلى الضفة الشرقية لقناة السويس. في الواقع أنا مرهق للغاية بسبب المفاوضات التى أجريناها مع بورج ونسيم وشارون ويهودا بن مائير، النائب الجديد لوزير خارجية إسرائيل، حول مستقبل القضية الفلسطينية. أقنعتني زوجتي ليا بقضاء إجازة قصيرة في الإسكندرية، حاول الفريق كمال حسن علي إثنائى عن قراري، قائلًا: «الرئيس متمسك بحضور كل الوزراء في العرض العسكري، وقد يسيء البعض تفسير غيابك عن هذه المناسبة، إنني أتحدث معك الآن بصفتي رجلًا عسكريًا، يعرف مدى الحساسية المفرطة التي يشعر بها العسكريون إزاء موقف المدنيين تجاههم». «لا أظن أن الرئيس سيلاحظ حتى غيابي». «غير صحيح؛ فأنت من الوزراء المرموقين» ثم أخذ يقلّد صوت السادات، قائلًا: «يا بطرس! يا بطرس! إزاى؟ إزاى تسمح لنفسك بأنك تغيب عن احتفالات أكتوبر؟!». ثم انفجرنا بالضحك. وأيا كان الأمر فقد قررت عدم اتباع هذه النصيحة الأخوية التي أسداها إلىّ الفريق كمال حسن علي.

الإسكندرية: الثلاثاء 6 أكتوبر 1981

شاطئ المنتزه يبدو رائعًا وخاليًا من رواده. شمس الخريف وادعة والبحر هادئ، مجدي (الدكتور مجدي وهبة) أستاذ الأدب البارع يتحدث مستشهدًا بأشعار قسطنطين كفافي بشكل لا يباريه فيه أحد. أشعر بالراحة والرضاء. كنا نتناول الغداء بهدوء عندما توقفت أمامنا سيدة مسنة، وسألتني: «هل حضرتك الوزير بطرس غالي؟» «نعم يا سيدتي أي خدمة؟». «أذاع راديو مونت كارلو أنه قد وقع حادث خطير ــ أثناء العرض العسكري ــ هذا الصباح». «يا سيدتي لا تصدقي كل ما تقوله الإذاعات الأجنبية». انصرفت السيدة ثم عادت بعد فترة وجيزة لتخبرني بأن هيئة الإذاعة البريطانية قد أكدت هذا النبأ؛ ثم عادت للمرة الثالثة لتخبرني بأن الإذاعة الأمريكية قد أذاعت الخبر نفسه. دون معرفة التفاصيل قررت العودة للقاهرة، حيث أصبح وجودي الفوري مطلوبًا، حسبما قال رجال الأمن المرافقون لي والذين حجزوا لي مقصورة في أول قطار مغادر من الإسكندرية للقاهرة. عند وصولي لمحطة القطار، عرفت أن السادات قد تعرض لعملية اغتيال، وأن إصاباته خطيرة، وأنه قد نُقل بطائرة هليوكوبتر إلى المستشفى العسكري بالمعادي. فى الطريق للقاهرة، اقترب مني ضابط أمن وهمس في أذني بأن الرئيس قد توفى منذ فترة وجيزة. أخذتُ أنتحب وسط دهشة المحيطين بي. في محطة مصر، كانت تنتظرني سيارة أوصلتني إلى مقر وزارة الخارجية حيث وجدت الفريق كمال حسن علي. احتضنني في صمت من فرط التأثر. وللمرة الثانية لم أستطع السيطرة على دموعي. قال لي: «كانت محاولة انقلاب».

كان أول ما تبادر إلى ذهني هو سؤاله عما إذا كان الأصوليون قد تسربوا إلى الجيش، فأجابنى فورًا: «لن يتسرّب الأصوليون ولا الشيوعيون أبدًا إلى الجيش». ثم أضاف قائلًا: «لقد كنت محظوظًا لغيابك عن العرض العسكري فقد مات وجرح كثيرون في منصة الرئاسة، ويعتبرك الأصوليون هدفًا ثمينًا». عند انصرافي، احتضننى الفريق كمال حسن علي مجددًا، وودعني قائلًا: «غدًا سيكون علينا أن نخوض معًا معركة جديدة أصعب من المعارك التي خضناها لتحرير أرضنا».

القاهرة: الأربعاء 7 أكتوبر 1981

انهالت علينا البرقيات من كل عواصم العالم. أعلن الكثيرون من رؤساء الدول أنهم سيحضرون الجنازة، لكن الأصوليين الدينيين والمتطرفين العرب هددوا بقتل كل من سيشارك في الجنازة. وقررت أجهزة الأمن أن تقام الجنازة في صباح يوم السبت 10 أكتوبر. وقالت إن القاهرة تنتظر توافد كبار الشخصيات العالمية بدءًا من الغد وعلىّ أن أستقبلهم في المطار.

الأمير تشارلز وذهنية التبعية القاهرة: الجمعة 9 أكتوبر 1981 بناء على تعليمات صدرت من رئيس الوزراء جاء لمساعدتي اثنان من نوابه: الفريق كمال حسن علي وفكري مكرم عبيد، كان فكري يقول لي: «القادم صديقك يا بطرس، وأنت تعرفه، فإذهب إذن لاستقباله. نحن متعبان؛ وكما ترى فإن الفريق كمال حسن علي يعانى من آلام الروماتيزم». لكن جميع مظاهر هذا التعب اختفت فور الإعلان عن وصول طائرة الأمير تشارلز ولي عهد إنجلترا، فقد سارع كلاهما بالوقوف وهرعا لاستقباله عند سلم الطائرة، وعندما رجعا، قلّدت حركاتهما لافتًا نظريهما إلى أنهما لم يتخلصا من ذهنية التبعية للاستعمار البريطانى.

لقاء مع صدام حسين

عمان/ بغداد: الأربعاء 9 فبراير 1983 استقبلنا صدام حسين، وجدته أكثر نحافة وأكبر سنًا وأكثر إرهاقًا عن ذى قبل. شرحت له أن هدف الزيارة هو التأكيد على تضامن الشعب المصري مع الشعب العراقي في حربه ضد العدوان الإيرانى. شكر صدام حسين الرئيس مبارك، وحكى لنا بالتفصيل عن المعركة التى بدأت بالأمس وقبل الأمس، وعن الخسائر الثقيلة التى ألحقها الجيش العراقي بالقوات الإيرانية، ثم أضاف قائلًا: «المهم هو الحفاظ على الأمن الداخلى في البلد وعلى الروح المعنوية للشعب».

مبارك فى حفل تخرج نجله علاء القاهرة

الثلاثاء 22 فبراير 1983 لن يحضر الرئيس مبارك لا حفل تخرج ابنه البكر ــ علاء ــ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ولا توزيع الشهادات على الخريجين؛ لأنه من المقرر أن يرأس البروفيسير مالكوم كير هذا الحفل. وكان هذا البروفيسير قد نشر مقالًا انتقد فيه الرئيس مبارك بشدة. ولمّح لي الرئيس بأنني أستطيع ترأس هذا الحفل. إنها مهمة حساسة للغاية، خصوصًا أنه لم يسبق لي التدريس في الجامعة الأمريكية ولأن مالكوم كير زميلي وصديقي. تسلحت بالشجاعة وتناقشت في الأمر مع رئيس الجامعة الأمريكية الذي أكد لي حرصه على حضور الرئيس لحفل التخرج. وتعهد لي بتلبية مطالب الرئيس مبارك كافة، وقال لي إنه سيقول للبروفيسير إن الرئيس مبارك يصر على أن يرأس وزير مصري هذا الاحتفال. طلبت من صديقي مجدي وهبة مساعدتي على إعداد خطبة ــ باللغة الإنجليزية ــ تكون لائقة بمثل هذه المناسبة.

القاهرة: الأربعاء 23 فبراير 1983 وصل الرئيس مبارك والسيدة قرينته إلى مقر الجامعة الأمريكية. وكان في استقبالهما هيرمان إيلتس؛ السفير الأمريكي. وبعد أن تم تقديمي للحاضرين، صعدتُ إلى المنصة، وقرأت بعناية الخطبة التي أعدها لي مجدي وهبة. بعد ذلك وزعت الشهادات على الخريجين. جاء علاء وقبّل والديه.

مصر تترشح لعضوية مجلس الأمن القاهرة

الاثنين 26 سبتمبر 1983 حصلت على موافقة الرئيس مبارك لكي تتقدم مصر للترشيح للعضوية غير الدائمة في «مجلس الأمن». إذا نجحت فسيكون ذلك بمثابة توجيه لطمة قوية للدول العربية التي ما تزال مستمرة في مقاطعة مصر دبلوماسيًا. أما إذا فشلنا فاللوم سيوجه لي وحدي لأنني تسببت في توجيه هذه الإهانة الجديدة لبلدى. لكن المكسب هائل ويستحق المخاطرة. القاهرة: الاثنين 31 أكتوبر 1983 انتصار. انتصار. أيقظوني في الساعة الرابعة صباحًا ليخبروني بأننا قد فزنا في انتخابات مجلس الأمن: حصلت مصر على 126 صوتًا مقابل 24 للجزائر، وصوت واحد فقط لليبيا. ياسر عرفات فى القاهرة القاهرة: الخميس 22 ديسمبر 1983 احتل خبر وصول ياسر عرفات على متن الباخرة «أوسيا سيليتيس» صدر صفحات الجرائد كلها. سافرت ومعى أسامة الباز الذي كان عصبيًا وفي غاية التوتر. اقتربنا من الباخرة على ظهر مركب صغير وحاذيناها بصعوبة. قبّلني عرفات بحرارة؛ لقد جاء بحثًا عن الحماية في مصر بعدما شتمها ولعنها. لن أنسى له أبدًا أنه قد رقص فرحًا عندما علم بنبأ اغتيال السادات. أما اليوم فها هو قد خسر معركة بيروت ولابد من النسيان والعفو. أعد محافظ الإسماعيلية لياسر عرفات استقبالًا يليق برئيس دولة. حاول مئات من الصحفيين والمصورين الاقتراب منه لكن بلا جدوى. ركبنا الطائرة الهليوكوبتر التي أوصلتنا إلى قصر القبة في القاهرة بعد 20 دقيقة. أثناء الاستعداد لاستقبال عرفات، كان الرئيس مبارك متحفظًا عندما سألته: «هل نعد الغداء؟». «لا داعى فاللقاء لن يستمر طويلًا». عقد الرجلان، لقاء مغلقًا دام أكثر من ساعة ثم خرجا وهما يبتسمان: فقد تمت المصالحة. لم أعرف وكيف ولماذا تمت هذه المصالحة. التفت مبارك إلىّ متسائلًا: «هل الغداء جاهز؟». لحسن الحظ، كان الغداء مُعدًّا على الرغم من تعليماته السابقة.

يبقى أن غالي أنتخب عام 1991 كأمين عام، المنصب الأعلى في الأمم المتحدة، لا يزال منصبه مثيراً للجدل. في عام 1992، قدم “خطة للسلام”، وهو اقتراح حول كيفية استجابة الأمم المتحدة للصراع العنيف. لكن تعرض لإنتقادات بسبب فشل الأمم المتحدة في التصرف خلال الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 التي أسفرت عن مصرع أكثر من مليون شخص، وظهر أنه غير قادر على حشد التأييد في الأمم المتحدة للتدخل في الحرب الأهلية الأنغولية المستمرة.

كان من أصعب المهام خلال فترة ولايته معالجة أزمة حروب يوغوسلافيا بعد تفكك جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية الاتحادية السابقة. أصبحت سمعته متشابكة في الجدل الأكبر حول فعالية الأمم المتحدة ودور الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ويعتقد بعض الصوماليين أنه كان مسؤولاً عن تصعيد الأزمة الصومالية من خلال ثأره شخصي ضد محمد فرح عيديد وعشيرته هبر جدير، من خلال دعم منافسيه، قبيلة الدارود عشيرة الدكتاتور السابق محمد سياد بري. ويعتقد أنه طالب بالهجوم بالطائرة المروحية الأمريكية في 12 يوليو عام 1993 على اجتماع لعشائر هبر جيدر، الذين كانوا يجتمعون لبحث مبادرة السلام التي طرحها رئيس بعثة الأمم المتحدة في مقديشو المتقاعد الأميرال جوناثان هاو. ويعتقد عموماً أن غالبية شيوخ العشائر كانوا حريصين على ترتيب السلام وكبح الأنشطة الإستفزازية لزعيمهم، محمد فرح عيديد، ولكن بعد هذا الهجوم على الاجتماع السلمي، تم حل العشيرة على محاربة الأميركيين والأمم المتحدة، مما أدى إلى معركة مقديشو في 3-4 أكتوبر 1993.

الترشيح لفترة ثانية في عام 1996

قام عشرة من اعضاء مجلس الأمن برئاسة دول إفريقية مصر، غينيا بيساو وبوتسوانا برعاية قرار يدعم بطرس غالى لفترة ثانية مدتها خمس سنوات حتى عام 2001. ولكن الولايات المتحدة أستخدمت حق الفيتو ضد ولاية ثانية له. وبالإضافة إلى الولايات المتحدة، لم ترع المملكة المتحدة، كوريا الجنوبية وإيطاليا القرار، إلا أن الدول الثلاث الأخيرة صوتت لصالح بطرس غالى بعد أن أعلنت الولايات المتحدة اعتزامها استخدام الفيتو. على الرغم من أنه ليس أول مرشح تستخدم فيه حق النقض (أعترضت الصين على الولاية الثالثة لكورت فالدهايم عام 1981 لترشيح أمين عام من العالم الثالث) فإن بطرس غالي هو الأمين العام الوحيد للإمم المتحدة الذي لم ينتخب لولاية ثانية إلى المنصب.

فقد خلفه في الأمم المتحدة كوفي أنان. شارك ريتشارد كلارك، مايكل شيهان وجيمس روبين في ما أسموه “عملية الشرق السريع”. كتب كلارك: لقد أبرمنا أنا، أولبرايت وحفنة أخرى (مايكل شيهان، جيمي روبين) في إتفاقاً معاً في عام 1996 لإطاحة بطرس غالي كأميناً عاماً للأمم المتحدة، وهي خطة سرية أطلقنا عليها عملية الشرق السريع، مما يعكس أملنا في أن العديد من الدول ستنضم إلينا في القيام برئاسة الأمم المتحدة. في النهاية، كان على الولايات المتحدة أن تفعل ذلك بمفردها (بإستخدام حق النقض) شيهان وأنا خدمنا على منع الرئيس من الإدلاء بضغط من قادة العالم وتمديد فترة بطرس غالي، في كثير من الأحيان من خلال سباقنا إلى المكتب البيضاوي عندما نبهنا إلى أن رئيس دولة كان يتصل هاتفياً بالرئيس.

في نهاية المطاف، أعجب كلينتون بأننا تمكنا ليس فقط من الإطاحة ببطرس غالي، بل بإختار كوفي أنان ليحل محله. (كلينتون قال لشيهان وأنا، “أحصلوا لي على غراب، يجب أن أكل غراب، لأنني قلت أنكم لن تسحبوه أبداً.”) كتب ريتشارد هولبروك أن الولايات المتحدة عارضت بطرس غالى بسبب تردده في الموافقة على قصف الحلف الأطلسي للبوسنة (وهو ما أيده كوفي أنان). ولاحظ أن معارضة الولايات المتحدة للأمين العام كانت معارضة من قبل جميع حلفائها.

يكتب ستانلي ميسلر، كاتب سيرة كوفي أنان، أن تردد بطرس غالي في قصف الصرب في البوسنة ينبع من المعارضة الفرنسية والبريطانية لهذا التكتيك، حيث ان الدولتين وفرتا معظم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وخوفاً من أن ينتقموا الصرب على جنودهم. بدلاً من ذلك، يشير ميسلر إلى أن كلينتون سعى إلى استخدام حق النقض لفترة ولاية بطرس غالي الثانية لزيادة شعبيته، حيث أن السناتور بوب دول، الذي كان يتنافس مع كلينتون في عام 1996، حصل على عدد من الأصوات من خلال إدانته لبطرس غالي بشكل متكرر. كان بطرس غالى قد ألقى باللوم على حق النقض على مجموعة من العوامل، بما في ذلك الضغوط السياسية المتعلقة بانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 1996، الخلافات بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة حول قضايا مثل حرب البوسنة والهرسك والإبادة الجماعية في رواندا، فضلاً عن التوتر على مستحقات الأمم المتحدة الغير المسددة المستحقة على الولايات المتحدة.

في النهاية فإن السيرة المهنية لبطرس غالي تمتد إلى أن ترأس منظمة الفرانكوفونية الدولية بعد عودته من الأمم المتحدة. يرأس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان (مجلس حكومي مصري). استقال من رئاسة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في فبراير 2011. كذلك فأفكاره السياسية يحمل مشوار بطرس غالي الفكري العديد من الأطروحات منها: الولايات المتحدة العربية وهي فكرة طرحها بطرس غالي إبان وجوده في الوزارة في فترة حكم السادات، وقت الوحدة التي كانت بين سوريا ومصر وليبيا، وقد نشرت مجلة الهلال المصرية تفاصيل هذه الأطروحة في أوائل السبعينيات من القرن الماضي.