دراسات تاريخية

بين “اليوم الوطني للذاكرة” و“يوم الشهيد” تاريخ نضال جزائري استمر 132 عامًا

محمد عبدالرحمن عريف

لا شك أنه لا يرغب الجزائريون أن ينسى أولادهم وأحفادهم التضحيات التي قدمها الأجداد في سبيل الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي؛ لذلك يحتفلون في الـ18 من فبراير/ شباط كل عام بـ”يوم الشهيد” لاسترجاع ذكرى نضال استمر أكثر من قرن وربع ولم ينتهِ إلا بعد أن حملت الجزائر لقب “بلد المليون شهيد”.

   بدأ هذا التقليد منذ عام  1989، بهدف التذكير بالتضحيات التي قدمها الشهداء في سبيل تحرير الجزائر، وبتاريخ نضالهم الطويل الذي امتد لما يزيد على 130 عاماً. وقد كان الاحتفال الأول بهذا العيد بمبادرة من تنسيقية أبناء الشهداء الجزائريين، ويحتفل بهذا اليوم بتنظيم العديد من التظاهرات. وبالإضافة إلى مراسيم الترحم على أرواح شهداء ثورة التحرير تتميز التظاهرات بتنظيم معارض للصور وتوزيع هدايا تشجيعية على المتفوقين في مختلف المسابقات التي نظمت بالمناسبة وإطلاق أسماء بعض الشهداء على مؤسسات تربوية وعرض أفلام حول الثورة المسلحة وتكريم عائلات بعض الشهداء.

نضال استمر أكثر من قرن وربع

    وصف الاحتلال الفرنسي للجزائر على أنه واحد من أطول الاحتلالات وأكثرها بشاعة في التاريخ الحديث، فلم تكتفِ فرنسا بالاحتلال العسكري للبلاد إنما اتبعت سياسة إبادة جماعية ممنهجة فضلاً عن تدمير منازل الجزائريين واغتصاب أراضيهم وتهجيرهم ومحو ثقافتهم العربية والإسلامية من خلال محاربة اللغة العربية واستبدالها بالفرنسية وتحويل أغلب من المساجد إلى كنائس وثكنات وإسطبلات، وتشجيع البعثات التبشيرية للانتشار في البلاد. كل ذلك دفع الجزائريين إلى القيام بالعديد من الثورات التي كان أولها ثورة عبدالقادر بن محيي الدين عام 1832، والذي أعيا القوات الفرنسية إلى أن سقط في الأسر عام 1847. ومنذ ثورة ابن محيي الدين لم تهدأ حركات المقاومة في الجزائر، فتبعتها مقاومة أحمد باي في منطقة قسنطينة عام 1837، وثورة محمد بومعزة عام 1854، ومقاومة الخليفة أحمد بن سالم في الأغواط، وثورة الزعاطشة عام 1848، وغيرها الكثير من الثورات التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. وبالرغم من عدم التكافؤ في العدة والعتاد، استطاعت تلك الثورات أن تشكل مصدر تهديد دائماً للفرنسيين الذين واجهوها بشراسة ووحشية مزهقين أرواح العديد من الجزائريين الثوار منهم والمدنيون.

حرب التحرير الجزائرية

     لم تنل الجزائر استقلالها إلا بعد 132 عاماً من الاحتلال، وتحديداً في عام 1962 حيث تم توقيع مرسوم استقلال الجزائر بعد مضي عام من المفاوضات بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الجزائرية وبعد قرابة 8 أعوام من تاريخ اندلاع حرب التحرير الجزائرية.

   شارك ما يزيد على 1200 مجاهد جزائري في حرب التحرير التي اندلعت عام 1954، وعلى الرغم من قلة الإمكانات لدى المقاومين الجزائريين، أمام قوة الفرنسيين الكبيرة، فقد استطاعوا بث الرعب في صفوف الفرنسيين واعتمدوا أسلوب حرب الشوارع معتمدين على ما يملكونه من أسلحة وقنابل تقليدية. ولم تفلح المساعي الفرنسية في إخماد الثورة بالرغم من قيامها بسجن الكثيرين من قيادتها مثل رمضان بن عبدالمالك وأحمد زبانة وباجي مختار وبلقاسم قرين. وتميزت حرب التحرير بمشاركة عامة الشعب الجزائري، فقد ضغط الجزائريون على الحكومة الفرنسية من خلال تنظيم الإضرابات العمالية والمظاهرات والتأثير على الرأي العام الفرنسي؛ إذ اعترف العديد من المثقفين الفرنسيين بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم. وبعد أعوام مريرة وطويلة من النضال حاز الجزائريون استقلالهم أخيراً، لتعرف الجزائر بعد ذلك بـ”بلد المليون شهيد”.

   في حين يعرف الجزائر اليوم ببلد المليون شهيد، إلا أنه قدم خلال تاريخ نضاله الطويل ما يقرب من 7 ملايين شهيد، وقد وثق هذا الرقمَ عددٌ من المؤرخين الفرنسيين منهم المؤرخ الشيوعي جاك جورك، ومن المؤرخين العرب منهم الدكتور محمد لحسن زغيدي.

      دائمًا يحضر الشهيد بالتكريم والتبجيل لما خصه به الله من مكانة حميدة ، وعرفان له لما قدمت يداه من تضحيات جسام فهو الذي لبى وضحى بالروح والجسد دفاعا عن الوطن والحرية والشرف صادقا عهده ولم يبدل تبديلا. وقد خصص تاريخ 18 فيفري كيوم وطني للشهيد وتم الاحتفال به لأول مرة سنة 1990 وتهدف هذه المناسبة إلى إرساء الروابط بين الأجيال وتذكير الشباب بتضحيات الأسلاف من أجل استخلاص العبر والإقتداء بخطهم الشريف.

   أتخذ يوم 18 فيفري من كل سنة يومًا للاحتفال بذكرى الشهيد عرفانًا بما قدمه الشهداء من تضحيات جسيمة ويمثل هذا اليوم وقفة لمعرفة مرحلة الاستعمار التي عاشها الشعب الجزائري في بؤس ومعاناة وهذا لأن التاريخ يمثل سجل الأمم وتحتفل الجزائر بهذا اليوم منذ 18 فيفري 1991 بمبادرة من تنسيقية أبناء الشهداء تكريما لما قدمه الشهداء حتى لا ننسى مغزى الذكرى واستشهاد مليون ونصف المليون من الشهداء لتحرير الجزائر.

    فالجزائر أمة مقاومة للاحتلال منذ فجر التاريخ خاصة الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الشرس حيث قدمت الجزائر قوافل من الشهداء عبر مسيرة التحرر التي قادها رجال المقاومات الشعبية منذ الاحتلال في 1830 مرورًا بكل الانتفاضات والثورات الملحمية التي قادها الأمير عبد القادر والمقراني والشيخ بوعمامة وغيره من أبناء الجزائر البررة وكانت التضحيات جسامًا مع تفجير الثورة المباركة في أول نوفمبر 1954 حيث التف الشعب مع جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني فكانت تلك المقاومة والثورة محطات للتضحية بالنفس من أجل أن تعيش الجزائر حرة فبفضل تلك التضحيات سجلت الجزائر استقلالها في 5 جويلية 1962م.

     فبالإضافة إلى مراسيم الترحم على أرواح شهداء ثورة التحرير تتميز التظاهرات بتنظيم معارض للصور وتوزيع هدايا تشجيعية على المتفوقين في مختلف المسابقات التي نظمت بالمناسبة وإطلاق أسماء بعض الشهداء على مؤسسات تربوية وعرض أفلام حول الثورة المسلحة و تكريم عائلات بعض الشهداء.

     جمعتهم في نادي الصنوبر يوم 18 فبراير 1998 أجمعوا على اختيار هذا اليوم كيوم وطني للشهيد وهذا انطلاقًا من قناعة بأن مقام الشهيد في أعلى مقامات التبجيل والتذكير والأيام الوطنية والعالمية التي تعود شعبنا أن يحتفل بها على المستوى الرسمي والشعبي فلقد اعتاد المواطن الجزائري أن يحتفل بأعياد وطنية ودينية ولكنه لم يسمع منذ الإستقلال حتى عام 1990 بشيء أسمه اليوم الوطني للشهيد وهو 18 من فبراير ونظرًا لأن مكانة الشهيد معززة عند الله وعند البشر لأنه هو الوقود الذي أشعل لهيب الحرية وهو المصباح الذي أنار درب السيادة والاستقلال وبالنظر إلى أن الشهيد يبقى في كل الأزمان المتعاقبة رمزا للحرية والكرامة التي ينعم بها الشعب حاضرًا ومستقبلًا وبالنظر إلى أن الشعب الجزائري قدم قوافل الشهداء الأبرار قربانا إلى مذبح الحرية وأنه يدرك أن أولئك الشهداء جاهدوا ضد العدو وفرطوا في الملك والأبناء والأزواج وملذات الحياة فداءًا لهذا الشعب ليعيش حرًا أبيًا كريمًا فإن كل الاعتبارات وغيرها مما لا يتسع المقام لحصرها دفعت أبناء الشهداء من خلال منظمتهم الوطنية الفتية إلى إعتبار يوم 18 فبراير من كل عام يومًا وطنيًا للشهيد وهذا ليستعيد الشعب الجزائري إلى ذاكرته العملاقة بهذه المناسبة شريط التضحيات والدم والنار والعذاب وجثث الشهداء وجراح أيام الإستدمار الفرنسي ولكي يربط بين الماضي والمستقبل وليتذكر أن هؤلاء ماتوا في خندق واحد ومن أجل هدف واحد ومن أجل حرية شعب الجزائر العربي الأبي المسلم من هنا فأن الهدف والغاية المقصودة من وراء إعتبار هذا التاريخ يومًا وطنيًا للشهيد إنما هو من أجل ترسيخ قيمة الشهيد وعظمة تضحياته في مقدمة هذا الشعب من أجل الحرية وفي نفسية وأذهان الأجيال الحاضرة التي كادت الأوضاع الحالية ومظاهر الجري وراء ملاذ الحياة الدنيا من قبل هذا وذاك ممن يعدون من الجيل الذي قاد ثورة التحرير الكبرى في الجزائر ضد الظلم والإستغلال الفرنسي ليعود إلى ذاكرة الجيل الحاضر أن أولئك الشهداء لم تلهيهم الدنيا عن الوطن وحريته.

     إن البعد الذي يرمي إليه هذا اليوم هو الرجوع بذاكرة الشعب إلى الوراء أيام الإستدمار الفرنسي وأيام الثورة وما قدمت هذه الثورة من تضحيات وأرواح من اجل نزع حرية هذا الشعب من قبضة العدو الفرنسي ولكي يعيش هذا الشعب سيدا كريما متراحما فيما بينه.

    مغزى هذا اليوم كذلك هو تذكير أبناء الجزائر من جيل الإستقلال بأن الحرية والسيادة والإستقلال ما كانت لتكون كلها لولا أن قدم الشعب مليون ونصف من أبنائه كثمن عظيم لها. ولكي يقف الشعب وجيل الإستقلال على حقيقة فرنسا التي تدعو اليوم إلى تنصيب محاكم ضد النازية الألمانية متناسية أن نازيتها في الجزائر لم تبلغ درجتها النازية الهتليرية ولا حتى النازية الصهيونية المعاصرة فكيف يحق لفرنسا أن تحاكم نازية هتلر وهي قد مارست أبشع نازية عرفها التاريخ الحديث ضد الشعب الجزائري؟.. هل هناك نازية أكثر من نازية ديغول الذي زعم أذياله هنا أو ه من وراء البحر بأنه منح الإستقلال إلى الجزائر؟.

     إن إتخاذ هذا اليوم يوما وطنيا للشهيد فيه رجوع بهذا الشعب وبذاكرته إلى البطولات والمقاومات والثورات الشعبية التي كانت البدايات الجهادية لثورة التحرير الكبرى وفيه وقوف على تاريخ كفاح هذا الشعب الطويل المتلاحق المراحل حتى الإستقلال وفيه تعبير عن إعتزاز الشعب الجزائري بكفاحه المرير وبقوافل شهدائه عبر المقاومات الشعبية حتى يوم النصر المبين ليقرأ فيه الشعب نفسه ويقف على معاني التضحيات الحقيقية من أجل الوطن ليستخلص بنفسه أنه لا تاريخ لشعب ولا مكانة له إن هو ترك نضالاته ورموز كفاحه وذكريات ويلات الإستدمار وراء ظهره فارًا وهاربًا إلى الأمام يبحث عن ملاذ الدنيا من جاه وسلطة ومزيد من الإنغماس في ملاهي الحياة.

     اتخاذ مثل هذا اليوم يوما وطنيا للشهيد فيه عودة بهذا الشعب وبوعيه إلى تاريخه ليقرأ فيه معاني الوطنية ومعني النضال ومعني الإسلام ومعاني الجهاد ومعاني حب الوطن من خلال إستذكاره لقوافل الشهداء الذين قدمهم قربانا لمذبح الحرية فجاءوه فرحين طائعين مهللين فعاشوا شرفاء وماتوا من أجله شرفاء ولم تستطع الدنيا أن تسرق منهم جلال الوطن ولا ذلوا ولا إستكانوا أمام الأعداء وما ركعوا لشهوات الدنيا مثلما ركع لهذا اليوم الكثير بعد الإستقلال والتحرير.

    في نهاية المطاف فإنه سيبقى يوم 18 فبراير رمزًا حيًا للجزائر ومعنى غاليًا لا يزول من ذاكرة الأجيال الصاعدة ويبقى رمزًا لشهيد الجزائر الذي سيبقى شوكة عالقة بحلق فرنسا الإستعمارية مذكرًا الأجيال والشباب بجرائم ديغول وبيجو وبيجار ولاكوست وغيرهم من جلادي فرنسا الإستعمارية وسيبقى يوم 18 فيفري يذكر الأجيال والمجاهدين والشعب الجزائري بخطى شال وموريس ومذابح خراطة وقالمة وسطيف وسياسة الأرض المحروقة التي نفذتها النازية الديغولة.

     يبقى الاحتفال بذكريات العظماء وفاء, وأي وفاء.. لأنهم وفوا بما عاهدوا عليه الله والشعب والنفس, وحققوا أمانيهم بخاتمة الاستشهاد.. فالذكرى لا تقام من أجلهم كأشخاص, ولا من أجل الذكرى, بل تقام, لأن حياتهم جزء من تاريخ هذا الوطن العظيم, فتذكرهم وإقامة الذكريات لهم تذكير للأجيال على مدى العصور, بما قدمه أجدادهم وآباؤهم من تضحيات غالية, كي يتحرر الوطن, و يسعد أبناؤه, وينعموا بالحرية فوق أرضهم.

    إن وراء كل عظيم من عظمائنا قصة, وبطولة, وأمجاد تعتز بها أجيال الغد, وتتباهى بسجلها الذهبي الثري بالرجال والأبطال, وقد كان لنا هذا السجل في ماضينا, ولكن ايادي المستعمر عاثت فيه حرقًا وفسادًا, وأيدناه نحن بصمتنا, وتجاهلنا… وها هو جيل ما بعد الاستقلال يقارن بين سجلات الشعوب الأخرى وسجلنا, فيرى هذا هزيلًا جدًا.. ولولا ثورة التحرير لكان تاريخ رجالنا وسجل حياتهم أهزل سجل في الوجود..

5/5 - (1 صوت واحد)

(Read more)  معايير تشكل العالم بعد الحرب العالمية الثانية

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى