علاء عبد الحفيظ محمد(**)

مقدمة:

لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، وقد ذهبت بعض الأدبيات السياسية التي تناولت السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الدولي إلى أن العالم سوف يستمر يعيش آفاق «العصر الأمريكي» إلى مدى يُقدر بنحو خمسة عقود على الأقل‏[1]، بينما ذهبت أدبيات أخرى إلى أن الفترة الحالية هي فترة انتقالية، وأن الفترات الانتقالية كما تشير خبرة التاريخ تكون شديدة الخطورة على الأمن الإقليمي والدولي معاً، حيث تحاول القوى المسيطرة الحفاظ على مكانتها في قمة النظام، بينما تسعى القوى الجديدة إلى تغيير شكل نسق علاقات القوة. وعلى سبيل المثال، فقد توقع تقرير «اتجاهات كونية 2025»، الصادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، أن يكون النظام الدولي بحلول عام 2025 نظاماً متعدد القطبية، بسبب صعود قوى بازغة جديدة، والاقتصاد المعولم، والانتقال التاريخي للثروة النسبية والقوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق‏[2].

كما أشار فريد زكريا في دراسته «عالم ما بعد أمريكا»، إلى أن الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى وحيدة على المستويين السياسي والعسكري، إلا أن المجالات الأخرى الصناعية والمالية والتعليمية والاجتماعية والثقافية على السواء كلها، تتحول بعيداً من وضع الهيمنة الأمريكية، وأنه إذا كانت قوة الولايات المتحدة ليست إلى زوال، فإنها تنتظر من يزاحمها‏[3]. وقد أثار مفهوم تحول القوة اهتماماً كبيراً في نظريات العلاقات الدولية‏[4]، كما سعت بعض الدراسات إلى تطبيق مقولات نظرية تحول القوة على ما تم اعتباره عملية تحول قوة بين الولايات المتحدة والصين‏[5]، وركزت دراسات أخرى على احتمال صعود روسيا كقوة تعديلية في النظام الدولي‏[6].

وفي السياق ذاته، أشار والتر روسيل ميد إلى صعود كلا الدولتين «روسيا والصين» كقوتين تعديليتين عالميتين، وإيران كقوة تعديلية إقليمية. وذكر أن تلك القوى التعديلية تسعى إلى تغيير النظام العالمي الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، وأشار الكاتب في دراسته إلى العديد من الحالات التي توضح عودة منافسات الجغرافيا السياسية مرة أخرى إلى ساحة السياسة الخارجية بعد ركون الغرب إلى التفسير السهل لما أُطلق عليه «نهاية التاريخ» بعد انتصاره في الحرب الباردة‏[7].

وتسعى هذه الدراسة إلى تقديم تفسير للتحولات الجارية في هيكل النظام الدولي باستخدام افتراضات نظرية تحول القوة، من خلال دراسة حالة لصعود كل من روسيا والصين، وما إذا كان ذلك الصعود يمثل بالفعل تحولاً في موازين القوى لمصلحة أي منهما على حساب الولايات المتحدة، وتأثير ذلك الصعود في علاقة كل منهما بالقوة العظمى الوحيدة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هيكل النظام الدولي، ومن ثم على السياسات الدولية.

أولاً: نظرية تحول القوة

يشير مفهوم تحول القوة (Power Transition) إلى فقدان الدولة المهيمنة موقعها القيادي لمصلحة قادم جديد سريع التنامي، الأمر الذي يجعل من الأخير كأنه ظل لهذه الدولة المهيمنة. ولكي يحدث تحول للقوة، يتعين على القادم الجديد أن يحصل على مصادر للقوة أكبر مما لدى الدولة المهيمنة، أو على الأقل يحدث تعادلاً مع المقدرات القومية للدولة القائد، بالشكل الذي يجعل من المقدرات القومية لكل منهما تقترب من حد التساوي.

إن مقولات نظرية تحول القوة التي قدمها أورغانسكي لا تزال صالحة للاختبار، كما إن لديها قدرة تنبُئية عالية. وقد قسم أورغانسكي من خلال نظريته الدول، حسب درجة القوة ودرجة الرضا، إلى أربع فئات رئيسية هي‏[8]:

– الدول القوية والراضية.

– الدول القوية وغير الراضية.

– الدول الضعيفة وغير الراضية.

– الدول الضعيفة والراضية.

ووفقاً لهذه النظرية، فإن الفئة الثانية التي تتمثل بالدول القوية وغير الراضية هي التي تتسبب في حالات عدم الاستقرار، لأن الفئة الأولى ليست لها مصلحة في تغيير هيكل النظام الدولي الذي يخضع لهيمنتها، في حين أن الفئة الثالثة، رغم أنها غير راضية، فإنها تفتقد القدرة على التغيير، بينما الفئة الرابعة ضعيفة وراضية بالوضع الدولي. أما الفئة الثانية، فتتصور أنها تمتلك من القوة ما يؤهلها لممارسة دور على الساحة الدولية أكثر أهمية من المكانة المتاحة لها، وفقاً للقواعد التي يفرضها هيكل القوة الموجود، والذي تمليه حسابات خاصة بدول الفئة الأولى.

ووفقاً لأورغانسكي، فمن هذه الفئة يظهر المنافسون الذين يسعون إلى تغيير الوضع القائم، وتأسيس نظام دولي آخر، وهي القوى التي تراجعت ووافقت على القيام بدور ثانوي في النظام الدولي الذي حاولت التغلب عليه. وإذا كان أورغانسكي قد طبق هذه المقولات على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها ربما تصبح أكثر انطباقاً على وضع كل من روسيا والصين في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من أن نظرية تحول القوة تتشابه مع المدرسة الواقعية بسبب تركيز كل منهما على علاقات القوة، فإن النظريتين تختلفان على توصيف النظام الدولي، حيث تركز النظرية الواقعية على عنصر الفوضوية في النظام الدولي. أما نظرية تحوُّل القوة، فتنظر إلى النظام الدولي على أنه تسلسل هيراركي للدول يتضمن درجات مختلفة من التعاون والمنافسة، ويؤدي اختلاف معدلات النمو إلى تغير في القوة النسبية بين الدول، ما يؤدي إلى علاقات دولية جديدة، وتكوين كيانات سياسية واقتصادية جديدة‏[9].

ثانياً: مؤشرات تحول القوة لكل من روسيا والصين

توجد مؤشرات عديدة يمكن على أساسها معرفة ما إذا كان ثمة تحول للقوة يحدث لمصلحة دولة ما على حساب دولة أخرى، غالباً ما تكون هي المهيمنة على النظام الدولي، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

1 – مؤشرات تقليدية

ويُقصد بها المؤشرات الملموسة التي يمكن قياسها بشكل كمي، والمقارنة بين الدول على أساسها، مثل عدد السكان الكلي، حجم القوات المسلحة، الناتج القومي الإجمالي… إلخ.

2 – مؤشرات غير تقليدية

ويشير هذا المفهوم إلى القوة الناعمة، والتي تعني القدرة على تحقيق ما تصبو إليه الدولة من هدف معين من طريق جعل الهدف جذاباً بالنسبة إلى الأطراف الأخرى بشكل أكبر من ممارسة العنف أو الإكراه ضدها. وينبع مكمن هذه القوة في الجاذبية التي تتمتع بها ثقافة تلك الدولة وأفكارها السياسية وسياساتها عند الدول الأخرى‏[10].

وإذا طبقنا المؤشرات التقليدية على حالة كل من روسيا والصين، فنجد أن روسيا أصبحت قوة عظمى ناشئة في مجال الطاقة، كما أنها تحتفظ بالعديد من مظاهر القوة الصلبة، بما في ذلك الأسلحة النووية وجيش تقليدي هائل. كما استعاد الاقتصاد الروسي عافيته، وارتفع الإنتاج النفطي الروسي مما أدى إلى ارتفاع الميزانية الفدرالية، وحددت روسيا أولويات سياستها الخارجية في حماية المصالح الاقتصادية، وتعزيز جاذبية روسيا للاستثمارات، ومقاومة التمييز داخل الأسواق الأجنبية. كما أن لدى روسيا الإمكانات لأن تصبح أكثر ثراء وقوة إذا قامت بالاستثمار في رأس المال البشري، وتنويع قاعدة اقتصادها، والتكامل مع الاقتصادات الدولية.

أما بالنسبة إلى الصين، فهي الدولة الأولى في العالم من حيث عدد السكان، ومن حيث تسارع معدلات النمو الاقتصادي، إذ تشهد الصين منذ عام 1980 معدل نمو سنوياً قدره 10 بالمئة، كما تمتلك ناتجاً قومياً إجمالياً يمكن مقارنته بالناتج القومي الأمريكي، وحققت تطوراً كبيراً في التقنية الصناعية في مجال الفضاء الخارجي. وقد استطاعت الصين أن تستفيد من عثرات الإدارة الأمريكية، بدءاً من رد الفعل البطيء حيال الأزمة المالية الآسيوية في عهد كلينتون، وصولاً إلى الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الاقتصاد الأمريكي خلال فترة حكم بوش بسبب تكاليف ما سُمي بالحرب على الإرهاب.

أما إذا طبقنا المؤشرات غير التقليدية على حالة كل من روسيا والصين، فسوف نجد ما يلي:

في ما يتعلق بروسيا، فهي تستخدم القوة الناعمة في علاقاتها بالدول المجاورة لها، حيث تقوم بتصدير الغاز الطبيعي لأوكرانيا ودول منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، واستيعاب الملايين من العمالة الفائضة بهذه الدول في مختلف المدن الروسية، وتوفير الأسواق لسلعها، ونقل الأموال إليها. كما تُعد الثقافة الروسية مصدر قوة لروسيا، حيث عادت جاذبية النموذج الروسي، وبخاصة مع استغلالها ثقافتها الشعبية واللغة الروسية، باعتبارها اللغة الإقليمية للتجارة والتوظيف والتعليم داخل دول الاتحاد السوفياتي السابق. وفي حال استمرار تدفق المهاجرين من الدول المجاورة إلى روسيا، واستمرار الأنشطة الاستثمارية للشركات التجارية الروسية في هذه الدول، فإن روسيا سوف تحقق بذلك هيمنة اقتصادية وثقافية بالمنطقة الأوروآسيوية تضاهي هيمنة الولايات المتحدة داخل الأمريكتين‏[11].

أما في ما يتعلق بالصين، فإنها تسعى إلى الترويج لنموذجها في التنمية من خلال استضافة أعضاء النخبة في بلدان العالم الثالث، والتسوية السلمية للنزاعات، وتكوين روابط اقتصادية. أما في ما يتعلق بالإبداع الثقافي والفكري، فإن المنتج الثقافي باللغة الإنكليزية هو الأكثر انتشاراً في العالم، والأوسع نطاقاً من المنتج الثقافي الصيني، على الرغم من تحدث معظم شعوب دول شرق آسيا اللغة الصينية. وتحاول الصين في السنوات الأخيرة التغلب على مشكلة صعوبة اللغة الصينية من خلال إنشاء المعاهد الكونفوشيوسية الممولة من الحكومة الصينية حول العالم لتعليم اللغة الصينية، والتعريف بالثقافة الصينية‏[12].

ثالثاً: مؤشرات الرضا أو عدم الرضا لكل من روسيا والصين

يهدف الجزء التالي من الدراسة إلى الإجابة عن تساؤل رئيسي، وهو: هل الصين وروسيا الآن دولتان راضيتان؟ أم أنهما تعديليتان تسعيان إلى تغيير هيكل النظام الدولي؟ وما هو التأثير المحتمل لحالة الرضا أو عدم الرضا في علاقة كل منهما بالولايات المتحدة الأمريكية؟ وسوف نحاول الإجابة عن التساؤلات السابقة، من خلال دراسة عدة أمور يمكن بوساطتها قياس درجة الرضا وعدم الرضا، وهي: الدخول في أنشطة صراعية لها أبعاد إقليمية، وقيام كل طرف ببناء ترسانة أسلحة موجهة للطرف الآخر، والرضا عن القواعد الدولية، والنزاعات الأيديولوجية بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، والعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين.

1 – الدخول في أنشطة صراعية لها أبعاد إقليمية

كانت أزمة أوستيا الجنوبية التي اندلعت إثر القصف الذي قامت به جورجيا لأوستيا الجنوبية في الثامن من آب/أغسطس 2008، وتسببت في مواجهة روسية – جورجية بداية لتخلي روسيا عن الصمت إزاء التدخل الأمريكي في المجال الحيوي لها، والتشديد على كون روسيا لاعباً دولياً لا يمكن تجاوزه، أو اختراق دائرة أمنه القومي، والعمل على إنهاء الانفراد الأمريكي بإدارة الشأن الدولي‏[13].

وقد تكرر هذا الأمر في الأزمة الأوكرانية، فكان الموقف الروسي أكثر قوة، بسبب الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها أوكرانيا لدى روسيا، إذ كانت سياسة موسكو أحد أسباب اندلاع الاحتجاجات ضد الرئيس السابق فيكتور بانكوفيتش، بعد أن فرضت ضغوطاً مكثفة عليه لإلغاء اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، كما أنها لم تكتف باستضافته بعد عزله، بل إن البرلمان الروسي وافق على طلب الرئيس بوتين إرسال قوات إلى شبه جزيرة القرم بهدف حماية المواطنين من أصول روسية. وفي النهاية أعلنت موسكو ضم القرم في 18 آذار/مارس 2014، وأكدت على لسان الرئيس بوتين أن القرم جزء لا يتجزأ من روسيا، رغم أنها جازفت في تلك اللحظة بتدهور علاقاتها مع الغرب إلى مستوى غير مسبوق.

وقد أكدت تفاعلات الأزمة الأوكرانية أن روسيا ماضية في استعادة دورها ونفوذها في النظام الدولي، كدولة كبرى لها مصالحها الخاصة التي لا يمكن تجاهلها من جانب الدول الأخرى، ومن بين تلك المصالح تعامل روسيا مع دول الاتحاد السوفياتي السابق على أنها امتداد طبيعي لها لا يمكن السماح لأي أطراف أخرى بالوجود فيه، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي‏[14]. ووفقاً لـ فريديمان، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واقعي يحاول استعادة ما فقده الاتحاد السوفياتي في السابق، ولذلك حينما غزا بوتين جورجيا، اكتشف أن القدرات العسكرية لحلف الناتو ضعيفة وغير قادرة على الوقوف ضده، ومن المرجح أن تكون جمهوريات البلطيق وبولندا هي بؤر التوتر المحتملة في هذا النزاع المستمر‏[15].

كما تجاوز الدور الروسي المحيط الإقليمي إلى مناطق أخرى لروسيا مصالح فيها، مثل منطقة الشرق الأوسط، وهو ما اتضح في الأزمة السورية، حيث تحولت موسكو إلى الظهير الدولي الرئيسي لنظام بشار الأسد، وحالت دون صدور قرارات إدانة من داخل مجلس الأمن ضده، على الرغم من الانعكاس السلبي لذلك الموقف على العلاقات الروسية – الأمريكية. ومن الأمثلة الأخرى على استمرار التنافس الروسي – الأمريكي على منطقة الشرق الأوسط قيام الولايات المتحدة ببعض الأنشطة العسكرية في قاعدة «العند» العسكرية في اليمن، ورغم كونها تحوي معدات روسية، طبقاً لاتفاق قديم، فإن السلطة الجديدة في اليمن سمحت للولايات المتحدة بدخولها، ما جعل روسيا تسجل موقفاً احتجاجياً لدى السلطة اليمنية‏[16]. ومن الأمور التي ساعدت على دعم الدور الروسي في الشرق الأوسط أن الحرب ضد الإرهاب التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة، أخفقت ولم توقف صعود التنظيمات الإرهابية في المنطقة، بل إنها أسهمت في خلق المزيد من الإرهابيين رداً على العديد من ممارساتها العنيفة‏[17].

أما في ما يتعلق بالصين، فإذا نظرنا إلى النزاعات الحدودية وتأثيراتها في الرضا وعدم الرضا، فنجد أن الولايات المتحدة والصين دخلتا في أنشطة صراعية لها أبعاد إقليمية في ثلاث حالات: كوريا وفيتنام وتايوان. في الحالة الكورية كان هناك تدخل مباشر في المعارك. وفي الحالة الفيتنامية كان هناك حرب بأسلوب غير مباشر من خلال وكلاء. أما تايوان، فلا تزال الصين تنظر إليها كجزء من إقليمها. وهو المثال الأكثر نذيراً بالسوء لصراع حدودي، وذلك بالأخذ في الاعتبار التوترات التي تحدث حول تايوان، والقوة المتنامية للجيش الصيني، والتصريحات الواضحة من جانب القادة الصينيين، وبعض الدلائل التي تشير إلى النزعة القومية الصينية المتزايدة، إضافةً إلى احتمال حدوث حسابات خاطئة من جانب الصين أو تايوان أو الولايات المتحدة الأمريكية.

وتسعى الصين إلى السيطرة على منطقة بحر الصين الجنوبي، ولا نية لديها للتفاوض حول المطالب الإقليمية لجيرانها، ويرجع ذلك إلى المصالح النفطية وضغوط شركات النفط، ورغبة الصين في الصعود كقوة عظمى، وهو ما يعتمد على توافر إمدادات كافية من النفط والغاز‏[18]. وقد أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون إلى أن العلاقات الصينية – الأمريكية مليئة بالتحديات، فركزت على التوترات الخاصة ببحر الصين الجنوبي، ورأت فيها فرصة تستطيع الولايات المتحدة من خلالها الوقوف في وجه الصين بالنيابة عن حلفائها الآسيويين، وهو الأمر الذي أثار غضب الصين‏[19].

تذهب بعض التحليلات إلى أن المشهد الأكثر احتمالاً هو مشهد «التصادم التدريجي» بين المحور الأمريكي – الياباني – الهندي من ناحية، والصين من ناحية أخرى، لأن الولايات المتحدة ترغب في عدم إعطاء الصين الفسحة الزمنية التي تحتاج إليها لتحقيق رحلة الصعود، وهي تقوم تدريجياً ببناء حلقة من مناطق التمركز حول الصين، تتمثل بوجودها العسكري في آسيا الوسطى على مقربة من حدود الصين الغربية، وهي موجودة بالفعل في اليابان والمحيط الهندي على حدود الصين الشرقية، وعلى حدودها الغربية في قيرغيزستان‏[20].

وكانت أدبيات أمريكية قد حذرت من وجود استراتيجية صينية تهدف إلى بسط السيطرة على العالم، تقوم على التقارب الاستراتيجي بين الصين وروسيا، واقترحت أن تقوم الولايات المتحدة بعدة إجراءات لمواجهة هذا التوجه، من بينها العمل على تقوية التحالفات السياسية والعسكرية الأمريكية، وإقامة دفاع مضاد للصواريخ يضمن سلامة الأراضي الأمريكية وأمن حلفائها، والعمل على منع وصول التكنولوجيا العسكرية المتطورة بطرائق غير مشروعة إلى روسيا والصين‏[21]. كما طالبت كتابات أمريكية أخرى بضرورة تشجيع إدخال تحولات إيجابية داخل كل من روسيا والصين، بما يؤثر بشكل إيجابي في سلوكهما على الساحة الدولية‏[22].

2 – قيام كل طرف ببناء ترسانة أسلحة موجهة للطرف الآخر

أما الأمر الثاني الذي يمكن من خلاله التنبؤ بعدم الرضا، فيتمثل بقيام كل طرف ببناء ترسانة أسلحة موجهة للطرف الآخر. وفي ما يتعلق بالحالة الروسية، نجد أن روسيا تتجه على مستوى السياسة الدفاعية إلى الحفاظ على قدرتها المتكافئة مع الولايات المتحدة، وبخاصة لجهة الأسلحة النووية. كما تعمل روسيا على تطوير وتحديث كل منظومات التسلح التقليدية وغير التقليدية من حيث المدى والفعالية والحجم والدقة. وقد أعلنت عن نشر صواريخ إسكندر ذات القدرات النووية في المنطقة العسكرية الغربية الكائنة بمقاطعة كالينغراد الروسية الواقعة بين بولندا التي هي إحدى الدولتين اللتين أُعلن عن نية الناتو أو واشنطن زرع صواريخ نووية فيهما، وليتوانيا‏[23].

وقد شهدت الأعوام الأخيرة شداً وجذباً بين روسيا والولايات المتحدة في عدد من الموضوعات الحساسة، مثل نشر الولايات المتحدة للنظم الدفاعية المضادة للصواريخ الباليستية في أوروبا بحجة مواجهة التهديدات القادمة من الشرق الأوسط، وبخاصة من إيران، في حين ترى روسيا أن نشر هذه النظم بالقرب من حدودها، يمثل تهديداً مباشراً لها، فضلاً عن خطر الوجود المباشر للولايات المتحدة بالبشر والأسلحة في دول مثل روسيا وبولندا وجمهورية التشيك.

أما بالنسبة إلى الحالة الصينية، فنجد أن الصين تزيد نفقاتها الدفاعية، وهي في الوقت الحالي تأتي في المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة وروسيا. وتوجد تقديرات بأن الصين ستصبح ثاني أكبر منتج للأسلحة في العالم خلال عشر سنوات، ويعني ذلك أن الفجوة العسكرية بين البلدين تتضاءل بمعدلات سريعة، فقد كشفت الصين الضوء عن امتلاكها أولى حاملات الطائرات وقاذفة شبح جديدة، وصواريخ باليستية مضادة للسفن لها قدرة على تهديد أقوى القطع البحرية الأمريكية، يضاف إلى ذلك قدرة الصين في مجالات الفضاء والحروب الإلكترونية. كما أعلنت الصين عن إنشاء منطقة جديدة للدفاع الجوي في بحر الصين الشرقي تغطي الجزر المتنازع عليها مع اليابان، وحاولت فرض واقع جديد في بحر الصين الجنوبي الغني بالثروات النفطية‏[24].

وتركز الصين ما يزيد على 700 صاروخ بلاستيكي في منطقة نانجينغ عبر الحدود مع تايوان. كما تشتري أسلحة متقدمة من روسيا وتحاول الحصول على حق إنتاج مشترك للأسلحة معها. وعلى الرغم من القوة العسكرية للصين، فإنها لا تملك القدرة على فرض سيطرتها أكثر من 300 ميل بحري خارج حدودها، ولذلك ستحتاج الصين إلى تطوير قواتها البحرية كعنصر مهم في تأمين تجارتها الدولية‏[25].

أما الولايات المتحدة، فإنها تسعى إلى مواجهة التمدد الصيني في البحار المختلفة، من خلال الوجود الأمريكي في المنطقة الآسيوية الباسيفيكية، وكذلك في المحيط الهندي‏[26]. وإذا كانت النفقات الدفاعية الأمريكية تتزايد، فإن ذلك ليس نتيجة سباق التسلح مع الصين، فقد كان غالبية البناء العسكري الأمريكي رد فعل مباشراً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001.

إن زيادة الميزانية العسكرية للصين تتم بشكل محدود، خشية حدوث تأثير سلبي في النمو الاقتصادي، ولذلك توجد فرصة أمام الولايات المتحدة لبناء الثقة وضم الصين بدرجة أكبر إلى المعسكر الراضي. كما أن تداخل الاقتصادين الأمريكي والصيني، وأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها الدولتان، تضعان كوابح أمام حدوث صراع عسكري بين البلدين، لكن ذلك لا ينفي أن التسابق بين البلدين للحصول على المزيد من وسائل القوة وأدواتها سيستمر.

3 – الرضا عن القواعد الدولية

في ما يتعلق بروسيا، ومدى رضائها عن القواعد الدولية، نجد أن روسيا نجحت في التعامل مع كثير من الأزمات الدولية، بالتزامن مع تراجع الدور الأمريكي على الساحة الدولية، ولا سيَّما بعد الأزمات العديدة التي تسببت فيها السياسات اليمينية المتشددة التي تبنتها إدارة جورج بوش؛ فقد بدأ الحديث من جديد عن عودة روسيا كفاعل رئيسي على الساحة الدولية، لم يعد يقبل بالقواعد التي تفرضها معطيات تلك الساحة، ويسعى في مقابل ذلك إلى تأسيس قواعد جديدة تتعاطى مع المكانة الدولية التي بات يحتلها. كما أن فترة إدارة أوباما شهدت، وفقاً لمحللين أمريكيين، عودة التيار الانعزالي الذي يدعو إلى تقليل الانخراط الأمريكي في الشؤون الدولية، وهو ما أدى إلى وجود فرصة سانحة لمنافسي الولايات المتحدة لملء الفراغ الأمريكي‏[27].

وقد واصلت روسيا جهودها للحصول على عضوية المنظمة العالمية للتجارة في مواجهة استخدام الولايات المتحدة وحلفائها هذه الورقة كوسيلة ضغط على روسيا بغرض الحصول على تنازلات منها في ملفات أخرى، حتى حصلت عليها في كانون الأوّل/ديسمبر 2011. وبالرغم من أن روسيا انضمت لمجموعة الدول السبع الصناعية المتقدمة، بحيث أصبح اسمها مجموعة الثماني، فإنها بقيت بعيدة من اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية للدول السبع، بما يحمل بعداً سياسياً يتعلق برغبة الغرب في إيصال رسالة بأن روسيا ليست محل ثقة كاملة من جانبه. ولكن مقابل ذلك تتمتع روسيا بعضوية مجموعة العشرين التي اكتسبت منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 وزناً متزايداً على حساب مجموعة الثماني، وبخاصة في القضايا الاقتصادية الدولية، وسط محاولات بأن يكون لها الدور نفسه في القضايا السياسية الدولية‏[28].

كما انضمت روسيا إلى منظمة شانغهاي التي تضم إلى جانبها كلاً من الصين، أوزبكستان، كازخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، الهند، باكستان. وقد أدّت المنظمة منذ نشأتها دوراً مهماً في المنطقة الأوراسية، من طريق حل المشاكل الحدودية بين دول المنظمة، ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، مع خلق مناخ إيجابي بين أعضائها للتعاون في شتى المجالات.

وكانت روسيا إحدى الدول المؤسسة لتجمع «بريكس» مع كل من الصين والهند والبرازيل، والذي انضمت إليه جنوب أفريقيا. ويُعد التعاون بين دول بريكس أحد أهم المسارات المحورية في مساعي السياسة الخارجية لدول بريكس، وبخاصة روسيا والصين، لكسر الهيمنة الغربية على المشهد الدولي، وإيجاد توازن في النظام الدولي، والتأثير المباشر في المنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية، علماً بأن الناتج الإجمالي لدول بريكس يمثل 27 بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي، ويقدر مجموع احتياطيها من النقد الأجنبي بأكثر من 4 تريليونات دولار أمريكي، ويُقدر عدد سكانها بـ 42 بالمئة من سكان العالم. وقد تبنى مؤتمر بريكس الأخير، والذي انعقد في روسيا في الفترة ما بين 8 و10 تموز/يوليو 2015 عدة قرارات، أهمها تبني استراتيجية للتعاون الاقتصادي حتى عام 2020 مع خلق 50 مشروعاً استثمارياً في دول المجموعة، والسعي إلى خلق وكالة للتصنيف الائتماني وبخاصة بدول بريكس لتجنب التسييس الذي طال خفض التصنيف الائتماني لروسيا إلى درجة أقل من المتوسط من وكالات غربية‏‏[29].

كما تم تفعيل القرارات السابقة، ومن بينها إنشاء صندوق احتياطيات نقدية لدول «بريكس»، وإنشاء بنك التنمية برأسمال إجمالي 100 مليار دولار، حيث باشر البنك عمله بالفعل بدءاً من 21 تموز/يوليو 2015‏[30]. كذلك كان لبريكس مواقف واضحة تجاه العديد من الأزمات الدولية، حيث دعت إلى تعدد الأطراف في حل تلك الأزمات، وتجنب ازدواجية المعايير، والتشديد على اتخاذ مبادئ القانون الدولي أساساً لأي تسوية.

أما في ما يتعلق بالصين، ومدى رضائها عن القواعد الدولية، فنجد أنه بالأخذ في الاعتبار النفوذ المتنامي للصين إقليمياً وعالمياً، فإن قادة الصين يعتبرون أن الصعود الصيني سلمي، وأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وقد سمح التوسع الإقليمي للصين بإزاحة الولايات المتحدة كأكبر سوق تصديري لليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، كما انضمت إلى العديد من المنظمات الاقتصادية والأمنية عبر القارة الآسيوية، من أهمها منظمتا شانغهاي وبريكس كما سبقت الإشارة.

وقد وقّعت خمسون دولة، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في بكين في 29 حزيران/يونيو 2015 على الاتفاق الذي يرسي القانون الأساسي لـ «المصرف الآسيوي للاستثمار»، وذلك بناء على مبادرة صينية. ويبلغ رأسمال المصرف مئة مليار دولار وسيبدأ العمل بحلول كانون الأول/ديسمبر 2015، ويُفترض أن يساهم في تمويل أشغال تتعلق بالبنى التحتية في آسيا التي تعاني نقصاً حاداً في التمويل في هذا المجال. ونجحت الصين بعد إطلاق المشروع في نهاية العام 2014 في ضم عدد من الدول الغربية إليه، في حين امتنعت الولايات المتحدة واليابان، عن المشاركة في المشروع. وأعربت الولايات المتحدة عن تحفظات شديدة على المصرف، سببها الحقيقي هو خشيتها من أن تستخدم بكين هذا المصرف لخدمة مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.

وقد يتحول المصرف إلى أداة في خدمة القوة الناعمة للصين، وخصوصاً أنها هي المساهم الأكبر فيه وبفارق شاسع عن الدول الأخرى، إذ تبلغ حصتها حوالى 30 بالمئة من رأسماله. وتسمح هذه الحصة للصين بالإمساك بـ 26 بالمئة من حقوق التصويت، ما يمنحها «أقلية معطلة»، إذ إن بعض القرارات البنيوية تفترض غالبية 75 بالمئة من الأصوات‏[31].

أما على المستوى العالمي، فإن الصين تختار انتماءاتها المؤسسية بعناية. فقد انضمت إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ولكنها رفضت الانضمام إلى المعاهدات الدولية الخاصة بانتشار أسلحة الدمار الشامل والمنظمات الدولية التي تهتم بهذه القضية. وتشير هذه الأنشطة إلى درجة من عدم الرضا عن الأنماط الدولية السائدة التي تخضع لقيادة أمريكية.

4 – النزاعات الأيديولوجية

هل توجد نزاعات أيديولوجية عميقة بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا؟

في ما يتعلق بما إذا كان هناك نزاع أيديولوجي بين الولايات المتحدة وروسيا، يمكن القول إنه على الرغم من أن النزاع الأيديولوجي الذي صاحب الحرب الباردة قد انتهى، إلا أن روسيا تعرف نفسها الآن باعتبار أن لها هوية متميزة وتقدم نموذجاً حضارياً واجتماعياً بديلاً. وتزعم روسيا أنها قوة الوضع الراهن، التي تتخذ موقفاً متعارضاً مع الولايات المتحدة التي تطلق عليها وصف القوة «الرجعية» التي تسعى إلى زعزعة استقرار العالم بتشجيع تغيير الأنظمة، وبخاصة في الوطن العربي. وتنظر روسيا أيضاً إلى الولايات المتحدة بوصفها مصدراً لعدم الاستقرار في الفضاء السوفياتي القديم، وتلوم الغرب على الاضطرابات الأوكرانية.

أما بالنسبة إلى ما يتعلق بالصين، فنجد أن التجربة الناجحة التي قدّمتها قامت فيها بعملية توازن بين الضبط السياسي والحريات الاقتصادية. فالأيديولوجية التي ترعاها الدولة وتفرضها هي الثمن المطلوب لتقييد الحريات الشخصية. وبالتأكيد، فإن النظامين العقيديين اللذين يمثلهما كل من الولايات المتحدة والصين متعارضان بشأن الدور الذي يؤديه الفرد في الحياة السياسية، وما يعقد الصورة هو وجود تاريخ من التدخل الغربي في شؤون الصين. وقد تؤدي زيادة قوة المجتمع المدني ومجتمع الأعمال في الصين إلى تحويل التفضيلات من القومية إلى منظور عالمي.

5 – العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكل من الصين روسيا

في ما يتعلق بالعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وروسيا، نجد أن صادرات الولايات المتحدة إلى روسيا 11.2 مليار دولار خلال عام 2011، في حين بلغت الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة 26.4 مليار دولار. ولأن الصادرات الروسية للولايات المتحدة تمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد الروسي، فإن روسيا تتضرر بشكل أكبر من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على روسيا كرد فعل على التعامل الروسي مع الأزمة الأوكرانية‏[32].

أما بالنسبة إلى ما يتعلق بالعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فإن السوق الأمريكي يُعد السوق الرئيس للمنتجات الصينية، والمعروف أن الصين تحقق فائضاً في تجارتها مع الولايات المتحدة يزيد على سبعين مليار دولار سنوياً، وقد أصبحت في مقدمة الدول الدائنة للولايات المتحدة، وتُعد حالياً ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وثالث أكبر سوق لصادراتها. وقد توسعت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى حد كبير على مدى العقود الثلاثة الماضية بسبب قانون المعاملة التجارية التفضيلية الذي منحته الولايات المتحدة للصين في عام 1980. والتبادل التجاري في حد ذاته هو تفاعل تعاوني، عمل على عدم تدهور العلاقات عندما تصادمت السياسات في قضايا أخرى، وإن كان التبادل التجاري قد اتخذ بعداً صراعياً عندما اتهمت الولايات المتحدة الحكومة الصينية باتباع سياسات اقتصادية جائرة تؤدي إلى إغراق السوق الأمريكية بالسلع الصينية الرخيصة‏[33].

خاتمة

تستمر نظرية تحول القوة في جذب اهتمام بحثي، لما تقدمه من تفسيرات حول مستقبل السياسة العالمية. وعلى العكس من النظرية الواقعية التي ترى أن الحرب دائماً ما تندلع عندما يحفز تحول القوة الدولة المتحدية الجديدة على الاصطدام بقائد النظام، فإن نظرية تحول القوة اكتفت بالقول إن مثل هذه الحرب يُحتمل وقوعها فقط في حال كون القوة الصاعدة الجديدة غير راضية عن الوضع القائم في النظام الدولي وتسعى إلى تعديله. وتشير المؤشرات التي وضعتها هذه الدراسة لتحديد ما إذا كانت كل من روسيا والصين دولتين راضيتين، أم أنهما قوتان تعديليتان تسعيان إلى تغيير الهيكل الحالي للنظام الدولي، إلى ما يلي:

في ما يتعلق بروسيا، نجد أنها تخلت عن الحذر الذي اتسمت به في السنوات الأولى لبوتين في السلطة، حيث أوضحت أزمات أوستيا الجنوبية، وسورية، وأوكرانيا على التوالي رغبة روسيا في تأكيد دورها كفاعل رئيس على الساحة الدولية والحفاظ على قدرتها المتكافئة مع الولايات المتحدة، وبخاصة في ما يتعلق بالأسلحة النووية، إضافة إلى تحديث كل منظومات التسلح التقليدية وغير التقليدية، ما يوضح عدم الرضا الروسي عن استمرار التفوق العسكري الأمريكي.

كما تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها في المنظمات الدولية والاحتفاظ بامتيازاتها فيها، وبعلاقات قوية مع حلفائها، إضافة إلى العمل على تأسيس قواعد جديدة تواكب المكانة الدولية التي باتت روسيا تحتلها، وهو ما يتضح من النشاط الكبير الذي تقوم به في منظمتي بريكس وشانغهاي وغيرهما. وتعرف روسيا نفسها الآن باعتبار أن لها هوية متميزة وتقدم نموذجاً حضارياً واجتماعياً بديلاً ممّا تعتبره قوة «رجعية» أمريكية تسعى إلى تغيير الأنظمة، ومن ثم زعزعة استقرار العالم. ولذلك فإن روسيا لن تكون قوة راضية، وستحاول أن تكون قوة تعديلية، إلا أن ميزان القوة مع الولايات المتحدة لن يتحول إلى صالحها في وقت قريب.

أما في ما يتعلق بالصين، فنجد أنها دخلت مع الولايات المتحدة في أنشطة صراعية لها أبعاد إقليمية في حالات ثلاث هي كوريا وفيتنام وتايوان، وذلك في إطار سعي الصين إلى السيطرة على بحر الصين. وعلى الرغم من زيادة الإنفاق العسكري لكل من الولايات المتحدة والصين، إلا أن ذلك لم يحدث نتيجة سباق تسلح في ما بين البلدين. وتشير الانتماءات المؤسسية للصين وانضمامها إلى المعاهدات الدولية إلى عدم الرضا عن الأنماط الدولية السائدة التي تخضع للولايات المتحدة الأمريكية. كما أن النظامين العقيديين اللذين يمثلهما كل من الولايات المتحدة والصين متعارضان بشأن دور الفرد في الحياة السياسية، ما يؤدي إلى التدخل الغربي في شؤون الصين.

وتدل المؤشرات على أنه لو استمر تنامي قوة الدولة الصينية، كما كانت عليه الحال في العقود الأخيرة، فسوف تفوق الصين الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة على العالم، ربما قبل منتصف هذا القرن. ولكن إذا تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم، بينما لم تكن لديها الرغبة ولا المصلحة في تغيير القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي، فإن نظرية تحول القوة تقول بأنه يمكن تجنب وقوع حرب كارثية. وفي هذه الحالة، سوف تظهر الصين باعتبارها قوة «راضية»، كما كان عليه حال الولايات المتحدة عندما انتقلت الزعامة الدولية إليها من بريطانيا، وهذا هو الأرجح، لأن الثقافة السياسية للمجتمع والنخبة الحاكمة في الصين تشير إلى أن الصين لا تميل إلى أن تصبح قوة كونية في المدى الزمني المنظور، بمقدار ما تسعى إلى أن تحقق لنفسها «احتراماً دولياً»، والاكتفاء باستعادة الدور التاريخي للصين في إقليمها المباشر.

وعلى الرغم مما تبديه الصين في بعض الأحيان من عدم رضا عن الأنماط الدولية التي تخضع للنفوذ الأمريكي، وهو ما ظهر في مساعيها للقيام بدور أكبر على المستويين الإقليمي والعالمي من خلال القيام بأنشطة متعددة كان آخرها إنشاء «المصرف الآسيوي للاستثمار» الجديد الذس سيمثل مصدراً مهماً للقوة الناعمة الصينية، فإن الصين تدرك مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وخطورة الدخول في صراع مسلح معها، وتدرك أن التقارب الصيني – الأمريكي سوف يسهم في الحد من التهديدات لوحدة الصين السياسية ويعزز السلام والاستقرار في منطقة شرق آسيا، فضلاً عن أنه سيفسح في المجال أمام حل المسائل العالمية كالبيئة، والإرهاب، والهجرة، وغيرها. وسترحب الولايات المتحدة بالتقارب مع الصين، لكونها ترى أن الصين المتقدمة أفضل من الصين المتخلفة، كما أن التقارب مع الصين سيسهم في منع حدوث أي تحالفات استراتيجية صينية – روسية موجهة ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

 

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في المجلة العربية للعلوم السياسية، العددان 47-48.

(**) علاء عبد الحفيظ محمد: أستاذ العلوم السياسية المساعد، وقائم بعمل رئيس قسم العلوم
السياسية والإدارة العامة، كلية التجارة، جامعة أسيوط – مصر.

البريد الإلكتروني: [email protected]

[1] جمال سند السويدي، آفاق العصر الأمريكي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2014).

[2]   يمكن الاطلاع على النصّ الكامل للتقرير في الموقع الإلكتروني لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي،    <http://www.dni.gov/nic/PDF_2025/2025>.

[3]   Fareed Zakaria, The Post American World (New York: W. W. Norton, 2008).

[4]   لمزيد من التفاصيل، انظر: أحمد عبد الله الطحلاوي، «مفهوم تحول القوة في نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية،» (رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2009).

[5]   Steve Chan, «Is There a Power Transition between the US and China?: The Different Faces of National Power,» Asian Survey, vol. 14, no. 5 (September-October 2005).

[6]   نورهان الشيخ، «هل تصبح روسيا قوة تعديلية في النظام الدولي،» السياسة الدولية، العدد 198 (تشرين الأول/أكتوبر 2014).

[7]   Walter Russel Mead, «The Return of Geopolitics,» Foreign Affairs (May-June 2014).

[8]   A. F. K. Organski, «The Powr Transition,» in: James N. Rosenau, ed., Political Foreign Policy (New York: The Free Press of Glencoe, 1961), pp. 371-374.

[9]   Ronald L. Tammen [et al.], Power Transitions: Strategies for the 21st Century (New York: Seven Bridges Press, 2001).

[10] الطحلاوي، «مفهوم تحول القوة في نظريات العلاقات الدولية: دراسة الحالة الصينية،» ص 25.

[11] علاء عبد الحفيظ، «السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الدولي،» النهضة (القاهرة)، السنة 12، العدد 3 (تموز/يوليو 2011)، ص 28.

[12] David Shambaugh, China Goes Global: The Partial Power (New York: Oxford University Press, 2013).

[13] نورهان الشيخ، «روسيا وأزمة أوستيا الجنوبية: توازن جديد للقوى الدولية،» السياسة الدولية، العدد 174 (2008).

[14] باسم راشد، «تهديد جيواستراتيجي: حسابات القطب الروسي في الأزمة الأوكرانية،» السياسة الدولية، العدد 196 (2014).

[15] George Fridman, Flashpoints: The Emerging Crisis in Europe (New York: Double Day, 2015).

[16] ناصر زيدان، دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين (بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2013).

[17] Patrick Cockburn, The Rise of Islamic State ISIS and the New Sunni Revolution (London: Verso Books, 2015).

[18] Bill Hayton, The South China Sea The Struggle for Power in Asia (New Haven, CT: Yale University Press, 2014).

[19] Hillary Clinton, Hard Choices (New York: Simon and Schuster, 2014).

[20] محمد السيد سليم، «واقع ومستقبل التحالفات في آسيا،» السياسة الدولية، العدد 183 (2011).

[21] Bill Gertz, The China Threat: How the People’s Republic of China Targets America (Washington, DC: Regnery Publishing, 2001).

[22] Constantine C. Mengis, China: The Gathering Threat (Nashiville: Thomas Nelson Inc., 2005).

[23] مصطفى علوي، «قطبية لا متماثلة: تحولات السياسة الروسية تجاه الولايات المتحدة،» السياسة الدولية، العدد 195 (2014)، ص 104 – 107.

[24] أحمد قنديل، «التنافس المنضبط: الصعود الصيني وسيناريوهات تحدي القطب الأمريكي،» السياسة الدولية، العدد 198 (تشرين الأول/أكتوبر 2014)، ص 23 – 24.

[25] David Shambaugh, China Goes Global: The Partial Power (New York: Oxford University Press, 2013).

[26] محمد قدري سعيد، «مستقبل السياسات الدفاعية في العالم،» السياسة الدولية، العدد 187 (كانون الثاني/يناير 2012).

[27] Bert Stephen, America in Retreat: The New Isolationism and the Coming Global Disorder (New York: Penguin Group Press, 2014).

[28] محمد عباس ناجي، «داخل الدائرة (تحول القوة) كمدخل لفهم المنافسات الإقليمية والدولية،» السياسة الدولية، العدد 197 (تموز/يوليو 2014).

[29] سامي السلالي، «أبعاد ودلالات قمّتي بريكس وشنغهاي في التفاعلات الدولية،» مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية (13 آب/أغسطس 2015)، <http://rawabetcenter.com/archives/​10907>.

[30] «بنك التنمية لمجموعة «بريكس» يباشر عمله،» روسيا اليوم (موقع إلكتروني)، <http://arabic.rt.com/news/789122>.

[31] ««المصرف الآسيوي للاستثمار»… حلم صيني يتحقّق،» السفير (بيروت)، 29/6/2015، <http://assafir.com/article/5/427932/samechannel>.

[32] Time, 17/4/2014.

[33] باهر مردان، «العلاقات الصينية/الأمريكية،» Academia، <http://www.academia.edu/6003157/​2014>.