قضايا أمنية

تأثير الحرب النفسية على القرارات الداخلية للدول (نظرية التأطير أنموذجا)

أدى تطور وسائل الإعلام والاتصال إلى جعل العالم قرية صغيرة،فإن كانت السياسة تمكن السياسيين من التحكم في الدول التي انتخبوا فيها فإن الإعلام السياسي وسع من رقعة تحكمهم لتشمل العالم أجمع وهذا ما يسمى بعولمة الإعلام السياسي.

ويرى ابن خلدون في مقدمتة المشهورة أن السياسة قد تكون رديئة و ظالمة أو تكون جدية و عادلة وشرعية، فتكون ظالمة إذا كانت تستخدم كوسيلة للظلم والاستبداد ولتحقيق المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة وتكون شرعية إذا كانت قائمة على العدل وتعمل للمصلحة العامة .

ويعتبر فرع الإعلام السياسي POLITICAL COMMUNICATION من الفروع الراسخة في مجال الإعلام منذ بدء العلاقة مابين الجمهور بفئاته المختلفة ووسائل الاتصال.

يعتقد البعض خطأ أن العلاقة ما بين السياسة والإعلام هي علاقة تبعية أي أن السياسيين يقومون بإعداد برامجهم وخططهم الحزبية وتقديمها في شكل خطابات وتجمعات جماهيرية يغطيها الإعلام بكل بساطة.

إلا أن السياسة حاليا لم تعد بتلك البساطة حيث أنها تبدأ وتنتهي في العديد من الأحيان في الخفاء بعيدا عن أعين الجماهير والإعلام ويغلفها التكتيم ويحيط بها الصمت وهي أمور لا تعني الشعب حسب السياسيين.

في هذا المجال يمكن أن نذكر نظرية غوبلز (وزير الدعاية الألماني إبان حكم هتلر)،وهي نظرية التأطير حيث كان هذا الأخير يقول مقولته الشهيرة (اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس(.

كما أن هتلر كان يقول “لو كان لدي مائة دولار لصرفت جلها على الدعاية وأبقيت القليل منها للأمور الأخرى”.

وتعتمد نظرية التأطير على وضع الأحداث والأشخاص في إطار معين مع تغييب العوامل التي لا تخدم مصلحة الطرف المتحكم في الإعلام وتحويير المعلومات التي تصله مما يقود الطرف المتلقي إلى اتخاذ أحكام وفق ما تصنعه نظرية التأطير.[1]

بالمثال يتضح المقال،فإليكم هذا المثال : ﺗﺸﺮﺏ ﺷﺎﻱ ﺃﻭ ﻗﻬﻮﺓ ؟

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺰﻭﺭ ﺻﺪﻳﻘﺎ ﻟﻚ ﻓﻲ ﺑﻴﺘﻪ ﻭﻳﺴﺄﻟﻚ هذا السؤال ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﻄﺮ ﺑﺒﺎﻟﻚ ﺃﻥ ﺗﻄﻠﺐ ﻋﺼﻴﺮﺍ ـ ﻣثلا ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﻳﺴﻤﻰ : ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺘﺄﻃﻴﺮ،ﻓﻬﻮ ﻗﺪ ﺟﻌﻞ ﻋﻘﻠﻚ ﻳﻨﺤﺼﺮ ﻓﻲ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻓﺮﺿﺖ ﻋﻠﻴﻚ ﻻ ﺇﺭﺍﺩﻳا ﻭﻣﻨﻌﺖ ﻋﻘﻠﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﺎﺣﺔ.

ﺑﻌﻀﻨﺎ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺫﻟﻚ ﺑﺪﻭﻥ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﻭﺑﻌﻀﻨﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺑﻬﻨﺪﺳﺔ ﻭﺫﻛﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻤﺎﺭﺱ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺳﻠﻮﺏ ﺑﻘﺼﺪ ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺟﻌﻠﻚ ﺗﺨﺘﺎﺭ ﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻧﺎ ﺑﺪﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﺸﻌﺮ ﺃﻧﺖ..

مثال آخر لما ﺗﻘﻮﻝ ﺃﻡ ﻟﻄﻔﻠﻬﺎ: ﻣﺎ ﺭﺃﻳﻚ..ﻫﻞ ﺗﺬﻫﺐ ﻟﻠﻔﺮﺍﺵ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﺜﺎﻣﻨﺔ ﺃﻡ ﺍﻟﺘﺎﺳﻌﺔ؟

ﺳﻮﻑ ﻳﺨﺘﺎﺭ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﺘﺎﺳﻌﺔ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺗﺮﻳﺪﻩ ﺍﻷﻡ ﻣﺴﺒﻘﺎً ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺸﻌﺮ ﺃﻧﻪ ﻣﺠﺒﺮ ﻟﻔﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﺑﻞ ﻳﺸﻌﺮ ﺃﻧﻪ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺎﻡ ﺑﺎلاﺧﺘﻴﺎﺭ ﻭﻧﻔﺲ ﺍﻷﺳﻠﻮﺏ ﻳﺴﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻹﻋﻼﻡ…

ﻓﻔﻲ ﺣﺎﺩﺙ ﺗﺤﻄﻢ ﻃﺎﺋﺮﺓ ﺗﺠﺴﺲ ﺃﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺟﻮﺍﺀ ﺍﻟﺼﻴﻨﻴﺔ ﻭﺑﻌﺪ ﺗﻮﺗﺮ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﺧﺮﺝ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻭﻗﺎﻝ:ﺇﻥ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺗﺴﺘﻨﻜﺮ ﺗﺄﺧﺮ ﺍﻟﺼﻴﻦ ﻓﻲ ﺗﺴﻠﻴﻢ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ،ﺟﺎﺀ ﺍﻟﺮﺩ ﻗﺎﺳﻲ ﻣﻦ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺼﻴﻨﻴﺔ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﺳﻮﻑ ﻳﻘﻮﻣﻮﻥ ﺑﺘﻔﺘﻴﺶ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﻟﻠﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺃﺟﻬﺰﺓ ﺗﺼﻨﺖ ﻗﺒﻞ ﺗﺴﻠﻴﻤﻬﺎ!

ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﻨﺎ، ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻫﻲ ﻫﻞ ﺗﺴﻠﻢ ﺍﻟﺼﻴﻦ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﻷﻣﺮﻳﻜﺎ ﺃﻡ ﻻ؟

ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻫﻲﺍﻟﺘﺄﺧﺮ! ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺄﺧﺮﺗﻢ ﻓﺠﺎﺀ ﺍﻟﺮﺩ ﺍﻟﺼﻴﻨﻲ ﺃﻧﻬﻢ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺳﻮﻑ ﻳﺘﻢ ﺗﻔﺘﻴﺸﻬﺎ ﻭﻫﺬﻩ ﻣﻮﺍﻓﻘﺔ

ﻣﻀﻤﻨﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻠﻴﻢ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ.

ﻭﻓﻲ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﻔﺎﺻﻠﺔ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ،ﻓﻘﺎﻣﺖ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺑﺘﻌﺒﺌﺔ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ﻫﻲ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﻄﺎر ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﺟﻤﻴﻊ ﻭﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ ﺗﺘﺮﻗﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ،ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺳﻘﻂ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﺷﻌﺮ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻛﻠﻪ ﺳﻘﻂ ﻭﻣﺎﺗﺖ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻢ ﻳﺴﻘﻂ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ.

ﻭﺍﻵﻥ ﺗﻠﻌﺐ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻠﻌﺒﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻤﻨﻬﻜﺔ ﺑﺎﻟﺠﻬﻞ ﻭاﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻮﻋﻲ،ﻫﺬﺍ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻠﻚ ﻻ ﺗﺮﻯ ﺇﻻ ﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻧﺎ.ﻭﻫﻮ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﻗﻮﻱ ﻓﻲ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻭﺍﻟﺮﺃﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻭﺿﻊ ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﻭﻫﻤﻴﺔ ﺗﻘﻴﺪ ﺗﻔﻜﻴﺮ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻵﺧﺮ!ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻣﺎ ﻳﻀﻊ ﺍﻟﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻳﺪﻋﻢ ﺑﻪ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﻳﺪﻫﺎ

بعد سردنا لبعض الأمثلة عن مدى تأثير الدعاية والحرب النفسية وكذا الإعلام السياسي على قرارات الدول في إطار ما يسمى نظرية التأطير،ارتأينا أن نخصص مداخلتنا هذه لتبيان نماذج عن مدى تأثير الحرب النفسية والإعلام السياسي على قرارات الدول الأخرى،وقبل ذلك سنتطرق أولا إلى مفهوم الحرب النفسية ثم

أولا : مفهوم الحرب النفسية .

              لا يوجد هناك تعريف موحد ودقيق للحرب النفسية،وهذا راجع لاتساع مجال تدخل هكذا حرب،فكل جهة تعرف الحرب النفسية وفق منظور معين،حيث ومثلما هو معلوم لدى العام والخاص فإن أمريكا هي الدولة صاحبة هذا النوع من الحروب بامتياز وقد عرفت الحرب النفسية أول أمر بأنها : الحرب النفسية استخدام أي وسيلة بقصد التأثير على الروح المعنوية, وعلى سلوك أي جماعة لغرض عسكري معين “.

وبعد ذلك عرفت وزارة الحرب الأمريكية هه الحرب بأنها :الحرب النفسية هي استخدام مخطط من جانب الدولة أو مجموعة من الدول للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجهة إلى جماعة عدائية أو محايدة أو صديقة للتأثير على أرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها بطريقة تعين عليها تحقق أهداف وسياسة الدولة المستخدمة أو الدول المستخدمة”.[2]

من جهة أخرى يعرف الدكتور حامد ربيع الحرب النفسية بأنها :الحرب النفسية هي نوع من القتال لا يتجة إلا إلى العدو ولا يسعى إلا إلى القضاء على الأيمان المستقبل بذاته وبثقته بنفسه… وتهدف إلى تحطيم الإرادة الفردية. هدفها أكثر أتساعا من الدعاية…”[3]

وباختصار فإن ما هو متفق عليه أن الحرب النفسية تهدف إلى تحطيم نفسية العدو بالتأثير على فكر وشجاعة ورغبة الطرف الآخر أو في حالات أخرى ترمي هذه الحرب إلى تغيير موقف العدو وإحلال موقف آخر لديه يتفق مع مصالح الطرف الآخر .

وفي نفس السياق تجد الإشارة إلى أن الإسلام كان سباقا إلى الحديث عن الحرب النفسية فقد قال الرسول ( ص ) :”نصرت بالرعب مسيرة شهر”، وذلك يفهم منه أن القصد هو إرهاب الأعداء واخافتهم من عاقبة التعدي على بلاد الأمة . وقد روي عن النبي ( ص ) “الحرب خدعة” .

ثانيا : أساليب الحرب النفسية.

تستخدم الدول عادة عدة وسائل  من أجل بسط سيطرتها النفسية على الطرف الآخر،وسائل يمكن أن نوجزها فيما يلي :

  • افتعال الأزمات وحبك المؤامرات :

يكون ذلك عن طريق استعمال حوادث صغيرة من أجل افتعال أزمة معينة واستلالها من أجل خلق أزمة توثر في نفسية العدو وتستفيد من هذه الحالة منطقيا الدولة المستخدمة له.

يمكن أن نعطي كمثال لهذا الأمر ما حدث سنة 1960 في باريس من إفشال لمؤتمر القمة الذي كان منتظرا بين روسيا وأمريكا ،حيث لم تكن لدى أمريكا رغبة في عقد أي حوار مع المعسكر الشيوعي آنذاك،و من جهة أخرى لم ترد الظهور بالطرف السيء النية في حالة عدم حضورها للقمة،فما كان عليها إلا افتعال أزمة من أجل الخروج من هذا المأزق .

قامت أمريكا بإرسال طائرة تجسس فوق أراضي الاتحاد السوفياتي مما أدى إلى انسحاب رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي من المؤتمر بعد رفض الولايات المتحدة الأمريكية تقديم اعتذار.

  • إثارة الرعب والفوضى:

تستخدم هذه الوسيلة عن طريق بث حالة من الذعر والقلق لدى الطرف الآخر حتى تسهل السيطرة عليه.

ومن أشد الطرق الفعالة في هذا المجال خلق نوع من الترقب بحدوث هجوم وشيك حتى يفقد الطرف المذعور السيطرة على نفسه تحت ذريعة “وقوع البلاء خير من انتظاره” فيقوم بأعمال إستباقية يستغلها الطرف المثير للرعب والفوضى لصالحه إعلاميا لتبرير تدخله في الشؤون الداخلية لتلك الدولة دون اعتباره طرفا معتديا في رأي المجتمع الدولي و هذا ما يقودنا إلى الحديث عن الوسيلة الثالثة وهي الدعاية.

  • الدعاية :

تقوم الدعاية أساسا على استخدام وسائل الاتصال الجماعية أو الموجهة للجماهير  communication de masse،وتتمثل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون،و تهدف إلى التأثير على الروح المعنوية على الروح المعنوية للعسكريين والمدنيين معا.

وفي هذا المجال يقول الخبراء أن الدعاية هي التي مكنت دول الحلفاء من الظفر بالحرب العالمية الأولى رغم قوة الجيش الألماني آنذاك والذي يهزم في أرضية الميدان يقدر ما انهزم في الكواليس.

  • الإشاعة :

تعتمد الإشاعة على المبالغة في أخبار معينة والترويج لها ونشرها على نطاق واسع باستعمال مختلف الطرق ،وأحيانا تتجاوز الاشاعة مجرد المبالغة في أخبار معينة باختلاق أخبار لا أساس لها من الصحة بهدف التأثر على الرأي العام وهذا من أجل تحقيق أهداف سياسية أة اقتصادية أو عسكرية.

مما ذكرنا أعلاه يمكن القول أن الشاعة لا تعتمد دائما على الخيال ففي العديد من الأحيان فقد تعتمد على جزء من الحقيقة من اجل إمكانية تصديقها وتقبلها من قبل الناس.وقد تظهر الإشاعة أحيانا في الصحف والمجلات او تجد طريقها إلى موجات الإذاعة والتلفزيون. وتستخدم الإشاعة وتنتشر في وقت الأزمات الاجتماعية والوطنية ولذلك فان زمن الحرب هو انسب وقت لتلك الإشاعات ونشرها حيث يكون الأفراد في حالة استعداد نفسي لتصديق كثير من الأخبار والأقاويل التي يسمعونها نظرا لحاله التوتر النفسي الذي يعيشونه . ولذلك فان كثيرا من الدول أدركت ذلك أخذت تستخدم الإشاعات كأحد وسائل الحرب النفسية المهمة.

 والإشاعات التي تستخدم في الحرب على نوعين إشاعات الخوف وإشاعات الرغبة . وإشاعات الخوف بما تنطوي علية من إنذار بالخطر تهدف إلى الكف من ثقة الشخص بالنهاية المظفرة لمجهوداته الحربية ، فهي إذا كانت تولد قلقا لا لزوم له كانت أحيانا تؤدى إلى نظرة  انهزامية .

 وإشاعات الرغبة من ناحية أخرى تحتوي على تفاؤل ساذج. إذ تؤدى إلى القناعة والرضي عن الحال والخنوع وقبول أي حال ممكن. والأمثلة للشائعات لاتعد ولا تحصى فعلى سبيل المثال انتشرت في الحرب العالمية الأولى الشائعات والقصص التي تقول أن الألمان يقطعون أيدي الأطفال وانهم يغلون جثث الموتى ويصنعون منها الصابون وانهم يصلبون أسرى الحرب وفي الجانب الألماني كانت تنتشر شائعات تقول أن الحلفاء يستخدمون الغوريلات وأناس متوحشين من أفريقيا واسيا في حرب الناس المتحضرين وانهم يعتقلون المدنيين الأبرياء.

طرق مواجهه الشائعات والدفاع ضدها:

  1. يمكن التصدي للاشاعه عن طريق تكذيبها ، أي عن طريق إعلان تكذيبها ولكن بالرغم أن طريقة التكذيب هي اكثر شيوعا إلا أنها ليست الطريقة المثلي، وذلك لان تكذيبها يتضمن الإعلان عنها ، فالإعلان عن تكذيب الشائعة هو في حد ذاته تكرار لها . كذلك هناك أناس يصدقون الإشاعة ولا يصدقون تكذيبها.
  2. يمكن أن يقوم بتكذيب الإشاعة شخصية كبيرة لها مكانتها الاجتماعية او السياسية او العسكرية وحينئذ يميل الناس إلى تصديقة اكثر من وسائل الإعلام العادية.

3 . ينبغي أن لا تواجه الشائعات بإصدار بيانات او تصريحات تستند إلى وقائع غير سليمة او معلومات غير دقيقة لمجرد المواجهة العاجلة للشائعات لان العلاج المؤقت الذي يؤدى إليه هذا سلاحا ذو حدين .

    إذ أن مجرد عدم تحقيق الوعود او التصريحات التي استخدمت كأداة لإطفاء الشائعات يصبح في ذات الوقت دليلا على صدمة ما تتضمنه الشائعات ويشير هذا أيضا إلى عدم مقدرة الأجهزة التي ترد عليها في معالجة الموقف.[4]

ثالثا  : نظريـــــــــــــــــــــــــة التـــــــــــــأطير.

إن أهم النظريات التي تدرس في كليات الإعلام نظرية “التأطير” Framing، التي من خلالها يمكن فهم تغير موقف الصحفي أو الإعلامي من القضية إذا تغيرت الظروف.

نظرية تحليل الاطار الاعلامي هي نظرية تدرس ظروف تأثير الرسالة.

تقوم هذه النظرية على أساس أن أحداث ومضامين وسائل الاعلام لا يكون لها مغزى في حد ذاتها ’الا اذا وضعت في تنظيم وسياق وأطر اعلامية هذه الأطر تنظم الألفاظ والنصوص والمعاني وتستخدم الخبرات والقيم الاجتماعية السائدة.

تأطير الرسالة الاعلامية يوفر القدرة على قياس محتوى الرسالة ويفسر دورها في التأثير على الآراء و الاتجاهات،يعني عندما يقع حادث معين فالحدث قد لا تكون له دلالة كبرى عند الناس ولكن وسائل الاعلام تصفه في اطار اعلامي من حيث اللغة والصياغة والتركيز على عنصر معين حتى يصبح هاما في قلب الاطار الاجتماعي كله.

وتعرف نظرية التأطير الإعلامي على أنها “تلك العملية التي من خلالها يتم توظيف النص الصحفي للربط بين معاني مختلفة بعينها في عقل القارئ”! أي أن التأطير هو طريقة تناول الخبر أو الطريقة التي يقدم بها النص الإعلامي ويحدد طريقة فهم وإدراك المتلقي، وربما صياغة رد فعله المستقبلي وتوجيهه.[5]

“حادثة قطار في عهد الرئيس مرسي” يتناولها الإعلام بتحميل الرئيس مرسي والإخوان المسؤولية باعتبارهم غير جديرين بالحكم، رغم أن ذلك يصح إذا كانت مصر لا تعرف حوادث الطرق سابقا وفجأة ظهرت حوادث بشعة في عهد الإخوان! هنا يستخدم التأطير للنيل من خصم سياسي لا غيرة على مصلحة البلد!

وأنا لست ضد تحميل رئيس الوزراء بل ورئيس الجمهورية -وليس وزير النقل والمواصلات فقط- المسؤولية عن حادثة قطار راح ضحيتها تلاميذ أبرياء، لكن بشرط أن يكون هذا هو الموقف ذاته إذا كان السيسي أيضا هو الموجود على رأس السلطة! فلا يجب أبدا أن نكيل أبدا بمكيالين، فهذا عين النفاق!

لكن ما فعله إعلام الانقلاب أنهم حمّلوا مشكلات مصر وأزماتها طيلة 60 عاما من حكم العسكر إلى الرئيس الوحيد الذي أتى عن طريق الانتخاب، وقالوا له:( مش قد الشيلة ماتشيلش! )بينما في الأزمات ذاتها -التي لم تنتهي بالمناسبة بالانقلاب العسكري- يتم تبرير موقف الحكومة والتساؤل بدموع التماسيح (وهو الرئيس حيعمل إيه!) ولا أحد يذكر مطلقا بغلة عمر التي سيسأل عنها إذا عثرت في العراق!..[6]

لعب جوزيف غوبلز[7] ، وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر ، دوراً مهماً في الترويج للفكر النازي لدى الشعب الألماني بطريقة ذكية أسميت بـ “البروباغاندا”. وكان غوبلز قبيل انتحاره في الفصل الأخير من الحرب العالمية الثانية ، قد عينه أدولف هتلر مستشار ألمانيا كما اتّضح في وصية هتلر الخطيّة ، إلا أن الحلفاء لم يعترفوا بوصايته بعد سقوط الرايخ الثالث. غوبلز ، الذي كان أحد المقربين من هتلر ، يعد أسطورة في مجال الحرب النفسية ، وأحد أبرز من وظفوا واستثمروا وسائل الإعلام في هذه الحرب حيث صور أدولف هتلر للألمان على أنه المنقذ لهم ولألمانيا.

أصبحت نظرية غوبلز فيما بعد وسيلة مهمة في تمرير السياسات تُستخدم إعلامياً للسيطرة على العقول ولتوجيه الرأي العام من خلال تأطير الخيارات مسبقاً. فنظرية التأطير تعني باختصار فرض خيارات محددة ضمن إطار معين لإرغام العقل على القبول بأحدها ، وهنا يمكننا أن نذهب بالقول ونعتبر ذلك توصيفاً دقيقاً للوضع الجيوسياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط ، والذي لا يرتكز على الوسطية بل ينحاز إما إلى هذا الطرف أو ذاك.

وخير مثال على نظرية التأطير نستمدها من ﺣﺮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ الثالثة عام 2003 ، وبالتحديد من معركة المطار التي قاﻣﺖ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺑﺘﻌﺒﺌﺔ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺃنها ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ ﺍﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ، ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﺟﻤﻴﻊ ﻭﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ ﺗﺘﺮﻗﺐ تلك المعركة ، إلى أن ﺳﻘﻂ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ فانتاب ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ شعور بأن ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ كله قد ﺳﻘﻂ ، فماتت ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ على الرغم من ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺴﻘﻂ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ.

هذا وﺗﻠﻌﺐ العديد من ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ حالياً اللعبة نفسها بأبواقها المستشرية ﻓﻲ المجتمعات العربية التي أنهكها الجهل والعصبية ﻭﺇﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻮﻋﻲ الثقافي. فأسلوب التأطير الذي تنتهجه يُعد واحداً ﻣﻦ أساليب عدة في ترسانة تلك الوسائل الإعلامية الهادفة إلى تسيير المواطن نحو ما تراه هي صحيحاً من وجهة نظرها المسيسة أو المأجورة ، إما بفرض ﺧﻴﺎﺭﺍﺕ ﻭﻫﻤﻴﺔ تارة أو مبالغ فيها تارة أخرى ﺗﻘﻴﺪ ﺗﻔﻜﻴﺮ المتلقي و المشاهد.

إنه لحري بكل إنسان نزيه مترفع وواع أن لا يترك نفسه مقتاداً كالأنعام ، فأحد حقوق الإنسان المدرك تجاه نفسه أن يمحص ويحلل ما يصله قبل “ابتلاعه” مغلفاً وموضباً دون مضغه وتقليبه يمنة ويساراً ، وإلا فقد يسلب هذا الإنسان إرادته وقراره وقناعته ، ومن ثم يتم تقييده بأفكار ليس مؤيدياً لها او مقتنعاً بها. وعليه فإنه كلّما ﺯﺍﺩ ﻭﻋﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وارتقى بثقافته ، ﺍﺳﺘﻄﺎﻉ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ بنفسه ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻃﺮ ﻭﺍﻟﻘﻴﻮﺩ التي تطوعها وسائل الإعلام ﻭﺍﻟﺴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻟﺨﻄﺒﺎﺀ ﻭﺍﻟﻜﺘﺎﺏ لاقتياد الفرد ﺇﻟﻰ ما يريدونه هم وليس ﺇﻟﻰ ﻣﺎ هو في مصلحة ذلك الفرد. فلنتمهل إزاء ما يصلنا من أخبار ، ولنتحقق منها ونتأمل ما يجري بحيادية بعيداً عن التشدد والعصبية ، فنضع بذلك الأمور في نصابها الصحيح كيلا تشل قدرتنا على التفكير والإستدلال.

إن ظاهرة غوبلز الذي حمل شعار “اكذب حتى يصدقك الناس” وامتهن الكذب الممنهج للترويج للنازية ولتحطيم خصومها ، أكدت أن من يمتلك وسائل الإعلام يمتلك القول الفصل في الحروب الباردة والساخنة. وهنا أذكّر بأن غوبلز هو من قال: كلّما سمعت بكلمة مثقف تحسست مسدسي ، لقد كان غوبلز يدرك أن ثقافة الإنسان هي الترياق الحقيقي لسمومه الإعلامية.[8]

وبفضل غوبلز كانت الدعاية الألمانية أو الدعاية النازية، (بالألمانية:Nationalsozialistische Propaganda)، كانت من أقوى الأسلحة التي اعتمد عليها الحزب النازي، في الفترة ما بين عامي 1933 و1945. وكانت لها أيديولوجية سياسية تهدف كما يقول “هتلر” إلى غزو العالم. إنها دعاية لا عقلانية لأنها تهدف لإثارة المشاعر والعواطف لدى الأفراد ، وتغلب الدعاية النازية الصورة على التبرير والحس الاندفاعي على المنطق.

استطاع الإعلام الحربي الألماني أن يُدخل نظام الدعاية التي خُططت بشكل متطور بواسطة وزير الدعاية الألماني “جوزيف جوبلز” . الذي كان له فضل كبير في إدخال النظم الدعائية الحديثة. واستخدمت الدعاية من خلال وسائل الإعلام الحربي في ذلك الوقت، حيث اعتمدت على المنشورات، والإذاعة، ومكبرات الصوت بشكل يثير الغرائز الأولية للفتك والتدمير. وحين ننظر إلى الدعاية الألمانية من ناحية قوتها الباطنة أي ما تنطوي عليه، فإنها تبدو في الواقع كأنها مدفعية سيكولوجية تستخدم كل ما من شأنه أن يصدم ويزعزع الكيان .[9]

رابعا : العناصر المؤثرة في عملية التأطير .

يعتبر Entman أنَّ هناك أربعة ناصر تؤثر بشكل مباشر على المحيط الخاص بنظرية تالتأطير ولها دور فعال في ذلك ،وهذه العناصر العناصرَ الأربعة هي: القائم بالاتصال (الصحفي) Communicator،  والنص Text، والمتلقي Receiver، والثقافة Culture.

  • القائم بالاتصال (الصحفي): قد يُقدِّم -عن عَمدٍ أو غير عَمد- أحكامًا من خلال أطر تَحْكُمها تسمى Schemata تنظِّم قيمَه ومعتقداته، ويمارس دورًا هامًا في بناء وتشكيل الأخبار من حيث الاختيارات اللغوية، والاقتباسات، والمعلومات التي تقود للتأكيد على عناصر أو جوانب معينة في القصة الخبرية، ويؤطّر الصحفيون القصص الخبرية من خلال اختياراتهم التي يقومون بها أثناء كتابتهم وتحريرهم لتلك القصص، وهذه الاختيارات تؤثر بدورها في الطريقة التي يفسّر القراء القصص من خلالها.

 ويرسم الصحفيون أنماطًا أو أطرًا تصب معرفيًا في المناقشات العامة، وتؤثر في مستوى معلومات الأفراد، وهذا يتم من خلال الاختيار  الانتقائي لتغطية جانب أو الجانبين كليهما لحدث أو قضية ما، مع وضع تفسير مبسطٍ للأحداث والقصص، أو من خلال تغطيةٍ أكبرَ   لقضيةٍ واحدة على حساب الأخرى، وهم محكومون بدورهم بالأطر التي تنظِّم أنساقهم المعرفية والضغوط المهنية التي يعملون في ظلها مثل:ضغوط السيطرة والملكية والتمويل، والتي تحدد السياسة التحريرية، بالإضافة إلى ضغوط المساحة وسرعة العمل الإعلامي، والمشكلة التي تحدث في عمل التحرير اليومي تتعلق بعملية الإدراك الانتقائي التي تقود إلى أطرٍ بديلة تصطبغ بالأيديولوجية عن وعي أو عدم وعي بذلك.

 وتؤثر المصادر الإخبارية في الكتابة الصحفية، حيث يَعتمد الصحفيون عليها في الموضوعات القصصية، ومضمونها، كما أنَّ اختيار المصدر  قد يعكس الأحكام الفردية أو العوامل المؤسسية والتنظيمية.

ويتعلق بما سبق ما توصل إليه Chyi&McCombs من أنَّ الصحفيين ومصادرهم يعززون إبراز القضية في الأجندة الإعلامية من خلال تغيير الإطار، وأنَّ المغزى المحتمل المرتبط بطبيعة الحدث الإخباري يجعلُ التأطيرَ ممكنًا على مستويات متعددة، كما أنَّ الاختلاف في  التغطية ينتج عن اختلاف القيم الشخصية والمهنية للصحفيين الذي يعملون في غُرَف الأخبار.

  • النص: يتضمن الأطر التي تبرز من خلال حضور أو غياب كلمات أساسية، وتراكيب معينة، وصور نمطية، ومصادر المعلومات، والجمل التي تتضمن حقائقَ وأحكامًا معينة.
  • المتلقي: حيث قد يعكس تفكير المتلقي واستنتاجه الأطر في النص، ونية أو قصد التأطير لدى القائم بالاتصال، وقد لا يعكس.
  • الثقافة: وهي “مجموعة من الأطر المشتركة المقدَّمة في خطاب الأفراد أو تفكيرهم في جماعة اجتماعية معينة”، وهي كما عرَّفها Entman “مجموعة من الأطر التي يتم الاستشهاد بها”، ومن الممكن أن تعرَّف إمبريقياً بأنَّها “مجموعة من الأطر الشائعة التي تظهر في خطاب وتفكير معظم الناس، أو جماعة اجتماعية معينة”، ويذكر الأخير أنَّ التأطيرَ في العناصر أو المواقع الأربعة يتضمن وظائف متشابهة هي: الاختيار والإبراز، واستخدام تلك العناصر لبناء الجدل حول المشكلات ومسبباتها، انتهاءً بتقييمها وتقديم حلولٍ لها .

  وبصفةٍ عامة تُعتبر وسائل الإعلام مشاركًا نشطًا في اختيار وتأطير العالم، حيث تَنقلُ ذلك الاختيار من خلال ممارساتٍ ثقافية، وتُمثِّل  شبكاتٍ اتصالية لتطور الخطاب، مؤديةً ذلك بطرق تُبنى على أساس عمليات نفسية لغوية  Psycholinguistic Processes مهمة في المعرفة الإنسانية .

 وتخلق الضغوط الخارجية التي تتعرض لها هذه الوسائل الحاجة إلى تسوية الاختلافات -ليس فقط على مستوى المهنيين في غرف الأخبار، ولكن أيضاً على مستوى ثقافة غرف الأخبار، وقد تتمثل الضغوط الخارجية في “المالكين الذي ينطلق حافزهم من الاعتبارات السياسية والاقتصادية”.

في الدول النامية وبالخصوص في العالم العربي مجمل هذه العناصر والمؤثرة في نظرية التأطير ضاربة في أطنابها في المجتمع، لعدة عوامل داخلية وخارجية.

 أولا :العوامل الدخلية:

1- أزمة الشرعية للسلطة السياسية الحاكمة

2- “غربة” السلطة السياسية سياسياً وثقافياً عن محيطها الشعبي

3- “الجهل” بالدين والجهل بالتاريخ السياسي للمجتمع العرقي

4- غياب وضوح العلاقة “التعاقدية” العادلة بين الدولة وطوائفها المختلفة

5- التكوين القسري للدولة القطرية في العالم العربي (أزمة الدولة القطرية)

6- غياب “الضابط الحضاري” عند الاختلاف

7- دور “النخبة” في النظام السياسي أو الأقليات

8- وجود إشكاليات في الفكر العربي المعاصر

ثانياً: العوامل الخارجية:

1- الدور السلبي للاستشراق والتبشير والاستعمار في العالم العربي

2- اضطراب الأمن الإقليمي، والصراعات العربية ـ العربية

3- التنافس بين القوى الدولية حول النفوذ في العالم العربي إبان الحرب الباردة

4- الدور الصهيوني والصراعات الداخلية العربية.

خــاتمة :

لا يختلف اثنان على دور الإعلام السياسي في تحقيق نجاح الدول في شتى المجالات كما يمكن لنفس الإعلام خلق فشل ذريع لبعض الدول،وقد كان الكيان الصهيوني سباقا في معرفة هذا الأمر وبادر إلى الاهتمام بالإعلام حتى قبل قيام الكيان الصهيوني على الأراضي المحتلة.وفي هذا المجال يقول بن جورين “لقد أقام الإعلام دولتنا واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية.”، وثبت أن إسرائيل تدير أمورها عبر ثلاثة آفاق: عسكري، سياسي وإعلامي.

استخدم الإعلام الإسرائيلي أسلوب التبرير لكل الأعمال العدوانية التي يقوم بها الجيش من خلال كم هائل من الأخبار والمعلومات تتضمن رسائل بسيطة ومحددة.

من أبرع الأساليب المستخدمة توظيف المصطلحات لخدمات التوجيهات الإعلامية الإسرائيلية. من المصطلحات: الفلسطينيون (مع إلغاء صفة الشعب بالكلية)، جيش الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل (بدل الدولة اليهودية)، منطقة الحكم الذاتي، الأراضي المتنازع عليها (الضفة الغربية وغزة). كما طمست أسماء المدن الفلسطينية بالكامل وتحويلها إلى مثلاً تل أبيب (تل الربيع سابقاً)، مصطلح المخربين (المقاومين)، حائط المبكى (حائط البراق)، جبل الهيكل (جبل بيت المقدس). أيضاً تضمن التضليل الإعلامي استخدام المبني للمجهول (بحق الفلسطينيين) وتسويق المصطلحات اليهودية.

لم يكن هدف وسائل الإعلام الإسرائيلية الغرب فقط بل حتى العرب مستغلة ضعف المصداقية لوسائل الإعلام العربية عند شعوبها خصوصاً في الأزمنة السابقة (تغيرت الأوضاع حالياً).

بعد استقرائنا لمدى تأثير الحرب النفسية على مختلف قرارات الدول،سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي،وبعد أن أخذنا نظرية التأطير كنموذج لذلك،لابأس في هذه الخاتمة وعلى شكل نتائج أن نتطرق إلى نقاط ضعف وقوة نظرية التأطير.

فمن نقاط قوة نظرية التأطير أنها :

  • ترتكز النظرية على الأفراد في الاتصال الجماهيري.
  • رغم كون أساس النظرية والأحكام المتوصل إليها لا يكون إلا من دراسة عينة مصرة من مجمع واحد(Micro)إلا أن تطبيق نتائجها يمكن أن يوسع ليشمل العديد من المجتمعات على الأقل المتقاربة منها (Macro).
  • تمتاز النظرية بمرونة شديدة حيث يمكن تطبيقها على العديد من المجالات السياسية منها والاجتماعية وحتى الثقافية.
  • تقدم النظرية فوائد لدراسات الرأي العام، والسلوك الانتخابي، والدراسات المعرفية والثقافية ودراسات علم الاجتماع.
  • من أخطر ما يميز نظرية التأطير أنها يمكن تطبيقها في أنواع مختلفة من الدراسات مثل: الدراسات التاريخية والآنية.

ومن نقاط ضعف نظرية التأطير ما يلي :

  • مرونتها تجعلها تفتقر غلى التحديد.
  • تنتقص من قيمة قدرات الأفراد حيث تفترض أنَّ الأفراد يرتكبون أخطاء كثيرة في التأطير.
  • عدم وجود تحديد دقيق للحدود الفاصلة بين أنواع الأطر المختلفة مما يجعلها مسألة تخضع لانطباعات الباحثين.
  • الإطار يبقى قائماً بتأثير عوامل مختلفة.

[1] – أحمد عبد الحمان العرفج،التيسير في مفهوم نظرية التأطير،صحيفة المدينة،مؤسسة المدينة للصحافة والنشر،2012.

[2] –  نصر, صلاح، الحرب النفسية: معركة الكلمة والمعتقد. ج 1, الوطن العربي.1988،ص 71.

[3] – سكري, رفيق. (1991م). دراسة في الرأي العام والإعلام والدعاية. جروس برس, طرابلس: لبنان،1991،ص 147.

[4] – سمير محمود قديحباحث في الشئون الامنية والاستراتيجية،الحرب النفسية وطرق التصدي لها،المنتدى العربي للدفاع والتسليح،مارس 2015.

[5] – أحمد نصار،نظرية التاطير والسباك العسكري ،مدونات عربي 21،الاثنيت 26 اكتوبر 2015.

[6] – أحمد نصار ،مرجع سابق.

[7]باول يوزف غوبلز (بالألمانية: Paul Joseph Goebbels) ‏ (29 أكتوبر 1897 – 1 مايو 1945) وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، وأحد أبرز أفراد حكومة هتلر لقدراته الخطابية، وتولى منصب مستشار ألمانيا لمدة يوم واحد في 30 أبريل 1945 عقب انتحار هتلر.

كان والده فريدريك غوبلز، المحاسب ذو الدخل المتوسط ووالدته ماريان غوبلز. وعندما تطوّع في الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، تم رفضه لتسطّح أخمص قدميه. وفي عام 1922، انضم غوبلز للحزب النازي. والطريف أنه كان من المعارضين لعضوية أدولف هتلر في الحزب عندما تقدم الأخير بطلب للعضوية إلا أنه غيّر  وجهة نظره نحو هتلر فيما بعد وأصبح من أنصاره بل وأحد موظفيه.

لقد لعب غوبلز دوراً مهماً في ترويج الفكر النازي لدى الشعب الألماني بطريقة ذكية. وقبيل إقدامه على الانتحار وفي الفصل الأخير من الحرب العالمية الثانية عينه هتلرليكون مستشار ألمانيا كما اتّضح في وصية هتلر الخطيّة إلا أن الحلفاء لم يعترفوا بوصيته بعد سقوط الرايخ الثالث.

ومن أقوالهِ المشهورة: «كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي» وفى رواية أخرى «كلمة ثقافة».

وهو صاحب آلة الدعاية النازية والذي صور أدولف هتلر للألمانيين على أنه المنقذ لهم ولألمانيا وطالما تذكرنا قولته الشهيرة عن المثقفين فإنه يتعين الإشارة إلى أنه  بممارساته شكل فصلًا دمويًّا من فصول محاكم التفتيش في التاريخ.

ويعتبر يوزف جوبلز (وزير الدعاية النازي) ورفيق أدولف هتلر حتى الدقائق الأخيرة من حياتهِ، حيث كان إحدى الأساطير في مجال الحرب النفسية، وهو أحد أبرز من  وظفوا واستثمروا وسائل الإعلام في هذه الحرب وهو صاحب شعار شهير يقول: «اكذب حتى يصدقك الناس» غير أنه كان صاحب الكذب الممنهج والمبرمج الذي يعتمد الترويج لمنهج النازية وتطلعاتها، ويهدف لتحطيم الخصوم من الجانب الآخر وقد أكدت ظاهرة جوبلز هذه أن الذي يملك وسائل الإعلام يملك القول الفصل في الحروب الباردة والساخنة.

و«يوزف جوبلز» بناءً على ذلك هو مؤسس فن الدعاية السياسية بلونها الرمادي، واستطاع حينما كان يروج للفكر النازي بقوة أن يسوق في ركابه عشرات الملايين من الألمان، ورغم العداء الغربي للنازية، إلا أن جوبلز يعد مؤسس مدرسة إعلامية مستقلة بذاتها.

في 1 مايو 1945، أقدم غوبلز على الانتحار مع زوجته ماغدا وأطفاله الستة، وتراوحت أعمار أطفاله بين 4 و11 سنة وبعد موت أدولف هتلر، طلب من زوجته أن تذهب إلى خبير كيميائي لتحضير عقار منوم يعمل على تنويم الاطفال لساعات تتراوح بين 10 – 14 ساعة حتى لا يشعر أبناؤه بالسم. وأعطى يوزف زوجته السم لقتل أطفاله الستة لقوله “حتى لا يهان أبنائي أمام الروس بعد وفاتي” فأعطت زوجته السم لأبنائها ففارقوا الحياة بعد ربع ساعة من إعطائهم للسم، وبعد وفاة أبنائه، أقدم هو وزوجته للانتحار خارج المبنى العسكري النازي وفارقوا الحياة.

[8]– ماغي أيوب،التأطير وخطف العقول العربية،راديو بيتنا،مجلة إلكترونية منوعة،2016.

[9]– كان هتلر يتمتع بشعبية جارفة، رغم رفضه للآخر ودكتاتوريته، ونال الحزب النازي قوة كبرى لم تكن لتأتي لولا الدعاية التي عرفت باسم “الهتلرية” أو “الجوبلزية”، نسبة إلى وزير الدعاية النازي الشهير جوزيف جوبلز.

وبمجرد نجاح النازية في إنهاء الديموقراطية وتحويل ألمانيا إلى ديكتاتورية من حزب واحد، نظم النازيون حملة دعاية هائلة لكسب ولاء وتعاون الألمان. وتولت وزارة الدعاية النازية، التي يترأسها جوزيف جوبلز، كافة أشكال الاتصال في ألمانيا: مثل الصحف والمجلات والكتب والاجتماعات العامة والحشود والفنون والموسيقى والأفلام والإذاعة. وتم حظر الآراء التي تهدد المعتقدات النازية أو نظام الحكم بأية طريقة من الطرق أو تم إلغاؤها من كافة وسائل الإعلام.

وأثناء ربيع عام 1933، دونت منظمات الطلاب والأساتذة وأمناء المكتبات من النازيين قوائم طويلة من الكتب التي ظنوا أنها لابد وألا يقرأها الألمان. ثم بعد ذلك، وفي ليلة 10 مايو عام 1933، شن النازيون غارة على المكتبات والمحال التجارية لبيع الكتب في جميع أنحاء ألمانيا. فأقاموا مسيرة على ضوء الكشافات في مواكب ليلية وأنشدوا الأناشيد وألقوا بالكتب في حفر كبيرة أضرمت فيها النيران. وتم حرق أكثر من 25 ألف كتاب في تلك الليلة. وكانت بعضها أعمالاً لكتاب يهود، ومن بينهم ألبرت أينشتين وسيجموند فرويد. وأغلب الكتب كانت لكتاب غير يهود، ومن بينهم الكتاب الأمريكان المشهورون كجاك لندن وإيرنست همينجواي وسينكلاير لويس، والذين اختلفت أفكارهم عن الأفكار النازية – من وجهة نظر النازيين- وبالتالي يجب ألا تقرأ .

كما أحرقت وسائل الرقابة النازية كتب هلين كيلر، والتي تغلبت على صممها وعماها لتصبح كاتبة محترمة، وعندما علمت بحرق الكتب، ردت قائلة: “لا يمكن لطاغية هزيمة قوة الأفكار.” واحتج مئات الآلاف في الولايات المتحدة على حرق الكتب والذي يعتبر بمثابة انتهاك سافر لحرية التعبير، في حشود عامة في نيويورك وفيلادلفيا وشيكاغو وسانت لويس.

كما لعبت المدارس دورًا هامًا هي الأخرى في نشر الأفكار النازية. ففي الوقت الذي تم فيه إلغاء بعض الكتب من المنهج الدراسي على يد المراقبين، تمت إضافة نصوص أخرى جديدة ليتم تدريسها للطلاب تعلمهم الطاعة العمياء للحزب والحب لهتلر والمعاداة للسامية. واستهدفت اجتماعات ما بعد المدرسة لشباب هتلر وعصبة الفتيات الألمانيات تدريب الأطفال ليكونوا مخلصين للحزب النازي. وداخل المدرسة وخارجها، كان الصغار يحتفلون ببعض المناسبات مثل عيد ميلاد هتلر والذكرى السنوية لتوليه الحكم .

استفادت الدعاية النازية من الغرائز : الأبوة ، الأمومة ، الجنس ، القوة ، العنف والكراهية والتدمير.

ويشرح غوبلز ، وزير الدعاية في عهد هتلر دعائم الدعاية النازية بقوله : ولنا أن نقارنها بالدعاية الصهيونية . (ينبغي أن نبحث عن الأقليات الموتورة ، وعن الزعماء الطموحين الفاسدين وذوي العصبيات الحادة والميول الإجرامية فنتبناهم ونحتضن أهدافهم ونهول مظالمهم ونهيج أحاسيسهم بمزيج من الدعاية والشائعة مثيرين الغني على الفقير والرأسمالي على البروليتاري ، دافع الضرائب على فارضها ، الجيل الجديد على القديم ، وبذلك نحقق درجة من الفوضى يمكن معها التلاعب بمقدرات العدو وفق ما نشاء).

لقد مارس النازيون دعاية تضليلية غير مسبوقة في تاريخ الألمان، بل وأوروبا كاملة .وسعت الدعاية النازية، أو القومية الاشتراكية، إلى الحصول على مباركة كبار المثقفين الألمان. فالنازية كأي حزب آخر كانت بحاجة إلى تغطية أيديولوجية لن تتأتى إلا مرورا بالنخبة .

ندوة دولية حول عولمة الإعلام السياسي وتحديات الأمن القومي للدول النامية

يوم 11 أفريل 2017

من إعداد : بوعيس يوسف

أستاذ مساعد قسم أ،معهد الحقوق والعلوم السياسية

المركز الجامعي نور البشير،البيض.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock