تعد الهجرة غير الشرعية مشكلة عالمية معاصرة، حيث يلاحظ أن قارات العالم المختلفة تعاني بشكل أو بآخر هذه المعضلة، مثل أوروبا، واستراليا، وأمريكا الشمالية (۱). وبالرغم من أن الهجرة كعملية قديمة قدم الحضارات البشرية، فإن بروز سيادة الدولة، منذ توقيع معاهرة وستفاليا عام 1948، أضفي عليها بعدا قانونيا يتمثل في الدخول بموافقة أو بدون موافقة الدول ذات العلاقة، فمعاهدة وستفاليا أكدت السيادة المطلقة للدولة، وبالتالي انخرطت البلدان ذات السيادة في تنظيم عملية الهجرة منها وإليها، وبالرغم من أن العولمة قلصت من السيادة المطلقة للبلدان المعاصرة، فإن تنظيم عملية الهجرة لا تزال تخضع للسياسات العامة لدول عالمنا المعاصر.

وأصبحت الهجرة غير الشرعية مشكلة عالمية منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وعليه يلاحظ وجود غنى ملحوظ في أدبياتها، وتعد ليبيا وايطاليا من ضمن أبرز الدول التي تعاني هذه الإشكالية، وعليه، فقد وقعتا العديد من المعاهدات والاتفاقيات الثنائية، والإقليمية، والدولية، ويقودنا الحديث عن التنسيق والتعاون الليبي الإيطالي تجاه عملية الهجرة غير الشرعية في الألفية الثالثة عموما للحديث عن منهجية هذه الدراسة، وهذا هو مجال اهتمام المحور التالي منها.

وبالرغم من حداثة مشكلة الهجرة غير الشرعية في إطار العلاقات الدولية، فإن الاهتمام بها من قبل السياسيين والأكاديميين والعامة قد زاد بشكل ملحوظ منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث أصبح عشرات الآلاف من الأفارقة والعرب يهاجرون على متن ما بعرف بقوارب الموت من الشواطئ الليبية إلى السواحل الإيطالية. إن تأثیر معضلة المهاجرين غير الشرعيين دفع إيطاليا إلى عقد اتفاقيات ثنائية بهدف الحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين. فمعاهدة ۲۰۰۸ للصداقة والشراكة نصت بصراحة على تنسيق وتعاون الطرفين في هذا الشأن، كما سيتضح لنا فيما بعد.

ويلاحظ في هذا السياق أن هناك العديد من التساؤلات تتطلب إجابات موضوعية، لعل أبرزها: ما هي أبرز العوامل المؤثرة في العلاقات السياسية والأمنية الإيطالية الليبية في الألفية الجديدة؟ وما هي مكامن القوة والضعف إلى جانب التحديات والفرص المتاحة لتعزيز العلاقات الإيطالية الليبية في القرن الحادي والعشرين؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للعلاقات الدولية الإيطالية الليبية؛ وبالرغم من تعدد العوامل السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية المؤثرة في العلاقات الإيطالية الليبية في الألفية الجديدة، فإنه يمكن اختبار مصداقية الفرضية التالية إن زيادة تدفق أعداد المهاجرين غير القانونيين من السواحل الليبية إلى الشواطئ الإيطالية قد نتج عنها زيادة في مستويات التنسيق والتعاون السياسي والأمني بين ليبيا وإيطاليا منذ نهاية القرن العشرين بشكل عام، ومنذ بداية الألفية الجديدة بشكل خاص.

ويشير الشكل التالي إلى العلاقة المتوقعة بين متغیر مستقل يتجسد في زيادة مستويات الهجرة غير الشرعية من ناحية ومتغيرين تابعين يتمثلان في العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين من ناحية أخرى (۲). وبالرغم من أن العلاقات الإيطالية الليبية تعكس عدة أبعاد سياسية واقتصادية، وثقافية، فإنه سيتم التركيز على متغيرين تابعين، يتمثل أحدهما في علاقة التعاون والصراع السياسي، والآخر يتجسد في العلاقات الأمنية بين البلدين.

ومن خلال تتبع إبرام المعاهدات والاتفاقيات الثنائية وتصريحات المسئولين في البلدين، يمكن ملاحظة أوجه التعاون والتوتر بين البلدين (۳)، كما أن علاقة الهجرة غير الشرعية بالأمن القومي لكل من إيطاليا وليبيا يمكن اختبارها من خلال إبرام البلدين لاتفاقيات ثنائية وتبادل الزیارات، وما يصاحبها من تصريحات رسمية، أما فيما يتعلق بمناهج وأدوات البحث المستخدمة في إطار هذه الدراسة، فإنه يلاحظ استخدام عدة مداخل (مثل المداخل القانونية والنظم والسياسة العامة)، ومناهج (مثل المناهج الوصفية والتحليلية والمقارنة)، وأساليب بحثية كمية وكيفية (مثل البيانات التجمعية المنشورة على موقع وزارة الداخلية الإيطالية)، وتقنيات بحثية (مثل جداول التوزيع التكراری والتحليل الرباعي). إن تبني منهجية بحث متعددة الأبعاد مرده تفادي نقاط الضعف لمدخل أو منهج أو تقنية بحث بعينها. فمثلا بالرغم من دقة لغة الأرقام (أسلوب البحث الكمي)، فإن التفسير الكيفي بعد مكملا في مثل هذه الحالة ( 4). وتماشيا مع منهجية البحث السالفة الذكر، فإنه سيتم تقسيم هذه الدراسة إلى مجموعة المحاور التالية…

تحميل الدراسة