عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ندوة علميّة عن بُعد، مساء يوم الأربعاء 23 كانون الأول/ ديسمبر 2020، بعنون: “تأثير تطورات الأزمة اللبنانية على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”. أدار الندوة الأستاذ وائل سعد، وتحدث في الندوة كل من الأستاذ جابر سليمان، الخبير في شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والأستاذ الدكتور ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، والأستاذ زياد عبد الصمد، المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية. كما شارك في الندوة نخبة من المفكرين والباحثين والمتخصصين والمهتمين بالشأن الفلسطيني واللبناني.

اتسمت الندوة بغنى المضمون والحوار. وكانت البداية مع مدير مركز الزيتونة الأستاذ الدكتور محسن محمد صالح، الذي رحب بالحضور، واستعرض الحالة الفلسطينية التي كانت تعاني قبل بداية الأزمة الداخلية اللبنانية في تشرين الأول/ نوفمبر 2019، جرّاء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، وقد رفع منسوب معاناتها بعد انتشار جائحة كورونا.

وقدم الأستاذ جابر سليمان ورقة حول انعكاسات الأزمة على اللاجئين، وأشار في البداية إلى تقرير لمؤسسة دولية. وجاء فيه أن تقديرات سنة 2020، تشير إلى ارتفاع نسبة الفقر بين اللبنانيين والمقيمين في لبنان، من 28% في 2018 إلى 55% سنة 2020، وتضاعف نسبة الفقر المدقع ثلاث مرات من 8% إلى 23%. وأن نسبة تضخم الأسعار بلغت 131% بين أيلول/ سبتمبر 2019 وأيلول/ سبتمبر 2020.

وأشار سليمان إلى أنه مع تداعيات الأزمة، منذ شباط/ فبراير 2020، لجأت مؤسسات اقتصادية عديدة في لبنان إلى تسريح عددٍ كبير من العاملين لديها، وتخفيض أُجور العاملين الباقين، وطرد الموظفين غير اللبنانيين، ولا سيّما العمالة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، ثمة تقارير تشير إلى تزايد الاضطرابات الاجتماعية والنفسية في أوساط الشباب الفلسطيني في المخيمات، وتزايد الرغبة في الهجرة.

كما استعرض الأستاذ جابر دراسة مسحية أجرتها المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) في شباط/ فبراير 2020 حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأزمة اللبنانية على مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن ضمنهم اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من سورية إلى لبنان مع بداية الأزمة السورية سنة 2011. جاء فيها أن %34.2 من المعيلين لأسرهم أوقفوا عن العمل. بالمقابل، فإن ما نسبته% 47.6 من المعيلين يعملون بشكل جزئي، بينما هناك 18.2% فقط منهم مستمرون في عملهم بشكل طبيعي. وأن 42% من الأسر الفلسطينية يبلغ دخلها الشهري أقل من 500 ألف ليرة لبنانية أي حوالي 60 دولاراً أمريكياً فقط. وهناك 72.4% من اللاجئين المستطلعين ليس لديهم القدرة لدفع فارق الفاتورة العلاجية، وفق النظام العلاجي المعمول به بوكالة الأونروا.

وتناول سليمان دور ومسؤولية الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الفلسطينية الأخرى والدولة اللبنانية تجاه تعزيز صمود اللاجئين في مواجهة الأزمة. وأشار إلى أن دعم الأونروا للاجئين تراجع بشكل لافت سنة 2020 بسبب تراجع الدعم المالي الذي تقدمه الدول للوكالة. وأضاف سليمان أن ما قدمته منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من دعم للشعب الفلسطيني في لبنان خلال الأزمة لا يرقى إلى مستوى الحاجات التي تفرضها تداعيات الأزمة. وأكد أن الدولة اللبنانية لم تشمل اللاجئ الفلسطيني برزمة المساعدات التي منحتها للأسر اللبنانية الفقيرة بالرغم من تأكيد الرئيس اللبناني ميشال عون “أن الدولة ستوفر الحماية للمواطنين والمقيمين”.

بدوره أكد الدكتور ساري حنفي أن هناك فشلاً في السياسات العامة للدولة اللبنانية وغياب للإرادة السياسية في معالجة ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بالرغم من وجود دراسات مهمة وكثيرة تتناول الملف الفلسطيني وتوفّر كافة المعلومات المطلوبة. وأضاف أن جميع القوى في لبنان لم تتسعَ فعلياً لإنفاذ إجراءات وقوانين لتحسين ظروف اللاجئين الفلسطينيين؛ ولذلك، فالخطاب يجب أن يوجه للأطراف اللبنانية من أجل الضغط لتحسين أدائها تجاه حقوق اللاجئين الفلسطينيين. كما يجب أن نضغط على المجتمع الدولي للضغط على الدول اللبنانية لتحسين أوضاع الفلسطينيين.

وفي مداخلة الأستاذ زياد عبد الصمد، أكد أن مسؤولية الدولة اللبنانية المضيفة عن اللاجئين الفلسطينيين يجب أن تكون موجودة، ولكن الانقسام السياسي اللبناني أدى إلى تجاهل حقوق اللاجئين الفلسطينيين خصوصاً مع وجود المزايدات والمساومات على ملفات لبنانية داخلية. وأضاف أن تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان مع بداية الأزمة السورية انعكس سلباً على العمال اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان. وحذر من أن اللاجئين الفلسطينيين سوف يتأثرون بسياسة رفع أو تخفيض دعم الدولة اللبنانية عن السلع الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد المحروقات؛ خصوصاً مع خضوع هذا الملف للمحاصصة الطائفية والحزبية في لبنان، فلا يوجد من يطالب بحقوق الفلسطينيين المعيشية.

وقد أكدت مداخلا المشاركين في الندوة على ضرورة وضع برامج وسياسات لتسليط الضوء على أوضاع اللاجئين ووضع آلية لنشيط هذا الملف ووضع خطط هادفة ممنهجة لرفع معاناة اللاجئين وتدعيم صمودهم. وكان ممن شارك في المداخلات الأساتذة مروان عبد العال وسهيل الناطور ووليد محمد علي وعلي هويدي وهشام يعقوب وياسر علي ومحسن صالح ووليد سالم.

وقد خلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات، أهمها:

• ضرورة أن تواصل الأونروا حشد الدعم، وإصدار النداءات العاجلة لتلبية الاحتياجات الفورية للاجئين الفلسطينيين في الأجل القريب.

• إنشاء شبكة أمان اجتماعي واقتصادي في الأجل المتوسط لتأمين الحماية اليومية لحقوق الفلسطينيين.

• ضرورة أن تتبنى الحكومة اللبنانية الحالية والمستقبلية سياسة مسؤولة وشفافة إزاء اللاجئين الفلسطينيين.

• دعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى إنشاء “صندوق إغاثة” خاص لمساعدة مجتمع اللاجئين في لبنان على تجاوز تداعيات الأزمة. ودعوة رجال الأعمال الفلسطينيين في فلسطين والشتات للإسهام في تمويله.

• تنشيط دور “هيئة العمل الفلسطيني المشترك” التي تأسست سنة 2018، ليس فقط بوصفها مرجعية سياسية، بل أيضاً كمرجعية اقتصادية واجتماعية.

• ترميم العلاقة بن اللاجئين الفلسطينيين والأطراف اللبنانية الفاعلة.

• البرامج الوطنية اللبنانية للخروج من الأزمة الاقتصادية يجب أن تشمل أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وطرق مساعدتهم.