مع إعلان الرئيس الروسي؛ فلاديمير بوتين، في 24 فبراير 2022، أنه سمح لقواته ببدء عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا، تكون الحرب التي ظلت متوقعة على مدى الأسابيع الماضية قد بدأت بالفعل، ليتجه الاقتصاد العالمي إلى أزمة جديدة قد تكون ممتدة، متأثراً بتداعيات الأزمة الأوكرانية التي قد تعمق حالة عدم الاستقرار وغياب اليقين الناجمة عن استمرار التأثيرات السلبية لجائحة فيروس كورونا التي لا يزال العالم يعاني منها. وقد أدت الأزمة الأوكرانية بالفعل؛ حتى قبل بدء العمليات العسكرية، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، فضلاً عن المعادن الرئيسية المستخدمة في كل شيء؛ من صناعة السيارات والإلكترونيات إلى أدوات المطبخ والبناء؛ هذا بجانب التداعيات الاقتصادية للعقوبات التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 22 فبراير 2022، والتي شملت “عقوبات حظر كاملة” بحق مؤسسة “VEB” الروسية، وبنكها العسكري، وتطبيق “عقوبات شاملة على الدين السيادي الروسي”، بجانب استهداف “النخبة الروسية وأفراد عائلاتهم”، والعقوبات الموجهة ضد مشروع “السيل الشمالي 2” بالتنسيق مع ألمانيا، وما تلا تلك العقوبات من حزمة عقوبات أخرى فرضتها بعض الدول الكبرى على روسيا، مثل اليابان وكندا وأستراليا، وكذلك الاتحاد الاوروبي.

تداعيات مقلقة

في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد العالمي في حالة تعافٍ هش من جائحة كورونا، يدخل في صدمة الصراع الخطير في أوكرانيا؛ حيث إن المخاطر كبيرة، والتوترات تتزايد، والضرر الذي يلحق بالثقة الاقتصادية العالمية لا يُحصى. وينتظر المعنيون بالشأن الاقتصادي تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي بدقة ومدى قدرته على الخروج من النفق المجهول للأزمة. وتتمثل أبرز تداعيات الأزمة على الأوضاع الاقتصادية العالمية فيما يأتي:

1– استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز: تأثرت أسعار النفط العالمية بتصاعد التوترات العالمية بسبب الأزمة الأوكرانية التي بدأت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي الذي لم يكد يلتقط أنفاسه بسبب جائحة كورونا؛ حيث ارتفعت أسعار النفط لأعلى مستوياتها منذ 8 سنوات. وعلى المدى القصير، من المتوقع بدرجة كبيرة، أن تؤدي الحرب بين روسيا وأوكرانيا – حتى لو كانت محدودة– إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط والغاز، خاصةً في أوروبا؛ حيث تزود روسيا نحو 30% من نفط أوروبا و35% من غازها الطبيعي. وقد شهدت أسعار خام النفط ارتفاعات قياسية خلال شهري يناير وفبراير من عام 2022، متخطية حاجز الـ 90 دولاراً للبرميل، في حين أنها تجاوزت بالفعل عتبة الـ 100 دولار للبرميل، في 24 فبراير 2022، مترافقة مع تراجع حاد في عدد من أسواق الأسهم العالمية، بعيد إعلان الرئيس الروسي؛ فلاديمير بوتين بدء “عملية عسكرية” ضد أوكرانيا، فيما قفزت أسعار الغاز في أوروبا، خلال تعاملات 24 فبراير 2022، بنحو 35%، وتجاوز سعر العقود الآجلة للغاز مستوى 1400 دولار لكل ألف متر مكعب.

كما يرجح الخبراء أن تدفع الأزمة الأوكرانية أسعار النفط إلى مستوى أعلى من المستويات المرتفعة بالفعل من نحو 90 دولاراً للبرميل إلى 125 دولاراً، بعد تصاعد التوترات في الأزمة الأوكرانية مؤخراً باعتراف روسيا باستقلال دونيتسك ولوجانسك، وصولاً إلى بدء عملية عسكرية روسية شرقي أوكرانيا، فيما وصفته الدول الأوروبية بانتهاك روسيا وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها؛ ما أدى في نهاية المطاف إلى تسجيل أسعار خام برنت قفزة بأكثر من 4.69%، مخترقاً مستويات 101 دولاراً للبرميل، وارتفع خام تكساس بأكثر من 3% ليُتداوَل قرب مستويات 94 دولاراً للبرميل، قبل بدء العمليات العسكرية، ومع تسارع وتيرة التصعيد العسكري في الأزمة ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط -تسليم شهر أبريل بنحو 8.6%، لتصل إلى 100.01 دولاراً للبرميل.

2– تهديد إمدادات أسواق الحبوب العالمية: تمتد التداعيات الاقتصادية للأزمة الأوكرانية لتتخطى حدود أوروبا إلى عدد من دول العالم الثالث؛ فأسواق الحبوب العالمية –وتحديداً القمح– تراقب عن كثب ما يحدث في أوكرانيا التي تحتل الزراعة المرتبة الثانية من حيث الأهمية بالنسبة إلى اقتصادها. وقد وُصفت أوكرانيا سابقاً بـسلة غذاء الاتحاد السوفييتي، وتُعرف الآن بـسلة الخبز في أوروبا. وفي عام 2020، صدَّرت أوكرانيا من القمح نحو 18 مليون طن متري، من مجمل محصول 24 مليون طن متري، بما يجعل أوكرانيا خامس مُصدِّر للقمح في العالم. وقد نشرت بلومبرج أن أسعار القمح قد قفزت إلى أعلى مستوى لها في شهرين بعد أن أثارت العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن أوكرانيا، المخاوف حيال الشحنات المستقبلية للحبوب من أوروبا الشرقية، خاصةً بعد أن حذر متحدث باسم الكرملين في وقت سابق من أن تحرك الولايات المتحدةى لوضع ما يصل إلى 8500 جندي في حالة تأهب، يؤدي إلى تفاقم التوترات؛ حيث تُمثل روسيا وأوكرانيا معاً ما يقرب من ثلث شحنات القمح والشعير العالمية.

وتقوم أوكرانيا بتصدير القمح والزيت النباتي وعدد آخر من المنتجات إلى العديد من الدول في إفريقيا وآسيا. ويقع الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية الخصبة في أوكرانيا في الجزء الشرقي من البلاد. وستكون تلك الأراضي بالتأكيد عرضة للهجمات الروسية العسكرية القائمة. ويشمل زبائن أوكرانيا الصين والاتحاد الأوروبي، وأصبح القمح الأوكراني يمثل للعالم النامي أهم الصادرات القادمة من ذلك البلد.

3– تصاعد أزمة التضخُّم العالمية: تحاول الدول جاهدة، منذ نهاية العام الماضي، التعامل مع ارتفاع التضخم الذي صاحب مرحلة التعافي من آثار جائحة كورونا، ولم تستطع حتى الآن الوصول إلى المعادلة الاقتصادية التي تكبح جماح التضخم بدون التأثير على النمو أو الوظائف. ويحذر البنك الأمريكي “جي بي مورجان” من احتمالية تسجيل النفط الخام زيادة إلى 150 دولاراً للبرميل، وهو ما سيوقف بالتبعية النمو العالمي تقريباً، ويدفع التضخم إلى مستوى 7%، وهو مستوى أكثر من ثلاثة أضعاف المستهدف من قبل معظم صانعي السياسة النقدية.

كما أن الصراع المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا سيؤدي –على الأرجح– إلى زيادة تكاليف الطاقة وأسعار السلع، خاصةً الزراعية للعديد من الدول؛ ما يُبقِي مُعدَّلات التضخم الرئيسية مرتفعةً لفترة أطول. ونشرت وكالة “رويترز” أن أسعار السلع الأساسية الأخرى التي تُصدِّرها روسيا، آخذة في الارتفاع، ويمكن أن تؤدي إلى زيادة أكبر، وعلى نطاق واسع في أسعار السلع إذا تصاعد الصراع، وأن تصعيد الصراع والعقوبات الغربية المحتملة على روسيا، من المُرجَّح أن تدفع أسعار النفط والغاز الطبيعي للارتفاع؛ ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة في كثير من دول العالم. وهذا يعني أن التضخم العام –الذي بلغ بالفعل مستويات عالية للغاية في جميع أنحاء العالم– يمكن أن يظل مرتفعاً بدرجة أكبر لفترة أطول.

 ومنذ تفشي جائحة كورونا، شهد العالم ارتفاعات غير مسبوقة للتضخم العالمي لم تُشاهد من الأزمة المالية العالمية. وتُشير توقعات إيكونوميست إلى انخفاض التضخم إلى مستويات ما قبل الجائحة خلال الفترة 2023–2025. وعلى صعيد الدول المتقدمة، قد يهدد الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإبطاء الاقتصاد الأمريكي، من خلال تفاقم التضخم وزيادة حالة عدم اليقين؛ حيث أشارت التوقعات إلى أن الارتفاع إلى 110 دولارات للنفط، من شأنه أن يضعف الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بمقدار نقطة مئوية واحدة، وهو الأمر الذي يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 2.8% على أساس سنوي؛ الأمر الذي سيتسبب في ارتفاع التضخم إلى مستوى يتجاوز 10% على أساس سنوي.

4– تضرر سلاسل الإمداد العالمية: سلاسل التوريد التصنيعية لن تكون محصنة من أي صراع أو عقوبات ضد روسيا؛ حيث تقدر حصة روسيا من صادرات النيكل العالمية بنحو 49%، والبلاديوم 42%، والألومنيوم 26%، والبلاتين 13%، والصلب 7%، والنحاس 4%؛ لذا فإن الأزمة تهدد بغياب نصف صادرات النيكل العالمية لأدوات المطبخ والهواتف المحمولة والمعدات الطبية والنقل والمباني والطاقة، والبلاديوم للمحولات الحفازة والأقطاب الكهربائية والإلكترونيات، وربع الألومنيوم للمركبات والتشييد والآلات والتعبئة. وفي ظل الضغوط التصاعدية على الأسعار، أصبحت سلاسل التوريد أكثر تهديداً بالتعطيل الناجم عن حرب قصيرة وحادة.

واليوم، يمكن أن يتعرض العديد من آلاف الشركات الأمريكية والأوروبية التي تتعامل مع موردين في روسيا وأوكرانيا، للخطر أثناء التصعيد العسكري، كما تمثل خدمات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات 12% من علاقات الموردين بين الشركات الأمريكية والروسية/الأوكرانية، ونحو 9% لخدمات التجارة والتوزيع، و6% للنفط والغاز. كما تمثل منتجات الصلب والمعادن، العناصر اليومية المُتداوَلة بين البلدين.

ارتدادات الشرق الأوسط

رغم البعد الجغرافي بين دول الشرق الأوسط وأوكرانيا، فإن تداعيات الأزمة التي ستلقي بظلالها السلبية على الشرق الأوسط يمكن أن تكون أكبر بكثير مما يتوقع؛ بسبب اعتماد الدول في تلك المنطقة على استيراد سلع استراتيجية من روسيا وأوكرانيا. وتظهر تلك التداعيات فيما يأتي:

1– حالة الأمن الغذائي ببعض دول الشرق الأوسط: في ظل تصاعد التوترات بين روسيا وأوكرانيا وصولاً إلى بدء عمليات عسكرية روسية على الأراضي الأوكرانية، فإن الدول العربية ستشهد تأثراً ملحوظاً بتصاعد الأزمة، خاصةً قطاع القمح الذي يعتمد عليه الكثير من الدول العربية، وأصبحت ثماني دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مهددة بأزمة خبز؛ فمع ارتفاع أسعار القمح عالميّاً أصبحت دول المغرب ومصر ولبنان واليمن وليبيا، مهددةً بارتفاع أسعار الخبز، ويمكن أن يؤدي النقص على المدى الطويل إلى تفاقم حالة الأمن الغذائي المتردية بالفعل في بعض بلدان المنطقة؛ حيث تعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وقامت باستيراد نحو 50% من مشترياتها من القمح العام الماضي من روسيا، ونحو 30% من أوكرانيا. وتشكل أوكرانيا المصدر الرئيسي للقمح بالنسبة إلى لبنان بنسبة نحو 50% من احتياجاته، وكذلك ليبيا بنسبة 43% من احتياجاتها. وفي ظل ضعف الإنتاج المحلي من الحبوب في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وتصاعد الأزمة الأوكرانية؛ فربما تأتي الولايات المتحدة وكندا وفرنسا في مقدمة البدائل التي يمكن أن تعزز حضورها في أسواق المنطقة.

2– الاستثمارات الخليجية في روسيا وأوكرانيا: تنعكس التداعيات السلبية للأزمة الأوكرانية خاصة بعد تطورها إلى مواجهات عسكرية شاملة بين الطرفين، على استثمارات دول الخليج العربية، التي تتداخل مصالحها الاقتصادية مع الدولتين؛ حيث تعد أوكرانيا من أهم الدول التي استثمرت فيها الدول الخليجية في السنوات الماضية، خاصةً في القطاع الزراعي، بجانب القطاعات الأخرى التي وقَّعت فيها الدول اتفاقيات شراكة معها، والتي تطوَّرت بدرجة لافتة في السنوات الأخيرة، لا سيما في المجال الاقتصادي، كان آخرها إصدار رئيس أوكرانيا، في أغسطس 2020، مرسوماً يعفي مواطني دول الخليج من التأشيرة عند دخول بلاده. واقتصاديّاً ترتبط دول الخليج، خاصةً الإمارات والسعودية، بعلاقات تجارية مع أوكرانيا التي تستورد منها المواد الغذائية.

تداعيات العقوبات على روسيا

في ضوء إقدام الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الكبرى، بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا كورقة ضغط لإجبار موسكو على التراجع عن التصعيد العسكري في تلك الأزمة، فإن هناك تداعيات اقتصادية لتلك العقوبات يمكن بيانها على النحو التالي:

1– عزل روسيا عن نظام “سويفت” العالمي: ناقش الحلفاء الغربيون إذا ما كان يجب الضغط على سويفت SWIFT شبكة الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، لقطع وصول البنوك الروسية إلى شبكاتها بالتوازي مع إصدار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” أوامر بشن هجوم على أوكرانيا، لكن العديد من المسؤولين والخبراء يجادلون بأن مثل هذه الخطوة لن تكون الأكثر فاعليةً للضغط على موسكو؛ حيث إن الاستبعاد من سويفت لا يُنظر إليه على أنه العقوبة الأكثر ترجيحاً، خاصةً في ظل صرح سويفت بأنه “محايد”، وأن أي قرار بفرض عقوبات على الدول أو الكيانات الفردية يقع على عاتق الهيئات الحكومية المختصة والمشرعين فقط.

2– حصار القطاع المصرفي لروسيا: يعد استهداف كبار المقرضين الروس بشكل مباشر ذا تأثير أعظم على روسيا من قطع وصول بنوكها إلى سويفت؛ فإذا وضعت الولايات المتحدة قائمة سوداء بالبنوك الضخمة مثل سربانك، فإن هذه البنوك سوف تكون معزولة فعليّاً عن النظام المالي العالمي، وسوف تضطر البنوك في أماكن أخرى إلى التنصل منها. وعلى إثر ذلك، فإن أي بنوك مستهدفة سوف تعاني من قضايا سيولة كبيرة وفقدان الثقة بدرجة كبيرة.

3– تعزيز التعاون الاقتصادي الروسي الصيني: تأمل روسيا، التي تمتلك الكثير الموارد الطبيعية في العالم، أن تتمكن علاقاتها مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم من تعويض النقص في أسواقها الأوروبية في مواجهة أي عقوبات قد تتبع هجوماً على أوكرانيا، كما تسعى بكين إلى إدارة خلافها المتعمق مع واشنطن وحلفائها –الذين كثفوا جهودهم لقطع علاقاتهم التكنولوجية والاقتصادية بالصين– من خلال تعزيز الابتكار ودفع الشركات الصينية إلى أعلى سلسلة القيمة العالمية. والصين هي بالفعل عميل رئيسي للنفط والغاز الروسي؛ علماً بأن لدى البلدين اتفاقية مدتها 20 عاماً لتوريد الغاز، واتفاقاً لنقل 15 مليون طن من النفط الخام. وتم تعزيز الشراكة على هامش أولمبياد بكين مع اجتماع بين الرئيس الصيني “شي جين بينج” ونظيره الروسي “فلاديمير بوتين”.

وختاماً، ينتظر العالم –الذي لا يزال يعاني من التداعيات السلبية لجائحة كورونا في العديد من الدول الفقيرة– تداعيات سلبية أخرى تنجم عن تصاعد التوترات بين روسيا وأوكرانيا؛ ومع إعلان الغزو الروسي لأوكرانيا وبدء العمليات العسكرية الروسية الخاصة في شرق أوكرانيا، فإن إشكاليات التعافي الاقتصادي من الجائحة سيضاف إليها إشكاليات اقتصادية جديدة جراء تلك الأزمة، بما يضع العديد من الدول أمام أزمات اقتصادية قد تكون خانقة؛ تبدأ من ارتفاعات غير مسبوقة لأسعار الطاقة العالمية، وصولاً إلى تهديد الأمن الغذائي لمناطق كثيرة في العالم.