دراسات أمنيةدراسات تاريخيةدراسات سوسيولوجية

تاريخ الفتنة الطائفية وواقعها المعاصر في مصر: قراءة موضوعية

اشتراك سنوي في المكتبة المميزة (اضغط على الصورة)

من اعداد كل من د. شريف درويش اللبان أ‌.أسـماء فـؤاد حافـظ

يعد التنوع أحد أهم ملامح القوى الناعمة التى يمتلكها المجتمع المصرى منذ آلاف السنين، حيث لم تؤد خبرة التعايش بين المصريين المختلفين فى المعتقد الدينى إلى مشكلات كبرى تظل عالقة بالذهنية الجمعية المتوارثة للشعب المصرى وإن لم يمنع ذلك من وجود خلافات تظهر ثم تخبو1. وتتعدد محددات وعوامل العلاقة بين المسلمين والأقباط، سواء كانت داخلية أو خارجية، والتى تشكل فى مجملها السياق العام، والبيئة المحددة لأنماط التفاعلات بين المسلمين والأقباط فى مصر عبر العصور المختلفة، والتى يمكن استعراض جزء كبير منها من خلال هذه الورقة.
ويمكن من خلال استقراء العلاقات بين المسلمين والأقباط عبر العصور المختلفة، القول بأن المجتمع المصرى لم يدخل يوما فى حزام المجتمعات الطائفية بشكلها المعروف وإن كانت هناك بعض التفاعلات من آن لآخر لم تخل من أعراض تشى بطابعها الطائفى2. فحتى لفظ قبطى المستخدم لوصف المسيحيين فى المجتمع المصرى قد اُستخدم كثيراً لا تعبيراً عن الدين ولا طموحاً فى إيجاد وحدة سياسية أساسها الدين، ولكنه استخدم بمعنى “المصرى الأصيل” مسيحياً كان أو مسلماً، واستعمل هكذا ليميز المصريين “الأصلاء” عن المتمصرين3، أى أنه فى إحدى الفترات الماضية كان لفظ قبطى يعنى مصرى بغض النظر عن الديانة التى يعتنقها، إلا أنه الشائع بين المؤرخين وجموع المثقفين والعامة أيضا – وحسب المعنى الإصطلاحى –أن الأقباط هم المصريون الذين يدينون بالمسيحية4، ولكن فى النهاية فإن أقباط مصر ومسلميها تجمعهم الجامعة الوطنية، وكل منهم قد ارتضى بأن يعبد الله على ما رآه صواباً  5.
فلم يتحرك الأقباط فى المجتمع يومًا من منطلق أنهم جماعة مغلقة أو ذات عناصر متماثلة، حيث أدى انتشارهم فى جسم المجتمع، وتنوعهم الطبقى والفئوى، إلى الارتباط العضوى بالسياق الاجتماعى الثقافى المصرى، فيقول “المقريزى” عن أوضاع الأقباط فى ظل الدولة العثمانية: “كان منهم كُتاب المملكة ومنهم التجار، والباعة، ومنهم الأساقفة والقساوسة، ومنهم أهل الفلاحة والزراعة، ومنهم أهل الخدمة والمهنة”. كما حرص الأقباط على التحرك نحو الاندماج فى المجتمع، الأمر الذى دعم مسيرة الحركة الاستقلالية، التى برز دورها الواضح فيما بعد تولى محمد على، وتأسيس ما اصطلح على تسميته بالدولة الحديثة فى مصر، وتجسد الجماعة الوطنية وتكامل مكوناتها وبزوغ المواطنة6. ويشار دائما فى المراجع التاريخية إلى عهد محمد على باشا (1805 – 1848) أنه بداية تأسيس الدولة المصرية الحديثة، والتى تبلورت طيلة القرن التاسع عشر وامتدت فى ثنايا القرن العشرين، وقد شارك الأقباط  أسوة بالمسلمين – فى مشروع الدولة الحديثة7. فقد أكد التقرير الذى أعده “جون بوزنج” المبعوث الإنجليزى إلى “بلمرسنون”، وزير الخارجية البريطانى عام 1837، على العلاقات الودية التى تربط بين المسلمين والأقباط وعدم وجود فوارق ملموسة فيما بينهم فى مختلف القطاعات وعلى شتى المستويات.
كما يشير التقرير إلى أن “التسامح قد خطا خطوات فسيحة فى السنوات الأخيرة وأن الفوارق بين المسلمين والمسيحيين آخذة فى الاختفاء وأن المسيحيين يرقون إلى أعلى المناصب فى الدولة ولا يوجد من يتعرض لأقل مضايقة بسبب عقيدته الدينية”8.
  وفى عهد سعيد باشا، تم إلغاء الجزية التى كانت مفروضة على الأقباط، وذلك فى عام 1855، ثم جاء قرار قبول المسيحيين فى الجيش وتطبيق الخدمة العسكرية عليهم إعمالا لمبدأ المساواة، ثم تأكد ذلك فى عهد الخديوى إسماعيل الذى تقرر فى عهده ترشيح الأقباط لانتخابات مجلس الشورى، كما أصبحت المدارس الأميرية تقبل جميع المصريين دون تفرقة بل إن المدارس القبطية كان بها مسلمون، وكذلك المدارس الإسلامية التى التحق بها عدد من الأقباط، وهذا النموذج لم يكن ليتحقق فى ظل مناخ فكرى معاد للآخر الدينى، وإنما تحقق فى ظل وعى وطنى بأن مصر للمصريين9.وهو ما جاء فى ضوء تحقيق مبادئ المواطنة، والتى يشير مفهومها إلى علاقة متعددة الأبعاد فيما بين المواطن والدولة بمؤسساتها وهيئاتها المختلفة من جهة، وفيما بين المواطنين أنفسهم على اختلاف مواقعهم وتنوع جماعاتهم، وتعدد أدوارهم، وتباين مصالحهم من جهة أخرى10.
 والمواطنة هى علاقة اجتماعية ترتبط بالأدوار التى يؤديها الأفراد، وتفاعلهم مع الآخرين ومع الدولة التى يعيشون فى كنفها، وهى لا تُمنح ولكنها حق لكل مواطن يعيش على أرض الوطن11. ، والمواطنة هى أعلى مستويات الانتماء لجماعة تكونت منها دولة، وهى مفهوم يرتكز على قيم المساواة فى الحقوق والواجبات والمشاركة والمسئولية الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن دون تمييز12.
وترتبط المواطنة بظروف المجتمع وتتأثر بالمرحلة التى يمر بها، والدليل على ذلك اختلاف حالات المواطنة فى المراحل المختلفة لحكم مصر منذ ثورة 1952، فعلى سبيل المثال نجد أن السمة الأساسية لمرحلة الزعيم جمال عبد الناصر كان لها طابع التكامل الوطنى للجميع، أما مرحلة الرئيس السادات فتتسم بأن بها طابع التكون الطائفى؛ مما شكل تطوراً سلبياً بحق التكامل بين مكونات المجتمع وبصورة يصعب تقديرها إذا لم نضعها فى إطار الأزمة المجتمعية الشاملة، أما مرحلة الرئيس مبارك فهى مرحلة إعادة التوازن والثقة فى مفهوم التكامل بين المسلمين والأقباط إلى حد كبير رغم وقوع عدة فتن طائفية فى المجتمع المصرى13، بينما تلاشت الفروق الطائفية أثناء ثورة 25 يناير التى أطاحت بنظام مبارك، ثم عادت للظهور عقب انتهاء الثورة وتولى المجلس العسكرى حكم البلاد، وأخذت فى الازدياد والاحتقان خلال العام الذى تولى فيه د. محمد مرسى رئاسة مصر، وعقب ثورة 30 يونيه وإسقاط نظام الرئيس مرسى قلت حدة الفتن الطائفية بوضوح خلال تولى المستشار عدلى منصور رئاسة مصر بشكل مؤقت، إلى أن تلاشت تلك الفتن تقريبًا منذ بدايات تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى رئاسة مصر.
  وتعريف الفتنة الطائفية فى الحالة المصرية يتمثل فى كونها أزمة أو معركة أو صدام لا يستطيع المحللون أو المراقبون لأحداثها التحديد بوضوح الحق مع أى طرف من أطراف النزاع، كما أن الفتنة قد تكون مدبرة بفعل فاعل، أو تكون بشكل عفوى دون إعداد مسبق، وغالبا ما تنشأ الفتنة فى أجواء التوتر والاضطراب، كما يشكل نقص المعلومات أحد أهم العوامل الرئيسة لتأجيج الفتنة14. ولاسبيل إلى تخطى هذه الأزمات إلا بمواجهة أسبابها، بأقصى قدر ممكن من الصراحة والشجاعة والحسم؛ لأن أى سكوت على تلك الأسباب، هو بمثابة تجاهل لألغام مزروعة فى الوطن15. وقد ارتبطت الفتنة الطائفية بالعديد من العوامل على مدار تاريخ مصر، منها سياسات الفاعلين الرئيسيين على رأس النظام، وعدم وجود مشروع أو هدف قومى يُسعى إلى تحقيقه، فضلاً عن التدخلات الخارجية فى الشأن المصرى16.
يقول “المقريزى” عن أوضاع الأقباط فى ظل الدولة العثمانية: “كان منهم كُتاب المملكة ومنهم التجار، والباعة، ومنهم الأساقفة والقساوسة، ومنهم أهل الفلاحة والزراعة، ومنهم أهل الخدمة والمه
أهداف الدراسة:
تمثل هذهالدراسة محاولة لإلقاء الضوء على العلاقات بين المسلمين والأقباط فى مصر عبر مراحل تاريخية مختلفة، ابتداءً من فترة الاحتلال البريطانى لمصر منذ عام 1882 وحتى وقتنا الراهن؛ وقد تم اختيار تلك الفترة نظرًا لأنه لم يسبق الاحتلال البريطانى توترات طائفية بين المسلمين والمسحيين يمكن ذكرها، وتسعى الدراسة الحالية لرصد وتوضيح الغالبية العظمى من الفتن الطائفية التى مر بها الوطن خلال هذه الفترات التاريخية المتباينة.
منهجية الدراسة:
 تعتمد الدراسة على المنهج الوصفى التحليلى، بحيث يقوم على استقراء الأحداث الطائفية ورصد تفاصيلها فى المجتمع المصرى؛ ولتحقيق ذلك تم تقسيم الدراسةإلى تسعة محاوررئيسة وفقًا لفترة الحكم القائمة، وتركز هذه المحاور على الفتنة الطائفية خلال الاحتلال البريطانى (1882- 1919)، وفى الفترة (1919- 1952)، وأثناء فترة حكم الرئيس عبد الناصر (1954 – 1970)، وفى عهد الرئيس السادات (1970 – 1981)، وكذلك خلال فترة حكم الرئيس مبارك (1981 – 2011)، وفترة حكم المجلس العسكرى للبلاد (2011 – يونيه 2012)، وما عقبها من فتنة طائفية خلال فترة حكم الرئيس مرسى (يونيه 2012 – يونيه 2013)، وفى عهد الرئيس عدلى منصور (يوليو 2013 – يونيه 2014)، ثم بداية فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسى (يونيه 2014 – ديسمبر 2015).
– المحور الأول: الفتنة الطائفية خلال الاحتلال البريطانى (1882- 1919)
عاشت مصر قبل الاحتلال البريطانى حالة من الهدوء فى العلاقات بين المسلمين والأقباط، واختفت كل ملامح الفتنة الطائفية، ويؤكد ذلك ما ورد فى مكاتبات النخب البريطانية التى تعاملت مع الشأن المصرى فى ذلك الحين؛ فقد أقر اللورد كرومر فى كتابه “مصر الحديثة” (Modern Egypt) أن “الخلاف الوحيد بين القبطى والمسلم، أن الأول مصرى يتعبد فى كنيسة مسيحية، بينما الآخر مصرى يتعبد فى مسجد محمدي”، كما أشار “سايس” إلى أنه “عندما عرفت مصر أول مرة فى أيام ما قبل الاحتلال، لم يكن موجودا العداء الدينى بين القبط والمسلمين..كان الجميع سواسية مصريين”، ويقول أيضاً “أنه قبل الاحتلال رأى كنائس قبطية يبنيها مسلمون، كما رأى مسجدًا بناه مالك قبطي”17.
  إلا أن إنجلترا قد اتخذت ماعُرف تاريخياً “بمذبحة الإسكندرية18” ذريعة لضرب الإسكندرية بالمدافع عام 1882؛ بدعوى حماية الأقليات المسيحية، وتطورت الأوضاع حتى وصلت إلى قيام إنجلترا باحتلال مصر كلها بعد ذلك بعدة أسابيع؛ حتى أنه قيل بعد ذلك إن الحادثة كانت مدبرة سلفاً، وجرى التخطيط لها من قبل إنجلترا وبعض الخونة داخل مصر من المستفيدين من دخول الاحتلال للبلاد19.ومع الاحتلال بدأت مرحلة جديدة كانت لها انعكاساتها الخطيرة على مفهوم المواطنة وعلى العلاقات بين المسلمين والأقباط، فمن ناحية أولى أراد الخديوى توفيق مكافأة الذين ساندوه ضد الثورة العرابية بإقطاعهم أراضى وألقاباً، وقد خص بها بعض مشايخ البدو وبعض الأقباط؛ مما أثار حفيظة الاتجاه العام من غالبية المصريين تجاه هاتين الفئتين، ومن ناحية ثانية مارس الإنجليز سياستهم التقليدية “فرق تسد” بقصد إحداث انشقاق فى الجبهة الوطنية المصرية من خلال بث الريبة والشك لدى عنصرى الأمة، وبرز ذلك فى ثلاث قضايا رئيسة هى20:
1-    التعيين فى وظائف الدولة: حيث حاول الاحتلال إقناع المسلمين بأن الأقباط يزاحمونهم فى الوظائف وأنهم يشغلون نسبة من الوظائف تفوق نسبتهم العددية فى المجتمع، وفى الوقت ذاته كان الاحتلال يسعى لإقصاء بعض الأقباط ومزاحمتهم بمسيحيىّالشام مع إقناعهم بأن المسلمين يحولون دون مزيد من ترقيتهم فى وظائف الدولة.
2-    اغتيال بطرس غالى (باشا): إذ استغل الاحتلال الاستياء العام لدى الأقباط من اغتيال بطرس غالى باشا على يد شاب مسلم؛ لتفجير الخلافات الطائفية عبر الترويج لمقولة أن اغتياله يرجع للتعصب الدينى وحده، وذلك على الرغم من أن القاتل اعترف بأن الأسباب التى دفعته للاغتيال إنما هى أسباب سياسية ليس من بينها سبب دينى، وقد أدى ذلك إلى حقبة من التوتر لم يخفف منها إلا تدخل بعض العقلاء من الجانبين.
3-    مسألة حماية الأقليات: حاول الاحتلال الإنجليزى تحويل الكنيسة المصرية الأرثوذكسية تدريجيًا إلى البروتستانتية؛ لخلق نوع من الولاء الدينى بين الكنيستين المصرية والإنجليزية، وإيجاد ذريعة للبقاء بحجة حماية الأقليات، إلا أن هذه الجهود فشلت بسبب الدور الذى لعبه البطاركة لمجابهتها، والذى تم تتويجه بالعفو عن البابا كيرلس الخامس فى عام 1892 بعد نفيه لمدة عام وتجريده من سلطاته.

.. ويمكن القول إن الجانب الواضح من جوانب السياسة البريطانية فى هذا الشأن، يتعلق بسعى بريطانيا لتبرير وجودها الدائم فى مصر بحماية الأقليات فيها، سواء تمثلت هذه الأقليات فى القبط أو القاطنين الأوربيين، وكانت تحرص على الاستناد إلى هذا المبرر أمام الرأى العام الأوروبى لصياغة وضع مصر الدولى على أساسه، كما كانت تتخذه ذريعة للتدخل المستمر فى شئون مصر الداخلية، وإذا كانت مصر لا تعرف فروقاً قومية ولا لغوية بين أهلها، فلم يكن أمام بريطانيا إلا الفروق الدينية تحاول الارتكاز عليها، والتحيز الدينى من شأنه أن يوفر للسياسة البريطانية حجة قوية تصم المصريين بالتخلف الحضارى، وتمد بريطانيا بمبررات لا تنتكس فى الظاهر عن قيم الحضارة الحديثة وعن المفاهيم العلمانية والقومية التى قامت عليها الجماعات فى أوروبا، بهذا عمل الإنجليز على النظر إلى الأوروبيين من قاطنى مصر بوصفهم مسيحيين، وباعتبار أن الغالبية من أهل مصر المسلمين تتصف بالتعصب الدينى ضدهم، وإذا كان المسلك المصرى لغالبية القبط إزاء المسلمين لم يوات بريطانيا بما يؤيد حجتها منذ بداية الاحتلال، فقد عملت على استخلاص حجة التعصب الإسلامى ضد مسيحيىّ أوروبا فى مصر، على أن تنتهز مستقبلاً فرص التفرقة بين القبط والمسلمين. ولا يغيب عن البال، أنه فى أوج اشتعال الثورة العرابية، وقعت مذبحة الإسكندرية فى يونيه 1882، قبل احتلال الإنجليز مصر بأسابيع معدودة، وبدأت المذبحة بشجار بين أحد المالطيين من رعايا الإنجليز وبين واحدًا من الأهالى حول أجرة ركوب الحمار، وأسفرت عن قتل 75 من الأوروبيين و163 من الأهالى، واستغل الإنجليز الحادث فى حملة مركزة على التعصب المصرى ضد الأجانب وضد المسيحيين، وقدر له أن يصبح التمهيد للتدخل البريطانى المسلح فى مصر واحتلالها، بل وبقيت ذكرى الحادث سلاحاً يرفعه الإنجليز فى وجه المفاوض المصرى إذا طالبهم بالجلاء. ويمكن لقارئ التاريخ أن يلحظ أن هذا الحادث كان علامة هامة من علامات الطريق، فى توجه السياسة البريطانية إلى إثارة مسألة التفرقة الطائفية فى مصر، والطعن على المصريين المسلمين21.

المواطنة هى أعلى مستويات الانتماء لجماعة تكونت منها دولة، وهى مفهوم يرتكز على قيم المساواة فى الحقوق والواجبات والمشاركة والمسئولية الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن.
–    التوتر الطائفى “1908 – 1911”:
   كان ما تم تبادله من الكتابات فى الفترة من 1908 إلى 1911 هو أقصى ما قيل من قبل ومن بعد، وشهدت هذه الفترة قمة الخلاف وأقصى أنواع الشقاق بين الجانبين، ويمكن القول بإنه إذا كان هذا هو “الأقصى” فهو أبلغ دليل على الوحدة الوطنية والامتزاج بين أبناء الوطن الواحد، وقد استعملت فيه جميع المثيرات الممكنة ودفعته إلى تصاعده كافة القوى المعادية للحركة الوطنية الديمقراطية فى مصر، وكانت وقتها فى عنفوانها، سواء كانت قوى مادية وسياسية كالوجود الاستعمارى والحكم الاستبدادى، أم كانت ملابسات تتعلق بتعقيدات سياسية كرواسب فكرة الخلافة والجامعة الإسلامية وما يشيع لدى كثيرين من تشابك بين المفاهيم الدينية والمفاهيم السياسية.بالإضافة إلى أنه لم يكن دعاة الشقاق من القبط يمثلون أغلبية فيهم، وكذلك كان الشأن بالنسبة لذات الدعاة من المسلمين، وغلبت كفة العقلاء من الفريقين، وكان ضغط الرأى العام المصرى على كلا الجانبين يفرغ ما يراد اصطناعه من أزمات بينهم، وكان مجرد احتمال قيام شقاق طائفى فى مصر يستفز فى الطرفين دوافع العمل على تصفيته22.
  إلا أن الخطوات التى اتبعها الاحتلال البريطانى لخلق الاحتقان الطائفى بين المصريين من المسلمين والأقباط قد نتج عنه بالفعل بعض التوترات الطائفية بين الطرفين، تمثلت فى:

–    الحملات الصحفية الطائفية (1908):
مع بداية القرن العشرين اشتد ساعد الحركة الوطنية المعادية للاحتلال البريطانى لاسيما بعد حادث دنشواى، ونما النشاط السياسى وظهرت الأحزاب المصرية، ومع هذا النمو ظهر نوع من اصطناع الخلاف بين المسلمين والأقباط، انعكس من جهة على صحيفتين قبطيتين – كانتا مواليتين للإنجليز – هما صحيفتا مصر والوطن، وعلى صحيفة المؤيد التى كان يصدرها الشيخ على يوسف وبعض كتاب صحيفة اللواء من جهة أخرى23.أى أن إنجلترا قد وجدت من بعض الأقباط من يضع نفسه فى خدمة سياستها، فبدأت صحيفة مصر – التى أصدرها تادريس المنقبادى – لسان حال التيار القبطى المتعصب فى 22 مايو 1908 تنشر مقالات تهاجم فيها المسلمين هجوماً عنيفاً، وأسهمت صحيفة الوطن فى هذا الجدل العنيف. وعلى هذا، فقد كان المسلمون يسيئون الظن بالأقباط ويتهمونهم بالوقوف بجانب الاحتلال إخوانهم فى الدين، وفى الوقت نفسه الأقباط يسيئون الظن بالمسلمين ويتهمونهم بأنهم يتحينون الفرص للانتقام منهم، ولا يحول دون ذلك إلا الإنجليز24.

وفى 15 يونيه نشرت صحيفة الوطن مقالاً لفريد كامل حمل فيه على التاريخ الإسلامى فى مصر، فما كان من الشيخ عبد العزيز جاويش فى اليوم التالى مباشرة إلا أن نشر فى صحيفة اللواء مقالات بعنوان “الإسلام غريب فى بلاده” كان لها وقع شديد على المسيحيين، فانهالت الردود فى صحيفة الوطن تهاجم الشيخ جاويشومقاله. وبادرت اللجنة الإدارية للحزب الوطنى إلى إصدار بيان تتبرأ فيه مما كتب الشيخ فى صحيفة الحزب، وتستنكر وجود أى شقاق بين عنصرى الأمة، وأوغل الشيخ على يوسف فى مهاجمة الأقباط عبر صحيفة المؤيد التى شاركت باستفاضة فى هذا الشقاق العلنى25.
  كما بدأت أيضا مقدمات فتنة 1908 بمقالات نشرها جندى إبراهيم صاحب جريدة الوطن، شكا فيها من سوء معاملة الأقباط ومن مظالم لم تقع عليهم، ثم جاء إنشاء أخنوخ فانوس لجمعية الإصلاح القبطى، فتصدى لها المحامى الكبير ويصا واصف، وكانت جريدة اللواء صامتة خلال هذه الحملات حتى صدر عددها الصادر فى 4 يونيه 1908، فحذر بمقال فيه مواطنيه من مكائد ودسائس السير غورست التى فشل فى تحقيقها أستاذه اللورد كرومر مراراً فيما يخص التفريق بين عنصرى الأمة. وكان محمد فريد أقل كفاءة من مصطفى كامل فى معالجة هذه الأزمات فوقع تحت تأثير الشيخ عبد العزيز جاويش محرر جريدة اللواء، بالإضافة إلى التصعيد الذى قامت به الصحافة الاستعمارية لتعميق الانقسام.
  ويذكر عبد اللطيف حمزة فى ذلك الوقت أن الصحافة القبطية استفزت المسلمين وأثارتهم وهاجمت سجلهم وتاريخهم فى مصر، بينما يصر سلامة موسى على أن الشيخ جاويش كان مسئولاً عن بداية الحوار الطائفى المتعصب فى الصحافة المصرية، وبذا نجد أن ساحة النضال الوطنى قد تحولت إلى محاولة فعلية للانقسام، والتى كانت موجهة ضد الاحتلال، ومن أجل الدستور، وكان هذا ما يريده الاستعمار. إلا أن الأقباط الوطنيين وقفوا أمام هذه الحملة المفرقة مثل مرقص حنا، ودعا بعضهم إلى جمع التوقيعات من أجل الدستور، ثم تكون وفد من كبار المحامين المصريين لاحتواء الفتنة، ودعا إلى وقف الجدل فيما يخل بالوحدة الوطنية، وأراد واصف غالى ابن رئيس الوزراء بطرس غالى الذى اغتيل تحقيق المصالحة الوطنية بين العناصر المتطرفة من الأقباط والمسلمين، فأصدر بياناً أوضح فيه أنه سوف يتغاضى عن الإساءات التى وجهت ضد والده لصالح التآلف بين الطرفين26.
  وقد أشار ويصا واصف فى مقال له إلى أن أخنوخ فانوس زعيم الطائفة الإنجيلية هو أول من اخترع لفظ التعصب الدينى، وأنه جعل المسلمين يعتقدون أنه هو الذى يمنع الأقباط من الانضمام إليهم فى مظاهراتهم السياسية، وهو الذى يسعى لتحريض البعض على عدم دخول الأقباط الأحزاب السياسية؛ ليتبين من ذلك أن بريطانيا وبعض العناصر القبطية غير الوطنية والتى عملت لمصلحتها الخاصة هى التى دعت إلى التعصب الدينى، فهذا التعصب مصطنع من قبل بريطانيا، والعناصر القبطية الخارجة ما هى إلا منفذة له27.
ارتبطت الفتن الطائفية بالعديد من العوامل، منها سياسات الفاعلين الرئيسيين على رأس النظام، وعدم وجود مشروع أو هدف قومى يُسعى إلى تحقيقه، فضلاً عن التدخلات الخارجية فى الشأن المصرى.
–    اغتيال بطرس غالي (باشا) (1910):
  اغتيل بطرس غالى رئيس الوزراء فى 20 يناير 1910 على يد إبراهيم الوردانى أحد الشباب الوطنى، وعمل مثيرو الشقاق على استغلال الشعور العام الحزين لدى القبط – على فقدهم أحد زعماء الطائفة وأول من تولى منها الحكم فى التاريخ الطويل – واستغلال الحادث فى تفجير الخلافات الطائفية، وذلك رغم أن أسباب اغتيال الوردانى لبطرس غالى كانت من الوضوح بحيث لم يستطع جاد أن يشكك فيها؛ إذ ترجع – حسب اعترافات الوردانى – إلى أن بطرس غالى كان هو من وقع اتفاقية السودان للإدارة الإنجليزية سنة 1899 عندما كان وزيراً للخارجية، وإلى أنه رأس محكمة دنشواى التى أصدرت أحكام الشنق والجلد المعروفة سنة 1906، وإلى أنه كان يعمل أخيراً على مد امتياز قناة السويس أربعين عاما بعد انتهائه، وقد كتب المعتمد البريطانى الدن جورست فى تقريره سنة 1909 تعليقاً على الحادث “أما الباعث على ارتكاب الجريمة فسياسى، ولم يكن للقاتل ثأر شخصى على القتيل، ولا كان مدفوعاً بعامل التعصب الدينى”28.
   وسرعان ما نهض ذوو الرأى من الفريقين لتخفيف حدة هذا النزاع، وعمل العقلاء جميعاً على إزالة الخلاف وإقامة الدليل المادى على أن ما ذاع بين الأقباط من الشعور بالظلم ليس إلا وهماً روجته طائفة من المغالطين سيئة النية، وكانت هذه الفتنة نقطة البداية التى توجت بها البلاد بميلاد الشعور بالجامعة القومية، وهو الشعور الذى بدأ إبان ثورة 1919م29.على أن مقتل بطرس غالى، مع ما سبقه من جدال صاعد من أسباب الشقاق، حتى بلغ القمة فى المؤتمرين القبطى والإسلامى اللذين انعقدا فى 1911، وكان المؤتمران هما القمة لاسيما بما يعنيانه من تصعيد للخلاف فقط، ولكن بمعنى أنهما القمة التى وقف عندها الصعود، وبدأ بعدها المد ينحسر30.
–    المؤتمر القبطى (1911):
كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطى هى تأييد سلطة المجلس الملى بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة فى الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالى حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض فى ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين، ولم تكن حركة المؤتمر واسعة فى الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التى لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالى، ابن بطرس غالى، الذى اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصرى الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا “كيرلس الخامس” فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا فى هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع فى أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدى إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضى والأعيان بالوجه القبلى31.
وكان المؤتمر القبطى – المنعقد فى 6 مارس 1911 – قد انحصرت مسائله وفقاً للبيان الصادر عن لجنته حول المطالبة بما يلى32:
–    مساواة جميع المصريين فى احترام يوم الراحة الدينى الذى تقضى عليهم عقائدهم الدينية باحترامه، وبالتالى إعفاء موظفى الحكومة وطلبة المدارس المسيحيين من الاشتغال يوم الأحد.
–    التعويل على الكفاءة دون سواها فى الترشح للوظائف العمومية للمصريين، بدون أن يكون هناك دخل لأى اعتبار آخر.
–    تشخيص جميع العناصر المصرية فى جميع مجالسها النيابية تشخيصاً يضمن للجميع المدافعة عن حقوقهم والمحافظة عليها.
–    تمتع الأقباط بجميع حقوق تعليم الأهالى القائمة به مجالس المديريات، وتجبى لأجله ضريبة الخمسة فى المائة من جميع المصريين.
–    جعل خزينة الحكومة المصرية مصدراً للإنفاق على جميع المرافق المصرية بالسواء، بدون فارق بين مورد وآخر.
–    المؤتمر المصرى (1911):
   رد بعض المسلمين على المؤتمر القبطى بمؤتمر آخر أطلق عليه اسم “المؤتمر المصرى” – انعقد فى 29 أبريل 1911 – وكانت لجنته التحضيرية قد قررت حصر مقاصده فى:
–    النظر فى الشئون العامة الاقتصادية والاجتماعية والأدبية.
–    مناقشة المسائل العمومية التى تشغل الرأى العام ومنها مطالب القبط.
–    البحث فى كافة الوسائل المؤيدة لحسن الوفاق بين جميع العناصر المصرية، وتحسين حال الأمة المصرية.
   ورغم أن كلا من المؤتمرين قد دعا إليه العناصر الداعية إلى الشقاق بين المسلمين والمسيحيين، إلا أن العناصر المستنيرة الداعية إلى الوئام قد سيطرت على الأمر33.
  ويمكن القول، أن الاحتلال قد استفاد من عقد المؤتمرين القبطى والمصرى كمؤتمرين انقساميين، إلا أن استفادته من المؤتمر المصرى كانت أكبر؛ لأن تجميع كل هذه الأحزاب والقوى المصرية دون أن يكون لها موقف من الاحتلال أو حتى معارضة له هو انتصار لسياسة الاحتلال التى حرصت على ألا يأخذ المؤتمر أى طابع سياسى، وأن الوقيعة بين عنصرى الأمة المصرية ما هى إلا زيادة فى قبضة الاستعمار على الجميع، ولجوء الجماهير إلى الهدوء والاستكانة حتى لا تُتهم بالتعصب والإرهاب؛ وبذلك نجحت سياسة الإنجليز فى خداع الجماهير كلها خداعًا كبيرًا، وجذبتهم بعيدًا عن الاهتمامات السياسية، وأدت سياسة الفتنة الطائفية التى خلقها الإنجليز بعناية كبيرة إلى إيجاد المسألة القبطية، وإلى إيجاد مبرر لسياسة الاحتلال القمعية والبوليسية ضد الوطنيين34.
والحاصل أنه رغم الإثارة الطائفية التى حدثت من سنة 1908 – 1911، وانعقاد كلا المؤتمرين القبطى والإسلامى، رغم ذلك فإن كلا من المؤتمرين رفض مبدأ التمثيل الطائفى فى المجالس النيابية رفضاً صريحاً، ولكن رغم هذا الرفض فقد أنشئت الجمعية التشريعية “بالقانون 29 لسنة 1913″، كجهاز استشارى للتشريع يحل محل الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين، وانتهزت فرصة إنشاء هذه الهيئة الجديدة ليقرر القانون بشأن تشكيلها مبدأ التمثيل الطائفى، فكانت أول مؤسسة نيابية من مؤسسات الدولة فى مصر الحديثة يتقرر فى تكوينها رسمياً هذا المبدأ، وكان من وضع نظام الجمعية هو اللورد كيتشنر المعتمد البريطانى الذى خلف الدون جورست فى مصر، وكان الحرص عند وضع نظامها على تقرير مبدأ التمثيل الطائفى – رغم الرفض الصريح له من الرأى العام القبطى والإسلامى، فكان ذلك كاشفاً عمن هو صاحب الاهتمام الأساسى بتقريره.

رغم الإثارة الطائفية التى حدثت من سنة 1908 – 1911، وانعقاد كلا المؤتمرين القبطى والإسلامى، رغم ذلك فإن كلا من المؤتمرين رفض مبدأ التمثيل الطائفى فى المجالس النيابية رفضاً صريحاً
   واصطناع الخلافات الطائفية أمر لازم لتأكيد سلطة الحكم الاستبدادى وتبرير وجوده؛ إذ يظهر هذا النوع من الحكومات بمظهر الحكم والفيصل بين جماعات شعبية متعادية أو غير متجانسة، ويبرر وجوده لدى كل منها بوصف أنه الحارس لها والكفيل بسلامتها من جور الجماعات الأخرى، والقول بالتمثيل الطائفى يؤدى إلى القول بأن نظام الانتخاب العام ليس من شأنه تحقيق مصالح كافة المجموعات؛ ومن ثم يتعين أن يعطى الحاكم سلطة التعيين فى المجالس النيابية منعاً لطغيان أية مجموعة على الأخرى، وبهذا الستار تتأكد التفرقة الطائفية من جهة، ويتأكد إحساس كلٍ بانتمائه إلى جماعة محددة متميزة إلا إلى الجامعة الوطنية العامة، وبهذا أيضا تتأكد سلطة الحكومة على هذه المجالس35.
بعد أن لاح فى الأفق أن بذور “مسألة قبطية” تتشكل، عمل الإنجليز على أن يظهروا بمظهر المدافعين عن الأقليات فى مصر، وخاصة عندما نشبت ثورة 1919، ولكن باءت المحاولة بالفشل بفضل الموقف الوطنى الصارم الذى اتخذته جموع القبط، وبفضل مدى الاستنارة التى اتسمت بها حركة الشعب وقتها وقيادته فى هذه المسألة36. فقد جاءت ثورة 1919 مداوية للكثير من جراحات النزعات الطائفية التى أوجدتها القوى الاستعمارية، فاجتمعت الأمة بدياناتها المختلفة على الهوية العربية الإسلامية لمصر، وتم النص على ذلك فى دستور سنة 1923 “الإسلام هو الدين الرسمى للدولة واللغة العربية هى لغتها الوطنية والقومية”37. فيمكن القول أن أى مؤرخ منصف محايد عليه التأكيد بأن أحداث ثورة 1919 تجلت فيها مظاهر الوحدة الوطنية فى الحركة المشتركة للأقباط والمسلمين، فكانت القيادة الوطنية – بزعامة سعد زغلول – واعية منذ البداية بأهمية الوحدة الوطنية وقد باركها ودعمها الشعب كله، والتى أفرزت شعارات تقدمية مثل “الدين لله والوطن لجميع” و”عاش الهلال مع الصليب”، ومن الجدير بالذكر أن الأقباط قد شاركوا فى الحياة السياسية بقوة ووطنية فى هذه الفترة؛ حتى يمكن اعتبارها من أزهى فترات الوحدة الوطنية، وتواجد الأقباط بشكل طبيعى وملحوظ على الساحة السياسية كلها، بل وفى كافه المراكز القيادية؛ ولذلك لم يكن بمستغرب أن ينتخب ويصا واصف رئيسًا لمجلس النواب (البرلمان).

أهم ما يميز الحركة الوطنية فى ثورة 1919 عن الحركة الوطنية قبلًا بزعامة مصطفى كامل هو أنها انتقلت من المفهوم العام للجامعة الإسلامية إلى المعنى المحدد للوطنية المصرية
– المحور الثانى: الفتنة الطائفية خلال الفترة من (1919- 1952)
   فكان أهم مايميز الحركة الوطنية فى ثورة 1919 عن الحركة الوطنية قبلًا بزعامة مصطفى كامل هو أنها انتقلت من المفهوم العام للجامعة الإسلامية إلى المعنى المحدد للوطنية المصرية، كما كشفت تلك الثورة عن حقيقة مهمة وهى أنه متى تُرك التفاعل الطبيعى بين أبناء الأمة المصرية من مسلمين وأقباط بغير تدخل فإن مفهوم المواطنة يزداد تعززًا ووضوحًا38.
  وكان المرشح القبطى يرشح فى دوائر كلها مسلمين وينتخب بصرف النظر عن ديانته، حيث تواجد الأقباط تواجداً فعالاً على الساحة السياسية، سواء كان ذلك فى البرلمان بمجلسيه “النواب والشيوخ”، أو مجالات الإعلام والفكر والثقافة والصحافة وكافة وظائف الدولة القيادية وغير القيادية، فكانت فترة تاريخية خصبة من حيث اختفاء التمايز الدينى، وتقلص دور الدين على الساحة السياسية، إلى أن قامت جماعة الإخوان المسلمين بزعامة الشيخ حسن البنا بالمطالبة بالحكم الدينى فى مصر، ورغم هذا تصدى له حزب الوفد ووقف ضد هذا المطلب وانتصر المجتمع المدنى الديمقراطى حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952م39.
   وعندما نتناول بالحديث ثورة 1919 فعلينا أن نعدد الكثير من المواقف، منها على سبيل المثال أن الأب سرجيوس وقف على منبر الأزهر آنذاك ليقول: “إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم فى مصر بحجة حماية القبط فأقول لهم: ليمت القبط وليحيى المسلمون أحراراً”، ونُقل عنه أيضا “إذا كان استقلال المصريين يحتاج إلى التضحية بمليون قبطى، فلا بأس من هذه التضحية”40.فقد شكلت ثورة 1919 نقلة نوعية فى مسار العلاقات بين المسلمين والأقباط فى مصر، والتى توترت خلال مرحلة الاحتلال الإنجليزى للبلاد، إذ ارتبطت هذه الثورة بتيار وطنى جعل من “المصرية” مذهبا خالصا دون لبس أو خلط، تمثل فى شعارها المعبر عن مضمونها “الدين لله والوطن للجميع”، مما جذب جميع فئات المصريين، بانتماءاتهم الدينية المختلفة للانضواء تحت لواء هذه الثورة بزعامة سعد زغلول، الذى وصف وحدة المسلمين والأقباط فى هذه الثورة بـ “الاتحاد المقدس” واشتهرت هذه الوحدة تاريخيًا باسم “الوحدة المقدسة”.
    ولم يصف المصريون شيئًا بالقداسة سوى هذه الوحدة؛ الأمر الذى ربما يرتبط بأنها كانت وحدة بين دينين يمثلهما عنصرا الأمة المصرية الرئيسين، وكان مسرح هذه الوحدة دور العبادة للشعب المصرى “المساجد والكنائس”، التى تحولت خلال هذه الثورة إلى أماكن للعمل الوطنى. كما أن سعد زغلول حينما عاد من منفاه فى 1923 قال للشعب فى أول خطاب له ردًا على الأحرار الدستوريين الذين حاولوا – أثناء نفيه – بعث نيران التوتر الطائفى “أحسوا التراب فى وجوههم، فرصاص الإنجليز لم يميز بين قبطى ومسلم من أبناء مصر”. وجاء دستور 1923 تكريسا لثورة 1919 التى توقفت فى منتصف الطريق ولم تنجز كل المهام المطروحة على أجندتها، ومع ذلك فقد أقرت مبدأ حرية الاعتقاد بكل مجالاته، وكانت لجنة وضع المبادئ العامة للدستور قد أقرت أن حرية الاعتقاد الدينى مكفولة، وأعلنت اللجنة أن اختلاف الأديان والمذاهب لا يؤثر على أى شخص من أشخاص الرعوية المصرية فى المسائل الخاصة بالتمتع بالحقوق المدنية والسياسية، بل ووضعت فى مشروعاتها مادة تقول “أنه ليس لمصرى أن يحتج بأحكام دينية للتخلص من أداء أى من الواجبات المفروضة عليه كمواطن”.
     وقادت ثورة 1919 الأقباط ليصبحوا عنصرا مدمجا فى التيار الرئيس للحياة المصرية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وكانت الفترة بين عامى 1919 و1952 من أغنى فترات الوحدة الوطنية إذ تواجد الأقباط بقوة على الساحة السياسية والاجتماعية، ولم يكن مستغربًا أن يشارك الأقباط فى كافة فعاليات الحياة السياسية والعامة بنشاط وكثافة واضحين.
وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت تلك الفترة بعضًا من ملامح التوتر الطائفى، لاسيما بعد خروج حزب الوفـد من السلطة، وهو الحزب الذى احتضن تطلعات الشعب المصرى المشروعة فى الحرية والاستقلال والمساواة، ومن هذه المشكلات صدور قرار من وزير العدل عام 1931، بأن تكون الشهادة الطبية المقبولة فى القضايا الشرعية من طبيب مسلم فقط، والتراجع عن قرار تدريس الدين المسيحى فى المدارس، وهو قرار كان قد صدر فى عام 1907، وإصدار شروط عشرة تحكم بناء وترميم الكنائس، وهى شروط مقيدة فى مجملها، فيما يطلق عليه شروط “العزبى باشا” التى صدرت عام 1934م41، بالإضافة إلى تعرض بعض جمعيات ومؤسسات الأقباط للهجوم، مثل الهجوم على كنيسة الزقازيق وحرقها فى مارس 1947، وعلى الكنيسة القبطية بالحضرة فى الإسكندرية فى الشهر التالى، كما كانت هناك محاولة لحرق كنيسة مارجرجس بـميت دمسيس بالدقهلية فى أبريل 1950، إذ ادعى البعض اكتشاف قبر زعموا أنه لأبى بكر الصديق، ولكن مصلحة الآثار كذبت هذا الخبر آنذاك42؛ مما دفع بعض الشباب القبطى فى 1951 إلى تكوين ما يسمى بـ “جماعة الأمة القبطية” بهدف الدعوة إلى إحياء القومية القبطية فى مواجهة الفكر الدينى للتيار الإسلامى ممثلا فى جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه يمكننا القول أنها فى مجملها كانت أحداثًا ليست ذات تأثير كبير على مجمل العلاقات بين الجانبين43.
أى أنه فى مجمل القول، كان قيام ثورة 1919 – بما شهدته من مشاركة قبطية وتلاحم مصرى فى وجه الاحتلال البريطانى – قد أدى إلى بعث روح وطنية جديدة، تعززت بصدور دستور 1923م، الذى أكد على المساواة بين كل المصريين، بصرف النظر عن الاختلاف فى المعتقد الدينى، وأقر حرية أداء الشعائر الدينية، وإن أشار إلى أن الإسلام هو دين الدولة، وهو أمر لم يكن محل اعتراض من الأقباط الذين شاركوا فى لجنة وضع الدستور.

الأب سرجيوس وقف على منبر الأزهر ليقول: “إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم فى مصر بحجة حماية القبط فأقول لهم: ليمت القبط وليحيى المسلمون أحراراً
–    المحور الثالث: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم عبد الناصر (1954- 1970)
توارت الفتنة الطائفية خلال هذه المرحلة، فى إطار المشروع التنموى الوطنى؛ فالرئيس جمال عبد الناصر طرح مفهوماً تقدمياً لدور الدين فى التحرر الوطنى والتنمية، فضلا عن أن التوجهات الرئيسة للنظام فى ظل ثورة 1952 تمثلت فى سياسات تستجيب لطموحات الفئات الوسطى والصغيرة، وتخدم مصالح العمال والأكثرية من صغار الفلاحين، وهو ما خلق مناخاً لا يسمح لعوامل التوتر الاجتماعى بتفجير نزاعات طائفية، إلى جانب أن الثورة أخذت بمبدأ تكافؤ الفرص فى مجال التعليم، وكان نحو ثلاثة أرباع طلبة كلية الهندسة بجامعة عين شمس خلال الستينات من الأقباط، كما وصلت نسبة الطلاب الأقباط فى كلية الطب بجامعة القاهرة إلى 40%، الأمر الذى يعنى أنه لم يكن هناك أى تمييز بسبب المعتقد الدينى؛ ومن هنا، كانت فترة حكم عبد الناصر تخلو إلى حد كبير من مظاهر التوتر الطائفى، حتى أن البعض يدفع بأن الثورة قامت بتأميم النزعات الطائفية من بين ما أممت44.
وعلى الرغم من التشدد من جانب السلطة فى مواضع عدة، إلا أن الفرز تم على أساس اجتماعى وليس على أساس طائفى، وفى الغالب كانت قوى اليمين فى الوسط القبطى التى تضررت مصالحها بحركة التأميمات هى المعادية لعبد الناصر، وقد اشتركت فى ذلك مع قوى المسلمين من كبار الإقطاعيين والرأسماليين الذين تضرروا من هذه السياسات، كما كان وضع عبد الناصر لحجر الأساس للكاتدرائية البطرسية بالعباسية بمثابة تأكيد للتقاليد الوطنية العريقة التى عرفتها مصر الحديثة. وهنا يرى البعض أن عبد الناصر اتخذ هذه الخطوة فى إطار مشروعه؛ لتأكيد زعامة مصر للمنطقة فى الجانب الدينى، والذى فى إطاره تم تحويل الجامع الأزهر إلى جامعة شاملة، واستتبعها بإنشاء مدينة “البعوث الإسلامية” التى تستقطب الطلاب المسلمين من كل أنحاء العالم، كما تم وضع حجر الأساس للكاتدرائية البطرسية بالعباسية؛ لتصبح من أكبر كنائس أفريقيا، وأضيف لقب الـ “بابا” للبطريرك المصرى فى قرار تعيينه بعد انتخابه، ربما ليقدمه عبد الناصر إلى العالم كمواز “لبابا روما” فيما يمكن اعتباره جزءًا من رؤية سياسية تحقق للرئيس عبد الناصر اكتمال الزعامة45.
  إلا أنه قبل تولى جمال عبد الناصر الحكم، وبعد قيام ثورة 1952 مباشرة تأسست جماعة “الأمة القبطية”، وكانت لها ميول انعزالية؛ حيث أعلنت عن مشروعها الذى احتوى على عدة مطالب منها حذف النص الدستورى القائل بأن “الإسلام هو دين الدولة المصرية”، وأن الأقباط هم أصحاب الأرض الفعليون بجذورهم التى تعود إلى الفراعنة، وأن مصر دولة مسيحية ولغتها الرسمية هى اللغة القبطية. وعلى ذلك، قامت الدولة بحل هذه الجماعة المتطرفة فى عام 1954، وأحالت قياداتها إلى المحاكمة، وكان البابا شنودة الثالث من بين من نجوا من هذه المحاكمة، فاتجه إلى الرهبنة ودخل الدير فى عام 1954، حتى عاد إلى الحياة العامة فى نوفمبر 1971، حينما تم انتخابه ليصبح على رأس الكنيسة46.
وبصفة عامة، يمكن القول إن العهد الناصرى شهد خفوتاً فى تأثير بعض المشكلات القبطية “مثل بناء وترميم الكنائس وغيرها” على العلاقة بين المسلمين والأقباط، إلا أنه فى الوقت نفسه شهد تصاعداً لمشكلة أخرى، ظلت تنتج تأثيراتها لعقود بعد ذلك، وهى مشكلة التمثيل السياسى فى البرلمان؛ فقد ترتب على حل الأحزاب السياسية، ثم الركون إلى صيغة التنظيم السياسى الواحد باختلاف مسمياته، تراجع مستوى تمثيل الأقباط فى البرلمان، ولجأ النظام الناصرى فى البداية إلى إغلاق دوائر انتخابية – على الأقباط – بعينها عام 1957، ثم ما لبث أن استعاض عن ذلك بتعيين عدد من الأقباط بدلاً من انتخابهم بدءاً من دستور 1964، وهو ما أضعف من تواجدهم فى المجتمع، وشكل صعوبات لانتخابهم لاحقاً47، حيث اكتفى رئيس الجمهورية بتعيين عشرة أعضاء فى مجلس الشعب لتمثيل الأقليات التى رُؤى من الضرورة تواجدهم فى المجلس بشكل رمزى، وهم الأقباط واليسار والمرأة، وجرى العرف أن يكون غالبية المعينين من الأقباط48.
  بالإضافة إلى ذلك تم تجميد المجلس الملى فى مطلع الستينات، ووُضعت لائحة لانتخابات البطريرك، أُلغى معها الانتخاب الحر المباشر لصالح ما يعرف بالقرعة الهيكلية، كما عمل النظام السياسى آنذاك على خلق شخصيات مدنية قبطية من طراز مكرم عبيد وويصا واصف، استعان بها فى التعامل مع الشأن القبطى49.
– المحور الرابع: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم السادات (1970- 1981)
حملت حقبة السبعينيات واقعاً مختلفاً للعلاقات الإسلامية المسيحية، فقد أطلت التوترات الدينية برأسها، وأُضيف مصطلح “الفتنة الطائفية” إلى القاموس السياسى والإعلامى، فيمكن القول بداية، إن هذا العقد قد شهد بروز الاختلافات القائمة بين المسلمين والأقباط فى مصر على الساحة العملية بصفة (خلافات)، ربما ليس لكونها خلافات فعلية، أو ليس لأن ما ظهرت به خلال السبعينيات هو حجمها أو عمقها الحقيقى فى نسيج المجتمع المصري؛ وإنما لأن هذا العقد حمل معه موجة تغيير شاملة كانت أشبه بطوفان ضرب مختلف مفردات تركيبة وتكوين هذا المجتمع، ولم يكن هناك بد من تأثر العلاقة بين المصريين بهذا الطوفان، وتأثرت على كافة المستويات، فكان من الطبيعى أن يخضع الجانب الدينى إلى تلك التأثيرات بصورة أو بأخرى، فاقتصادياً تأثرت العلاقة بين الطبقات، ووظيفياً تأثرت العلاقة بين أصحاب المهن، وسلوكياً تأثرت العلاقات بين الأسر والعائلات وداخلها، ونفسياً تأثرت نظرة الإنسان المصرى لذاته وللآخرين من حوله، ودينياً تأثرت بالضرورة العلاقة بين أصحاب الديانات المختلفة.
وقد شهدت مرحلة السبعينيات حدثين مهمين، كان لهما العديد من التأثيرات السلبية على مجمل العلاقات بين المسلمين والأقباط، ليس فقط خلال هذه المرحلة ولكن خلال المراحل التالية، وهما حادث الخانكة، وأزمة البابا شنودة مع الرئيس السادات50.ثم توالت أحداث الفتنة الطائفية خلال عقد الثمانينيات، فوصلت لمرحلة التهديد بالخطر فى أحداث الزاوية الحمراء بالقاهرة فى 1981، وذلك فى أعقاب زيارة السادات للقدس المحتلة، وتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد، حيث بدأت الأحداث بصدام مع كل رموز مصر السياسية والدينية، بمن فيهم البابا شنودة، الذى عُزل بعد ذلك، فيما عرف بأحداث سبتمبر 1981، ولم تتراجع الاحتكاكات، بل تعددت مواقع الصدام واتسعت فيما بعد51.
–    المواجهات بين المسلمين والأقباط:
شهدت فترة السبعينيات عدداً من الأحداث والمواجهات بين مسلمى مصر ومسيحييها، والتى يمكن أن تساعد على استكشاف بعض مواطن الخلل فى العلاقة، أو بالأحرى فى إدارة العلاقة بين الجانبين، فقد سبقت بعض التوترات الطائفية حادثة الخانكة، وكانت بمثابة تمهيداً لها، بدأت بتحول تحول إثنين من الإسلام للمسيحية فى عام 1970، ثم جاء اجتماع البابا وقيادات الكنسية بالإسكندرية وإصدار تقارير عن خطة لمناهضة المسلمين فى مارس 1972، تلاه مباشرة فى يوليو من العام نفسه عقد مؤتمر لقيادات الكنسية بالإسكندرية، خرج عنه إرسال برقيات لمجلس الشعب لحماية حقوق الأقباط، وفى سبتمبر من العام ذاته تم مهاجمة جمعية النهضة الأرثوذكسية التى يقوم الأقباط فيها بتأدية الشعائر الدينية والواقعة بقرية سنهور بالبحيرة، وهى جمعية أنشأت خصيصاً للوعظ والإرشاد والنشاط الثقافى والدينى، وفى نهاية الشهر صدر قانون حماية الوحدة الوطنية، ليصل الأمر فى شهر نوفمبر إلى وقوع أحداث الخانكة.
أى أن المواجهات والأحداث التى تصب فى خانة الصدام بين المسلمين والأقباط،بغض النظر عن نوع ومستوى العنف المستخدم، كانت محدودة، وتنسحب صفة “المحدودية” هنا على عدد المواجهات ونوعيتها (أسبابها، موضوعاتها، إدارة الأطراف لها، النتائج التى أسفرت عنها). كما نلاحظ أن السواد الأعظم من الأحداث مرتبط بالخلاف حول بناء كنيسة أو إقامة صلوات فى مكان ليس مرخصاً ككنيسة، وذلك باستثناء الحالة الأولى التى نجمت عن اعتناق شابين مسلمين للمسيحية، ثم مسألة قانون الردة وتطبيق حدود الشريعة الإسلامية على المرتد، أى أن موضوعات الخلاف انحصرت إجمالاً فى حرية العقيدة وحرية ممارسة طقوس العبادة لدى الأقباط.وفى جميع المواجهات والمسائل التى مثلت احتكاكاً أو مقابلة بين ما هو إسلامى ومسيحى فى هذه الفترة نلاحظ أن النظام الحاكم كان يميل فى البداية إلى عدم التصعيد، مع مزيد من الميل نحو استرضاء أو على الأقل عدم استعداء مسلمى مصر، وفى المقابل كانت إدارة الكنيسة للأحداث والأزمات تميل دائماً إلى التصعيد، وهو ما وضح منذ أحداث الخانكة التى جاء رد فعل الكنيسة على وقائع يومها الأول (6 نوفمبر 1972) بمثابة الفتيل الذى أشعل أحداث اليوم الثانى (12 نوفمبر)52.
    فبعد أحداث الخانكة تقدم الأزهر بمشروع قانون لإعدام المرتد وإقامة الحدود، وترتب عليه حدوث حالة من الرفض والاحتقان من جانب الأقباط، وعلى إثر ذلك عقدت الكنيسة القبطية مؤتمراً بالإسكندرية فى يناير 1977، تمخض عنه بيان يحمل عدداً من المطالب الأساسية، أبرزها ضمان حرية العقيدة، وعدم قبول تطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين، وحماية الأسرة المسيحية، وبناءً على ذلك عقد الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مؤتمراً إسلامياً فى يوليو من ذات العام؛ للرد على المؤتمر المسيحى، أكد فيه على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأنه من غير المقبول التريث فى قضية تطبيق الشريعة مراعاة لمشاعر المصريين الأقباط. ويلاحظ أيضا أن فترة السبعينيات شهدت الحديث عن الوضع الفقهى للأقباط، ومن ثم برز مفهوم “أهل الذمة”53.
–    أحداث الخانكة:مثلتأحداث الخانكة التى وقعت فى نوفمبر 1972 نقطة البداية الفعلية فى تأزم العلاقة بين المسلمين والأقباط فى مصر، وقد انطلقت شرارة تلك الحادثة عندما قام الأقباط بتحويل مبنى تابع لجمعية مسيحية إلى كنيسة دون ترخيص، فقام أهالى منطقة الخانكة المسلمون بهدم تلك المبنى، وهو ماترتب عليه قدوم مسيرة فى اليوم التالى مكونة من ألف كاهن وقس بملابسهم الكنسية، وبوصولهم لمقر المبنى أقاموا قداساً دينياً54.
وقد جاء قرار تشكيل لجنة تقصى حقائق عن حادث الخانكة بمبادرة من رئيس الجمهورية، حيث تقدم بطلب يحمل هذه الرغبة إلى مجلس الشعب، ويلاحظ أن التقرير أشار فى ديباجته إلى أن تلك اللجنة هى التطبيق الأول للمادتين 16 و 47 من لائحة المجلس. وأخذًا فى الاعتبار حداثة المجلس ذاته بعد أحداث 15 مايو 1971 وإقرار تعديلات على الدستور؛ فإن مغزى خطوة تشكيل لجنة تقصى حقائق عن موضوع ليس فى كون اللجنة الخاصة بحادثة الخانكة هى الأولى من نوعها وحسب، لكن أيضاً فى أن هذه الخطوة لم تتكرر بعد ذلك فى فترة حكم الرئيس السادات. الأمر الذى يضفى مزيداً من الأهمية على ما قامت به اللجنة من أعمال، وما تضمنه تقريرها من ملاحظات على الحادث، وكذلك التوصيات التى حرص أعضاء اللجنة على تضمينها بالتقرير.
كما جاء قرار تشكيل لجنة تقصى الحقائق، بالتوازى مع عمل المؤسسات والهيئات القضائية المعنية بالتحقيق فى الموضوع، ما يشير إلى أن التعامل الرسمى مع الموضوع لم يقتصر على الرغبة فى الحصول على حقيقة ما حدث وإنما أيضاً بإخضاعه للإجراءات المفترض اتباعها أمنياً وقانونياً55. ووفقاً لمضبطة جلسة مجلس الشعب المنعقدة فى 28 نوفمبر 1972، جاء تقرير اللجنة فى إحدى عشرة صفحة، موزعة على ديباجة وقسمين رئيسيْن: القسم الأول: وقائع حوادث الخانكة. والقسم الثاني: مقدمات وأسباب حوادث الإثارة الطائفية.
استعرض تقرير اللجنة فى قسمه الأول، سرداً للوقائع التى شهدتها منطقة الخانكة بمحافظة القليوبية على مدى يومى السادس والثانى عشر من نوفمبر 1972،واستهل التقرير هذا السرد بتمهيد عن تطور وضع المبنى الذى تعرض للحرق فى يوم 6 نوفمبر، موضحاً كيف بدأ من قطعة أرض يملكها مسلم إلى مقر لجمعية “أصدقاء الكتاب المقدس” وأن الجمعية المشهرة منذ عام 1946 استخدمت المقر فى ممارسة الشعائر الدينية والصلاة دون الحصول على ترخيص بإقامة كنيسة أو بتحويل المقر إلى هذا الغرض.
وإضافة إلى رصد تسلسل الأحداث فى هذا اليوم، حرص واضعو التقرير على تضمين هذا القسم عدة ملاحظات تتصل بالوضع العام فى منطقة الخانكة بين المسلمين والأقباط، مشيرة إلى نسبة الأقباط بين السكان وفى شغل الوظائف العامة، وإلى طريقة تعامل أهل المنطقة والأجهزة المحلية هناك مع استخدام مقر الجمعية ككنيسة دون ترخيص، وكذلك الحجم الحقيقى للخسائر التى وقعت بالمقر نتيجة حادث يوم 6 نوفمبر، ولفت التقرير الانتباه فى هذه الجزئية إلى المبالغة التى شابت المعلومات التى وصلت إلى البابا شنودة عن هذه الخسائر، فضلاً عن تصوير الحادث له بأنه اعتداء على كنيسة.وتضمن التقرير فى شأن حادث اليوم الثانى (12 نوفمبر) نقاطاً مشابهة حيث عرض تسلسل الوقائع ثم ملاحظات اللجنة عليها ومضمون مناقشاتها مع البابا شنودة فى خصوصها.  
  أما عن القسم الثانى فاختص بعرض مقدمات وأسباب حوادث الإثارة الطائفية، وفيما يتصل بالمقدمات، أوضح تقرير اللجنة أن ثمة جذوراً لأحداث الخانكة، وهذه الجذور جسدتها حوادث سابقة على الخانكة، تم التعامل معها بقصور من الجانبين (المسلم والمسيحي) فضلاً عن أجهزة الدولة، وانتقدت اللجنة فى تقريرها ما اعتبرته عدم مراعاة كل جانب للحساسيات ونقاط الاستثارة لدى الجانب الآخر، وأشارت اللجنة فى هذا الخصوص تحديداً إلى النشاط الواسع للبابا شنودة بعد توليه البابوية وقبلها، وضربت أمثلة بمقال نشره فى ديسمبر 1970 أثار انتقادات وردود فعل واسعة من رجال الدين المسلمين.
  ويمكن استنتاج أن اللجنة أرادت التلميح إلى طبيعة شخصية البابا وانعكاسها على طريقة معالجة الجانب المسيحى ككل لأحداث الخانكة، وهو ما يمكن الاستدلال عليه أيضاً من إشارة اللجنة إلى ما نسب إلى البابا عن عقده اجتماعين مع رجال دين مسيحيين فى الإسكندرية، الأول فى 15 مارس 1972، والثانى فى 17 و18 يوليو من العام ذاته. ودون أى تعليق من جانبها، ذكرت اللجنة ما نسب صدوره عن الاجتماعين، خصوصاً الاجتماع الثانى الذى تضمن ما اعتبره رجال الدين المسيحى مطالبات بحماية حقوقهم وعقيدتهم، أرسلوها بالفعل كبرقيات إلى الجهات المسئولة فى مصر ومن بينها مجلس الشعب. ثم اعتبرت اللجنة أن هذه التطورات – وما تولده من حساسيات وردود فعل متبادلة بين الجانبين – هى التى دفعت الرئيس السادات إلى دعوة مجلس الشعب لإصدار قانون لحماية الوحدة الوطنية، والذى صدر بالفعل وأصبح نافذاً فى 27 سبتمبر 1972.
  وينتقل التقرير بعد ذلك إلى الأسباب التى دفعت بالوضع بين المسلمين والأقباط إلى التوتر، وأفرزت – من بينما أفرزت – أحداث الخانكة، وقد حددت اللجنة أسباباً مباشرة للاحتكاك فتحت الباب بدورها إلى الفتنة والتوتر الطائفى، وأجملتها فى ثلاثة محاور هي: الترخيص ببناء كنائس، والدعوة والتبشير، والرقابة على الكتب الدينية، وعرضت اللجنة فى كل من هذه المحاور رؤيتها للخلل الكامن فيه، واقتراحاتها للتعامل معه وعلاجه.
  ويتضح تجنب واضعى التقرير تحديد أطراف أحداث الخانكة بشكل واضح، لكن الإشارة إلى تسلسل الأحداث يوحى إلى تحميل بعض المسؤولية عن الحادث بصفة عامة إلى القائمين على أمر جمعية “أصدقاء الكتاب المقدس” الذين حولوها إلى كنيسة دون ترخيص بذلك. بينما يُفهم مما سردته اللجنة بخصوص حادث يوم 12 نوفمبر (يوم مسيرة القساوسة) أن تصديق البابا شنودة لما عرض عليه من تقرير ضخَّم الحادث وصوَّره على أنه اعتداء على كنيسة، كان سبباً فى موافقته على ذهاب جموع من القساوسة إلى مكان الحادث وإصرارهم على إقامة القداس هناك. وفى المقابل لم يحمل التقرير أى اتهام لرجال الأمن أو الأجهزة الرسمية بسوء التعامل مع الحادث، بل أشار إلى أن جهة الإدارة نبهت القائمين على الجمعية بعدم استخدام مقرها ككنيسة كونه غير مرخص لذلك، لكن اتضح من التقرير أن المؤسسات الإدارية والسياسية لم تقم برد فعل أو خطوة للتعامل مع الحادث الأول، أما الحادث الثانى فقد جاء التعامل معه بمبادرة من أعلى مستوى رسمى فى السلطة التنفيذية وهو رئيس الجمهورية56.
كان وضع عبد الناصر لحجر الأساس للكاتدرائية البطرسية بالعباسية بمثابة تأكيد للتقاليد الوطنية العريقة التى عرفتها مصر الحديثة
–    أزمة البابا شنودة:تعد العلاقة بين الدولة والكنيسة مؤشراً للعلاقة بين الجماعة المسيحية وبين الدولة، وقد بدأت فترة السبعينيات بقيادة جديدة لكل من المؤسستين، حيث جاء البابا شنودة على رأس الكنيسة بعد وصول الرئيس السادات للحكم ببضعة أشهر، وقد ارتبطت بدايات عمل المؤسستين بدور القائد فيها، وما يمكن أن يقوم به فى المستقبل للمؤسسة فى المقام الأول وفى الحياة السياسية المصرية بصفة عامة، إذ بدأ السادات بعد فترة وجيزة من وصوله للحكم بتصفية مراكز القوى والتحرك على مسار الديمقراطية وإنشاء المنابر، وقد جاء ذلك فى إطار ما أسماه “ثورة التصحيح”.
   إلا أن الصدام بين قيادة الدولة وقيادة الكنيسة بدأ مبكراً منذ حادث الخانكة، رغم أنه قد يقال أن هذه الحادثة لم تكن صداماً بين المؤسستين، ولكن بالنظر لما حدث يمكن استنتاج بعض الأمور ذات الدلالة القاطعة فقد أرسل البابا شنودة إلى الخانكة “مقر الجمعية” أكثر من 400 مسيحى، وعندما حاولت قوات الأمن منعهم من الذهاب ترجلوا وكان من بينهم 100 شخصية دينية ترتدى ملابسها الكهنوتية، وساروا فى صفوف إلى أن دخلوا القرية وأقاموا الصلوات فيها؛ مما استفز مشاعر العديد من المسلمين والذين قاموا بالاعتداء على الجمعية مرة أخرى، وحرقوا بعض المنازل والمحلات لأصحابها الأقباط.
 وحفلت حقبة السبعينيات بصراع خفى أحياناً ومعلن فى أحيان أخرى بين البابا والرئيس، استخدم فيه البابا العديد من الأساليب التى تظهر موقفه بوضوح مثل الخطابات التى يلقيها فى محاضراته أو ما يرسل منها للتيارات السياسية أو فى لقاءاته مع المسئولين، أما أخطرها فهو إعلان الصوم الانقطاعى،ثم إلغاء الاحتفال بالعيد، ورفض مقابلة أى مسئول رسمى للتهنئة بالعيد وإلزام الكنائس بذلك. وفى المقابل فإن الرئيس السادات كان يوازن المسألة، وكان يلتقى مع البابا ويلبى طلبات كثيرة له لا تحمل الدولة أية تكلفة، فهو يشارك فى افتتاح مستشفى، ويرسل تهانى بالأعياد، ويرسل التعازى، إلا أن السادات أيضاً كان يوازن تصعيد البابا بتصعيد رد الفعل، فقد كانت مواقف السادات رد فعل على مواقف البابا، حتىوصل الأمر إلى اتهامه رسمياً فى خطاب علنى بأنه يسعى للزعامة المسيحية وإحياء فكرة إقامة دولة فى أسيوط للمسيحيين، وكان أخطر ما استخدمه السادات ضد البابا قرار عزله من منصبه على الرغم من أن البابا لا تعينه الدولة.
بالإضافة لهذه الأساليب وتطورها، كان كل طرف يسعى لخلق أدوات ووسائل جديدة فى صراعه مع الآخر، ولعل موضوع أقباط المهجر مع البابا شنودة من أكثر الأساليب التى أضافت قوة للبابا جعلته يشعر بأنه يستطيع أن يقاطع الدولة؛ لأنه أصبح يملك من الوسائل ما يستطيع أن يؤذى مصر نفسها ويسلم هو وجماعته، وهذا ما دفعه لسلوك اتجاه معين فى علاقته مع الدولة ورئيسها حتى وصلت الأمور إلى قيام الرئيس بعزله فى 8 سبتمبر 1981 وتعيين لجنة من خمسة من رجال الدين للقيام على شئون الكنيسة.
  وكان البابا شنودة قد تولى رئاسة الكرسى البابوى للكنيسة المصرية بعد قيادة تميزت باهتمامها بالجانب الدينى إما لشخصية البابا نفسه، أو للظروف السياسية التى سادت آنذاك (الثورة، الاحتلال، شخصية عبد الناصر)، وقد كان البابا شنودة قبل أن يتولى هذا المنصب معروفاً على المستوى المسيحى بصورة واسعة جداً، إلا أن مواقف البابا بعد توليه منصبه بلورت بشكل كامل الدور الذى يسعى للقيام به سواء فى جانبه الدينى أو السياسى، فقد اتخذ منطق التحدى والاحتجاج، وكان يقدم تبريرات لدوره هذا بأنه طلب منه العودة بالكنيسة إلى سابق دورها وهذا هو ما يفعله، إذ يسعى لاستعادة أمجاد الكنيسة القديمة حسب رغبة الدولة وما طلبته منه. وقد تحدث البابا شنودة نفسه كثيراً عن هذه الفترة والظروف والملابسات التى شهدتها،بأن الرئيس السادات احتضن الجماعات الإسلامية، ولم تأخذ الدولة أى تصرف إيجابى فى العديد من المواقف خصوصاً فى الصعيد.
وبدأت المواجهة المباشرة بين السادات والبابا تطفو على السطح عقب انتشار الأحداث الطائفية والتى يرجعها البعض إلى أنها رد فعل ضد الانتشار السريع والمتعمد فى بناء الكنائس، إلا أن المواجهة أصبحت علنية فى العامين اللاحقين لخطاب السادات فى مايو 1980، وكانت أقصاها فى سبتمبر 1981، إلا أن المواجهة العلنية من السادات جاءت ردود أفعال، حيث أن خطاب مايو 1980 جاء عقب إلغاء احتفال البابا بالعيد فى مارس/ إبريل 1980، ورفضه استقبال التهانى من مندوب رئيس الجمهورية، وإعلانه الصوم والسفر إلى وادى النطرون، وأمره للكنائس بعدم قبول التهنئة بالعيد من قبل المسئولين الرسميين.
أما أحداث 5 سبتمبر 1981 وقرار عزل البابا، فقد جاء عقب أحداث كثيرة متداخلة ومتشابكة لعل أبرزها حادث يونيه 1981 أو ما يعرف بحادث الزاوية الحمراء، ويليه حادث كنيسة مسرة بشبرا 1981،  بالإضافة لإيمان السادات بأن البابا شنودة هو الذى يحرك أقباط المهجر من حيث المظاهرات والضغوط التى يمارسونها على دولهم؛ من أجل الضغط على مصر فى هذا الملف، واعتبر السادات أن البابا شنودة هو من يقف وراء هؤلاء، ومن ثم كثيراً ما كان يقول أن البابا شنودة يسعى لأن يكون زعيماً سياسياً، وقد انتهت العلاقة بين السادات والبابا شنودة الثالث بمحاصرة البابا فى دير وادى النطرون بقوات عسكرية؛ لمنعه من المغادرة أو الاتصال بأحد، بل وتم تعيين لجنة خماسية تقوم بمهام البابا كما أشرنا.
  ورغم كل ما سبق، إلا أن اتهامات البابا شنودة للجماعات الإسلامية باستهداف الأقباط كانت غير صحيحة،فبالرغم مما شهدته فترة حكم السادات من فتن طائفية، إلا أن أبرز الحوادث فى هذا العهد لم تكن ضد أى من الأقباط أو الرموز المسيحية، ومن هذه الحوادث حادث الفنية العسكرية 1974، وحادثة اختطاف وقتل الدكتور الذهبى 1976، وتنظيم الجهاد الأول 1977، وتنظيم الجهاد الثانى 1979، أى أن أبرز الحوادث التى قامت بها الجماعات الدينية لم تكن ضد الأقباط57.
–    حادث الزاوية الحمراء: بدأت تلك الحادثة بنزاع بين بعض المسلمين والأقباط حول قطعة أرض فضاء، وتطور النزاع إلى معركة استخدمت فيها الأسلحة النارية؛ مما أدى إلى مقتل العشرات من الطرفين، فاشتعلت الأحداث على نحو خطير58، أى أنحادث الزاوية الحمراء يمثل أهم حدث وقع خلال مرحلة الثمانينيات، إذ شهد بمفرده نحو 68% من عدد المتوفين فى الأحداث الطائفية التى شهدتها هذه المرحلة، ويمكننا الاعتماد فى سرد تفاصيله على ما جاء فى خطاب الرئيس السادات أمام مجلسى الشعب والشورى فى الدورة الاستثنائية التى دعا إليها فى سبتمبر 1981، والتى شملت الأسباب التى تواترت حول الحادث بالإضافة لدقتها سواء من حيث الأسماء أو التواريخ التى تم ذكرها.فقد ذكر الرئيس السادات أنه بتاريخ 12 يونيه 1981 أبلغ مصنع العلف بالزاوية الحمراء التابع للمؤسسة المصرية العامة للدواجن بحدوث تعدى المواطن كامل مرزوق سمعان على قطعة أرض مملوكة للمصنع معدة لإجراء توسعات فيه ولإقامة مصلى للعاملين، وحسم هذا النزاع بالقرار الإدارى رقم 6 فى 13 يونيه 1981، والذى صدر من حى شمال القاهرة، ونص على إزالة التعدى ونُفذ القرار بالفعل، وانتهى النزاع عند هذا الحد، وفى مساء 17 يونيه 1981 حدث شجار بين أفراد أسرتى موريس صاروفيم إبراهيم، ومحمد سليمان بسبب سقوط مياه قذرة من شرفة مسكن الأول على ملابس بشرفة منزل الثانى، وأسفر الحادث عن إصابة أفراد الأسرتين بإصابات بسيطة ونتيجة للشائعات تحول الأمر من حادث عادى وفردى إلى حادث طائفى، وما زاد الأمور اشتعالاً تردد شائعات أن المواطن كامل مرزوق صاحب مشكلة الأرض مع مصنع الدواجن هو الذى أزكى هذا الحادث، وهو الذى أشعل الفتنة الطائفية، وتوجهت الجماهير إلى منزله فقام بإطلاق النار عليها من سلاحه المرخص؛ مما أشعل الأحداث نتيجة إصابة العديد من المواطنين.
وطبقاً لخطاب الرئيس فإن عدد ضحايا هذا الحادث 17 قتيل و112 مصاباً من بينهم ضابطان وثلاثة جنود، كما تم إتلاف 171 مكان من الأماكن العامة والخاصة، وتم استغلال هذه الأحداث وجرت سرقة ونهب بعض المحلات والشقق، وتم القبض على 226 متهماً فى أعقاب الحادث مباشرة، وهكذا يتبين أن أسباب هذا الحادث مجموعة متفرقة من الحوادث، مع وجود مناخ ساعد على إشعاله بهذه الصورة الكثيفة وغير المعهودة، وقد فجر هذا الحادث العديد من ردود الأفعال الشعبية والرسمية والإعلامية كان أعنفها رد الفعل الرسمى والذى جاء بعد انتهاء الأحداث بحوالى شهرين. وقد تطورت ردود الفعل الرسمية تصاعدياً مع الأحداث، سواء فى البيانات أو التصريحات حتى وصلت لقمتها فى خطاب الرئيس السادات فى سبتمبر من نفس العام والذى دعى فيه مجلسى الشعب والشورى للانعقاد فى دورة استثنائية لمناقشة ما أسماه “إجراء ثوري”، حيث جاء أول بيان كرد فعل رسمى بعد مرور يوم كامل على الحادث؛ مما أثار استهجاناً إعلامياً سواء من الصحف القوميةأو المعارضة،وقد عكس خطاب الحكومة تطور الأحداث، فقد جاء فى البداية مقتل اثنين وإصابة 31 آخرين،ثم كان مقتل 10أشخاص وإصابة 54 آخرين،أما عن الإجراءات الرسمية التى تم اتخاذها فهى عديدة: أولها تحويل نقطة الشرطة التى كانت فى المنطقة إلى مركز شرطة،ثم كـانت هنـاك البيانات العديدة من محافظة القاهرة ومن وزارة الداخلية ومن النائب العام، إلا أن آخر الإجراءات الحكومية تمثلت فيما جاء بخطاب الرئيس أمام البرلمان.إذ أكد الرئيس السادات أنه لن يسمح لأحد أياً كان بضرب الوحدة الوطنية واستغلال الدين، وقال “إننى مسئول عن الأسرة المصرية بمسلميها ومسيحييها … وإذا ما حاول البعض تحت أى شعار أو اسم أو جمعية أن يتكلم باسم المسلمين أو المسيحيين سأوقفه عند حده”، كما طالب بتحليل كامل لحوادث الفتنة الطائفية فى السنوات الأخيرة.
تعد العلاقة بين الدولة والكنيسة مؤشراً للعلاقة بين الجماعة المسيحية وبين الدولة
–    حادث كنيسة شبرا:جاء هذا الحادث بعد مرور أقل من شهرين على حادث الزاوية الحمراء، والذى كانت ما تزال توابعه لم تنته بعد، كما أن خطاب الرئيس السادات جاء لاحقًا له بشهر تقريبًا، وقد حدث أثناء حفل زفاف مساء يوم 2 أغسطس1981 أن وقع انفجار فى فناء كنيسة مسرة بشبرا، أسفر عن وقوع 56 مصابًا من بينهم 14 مسلمًا، وثلاثة قتلى منهم اثنين مسلمين، وقد جاء هذا الحادث متزامناً مع سفر الرئيس السادات للخارج (الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية)، وقد سارع العديد من المسئولين سواء الرسميين أو رجال الدين للتأكيد على أن بصمات التآمر واضحة على الحدث، وأنه تآمر على وحدة مصر وأصالتها، وقد أرجعت بعض الصحف القومية خصوصًا ومن خلال راعى الكنيسة فى تصريحاته لإحدى هذه الصحف ” أن من يقف وراء ذلك هم عملاء جبهة الرفض وهى دول الجزائر، ليبيا، سوريا”. وأكدت قيادة الكنيسة رفضها للعنف وأن ما حدث هو من تدبير جهات خارجية، كما أرسل راعى الكنيسة “أرمانيوس ذكى” رسالة للرئيس السادات فى الخارج بهذا المعنى، وفى استمرار التأكيد على أن هناك جبهات خارجية تعمل على الضرر بالوحدة الوطنية تم نشر خبرعن محاكمة تنظيم تخريبى كونته دول الرفض لتفجير المفرقعات فى الأماكن العامة.
وعقب الحادثين، وفى خطابه، دعى الرئيس البرلمان للانعقاد يوم 5 سبتمبر، وألقى خطاباً اتسم بإجراءاته الثورية، فتضمن إجراءات حاسمة تستهدف وضع حد جذرى للفتنة الطائفية فى مصر ولحماية الوحدة الوطنية وسلامة الوطن، وقد كشف الرئيس تورط العديد من الأطراف من بينها قيادات أحزاب وقيادات قبطية وقيادات من الجماعات الإسلامية، وقد وصل عدد المعتقلين رسمياً يوم 3 سبتمبر إلى 1536 متهماً، ومن أبرز ما جاء فى بيان السادات الذى وجهه للشعب فى ختامخطابه بأنه قررحظر استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، والتحفظ على بعض الأشخاص الذين توافرت حولهم دلائل جدية على أنهم ارتكبوا أو شاركوا أو جندوا أو استغلوا على أية صورة الأحداث التى هددت الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى أو سلامة الوطن.
   وكذلك التحفظ على أموال بعض الهيئات والمنظمات والجماعات والجمعيات التى مارست نشاطاً أو أعمالاً هددت الوحدة الوطنية، وحل بعض الجمعيات التى مارست نشاطاً تبشيرياً هدد السلام الاجتماعى أو سلامة الوطن، وإلغاء التراخيص الممنوحة بإصدار بعض الصحف والمطبوعات مع التحفظ على أموالها ومقارها، ونقل بعض أعضاء هيئات التدريس بالجامعات والمعاهد العليا الذين قامت دلائل جدية على أنهم مارسوا نشاطاً تبشيرياً له تأثير ضار فى تكوين الرأى العام أو فى تربية الشباب أو تهديد سلامة الوطن إلى الوظائف التى يحددها وزير الدولة للتعليم والبحث العلمى بالاتفاق مع الوزراء المختصين، ونقل بعض الصحفيين وغيرهم من العاملين فى المؤسسات الصحفية القومية وبعض العاملين فى اتحاد الإذاعة والتلفزيون والمجلس الأعلى للثقافة إلى الهيئة العامة للاستعلامات أو غيرها من الجهات الحكومية التى يحددها رئيس مجلس الوزراء.
بالإضافة إلى إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 2782 لسنة 1971 بتعيين الأنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية، وتشكيل لجنة للقيام بالمهام البابوية مكونة من خمسة من الأساقفة، وتشكيل لجنة عليا للوحدة الوطنية برئاسة نائب رئيس الجمهورية وعضوية كل من وزير الدولة للتعليم والبحث العلمى ووزير الدولة لشئون الثقافة والإعلام ووزير الدولة للشئون الاجتماعية ووزير الدولة للأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة وخمسة من الشخصيات العامة يصدر بتعينهم قراراً من رئيس الجمهورية، ويجوز للجنة أن تدعو لحضور اجتماعاتها من ترى الاستعانة بخبراتهم، وتختص هذه اللجنة بوضع الخطط اللازمة للدعوة الدينية السلمية ودعم وحماية الوحدة الوطنية بما يكفل البعد بالمجتمع عن التطرف أو التعصب أو الإلحاد كما تقرر إنشاء فروع لها فى المحافظات.
  وقد أشار الرئيس السادات إلى أنه على المؤسسات الدستورية – كل فى مجال اختصاصه – اتخاذ الإجراءات اللازمة فى هذا الشأن، وكذلك يجرى الاستفتاء يوم الخميس الموافق العاشر من سبتمبر لسنة 1981 على ما تضمنه هذا البيان من إجراءات تم اتخاذها، وقد جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم لإجراءات حماية الوحدة الوطنية بنسبة 99.45%، أى أنه من بين 12 مليون ناخبًا هناك 60 ألف فقط قالوا “لا” لإجراءات الوحدة الوطنية59.

د. شريف درويش اللبان رئيس وحدة الدراسات الإعلامية بالمركز. وأسـماء فـؤاد حافـظ مدرس مساعد بالمركز القومى
 للبحوث الاجتماعية والجنائية وباحثة دكتوراه بكلية الإعلام جامعة القاهرة

شهد عصر مبارك منذ بدايته عديدًا من الفتن الطائفية، والتى بدأت بأحداث الفيوم فى عام 1984، وتلتها العديد من الفتن محدودة التأثير، إلا أن بعضها كان له صدى كبير فى المجتمع المصرى كأزمات كبرى مثل حادث كنيسة القديسيْن الذى وقع فى الساعات الأولى من عام 2011على سبيل المثال، كما سيتضح من التفاصيل التالية التى نستعرض من خلالها كل حدث على حدة، مع محاولة الإلمام بجميع الفتن الطائفية التى شهدتها تلك الفترة.

وقعت أحداث أبو قرقاص بالمنيا في مارس 1990 إثر تداول بعض المنشورات التى اتهمت بعض الشباب المسيحى بممارسة أعمال منافية للآداب مع بعض الفتيات وتصويرهن على شرائط فيديو

المحور الخامس: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم مبارك (1981- 2011)
أحداث الفيوم (1984):
كشفت اعترافات زعيم جماعة التوقف والتبين المتطرفة – والتى قبض على 20 من أفرادها فى الفيوم بعد محاولتهم إثارة الفتنة الطائفية هناك – عن وقائع مثيرة؛ حيث أن زعيم هذه الجماعة كان قد بدأ نشاطه فى جماعة الإخوان وربطته علاقات وثيقة بأعضاء تنظيم الجهاد، وقد استطاع تكوين هذه الجماعة، وقام بعمليات سطو على بعض المحلات لتدبير المال اللازم لتمويل الجماعة وشراء الأسلحة، وقد بدأوا نشاطهم بحرق سينما عبد الحميد، ثم قاموا بتنفيذ حوادث الفتنة ومن بينها حرق مكتبة مسيحية وكذلك سيارتين لمواطنين مسيحيين، ونظرًا لفردية هذا الحادث فإنه لم يترك أى أثر، خاصة مع عدم وقوع إصابات أو قتلى، بما لم يجعل أى صدى له.

أحداث بنى سويف (فبراير 1987):
شهدت بعض مدن محافظات الصعيد فى فبراير 1987 سلسلة من أعمال العنف والتخريب وإحراق المتاجر والمحلات، وكانت قد انتشرت شائعة فى محافظة بنى سويف عن رش “إسبرى” على ملابس المحجبات يؤدى إلى طبع صلبان على ملابسهن، وانفجر الموقف إثر انتشار الشائعة خصوصًا داخل بعض الكليات والمعاهد، ومنها المعهد الفنى التجارى ومدرسة الصناعات الميكانيكية ومدرسة الزراعة، وقد خرج الطلبة فى مظاهرات عنيفة إلى الشارع الرئيس وسط المدينة والشوارع المتفرعة منه. وكان هناك حديث حول إرهاصات منذ شهر فى بلدة”سيد منت الجبل” بمركز أهناسيا، حيث وقع صدام بين بعض الأشخاص وأحد الأديرة، بسبب نزاع على أرض مجاورة للدير، وكان الدير قد أحاط الأرض بسور طوله 150 متر وارتفاعه يتراوح بين ثلاثة أو أربعة أمتار، واقتحم بعض الأشخاص السور وهدموه وكان لهذا الحادث أصداءه التى انتشرت فى ربوع المحافظة، ووزعت منشورات تحمل الصليب وتطالب بدولة مسيحية فى نفس الوقت الذى كانت هناك إشاعات عن اكتشاف أشكال تمثل الصليب على ملابس المحجبات وقد تناثرت الشائعات حول حقيقة هذه الأصلبة، إذ ترددت إشاعات بأن هناك مادة كيماوية على ملابس المحجبات تأخذ شكل صليب صغير جدا، وبمجرد ابتلال الملابس يزيد حجمها ويصل إلى ما يقرب من ثلاثة سنتيمترات، وردد البعض تفسيرات بأن هذه الأصلبة تظهر على نوعية من الملابس يتم استيرادها من الخارج.
وتطورت أحداث العنف من داخل بعض الكليات والمعهد الفنى ومدرسة الزراعة، حيث قام الطلبة بتحطيم عدة محلات ومكتب سياحة يملكها مواطنون مسيحيون، وكانت قوات الأمن قد سبقت المتظاهرين وأمرت أصحاب المحلات بإغلاقها، ولكن ذلك لم يحل دون تحطيم المتظاهرين للأبواب وإحراق بعضها، وتصدت لهم قوات الأمن ودارت بينهم معركة عنيفة استخدم الأمن فيها القنابل المسيلة للدموع والهراوات الكهربائية، وامتدت الأحداث إلى مدينة ببا والتى تبعد عن بنى سويف بحوالى 30 كيلو متر، إذ تم تحطيم سيارة يملكها صيدلى مسيحى، واحتشد المتظاهرون أمام ثلاث كنائس بالمدينة وأحدثوا بها تلفيات بسيطة، واقتحموا الكنيسة الثالثة وحطموا بعض محتوياتها، ومزقوا بعض الكتب الموجودة بداخلها، واستمرت المظاهرات ثلاثة أيام متتالية تخللتها مواجهات أمنية.

أحداث سوهاج (فبراير 1987):
بدأت هذه الأحداث باشتعال النار فى مسجد القطب بمدينة سوهاج، عقب انتهاء صلاة الجمعة 27 فبراير1987، والتهمت النار مئذنة المسجد والمنبر وأجزاء كبيرة من السقف، كما اشتعلت النيران فى نفس الوقت فى الكنيسة المقابلة، حيث اندفع بعض الشباب لإشعال النار فى الكنيسة، فالتهمت الهيكل وغرفتى الأنبا مطران كرسى سوهاج؛ وذلك بعد اتهام أعضاء الجماعة الإسلامية المواطنين المسيحيين بحرق مسجد القطب والتحريض على حرق كنيسة السيدة العذراء القريبة من المسجد.
أحداث كفر الشيخ (مارس 1987):
شهدت قرية شباس الشهداء التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ اضطرابات طائفية، حيث انتشرت شائعة تقول بأن أحد المواطنين ويدعى “مرقص فانوس”، وهو كبير الأقباط فى القرية، قد شرع فى تحويل دار المناسبات لأسرته إلى كنيسة وأشيع أنه يبنى كنيسة، وتم عقد لجنة أهلية للتأكد من هذه الشائعة، وكتب محضر بهذه الجلسة وقع عليه الحاضرون، وتعهد فيه مرقص بأنه يجدد دار للمناسبات لعائلته ووقع الطرف الأخر بعدم التعرض.ولكن نظراً لقرب المعركة الانتخابية وارتفاع أسهم حزب العمل فى القرية أسرع مرشح حزب التجمع بنشر شائعة أن الحكومة تغض الطرف عن بناء كنيسة، وبعد صلاة الجمعة 20 مارس انطلقت مجموعة من الشباب إلى بيت مرقص وأشعلوا فيه النار وقد انتقلت النيران من بيت لآخر، وكانت الحصيلة حريق سبعة بيوت منها 4 لمسلمين و3 لمسيحيين، وأسفر ذلك عن وفاة سيدة وإصابة اثنين آخرين، وقد ألقى القبض على المحرضين وكان من بينهم أعضاء من حزب التجمع.

حرائق مكتبات أسيوط (أكتوبر 1987): اندلعت بعض الأحداث فى أسيوط بصورة مفاجئة، حيث تعرضت بعض الممتلكات المسيحية للاعتداء ومن بينها بعض المكتبات التى تم إحراقها، ومنها المكتبة الصوتية بجمعية خلاص النفوس، ومكتبة النيل المسيحية، وقد زعمت الجماعات الإسلامية أن هذه المكتبات تابعة لثلاث كنائس غربية تمارس نشاطًا تبشيريًا مرتبطًا بالولايات المتحدة واتحاد الكنائس العالمى،وقد جاء هذا الحادث ضمن حوادث الصعيد بصفة عامة، وهى حوادث سوهاج وبنى سويف فى مارس 1987؛ ومن ثم يمكن اعتباره توابع لهذه الأحداث، خصوصًا وإنه تردد أن أسيوط فى بداية العام شهدت ظاهرة إرسال خطابات باللغة الإنجليزية إلى أئمة المساجد بغرض التنصير ولكن تم احتواء المشكلة.

أحداث روض الفرج (أغسطس 1988):
وقع انفجار أمام كنيسة الملاك ميخائيل طوسون أثناء خروج زفة من الكنيسة بمنطقة روض الفرج، وقد أدى الانفجار إلى إصابة 14 مدعوًا من بينهم طفلان،وقد استنكرت الجماعات الإسلامية حادث الانفجار الذى وقع فى الكنيسة، ووصف البيان الذى أصدرته الجماعات الإسلامية هذا العمل بأنه صبيانى ولا تُقدم عليه سوى قلة غير مسئولة، ونفت الجماعات صلتها بالحادث.

أحداث إمبابة بالجيزة سبتمبر 1991 نشبت نتيجة مشاجرة بين مواطنين أدت إلى إصابة أحد الملتحين، فتجمهر أفراد الجماعات الإسلامية المتطرفة محرضين الأهالى على حرق بعض المحلات المملوكة للأق

أحداث دير مواس (1988):
هناك إشكالية فى تغطية هذا الحادث تمثلت فى عدم توافر المعلومات حوله بصورة كافية، ولكن يمكن الاستدلال على هذا الحادث بالاعتماد على صحف (الوفد، الشعب)، حيث ذكرت أن المشكلة جرت بين الأمن والجماعات الإسلامية، فهناك قطعة أرض وبيت قديم حاول بعض رجال الدين المسيحى تحويلهما إلى كنيسة وتم تحذيرهم من قبل الأمن, وقد قامت الجماعات الإسلامية بإقامة صلاة الجمعة فى هذه الأرض، وحاصرت قوات الأمن المصلين وحدثت مصادمات بين الأمن والمصلين أسفرت عن مصرع ثلاثة مواطنين مسلمين وإصابة 25 آخرين، وتم القبض على 45 من المواطنين.

أحداث أبو قرقاص بالمنيا (مارس 1990):
وقعت هذه الأحداث إثر تداول بعض المنشورات التى اتهمت بعض الشباب المسيحى بممارسة أعمال منافية للآداب مع بعض الفتيات وتصويرهن على شرائط فيديو، وقد قدم وزير الداخلية بياناً فى مجلس الشعب تعليقاً على الأحداث، ذكر فيه أن الأحداث بدأت بشائعات ترددت بين أهالى المنيا حول وجود شبكة للرقيق الأبيض، تقوم عليها عناصر مسيحية تستغل عدداً من الفتيات المسلمات فى أعمال منافية للآداب.
ومع اتساع دائرة الشائعات قامت بعض عناصر الجماعات الإسلامية بسؤال الفتيات والتى قد أقرت بعضهن بوجود علاقة مع بعض الشباب، وقامت هذه العناصر بخطف شابين من المتورطين فى الأمر، ووزعوا منشوراً بعنوان “امسحوا العار يامسلمون” فى بعض التجمعات السكنية والمدارس، وبتاريخ 2 مارس وعقب صلاة الجمعة بمسجد الحق “بأبى قرقاص” تجمع مجموعة من المواطنين وقاموا بالتوجه إلى منزل أحد الشابين وألقوا كرات نار على المحلات التى تقع أسفله، وكذلك على إحدى الكنائس والجمعيات المسيحية، كما أحرقوا وأتلفوا عددًا من المحلات التجارية والسيارات وتم توزيع العديد من المنشورات بكميات كبيرة،كما انتشرت شائعات روجها أحد المسيحيين عن إحراق أحد المساجد بقرية بنى عبيد؛ مما ساعد على زيادة التوتر ووقوع عدد من الحوادث المتفرقة فى الفترة من 4 إلى 13 مارستمثلت فى التعدى على خمس صيدليات ومحل بقالة، وجرت محاولات للإثارة والتحريض بالعديد من مراكز المنيا، وكذلك دعوة الطلاب للخروج بمسيرات، ولكن أجهزة الأمن تمكنت من السيطرة الكاملة على الأحداث فى هذه المراكز. ويتضح أن عناصر التطرف من الجانبين لعبت دورًا فى إشعال الأحداث وتفجرها، سواء عن طريق العنف أو إطلاق الشائعات أو ممارسة سلوكيات منحرفة أدت إلى تفاقم الأحداث، وعقب هذه الأحداث تم تغيير محافظ المنيا وأكد الرئيس مبارك إن مصر لن تسمح أبداً فى الحاضر أو المستقبل بأن تحدث فيها أى فتنة طائفية بين عنصريها المسلم والمسيحى.

أحداث عين شمس (مارس 1990):
ألقى مجهولان زجاجتى مولوتوف على كنيسة العذراء بعين شمس، وقد أسفر الحادث عن إصابة اثنين من جنود الحراسة60.

أحداث الفيوم (أبريل 1990):
قام ثلاثة ملثمين بمهاجمة كنيسة سنهود بمركز سنورس بالفيوم، وألقوا عليها العبوات الناسفة والطلقات النارية، وسقط مساعد الشرطة قتيلا ولم تحدث إصابات، كما شهدت مدينة سنورس أيضا اضطرابات ومظاهرات وإتلاف ممتلكات، وذلك إثر انتشار شائعة اعتداء مواطن قبطى على طفلة مسلمة، ورددت الشائعات أن الطفلة لقت مصرعها. وقد جاءت البداية عندما ذهبت طفلة وأخوتها إلى والدهم وأخبروه بأن البقال المسيحى حاول الاعتداء عليها عند قيامها بشراء بعض الأشياء منه، وقد توجه والدها إلى قسم الشرطة وقدم بلاغاً وتم احتجاز البقال، كما تم فرض حراسة على منزله، وانتشرت الشائعات بالمدينة، وعلى إثرها انتشرت أعمال التخريب وتم الاعتداء على عدد من المحلات والصيدليات، وقد تبين أن واقعة الاعتداء صحيحة ولكن تقارير الطب الشرعى أثبتت أن الفتاة سليمة.
   ولكن يبدو أن هذه الحادثة ليست الوحيدة التى سببت كل هذا التوتر، فقد تبين أن هناك سوابق توتر هناك، حيث تعرضت سيدتان مسيحيتان لمحاولات اعتداء من قبل شابين أثناء سيرهما فى الشارع، وقد أحدث هذا الاعتداء رد فعل مسيحى قوى تمثل فى الاتصال بجميع المسئولين لتوقيع عقوبة بالشابين، وهو ما تم بالفعل.

أحداث الإسكندرية (مايو 1990):
كانت بدايات هذه الأحداث فى يونيه عام 1989، وذلك عندما قام أحد المسيحيين بقتل جاره فى الحقل بقرية رأس الترعة بمركز أبو المطامير؛ نتيجة خلاف على حدود الأرض بينهما، ولم يتمكن شقيق القتيل من الأخذ بثأر أخيه إلا فى مايو 1990، حيث تربص بشقيق القاتل وهو فى طريق عودته من أبو المطامير إلى الإسكندرية وبصحبته فى سيارته كل من القس شنودة حنا جرجس وزوجته وطفل وثلاثة آخرون، وأطلق عليهم النار مما أصاب كل راكبى السيارة بإصابات أدت إلى وفاتهم وتم نقل الجثث إلى الإسكندرية، وعند الصلاة عليهم تجمع آلاف المسيحيين لتتحول الجنازة إلى مظاهرة شارك بها 4 آلاف قبطى، وتصدتلهم قوات الأمن وقامت بتفريق المظاهرة، وأُلقى القبض على بعضهم، وقد ردد المشيعون هتافات بالعربية والقبطية بعضها يندد بالنظام وبعضها يطلب الرحمة من الرب. وتدخلت قوات الشرطة لتمنع استمرار المواطنين من تشييع الجنازة إلى المقابر وعند ذلك بدأت الاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين، والذين قذفوا الجنود بالأحجار الملقاة على سكة ترام الرمل، واستخدم الأمن العصى فى فض المتظاهرين، وقد سرت الشائعات بأن هذا الحادث فتنة طائفية، كما انتشرت شائعات أخرى بأن القتلى تم ذبحهم على أيدى المسلمين فى الكنيسة61.

أحداث إمبابة بالجيزة (سبتمبر 1991):
نشبت مشاجرة عادية بين مواطنين تطورت إلى إطلاق أعيرة نارية من الأفراد المتخاصمين أدت إلى إصابة أحد الملتحين، فتجمهر أفراد الجماعات الإسلامية المتطرفة بشوارع منطقة إمبابة محرضين الأهالى على إتلاف وحرق بعض المحلات المملوكة للأقباط.
   وتجددت أعمال العنف مرة أخرى بعد أن حاول أحد المتطرفين حرق وإتلاف المحلات ما نتج عنه إصابات بين مالكيها، وأسفرت الأحداث فى مجملها عن حرق بعض البيوت والمتاجر وإحدى الكنائس، وإصابة أكثر من 40 قبطيًا.

أحداث منشية ناصر بأسيوط (مايو 1992):
بدأت هذه الأحداث فى مارس 1992، حيث نشبت معركة بين مالك أحد المنازل وأنصاره وهم من الأقباط، وبين أفراد الجماعات المتطرفة التى أرادت إلغاء عقد البيع؛ حتى يتسنى لأحد أفرادها شراء المنزل، ولما رفض المالك انهالوا عليه ضربًا، فتدخل أنصار المالك واشتبكوا مع أفراد الجماعة المتطرفة؛ مما أدى إلى مصرع عضو قيادى فيها. وفى 14 أبريل 1992 عثر على جثة نجل أحد المواطنين المسيحيين المشاركين فى تلك الأحداث، ثم تجددت الصراعات فى أشد صورها فى 4 مايو 1992، بتحريض ومشاركة عناصر متطرفة من عائلة أحد طرفى الصراع لا يقل عددهم عن 15 فردًا إرهابيًا نفذوا عملية إرهابية من خلال ثلاث أو أربع مجموعات.
ويمكن القول إن إعادة إشعال الأحداث كان مقصودًا ومدبرًا، حيث اختار المرتكبون مواقع الأخذ بالثأر خارج نطاق الوجود الأمنى بالقرية وبعد انصراف الدورية، كما أن الإصابات تؤكد أن الجناة تدربوا جيدا على استخدام الأسلحة النارية، وقد ارتكب الحادث فى أعقاب انصراف القوة المعينة لمراقبة الحالة الأمنية فى البلدة فى الثامنة صباحا، وفى الوقت ذاته اقتحم ملثم آخر مدرسة منشية ناصر الإبتدائية حاملًا بندقية آلية وصعد إلى الطابق الثانى بالمدرسة وأطلق وابلا من الرصاص على مدرس أثناء قيامه بالشرح فى الفصل؛ مما أدى إلى مقتله وإصابة ثلاثة من التلاميذ، وقد أسفرت الأحداث عن وفاة 12 قبطيًا ومسلمًا واحدًا، كما أصيب ثلاثة مسلمين وقبطيّين توفى أحدهما متأثرًا بإصابته فى اليوم التالى62.
أحداث طما بسوهاج (أكتوبر 1992):
وقد بدأت يوم 6 أكتوبر 1992 إثر خلاف نشب حول قيمة علبة سجائر بين مزارع مسلم وبقال قبطى، إذ تحولت المشادة بينهما إلى مشاجرة مسلحة تدخل فيها أطراف عائلتيهما؛ مما أسفر عن مصرع ستة أشخاص فضلًا عن إصابة خمسة آخرين من الطرفين، وقد تجددت الأحداث مع وفاة المزارع المسلم متأثرا بجراحه بعد عشرة أيام، ثم تم قطع ذراع خفير نظامى وذبح ابنه وإصابة زوجته، فيما اعتبره البعض محاولات للقصاص، إلا أن ما أدى إلى تفجر الوضع وتضاعف جسامته كان استغلال مجموعة من المسجلين جنائيًا الفرصة لإشعال النيران فى المحلات التجارية؛ مما أدى إلى احتراق 20 محلا كما امتدت النيران إلى مبنى كنيسة مارى جرجس، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن حصيلة أعمال العنف التى شهدتها مدينة طما فى هذا السياق وصلت إلى نهب وتخريب وحرق العديد من الصيدليات والمحال التجارية وبعض المنازل والسيارات63.

أحداث أسيوط (1993، 1994):
تم إلقاء عبوة ناسفة على كنيسة الأرثوذكس بديروط تجاه قوات الحراسة الموجودة لتأمين الكنيسة فى فبراير 1993، وتزامن ذلك مع إطلاق النار على عمدة البلدة المسيحى الديانة، فضلا عن الهجوم على صيدلية مملوكة لشخص مسيحى، كما شهدت مدينة أسيوط توترات واعتداءات بسيطة بين الجماعات الإسلامية والأقباط، بالإضافة إلى قيام أمير الجماعة الإسلامية بمنفلوط بتحريض ثلاثة آخرين من أعوانه بالاعتداء على أربعة من المواطنين الأقباط.
   وشهد مركز القوصية بأسيوط أحداث طائفية فى مارس 1994، حيث أطلق أحد أفراد الجماعات المتطرفة الرصاص على مجموعة من الزوار أمام بوابة ديــر المحرق وسط أنباء عن نية مبيتة للهجوم، وأسفر الحادث عن مقتل خمسة أقباط منهم اثنين من الرهبان، وإصابة اثنين آخرين بإصابات خطيرة، وقد أعقب الهجوم على دير المحرق سلسلة من الاغتيالات الموجهة ضد الأقباط64. ثم أعلنت الجماعة الإسلامية مسئوليتها عن الحادث، وانتقدت فى بيان لها – تم بثه عبر وكالات الأنباء والصحف المختلفة – السكوت على قتل 200 ألف مسلم تم ذبحهم من قبل الصرب الأرثوذكس، واغتصاب ما يزيد على 50 ألف سيدة وفتاة مسلمة فى البوسنة65. وفى 4 أكتوبر من العام نفسه، اقتحم متطرفون منزل ثرى قبطى من كبار تجار القوصية فقتلوه ثم قتلوا ولديه، وفى اليوم التالى شهدت قرية مير بمركز القوصية حدثًا جديدًا، حيث حاولت الجماعات الإسلامية المتطرفة تحصيل الجزية والإتاوات ورفض الأقباط؛ وهو ما نتج عنه مقتل خمسة من الأقباط فضلًا عن اثنين من الشمامسة66.

وقائع الانتخابات البرلمانية (1995):
شهدت انتخابات مجلس الشعب التى أجريت فى عام 1995 – لاسيما انتخابات الإعادة – إثارة العديد من علامات الاستفهام حول استخدام المسألة الطائفية خلال الحملات الانتخابية من قبل بعض المرشحين، فعلى سبيل المثال وزعت منشورات فى دائرة الوايلى ضد السياسى الوفدى القبطى منير فخرى عبد النور تحمل عبارات “لا للمجوس..لا للقبط.. لا للنصارى”، كما كانت تحمل رسما للصليب مشطوباً عليه، كذلك شملت الدعاية الانتخابية لبعض المرشحين – خاصة من الحزب الوطنى – هتافات عدائية ضد الأقباط، فضلا عما أثير عن ممارسات الأمن ضد المرشحين الأقباط وتمزيق لافتاتهم ومنع الناخبين الأقباط من الإدلاء بأصواتهم. وفى السياق ذاته اعتبر البعض أن مجمل ممارسات الحزب الوطنى خلال هذه الانتخابات تثير الفتنة بين المسلمين والأقباط، والدليل على ذلك عدم ترشيح الحزب لأى قبطى على قوائمه، وترديد مواكب مرشحى الحزب الوطنى لهتافات عدائية ضد الأقباط مطالبة بعدم انتخابهم، وتوفير رجال الأمن الحماية لمثيرى الشغب.
    وفى الإطار ذاته، جاء قرار تعيين ستة أقباط منهم ثلاث سيدات فى مجلس الشعب، والذى أثار ردود فعل غاضبة بين الأقباط، بسبب رفضهم لمبدأ التعيين؛ انطلاقًا من كون المُعين يعبر عن رأى من عينه لا عن رأى الناخبين، فضلا عن أن السيدات الثلاثة اللائى تم تعيينهن لا تاريخ لهن بالعمل السياسى، وقد استنكر الحزب الوطنى ذلك مؤكدًا أن أحزاب الأقلية تلعب على وتر الفتنة الطائفية دون أن تدرك خطورة ذلك على نسيج المجتمع المصرى، وإذا كان من المحتمل أن تكون التحليلات الواردة فى هذا السياق تتجه إلى المبالغة أو تصيد الأخطاء فى إطار التجاذبات التى شهدتها الساحة السياسية ارتباطًا بالعملية الانتخابية، إلا أن ذلك يحمل فى حد ذاته دلالة تعكس إلى أى مدى كان المجتمع المصرى شديد الحساسية تجاه المسألة القبطية فى ذلك الوقت.

شهدت قرية الكشح بمحافظة سوهاج عددًا من الأحداث الطائفية التى تعكس حالة الاحتقان الشديد التى تعانى منها القرية، فقد شهدت القرية حادثين بارزين، الأول فى أغسطس 1998، والثانى فى يناير

أحداث كفر دميان بالشرقية (فبراير 1996):
خلال شهر فبراير 1996، والذى توافق مع الأسبوع الأخير من شهر رمضان، قام الخفير شعبان الديب المعين من قبل مديرية أمن الشرقية لحراسة كنيسة السيدة العذراء بكفر دميان بتحرير محضر بمركز الشرطة ضد القس برسوم عياد راعى الكنيسة بدعوى أن القس يبنى غرفة داخل حرم الكنيسة، وأنه أدخل إلى فنائها 2000 طوبة تمهيدا للبناء، واُستدعى القس لمركز الشرطة وأجاب فى المحضر أن الطوب الذى أحضره من نوع الطوب اللبن الذى يستخدم لترميم الفرن البلدى الذى يصنع فيه القربان المقدس المستخدم فى تأدية الشعائر الدينية، وقام مأمور الشرطة بالانتقال إلى كفر دميان لمعاينة الواقعة على الطبيعة، وذلك فى حضور أعضاء مجلس الشعب، وعندما عرض الأمر على مدير أمن الشرقية اقترح إيفاد مساعده لدراسة الحالة بعد اعتراض ضابط مباحث الشرطة على الاقتراح الأول لمدير الأمن بالتصريح للقس ببناء أسوار للكنيسة وترميم فرن القربان، وذلك بمقولة أن غرفة القربان مضافة إلى الكنيسة وأن الرسم الهندسى للكنيسة ليس به أسوار وغرفة للقربان. وفى الوقت ذاته وفى أعقاب قيام الخفير بتحرير المحضر ضد راعى كنيسة السيدة العذراء بكفر دميان كانت ميكروفونات مساجد القرى المجاورة لكفر دميان تعلن بشكل شبه مستمر عن أن الأقباط سيبنون معبدًا داخل الكنيسة وأن الأمريكان سيأتون إلى الشرقية ودعوا الناس إلى الهجوم على الأقباط حتى لا تتحول القرية إلى معسكر “صهيونى كافر”.
   وفى صباح السبت 17 فبراير 1996 حضر إلى قرية كفر دميان مساعد مدير الأمن وبرفقته رئيس مجلس مدينة الإبراهيمية، وزارا كنيسة السيدة العذراء، وأفهم الكاهن رفض السلطات المختصة قيام القس بترميم الفرن وبناء أسوار للكنيسة بمقولة أنها غير مدرجة بالرسم الهندسى رغم صدور قرار جمهورى ببنائها، وبعد خروج مساعد مدير الأمن والقوة المرافقة له من الكنيسة، وإثر مغادرتهم القرية استغل مثيرو الفتنة فترة تغيير الوردية وهجموا على القرية يحملون الفئوس، وأتى بعضهم بسيارات والبعض الآخر بدواب حملّوها ما جردوا البيوت منه من أجهزة كهربائية ومقتنيات وأسرعوا بها إلى قراهم المجاورة، وأكد الأهالى أنهم 2000 مواطن من أبناء القرى المجاورة، كانوا يهتفون هتافات إسلامية وفى نفس الوقت يلقون بكرات النار المشتعلة بالكبريت على المنازل والمتاجر، ويتسلقون الأشجار ويلقون بكرات النار على المنازل وبعدها أحرقوا الأشجار أيضا، وفريق آخر استخدم الفئوس فى تكسير محتويات المنازل وإتلاف الأثاث والأجهزة المنزلية، وفريق ثالث يهجم على المتاجر والمنازل ينهب ما بها من مقتنيات وأجهزة، وبعد تلك الأحداث قامت قوات الأمن بمحاصرة المنطقة وإلقاء القبض على أكثر من 80 شخصًا، كما تحفظت على راعى الكنيسة داخل مديرية الشرقية، وتسببت الأحداث فى مقتل 42 شخصًا وإصابة 615 آخرين، وبلغتالخسائر المادية وفق بعض التقديرات حوالى 5 مليون جنيه، تشمل خسارة المنازل المحترقة والمنهوبة وقيمة إتلاف محتوياتها وقيمة المتاجر المحترقة ومخازن المحصولات الزراعية وماكينات الرى والمياه67.

أحداث عزبة الأقباط بأسيوط (فبراير 1996):
اقتحم اثنانمن العناصر الإرهابية المتطرفة عزبة الأقباط بالبدارى فى يوم 24 فبراير 1996، وأطلقا الرصاص على المواطنين العزل فقتلا ستة أقباط واثنين من المسلمين تصادف وجودهم بمكان الحادث، واتجه البعض فى تفسير الأحداث إلى القول بوجود قوى تستهدف الوصول إلى الحكم، وهى تحاول أن تفعل ذلك عن طريق إشاعة عدم الاستقرار فى المجتمع، ويستدل أصحاب هذه الرؤية على أنه ليس هناك ثأر بين الإرهابيين الذين ارتكبوا الحادث والضحايا الذين اُستهدفوا به، وبالتالى ليس للجناة هدف غير إحداث فرقعة يحالون بها تحقيق بغيتهم بالنيل من أجهزة الأمن التى تعد المستهدف الأول والأخير، والتى يتصور الذين يدفعونهم إلى ارتكاب جرائمهم أنها تدنيهم من غايتهم فى هز الحكم والوصول إليه، أى أن الهجوم على الأقباط ليس هو الغاية ولكنه فى تصورهم وسيلة إلى تلك الغاية، ويدلل أصحاب هذا الرأى على صحة دفعهم بأن الإرهابيين لم يفرقوا فى عدوانهم بين مسلم ومسيحى68.

أحداث مركز أبو قرقاص بالمنيا (فبراير 1997):
قام أحد أفراد الجماعات الإسلامية بإطلاق النار على كنيسة مارى جرجس بقرية الفكرية فى أبو قرقاص بالمنيا فى يوم 12 فبراير 1997، وبعد أقل من 24 ساعة قامت الجماعات الإسلامية بالهجوم على قرية منافيس بمركز أبو قرقاص، وسرقة ونهب منازل الأقباط، الأمر الذى أسفر عن مقتل ثلاثة من الأقباط69. ودارت التفسيرات حول الحادث بأن العناصر الإرهابية تحاول أن تزكى نار الفتنة بين وقت وآخر لصرف الانتباه عن ملاحقتهم وتصفية أفكارهم؛ كما رأى البعض أنه ليس من المستبعد أن يكون حادث كنيسة أبو قرقاص مدبرًا فى هذا التوقيت بالذات، حيث يستهدف به إيجاد بارود للحملات الشرسة التى تثار قبل زيارة مبارك للولايات المتحدة الأمريكية؛ بما يؤدى إلى إفساد العلاقة بين الجانبين70. وفى 14 فبراير حدثت اشتباكات بين الأقباط والجماعات المتطرفة الإسلامية فى قرية كوم الزهير بمركز أبو قرقاص أيضا، وقد انتهت بمقتل ثلاثة من الأقباط.

أحداث مركز القوصية بأسيوط (مارس 1997):
خرج جمهرة من المصلين بمسجد الخطبة بقرية التمساحيةفى مركز القوصية بأسيوط متجهين إلى كنيسة القرية، واعتدوا عليها برشقها بالحجارة، كما قاموا بنهب بعض منازل ومحلات الأقباط بالقرية، واعتدوا عليهم بالضرب، بحجة تضرر الإسلاميين من وجود صليب أعلى بناء الكنيسة، إلا أنه قد تم احتواء الموقف سياسيًا وأمنيًا.

أحداث مركز نجع حمادى بقنا (مارس 1997):
قامت الجماعات المتطرفة الإسلامية بإطلاق النار على القطار السياحى الأسبانى بعزبة كامل تكلا بمركز نجع حمادى فى مارس 1997، مما أدى إلى مقتل 13 قبطيًا وإصابة ستة آخرين.

أحداث المنيا (1997 – 1998):
شهدت قرية الروضة بمركز ملوى فى مارس 1997 هجومًا من الجماعات المتطرفة، أدى إلى مقتل ثلاثة أقباط من أسرة واحدة، مع وجود رسالة تهديد فى مكان الحادث للأقباط، تقول أن هذا جزاء من لا يدفع الجزية، بينما حدث هجوم آخر فى قرية طحا الأعمدة بمركز سمالوط فى أغسطس 1998، قامت به الجماعات المتطرفة مع تهديدات بضرورة دفع الجزية، وهو ما أدى إلى مقتل ثلاثة أقباط وإصابة آخريّن.

أحداث جامعة عين شمس (1998):
شهدت جامعة عين شمس بوادر اندلاع أزمة طائفية وذلك مع قيام البعض بتوزيع منشورات تحمل طعنًا فى القرآن الكريم، وتحمل فى طياتها من الإشارات ما يوحى بوقوف مسيحيين خلف نشرها وتوزيعها، وإذا كان توزيع هذا المنشور لم يسفر عن وقوع أية أحداث عنف، إلا أنه أثار حديثا وجدلا حول وجود مؤامرة جديدة من قبل البعض لإشعال فتنة طائفية فى البلاد71.

أحداث الكشح ـ سوهاج (أغسطس 1998 ـــ يناير 2000):
شهدت قرية الكشح بمحافظة سوهاج عددًا من الأحداث الطائفية التى تعكس حالة الاحتقان الشديد التى تعانى منها القرية، فقد شهدت القرية حادثين بارزين، الأول فى أغسطس 1998، والثانى فى يناير 2000، ويمكن تناول الحادثين على النحو التالى:
الحادث الأول (أغسطس 1998):
فى مساء يوم الجمعة 14 أغسطس 1998، اكتشف أهالى قرية الكشح بسوهاج وجود جثتين لرجلين قبطيين على مشارف القرية، تبين أنها مرتبطة بالثأر من وفاة صديق ثالث لهما، أى أن حادثة قتل الشابين هى حادثة قتل عادية تدخل تحت القانون ولا دخل للدين فيها، إلا أن الإجراءات التى اتخذتها أجهزة الأمن فى متابعة التحقيقات قد اتسمت بالعديد من التجاوزات لاسيما فى حق الأقباط، حيث بدأت هذه الإجراءات بأن قام الأمن بحملات مكثفة بالسلاح فى حراسة مدرعات ثقيلة, واستمرت هذه الحملات بشكل يومى لمدة ثلاثة أسابيع72، واتجهت غالبية المعالجات الخاصة بهذا الحدث إلى نفى أنه ينطوى على فتنة طائفية وأن ما حدث فى الكشح هو حادث فردى بين ثلاثة من الأقباط؛ بسبب خلافات بينهم، وأن البلدة لم تشهد قط تصاعدا لمشاعر الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين.
الحادث الثانى (يناير 2000):
حدثت مشادة بين عجوز مسلمة وتاجر مسيحى حول سلعة اشترتها منه، وخلال هذه المشادة تعرضت العجوز إلى بعض الإهانات من التاجر، وقد حضر ذلك تاجر مسلم فتدخل ليقف إلى جوار السيدة العجوز فى مواجهة التاجر المسيحى، ثم تجمع المسلمون الموجودون فى السوق وقاموا بضرب التاجر المسيحى وتدمير محله وبعض المحلات الأخرى المجاورة والمملوكة لمسيحيين، الأمر الذى رد عليه المسيحيون بتحطيم الأكشاك الخشبية للتجار المسلمين، ثم تداعت الأحداث إلى تبادل إطلاق نيران من فوق أسطح المنازل. كما تبين حدوث عمليات اقتحام لمساكن المواطنين من جانب من شاركوا فى هذه الأحداث، وتبين أنهم اعتدوا على السكان داخل منازلهم بإطلاق أعيرة نارية، كما أشعلوا النيران فى المساكن وأسفرت هذه الأحداث فى مجملها عن سقوط 20 قتيلًا و 33 مصابًا من الجانبين73.

بعد أحداث الكشح الثانية فى عام 2000، وانتهاء فترة التسعينيات يمكن القول إن التوتر الطائفى قد استمر خلال عهد مبارك وتراكمت مشكلاته، والناتجة عن العديد من الأسباب من أبرزها ترخيص دور العبادة للمسيحيين، وقضايا التحول الدينى، وكان من أهم هذه الأحداث وأكثرها تأثيرًا فى تلك المرحلة: أزمة صحيفة النبأ (2001)، وأزمة وفاء قسطنطين (2004)، وأزمة كنيسة مارجرجس بالإسكندرية (2005)، وأزمة الإسكندرية (2006)، وأزمة نجع حمادى (2010)، وأزمة كاميليا شحاتة (2010)، وأزمة العمرانية (2010)، انتهاءً بحادث كنيسة القديسين (يناير 2011)، إلا أن هذا لا يمنع من وجود بعض الأحداث الطائفية الأخرى تخللت الفترات الزمنية المختلفة ولكنها محدودة التأثير، وفيما يلى استعراض لأهم تفاصيل أبرز تلك الأحداث:
أزمة صحيفة النبأ (يونيو 2001):
تواكبت هذه الأزمة مع تطورات قضية مركز ابن خلدون، وقضية نوال سعداوى، وقضية الصحافة الصفراء، وقضية الأقباط والانتخابات التكميلية وغيرها من القضايا الفرعية التى – وإن لم تؤثر مباشرة فقد – كان لها نوع من التأثير على مجريات الأحداث وتطوراتها74.وكانت صحيفتا النبأ وآخر خبر قد نشرتا فى 17 يونيه 2001 صورًا للراهب “عادل سعد الله غبريال” المطرود من دير المحرق الواقع فى منطقة أسيوط بصعيد مصر، وهو فى أوضاع غير لائقة مع إحدى النساء، وكتبتا أن الدير تحول إلى “وكر للدعارة”، وأشارتا إلى حصولهما على الصور من شريط فيديو مسجل عليه ممارسات الراهب، وقامت الشرطة بمصادرة جميع نسخ الصحيفتين تنفيذًا لأمر قضائى بذلك، وفى اليوم نفسه ألقت نيابة أمن الدولة القبض على ممدوح مهران رئيس تحرير الصحيفتين، ووجهت له اتهاماً ببث دعاية تهدد الأمن العام والتحريض عبر النشر علىكره إحدى المجموعات، عبر توزيع صور منافية للحشمة والأخلاق، ثم أفرجت عنه النيابة العامة بعد ذلك بكفالة لحين محاكمته فى 19 يونيه 2001م75. وفى نفس اليوم وقعت اشتباكات داخل الكاتدرائية الأرثوذكسية بالعباسية، عقب انتهاء قدّاس الأحد الأسبوعى الذى يؤمه البابا شنودة، واحتج المتظاهرون على ما نشرته الصحيفتان، وقام المتظاهرون بقذف قوات الشرطة بالحجارة عندما حاولت منعهم من الخروج للطريق العام، إلا أن الوضع هدأ بعد تدخل البابا شنودة الذى دعا المتظاهرين للالتزام بالهدوء، وهو ما مكّن قوات الشرطة من إحكام زمام الأمور، ورتبت لخروج المتظاهرين من الكاتدرائية فى جماعات صغيرة، ولم تلق القبض على أى منهم، وسارعت الكنيسة بإصدار بيانها لتبرئة ساحتها من أفعال الراهب المفصول، والذى تم تحويله لنيابة أمن الدولة العليا تمهيدًا لمحاكمته،وفى يوم 20 يونيه غاب البابا شنودة الثالث عن اللقاء الاعتيادى الذى يُعقد أسبوعيًا بالكاتدرائية فى العباسية؛ تجنبًا لمزيد من الانفعالات بعد أن شددعلى وجوب التزام الهدوء، مشيدًا بخطوات المسئولين المصريين من أجل احتواءالوضع، ورغم ذلك، جرت صدامات أمام الكاتدرائية بين الشرطة وشباب من الأقباط، أسفرت عنإصابة 40 من رجال الشرطة و30 من المتظاهرين الأقباط بجروح طفيفة عاد بعدها الوضعإلى الهدوء، وتلقت فى اليوم ذاته نيابة أمن الدولة العليا رسالة من المكتب الفنى للنائبالعام تفيد إدراج اسم “المتهم” ممدوح مهران بقوائم المنع من السفر وترقبالوصول، كما تلقت النيابة أيضا عدة محاضر عن إصابة بعض رجال الشرطة على يد المتظاهرينلدى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية نتيجة حالة الاستياء التى سادت أوساط المسيحيين76.
   وبعد مرور أسبوع على نشر الموضوع والصور، وتحديداً يوم الأحد 24 يونيو 2001، بدأت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ بعابدين فى محاكمة ممدوح مهران، والذى لم يحضر وناب عنه عدد من المحامين، وتعتبر أحكام هذهالمحكمة مبرمة غير قابلة للاستئناف، وعقدت الجلسة وسط إجراءات أمنية مشددة داخل قاعة المحكمة وخارجها، ثم استأنفت المحكمة ثانى جلساتها فى نظر القضية يوم الأحد 1 يوليو 2001، ورغم الإجراءات الأمنية المشددة التى سبقت وقائع الجلسة وخلالها، إلا أن حالة من الهرج والمرج تخللت فترات عقد الجلسة التى تم رفعها ‏ثلاث مرات بسبب تزاحم المحامين عن المجنى عليه ممثلًا فى “الكنيسة والدير”، والمحامين عن المتهم وتكالبهم على إبداء دفوعهم أمام هيئة المحكمة‏,‏ ولعدم إحكام السيطرة على حالة الفوضى التى شهدتها الجلسة قرر رئيس المحكمة عقب انتهاء النيابة العامة من مرافعتها استكمال عقد الجلسة بغرفة المداولة، وبعد عقد العديد من الجلسات وفى نهاية الأمر صدر حكم المحكمة يوم 16 سبتمبر 2001، والذى قضى بمعاقبة ممدوح مهران بالحبس لمدة 3 سنوات وبالغرامة 200 جنيه ومصادرة العدد 663 من صحيفة النبأ والعدد 664 من جريدة آخر خبر، وكذلك مصادرة شريط الفيديو المضبوط77.

أحداث العياط بالجيزة(7 نوفمبر 2003):
شهدت قرية جرزا بالعياط مشاحنات طائفية نتيجة الخلاف بين الطرفين المسلم والمسيحى على تحويل مكتبة فى القرية إلى كنيسة، وأسفرت الصدامات عن إصابة خمسة بجروح، كما أسفر الاشتباك عن تحطيم زجاج المكتبة وأبوابها وإلقاء حجارة على منازل سبعة من سكان القرية المسيحيين، وعقد محافظ الجيزة اجتماعاً فى مكتبه حضرته القيادات الشعبية والتنفيذية فى المحافظة وبشكل خاص من مدينة العياط وعدد من كبار المسلمين والأقباط فى قرية جرزا، وجرى فيه اتفاق على إنهاء هذا الخلاف بشكل ودى78.

أحداث سلامون بسوهاج (6 مارس 2004):
وقعت مشاجرة بين مسلم وشقيقين مسيحيين أمام منزلهما بقرية سلامون بمحافظة سوهاج، وانتهت بمقتل الأخيرين ضربا بفأس، ونشبت المشاجرة بسبب تعثر الحمار الذى كان يركبه الفلاح المسلم بسبب تجمع المياه أمام المنزل، وقد حاصرت قوات الشرطة القرية لمنع أى توتر طائفى، وفرضت طوقا أمنيًا محكمًا على القرية التى يقطنها نحو 40 ألفًا من السكان، وتصل نسبة المسيحيين فيها إلى نحو 40%79.

أحداث سمالوط بالمنيا (مايو، ديسمبر 2004):
تقوم الرواية الرسمية للأحداث على أن القس إبراهيم ميخائيل راعى كنيسة مارمينا بطحا الأعمدة بسمالوط توفى فى انقلاب سيارة كان يقودها رائد الشرطة أحمد كيلانى، وذلك أثناء اصطحابه للقس لعمل محضر فى مركز الشرطة فى مايو 2004؛ بسبب قيام عمال ببناء سور للكنيسة على مساحة جديدة للأرض من أجل توسيع الكنيسة دون إذن من الشرطة، وقد أصيب الضابط وتم نقله من موقعه إلى موقع أمنى آخر. بينما تؤكد الرواية القبطية للأحداث على أنه قد هبت رياح شديدة أدت إلى سقوط شجرة على سور كنيسة مارمينا، مما أدى إلى انهيار جزء من السور فاضطر كاهن الكنيسة ومعه بعض الخدام إلى الإسراع ببناء الجزء الذى تهدم فى نفس اليوم، حيث أن الحالة الأمنية فى القرية لا تسمح بهذا الوضع، وقام أحد الأهالى من المسلمين بإبلاغ نقطة الشرطة الموجودة بقرية مجاورة عن قيام المسيحيين ببناء سور الكنيسة، فأتت قوة من الشرطة وتم القبض على القس وخدام الكنيسة وشماسين واصطحب ضابط الشرطة القس فى سيارة خاصة بأحد الأهالى، وأثناء السير انحدرت السيارة إلى ترعة الصفصافة بسمالوط وانقلبت وقفز منها الضابط ومن معه واختفى بعد الحادث بينما توفى القس والشماسين وأصيب ثلاثة آخرين من الخدام، فقام الشباب المسيحى بتنظيم مظاهرة كبيرة بالقرية لمعرفة ما وراء الحادث80.
   وفى 3 ديسمبر من العام نفسه قررت النيابة العامة حبس 14 شخصًا من سكان قرية منطقتين بسمالوط، على ذمة التحقيق لاتهامهم بالتحريض وإتلاف ممتلكات مسيحيين، حيث هاجم عدد من السكان المسلمين مجموعة من المسيحيين وألقوا عليهم الحجارة، كما أشعلوا النار فى صيدليتين وسيارة مملوكة لمسيحيين احتجاجًا على البدء فى بناء جمعية خيرية مسيحية، أعتقد المسلمون أنها ستتوسع مستقبلًا لتتحول إلى كنيسة, وقد عززت قوات الأمن وجودها فى القرية لمنع تكرار مثل هذه المصادمات81.

أحداث المنيا (27 ديسمبر 2004):
وقعت مصادمات بين الأقباط والمسلمين بقرية دمشا وهاشم فى المنيا؛ بسبب شائعات انتشرت عن اعتزام اثنين من المسيحيين بناء منزل على قطعة أرض مملوكة لهما فى القرية تمهيداً لتحويله إلى كنيسة بعد ذلك، دون إذن من السلطات وقد أسفرت المصادمات عن وفاة شاب مسلم، وإصابة اثنين بجروح، وبعد السيطرة على الموقف أقام رجال الأمن كردونًا حول القرية وفرضوا حظر التجوال82.

أزمة وفاء قسطنطين (ديسمبر 2004):
تعددت القضايا والأحداث التى شهدها عام 2004، والتى شكلت بيئة خصبة لتفاقم الأزمة التى عُرفت بـ” أزمة وفاء قسطنطين”، ومن أهم هذه القضايا ما يلى83:
1-    مؤتمرات أقباط المهجر:
حيث ناقش مؤتمر أقباط مصر “أقلية تحت الحصار” المنعقد بسويسرا، والذى انعقد فى الفترة من 23 – 25 سبتمبر 2004، واستعرض على مدى أربع جلسات بعض مشكلات الأقباط؛ وقد لاقى المؤتمر هجوماً عنيفاً من الصحافة المصرية، وجاء هذا المؤتمر بعد عشر سنوات من عقد مركز ابن خلدون لأول مؤتمر عن الأقليات فى تاريخ مصر وذلك بقبرص فى الفترة من 12-15 مايو 1994، حيث أُعيد طرح مشكلات الأقباط بقوة، خاصة بعد أن تفاقمت ووصلت إلى حد المصادمات، إلا أن بعض المفكرين والكُتاب – ومنهم بعض الأقباط – قد شنوا هجومًا على المؤتمر، وقالوا إنه لا يختلف عن المؤتمرات التى سبقته والتى تستهدف استخدام ورقة الأقباط ذريعة لتدخل جهات أجنبية فى الشأن المصرى، فهو لا يختلف عن المؤتمر الذى عقد فى كندا خلال شهر يونيه 2004، والذى استجدى منظموه الدعم لإنشاء محطات فضائية قبطية توجه للمنطقة العربية، وطالبوا بإلغاء خانة الديانة من جميع الأوراق.
2-    تداعيات فيلم بحب السيما:
أثار عرض فيلم “بحب السيما” للمخرج القبطى أسامة فوزى ضجة كبيرة بين الأقباط، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، فالمعارضون طالبوا بمنع عرض الفيلم ورفعه من دور السينما بسبب مضمونه الذى يصور العلاقة بين زوج شديد التدين وزوجة عادية تبحث عن حقوقها، وبسبب بعض المشاهد الساخنة فيه خاصة التى صورت داخل كنيسة، وقد صدر حكم مؤقت من إحدى المحاكم بمنع عرض الفيلم، قبل أن تلغيه محكمة القضاء الإدارى بعد ذلك.
   أما المؤيدون فأكدوا أن الفيلم عمل إبداعى ووسيلة من وسائل التعبير الفنى، ويمثل رؤية لمؤلفه وإبداعًا لمخرجه، ولا يقصد الإساءة للدين المسيحى، بل يحمل رسالة مضمونها إن التطرف فى كل الأديان مرفوض؛ لأن الأديان – ومنها المسيحية – تدعوا إلى خير وسعادة البشر لا التضييق عليهم. ورغم حكم محكمة القضاء الإدارى فى ديسمبر 2004 باستمرار عرض الفيلم فى دور العرض، إلا أنه وحتى أوائل يناير 2005 لم يعرض فى دور السينما، ربما لأن الظروف لم تكن مواتية؛ ولأن الحكم بإعادة عرض الفيلم تزامن مع قضية وفاء قسطنطين.
3-    أحداث المنيا:
فى نوفمبر 2004 تقدم أقباط قرية منقطين بمركز سمالوط بطلب بناء كنيسة فى قريتهم؛ لأنهم يصلون على موتاهم ويقيمون أفراحهم فى الشوارع، وسُمح لهم بافتتاح مقر جمعية مشهّرة ولكنهم تعرضوا لمضايقات بسببها، كما طلب أقباط القرية من وزير الداخلية التصريح باستئناف العمل فى بناء كنيستهم، والذى توقف منذ عام 1978.
4-أحداث أسيوط:
ترددت أنباء عن جهود للدعوة إلى الإسلام يقوم بها بعض السياسيين فى أوساط الشباب القبطى، وقد اتهم أحد الكهنة المسئولين فى أسيوط أمين الحزب الوطنى بالقيام بذلك النشاط أو بتسهيلهوحماية القائمين به، إلا أن أمين الحزب الوطنى فى أسيوط قد نفى هذه المسألة، وأرجع الإثارة التى صحبتها إلى التنافس الانتخابى.
4-    تصاعد قضايا الأسلمة والتنصير84:
انتشرت فى مصر خلال هذه الفترة ظاهرة إسلام الفتيات والسيدات، وكانت كل واحدة منهن قصة فى حد ذاتها, لكن الجامع المشترك بين هذه الحالات هو سيطرة الحالة الإيمانية على من أعلنوا إسلامهم، وهناك بالتأكيد بعض الحالات لإسلام الشباب والرجال الأقباط، ولكن لم تُثار فى وجههم المشكلات، ولكن المشكلة فى حالة الفتيات والسيدات، وحجة الكنيسة هنا هى أن أحد المسلمين أغوى الفتاة أو السيدة القبطية ووعدها بالزواج لتهرب معه.
ويبرز فى إطار قصص التنصير قضية ميرى عبد الله زوجة كاهن الزاوية الحمراء “رويس نصر الله”، والتى تواكبت أحداثها مع أزمة وفاء قسطنطين، وقد استقبل البابا شنودة السيدة ميرى فى دير الأنبا بيشوى فى 12 ديسمبر 2004، وكانيرافقها الأنبا مرتيروس أسقف الزاوية الحمراء وذلك بعد أيام من اختفائها وتصاعد شائعات أنها اختطفت؛ ولكن لأن قصة السيدة وفاء كانت أكثر هذه القصص شهرة، فلم يلتفت أحد لباقى قصص زوجات الكهنة مثل زوجة قس (الشرابية) بوسط القاهرة وفتاة قرية درنكة التابعة لمحافظة أسيوط فى الصعيد واللتين أعلنتا إسلامهما أيضا، وترددت إبان ذلك مزاعم عن خطفهما وتزويجهما لمسلميْن بالقوة الجبرية، ولكن ثبت عدم صحة ذلك، وتم التأكيد أن زوجات الكهنة هربن من منازلهن بإرادتهن نتيجة سوء معاملة أزواجهن لهن، أو لقناعتهن بالإسلام وعلمهن أنه لا يجوز لهن البقاء على ذمة غير مسلم، حيث تبين أن زوجة كاهن (الشرابية) ذهبت بالفعل إلى شيخ الأزهر فى مكتبه، كما روى الشيخ طنطاوى تطلب إشهار إسلامها لكن الشيخ نصحها بالتروى حقنا للفتنة، وصرفها من مكتبه، وبرر طنطاوى رفض الأزهر قبول إشهار إسلام قبطى، بأن ذلك: “تحكمه إجراءات صعبة ومشددة، فإجراءات الإشهار تظل معلقة على تقرير من الأمن يزكى دوافعه الصحيحة، ويستوفى إجراءات محددة، تلزم الأمن بأن يخطر الكنيسة التى يتبعها الشخص كى توفر مندوباً عنها عادة ما يكون راعى الكنيسة، يجلس إلى الشخص فى محاولة لإقناعه بالعدول عن رغبته، وقد تستمر جلسات ممثلى الكنيسة مع الشخص عدة مرات، حسبما يتطلب الموقف قبل أن يعلن القس المكلف بالمهمة أن الشخص مصمم على تغيير دينه، وأن الكنيسة لا تمانع، ويحرر محضر رسمى بذلك”، وقد انتهى أمر زوجة كاهن الشرابية باختفائها ثم ظهورها فى دير وادى النطرون فى صحراء مصر الغربية مع زوجة كاهن أبو المطامير بعدما أخذها الكهنة إلى هناك وانقطع الحديث عنها.
   وفى المقابل، تزايد الحديث عن قضايا التنصير آنذاك، وفى إطارها برزت قضية تنصير “زينب محمد مصطفى”، حيث طالب والدها الرئيس مبارك بالتدخل لإعادتها إلى أسرتها، وقال إن ابنته اُختطفت بعد سقوطها ضحية “لعملية تنصير أبطالها مصريون من الخارج والداخل”، وأضاف فى خطابه للرئيس “لقد استطاعوا إغراء ابنتى بكل السبل، فوعدوها بالأموال والمنحة الدراسية إلى كندا والحب الكاذب، وفى المقابل تم تنصيرها وارتدت عن دين الإسلام، هكذا جهارًا نهارًا”. وطالب فى خطابه الدولة ببذل جهود مضاعفة للحيلولة دون تسفير ابنته إلى الخارج، وأوضح “كنت أظن أن الدولة ستبدأ عملية البحث واسعة الانتشار لتعيد لى ابنتى التى تركت لى خطابًا تقول فيه إن يسوع الرب قد ناداها وإنها لبت النداء، ولم يتحرك أحد حتى الآن. إن ابنتى لا تزال داخل مصر يا سيادة الرئيس، وهم يسعون إلى تسفيرها للخارج لتنضم إلى المجموعات الأخرى التى جرى تنصيرها”.
    ووصل الأمر بعد ذلك إلى أن يصدر مجمع كهنة إيبارشية شبرا الخيمة ومجلسها الملى بيانًا يطالب فيه بأن تتسلم الكنيسة من يريد إشهار إسلامه فورا، على الرغم مما فى ذلك من شبهة إكراه ومخالفة للقانون، وعلى الرغم أيضا من أنه كان يتم قبل ذلك إجراء عرض لمن يريد إشهار إسلامه، يتيح له الاجتماع ببعض القساوسة لمراجعته ونصحه ولكن فى مكان غير تابع للكنيسة، كما أن هذا الإجراء لم يحدث مع من يتم تنصيرهم من المسلمين.
   وفى ظل هذه الإشكاليات، جاءت أزمة وفاء قسطنطين لتزيد الأمور تعقيداً، وخاصة مع ما ارتبط بها من تصعيد سياسى وإعلامى وطائفى، وكانت الأحداث قد بدأت يوم الأربعاء 1 ديسمبر 2004، إذ كان مأمور قسم شرطة السلام يثبت أقوال السيدة وفاء قسطنطين زوجة كاهن كنيسة أبو المطامير فى المحضر الذى حمل رقم (58 أحوال)، ووفقًا لأقوالها التى وقعت عليها بنفسها أبدت السيدة رغبتها فى إشهار إسلامها، وقالت إنها غادرت محل إقامتها منذ عدة أيام دون تدخل من أى شخص، وإنها أقامت طرف بعض معارفها فى القاهرة والمنوفية لحين استكمال إجراءات إشهار إسلامها، وإنها لم تتعرض لأية ضغوط فى هذا الشأن وقالت إن ابنتها على علم بذلك.
ونظرًا لحساسية القضية وخطورتها التقى بها عدد من ضباط أمن الدولة لمعرفة حقيقة الأمر فى اليوم التالى، وعما إذا كانت وراءه أسرار أو ضغوط من أحد، وسألوها عما إذا كان هناك من مارس عليها ضغوطًا لإشهار إسلامها، فردت بأنها تحفظ ثلث القرآن وقرأت فى حضورهم العديد من آياته، وقالوا لها: هل هناك نوايا للزواج بأحد من المسلمين؟ فاستنكرت السؤال، وقالت: إننى لست فتاة مراهقة، أنا عمرى أكثر من 46 عامًا ولدى أبناء كبار،  وناقشوها فى الدين كثيرًا، ففوجئوا بثقافتها الدينية ومعرفتها الواسعة بالإسلام وأحكامه، وقالوا لها: استعدى غدًا صباحًا سنخطر الكنيسة لتحديد موعد لجلسة النصح والإرشاد.
    وبالفعل تم إخطار الكنيسة، وطلب مطران البحيرة إمهاله بعض الوقت لتحديد المكان والزمان المناسبين للالتقاء بها، وعلى الفور راح يجرى الاتصالات بقيادة الكنيسةفى القاهرة التى انزعجت للأمر، فالسيدة وفاء هى زوجة لنائب المطران، وهذه كارثة لابد من حلها، فتم الاتصال بنجليها، فقالت ابنتها الكبرى: “نعم إن أمى مقتنعة تماما بالإسلام وسافرت بإرادتها، وقد حاولت إقناعها بعكس ذلك ففشلت، وكل ما فعلته أننى وافقتها على كتم السر”. وفى يوم الأحد 5 ديسمبر 2004 تصادفت الأحداث مع وفاة الكاتب الصحفى سعيد سنبل، وكانت الأسرة قد قررت إقامة العزاء فى إحدى كنائس الجيزة، إلا أن تعليمات عليا صدرت من الكنيسة بنقل مراسم العزاء إلى الكاتدرائية، حيث قرر البابا أن يؤدى الصلاة بنفسه على روح الكاتب، بينما كانت هناك تعليمات أخرى إلى كنائس البحيرة وغيرها بضرورة حشد مئات الشباب وتوفير الباصات لهم للتظاهر وإعلان الغضب واستغلال مراسم العزاء فى الكاتدرائية، وبعد أن أدى البابا صلاة القداس على روح سنبل، خرج بعدها هو والقس الدكتور صفوت البياضى رئيس الطائفة الإنجيلية من الباب الخلفى من الكاتدرائية، وتوجه البابا إلى المطار لمغادرة القاهرة لحضور مؤتمر مجلس كنائس الشرق الأوسط، وعاد صباح الأربعاء 9 ديسمبر 2004، وبين الأحد والأربعاء بدأ الشباب القبطى اعتصامًا مفتوحًا داخل الكاتدرائية، وطالبت الجهات الأمنية بتهدئة الشباب، وقالت هذه الجهات أنه ليس هناك مانع من تسليم السيدة شريطة عقد جلسة نصح وإرشاد معها، فإذا وافقت فنحن مستعدون أن نسلمها إليكم فورًا، ونحن نستعجل هذه الجلسة اليوم قبل الغد، ولكن قادة الكنيسة رفضوا وأصروا على تقديم معلومات غير صحيحة إلى الشباب الغاضب الذى قالوا له: “إن زوجة أبوكم تم اختطافها وإجبارها على الإسلام وأن الأمن يتستر على هذه الجريمة”. ولكن الكنيسة وجدت أن الدولة مصممة على موقفها بتطبيق القانون الذى جرى العرف عليه فى كل الحالات السابقة، فاضطروا للموافقة ولكن بشروط محددة منها: “أن يتم تسليم السيدة وفاء قسطنطين لتودع فى أحد المقار التابعة للكنيسة فى منطقة عين شمس، وألا يسمح لأحد سوى القساوسة أو من تريد الكنيسة بمقابلة السيدة وفاء، ويُرفض نهائيًا حضور أى رجل دين مسلم أو أى رجل أمن مسلم كما يحدد القانون”، واستجابت الحكومة لطلبات الكنيسة كاملة، وتجاهلت القانون الذى يحدد مكان المقابلة فى مديرية الأمن وبحضور آخرين إلى جانب القساوسة.
وعندما أبلغ الأمن السيدة وفاء بالموعد قالت لهم إننى صائمة فى هذا اليوم وكل ما أطلبه هو فقط ساعتان حتى أتمكن من الإفطار فى الخامسة مساء، وحاول الأمن معها كثيرًا إلا أنها أصرت على أن تفطر بعيدًا عن المكان الذى جرى الاتفاق عليه، وأخطرت الكنيسة بالأمر، إلا أن البابا صمم على الموعد فى الثالثة ظهرًا مهما كان الثمن، وحاولوا معها مرة أخرى، إلا أنها رفضت وبإصرار، وفى محاولة لتقديمها بأسرع وقت ممكن اصطحب عدد من رجال الأمن السيدة وفاء إلى كافيتريا قريبة من دار الفتيات المسيحيات، فتناولت الإفطار وأدت الصلاة هناك، وبعد نحو ثلث ساعة كانت بين أيدى الراهبات والقساوسة الذين منعوا أيًا من أفراد الأمن من الدخول. وفى هذا الوقت كان البابا شنودة قد اعتبر أن ما جرى يعد إهانة غير مقبولة واستهانة مرفوضة، ورفض كل الأعذار وقرر المضى بعيدًا عن الأعين إلى دير وادى النطرون، وألغيت عظة الأربعاء، وبعدها خرج الأنبا يؤانس سكرتير البابا ليعلن أمام المتظاهرين أن البابا قرر الاعتكاف فى الدير وألغيتالعظة؛ لأن الأمن لم يكن صادقًا معه ولم يسلم السيدة وفاء كما وعد، وكأن الأنبا قد ألقى بقنبلة تفجرت ذراتها غضبًا وحنقًا وصراخًا، فتحركت الجموع الحاشدة تهتف هتافات بشعة تطال الوحدة الوطنية وتكشف عن مؤامرة خفية، وزحفت الجموع نحو الخارج، وفجأة ودون سابق إنذار انهالت الأحجار التى جرى إعدادها من قبل ضد رجال الشرطة فأدت إلى جرح 55 ضابطًا وجنديًا.
   وظلت الهتافات تدوى، وراح المتظاهرون يبحثون عن وسيلة للخروج إلى الشارع فتسلقوا أسوار الكنيسة واعتدوا على الكنيسة البطرسية المجاورة، ووفقًا للبلاغ الذى تقدم به الكاهن “لوقا بطرس” إلى مأمور قسم الوايلى، أكد حدوث تلفيات كبيرة بالكنيسة، ولم تتوقف هذه التظاهرات إلا عندما خرج الأنبا يؤانس ليقول لهم إن أمكم وفاء تم تسليمها وهى الآن فى حوزة الكنيسة، ولم يدل بهذا التصريح إلا بعد فترة من إبلاغ بعض القساوسة ورجال الأمن له بأن السيدة وفاء تم تسليمها بعد صلاة المغرب مباشرة. وفور سماع المتظاهرين لهذا النبأ هتفوا جميعًا: “عايزين نشوفها”، ثم كرر الأنبا يؤانس الخبر، ولكنه أضاف أن الأمن كان قد اتفق مع البابا شنودة على أن السيدة ستعود فى تمام الساعة الرابعة، ولكنها لم تعد إلا فى الساعة السادسة، مما جعل البابا يذهب إلى الدير احتجاجًا على هذا التأخير، ولكن لم تطمئن جموع المتظاهرين لتصريح يؤانس، فعلت هتافاتهم واقتربوا أكثر وأكثر من البوابة الرئيسة وقذفوا المجندين بالحجارة، مما أدى إلى إصابة عدد من رجال الشرطة، وألقت قوات الشرطة القبض على بعضهم، وأمرت النيابة فى اليوم التالى بحبسهم متهمين بالتجمهر وضرب الوحدة الوطنية، وبعد أن عادت السيدة وفاء قيل إن الكنيسة أخذتها إلى مكان ما، وإن هناك اتفاقًا مع الجهات الأمنية، بأنها إذا أرادت أن تستمر فى إسلامها تعاد إلى المكان الذى جاءت منه وذلك خلال فترة زمنية محددة اُتفق عليها بين الكنيسة والأمن.
وفى داخل مبنى الفتيات المسيحيات بدأ القساوسة رحلة النصح والإرشاد، ولم يسمحوا لكائن من كان بالدخول إلا للشخصيات التى يأمرون هم فقطبدخولها، وكانت الجلسات الأولى صعبة وهو ما دعا أحد القساوسة إلى إصدار تصريح قال فيه: “إن الأمر يستلزم شهورًا، بل إن الكنيسة طلبت من وزارة الداخلية مدة سنة تبقى فيها وفاء تحت أيديهم”. وفى يوم الثلاثاء 14 ديسمبر2004 تم إبلاغ رجال الأمن بأن السيدة وفاء قسطنطين قد عادت إلى ديانتها المسيحية وانتهى الأمر تمامًا، فأصر رجال الشرطة على تسجيل ذلك أمام النيابة، وبعد جدل طويل كانت وفاء أمام وكيل النيابة بالفعل، وفى محضر النيابة كانت الكلمات المدونة تقول على لسان وفاء قسطنطين “سبق أن طلبت من الشرطة إثبات رغبتها فى تغيير ديانتها فأوضح المسئولون أن الإجراءات تقتضى عرضها عل لجنة النصح والإرشاد بالكنيسة، وبعد موافقتها ومقابلتها للجنة المشار إليها وقيامهم بمناقشتها فى معتقداتها الدينية عدلت عن طلبها السابق” وقررت فى نهاية أقوالها فى التحقيقات أنها ولدت مسيحية وعاشت وسوف تموت مسيحية”85. وكان قرار النيابة هو صرفها بدون حراسة، وعلى الفور تسلمها عدد من القساوسة ومضوا بها، بينما راح رجال الأمن يتولون تأمينها من بعد، وفى هذا الوقت خرج الأنبا موسى أسقف الشباب بتصريح قال فيه: “إن وفاء كانت تجتاز أزمة نفسية ففكرت أن يكون الإسلام حلا فلجأت إلى أمن الدولة ثم استعادت رشدها”86.

أحداث الفيوم (27 فبراير 2005):
تظاهر نحو 1500 قبطى فى مدينة الفيوم؛ احتجاجًا على اختفاء فتاتين يعتقد أنهما اعتنقتا الإسلام، وقال مصدر فى الشرطة المصرية إن المتظاهرين تجمعوا أمام كنيسة مارى جرجس وسط مدينة الفيوم، وطالبوا زعماءهم الدينيين بإلقاء الضوء على مصير شابتين يرجح أنهما اعتنقتا الإسلام87.

أزمة كنيسة مارى جرجس (أكتوبر 2005):
شهدت مدينة الإسكندرية خلال شهر أكتوبر 2005، عدداً من الأحداث، تنوعت مظاهرها بين التظاهر السلمى، والحشود الأمنية، والمواجهات العنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين من المسلمين، وصولاً إلى سقوط قتلى وجرحى من المسلمين والأقباط، وجاءت هذه الأحداث كرد فعل على ما تناقلته بعض وسائل الإعلام حول وجود مسرحية عرضتها كنيسة “مارى جرجس” الواقعة فى حى محرم بك بمدينة الإسكندرية، تحتوى على ما اعتبره البعض إساءة للمسلمين وللدين الإسلامى وللقرآن الكريم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أثارت هذه الأحداث جدلاً واسع النطاق بين مختلف أطياف الشارع السياسى المصرى، وأفرز هذا الجدل مزيداً من الاحتقان داخل المجتمع المصرى، الذى كان يشهد فى هذه الآونة العديد من الأحداث التى قادت إلى نوع من السخونة بين الأطراف المتباينة، بحيث أصبح المجتمع قابلاً للانفجار مع إشعال أول عود ثقاب، حتى لو كان لا يستحق.
وفى مقابل هذا التصاعد فى الجدل والتوتر الذى يعانى منه المجتمع، برز تيار ينادى بتغليب العقل وإعمال الحكمة، والتصدى لكل ما من شأنه التأثير على الوحدة الوطنية المصرية، وإيجاد الآليات التى يمكن من خلالها الحد من حالة الاحتقان التى يعانى منها الشارع المصرى، والبحث عن المشترك الذى يوحد الجميع، وتجنب كل عناصر الفرقة والاختلاف88.
   وقد تعددت التقارير الحقوقية، التى رصدت الأحداث التى شهدتها مدينة الإسكندرية وتطوراتها، حيث أرسلت منظمات حقوق الإنسان المصرية بعثات خاصة لتقصى الحقائق حول هذه الأحداث، ومن أهمها تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، الصادر فى 6 نوفمبر 2005 بعنوان “أحداث الإسكندرية: الأسباب واستراتيجية المواجهة”، والذى رصد الأحداث فى خمسة مشاهد أساسية، جاءت على النحو التالى:
أولًا: فىصيف عام 2003م كان كورال الكنيسة الأرثوذكسية “كنيسة مارى جرجس” بشارع محرم بك فى مدينة الإسكندرية يقدم مسرحية بعنوان “كنت أعمى والآن أبصر”، والتى تقدم شخصية شاب قبطى يتحول إلى الإسلام ثم يعود للمسيحية مرة أخرى، وتم تصوير المسرحية بكاميرا فيديو فى إطار توثيق أعمال كورال الكنيسة.
ثانيًا: قام بعض الشبابفى جامعة القاهرة وفى الأول من رمضان بتوزيع إسطوانات (CD) بغلاف كتب عليه هدية رمضان يتلقفه شباب الجامعة اعتقادًا منهم بأنه يحمل إمساكية شهر رمضان الكريم أو أى شىء يتعلق بهذا الشهر، إلا أنهم يفاجئون بأن الـ (CD) محمل عليه مسرحية “كنت أعمى والآن أبصر”، وداخل غرف الشات على الإنترنت يخبر شباب الجامعة بعضهم البعض حول موضوع الإسطوانة، وأن تلك المسرحية تحمل بين فصولها إهانة للدين الإسلامى وللنبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتصل نسخ من تلك الإسطوانات إلى جامعة المنصورة، وتتلقف جريدتين مستقلتين الــCD وتنشر نص المسرحية، بل أن بعض الشباب قام بتصوير الصفحات المنشورة بالجريدتين والتى بها نص المسرحية وتم توزيعها على نطاق واسع من الشباب.
ثالثًا: خرج المصلون فى مساء الجمعة 14 أكتوبر 2005 من مسجد أولاد الشيخ بمحرم بك بالإسكندرية بعد صلاة التراويح، متجهين نحو كنيسة مارى جرجس، وحاصر الأمن الكنيسة فى ظل إغلاق أبوابها، وبدأ المصلون فى التظاهر وانضم إليهم العديد من المواطنين ليصل تعداد المتظاهرين ما يفوق خمسة آلاف فردًا، وردد المتظاهرون بعض الهتافات مطالبين بمحاسبة المسئولين عن عرض مثل تلك المسرحية وتقديم الاعتذار اللائق،وتدخل إمام مسجد أولاد الشيخ محاولًا تهدئة المتظاهرين، كما تدخلت أكثر من شخصية غير رسمية بهدف إقناع المتظاهرين بفض تظاهرهم، على أن يتم محاسبة من تثبت مسئوليته، وقد امتثل المتظاهرون لهذا الطلب على أمل أن يتم التحقيق فى الأمر، وقد اتفقوا على أنه إذا ما لم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة للتحقيق فى تلك الواقعة سيتم التظاهر مرة أخرى يوم الجمعة 21 أكتوبر، وخلال ذلك الأسبوع لم تقم أجهزة الدولة باتخاذ أية إجراءات ملموسة لتهدئة الأمور، وكل ما قامت به الجهات الحكومية هو إقامة حفل إفطار ضم كل من البابا شنودة ود. طنطاوى شيخ الأزهر وبعض القيادات السياسية، وخروج التصريحات الصحفية من قبل المفتى، الذى صرح بأنه “لا يوجد ما يؤكد صحة ما تردد عن وجود (سى دى) يسئ للإسلام”.
رابعًا: فى 19 أكتوبر 2005 قام أحد الشباب المسلمين بطعن إحدى الراهبات من دير القديسة دميانة أثناء وقوفها أمام كنيسة مارى جرجس بمحرم بك، وأثناء محاولته الهرب أصاب أحد المحامين والذى كان بالقرب منه، وقد أُلقى القبض عليه بمعرفة قوات الأمن التى كانت بمنطقة محرم بك، وتمت إحالته إلى النيابة العامة.
خامسًا: استعدت قوات الأمن يومالجمعة 21 أكتوبر 2005 منذ الصباح الباكر لمحاصرة مسجد أولاد الشيخ وكنيسة مارى جرجس، ومع اقتراب موعد صلاة الجمعة أغلقت قوات الأمن شارع محرم بك من بدايته وأغلقت محطة مصر ومنعت المصلين الشباب من الوصول إلى مسجد أولاد الشيخ ولم تسمح بمرور غير السيدات والشيوخ والأطفال، الأمر الذى أدى إلى استفزاز المصلين وعقب انتهاء صلاة الجمعة تجمع العديد من الشباب أمام كنيسة مارى جرجس ليتجاوز تعدادهم أكثر من خمسة آلاف وهم يرددون بعض الهتافات المطالبة باعتذار الكنيسة، كما حملوا بعض اللافتات المطالبة بمحاكمة المسئولين عن إنتاج تلك المسرحية.وحاول المتظاهرون اقتحام كنيسة مارى جرجس، إلا أن قوات الأمن حالت دون اقتحامها، وقامت قوات الشرطة بإطلاق المئات من القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى، وعليه قام المتظاهرون برشق قوات الشرطة والكنيسة بالأحجار التى انتزعوا بعضها من أسفل قضبان الترام واستمرت تلك المواجهات فوق ما يزيد عن أربع ساعات متصلة، وفى أعقاب صلاة التراويح فى نفس اليوم تجمع آلاف المواطنين، محاصرين كنيسة مارى جرجس وقاموا برشقها والشرطة بالحجارة، وقد ردت عليهم قوات الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى، الأمر الذى أدى إلى إصابة العديد من المواطنين ومقتل ثلاثة آخرين.
   وقد انتقلت المواجهات فيما بين المتظاهرين وقوات الشرطة للشوارع المتفرعة من شارع محرم بك، وقام المتظاهرون بتحطيم محلات بيع الخمور وبعض المحلات التى يملكها الأقباط كما تم إحراق ثلاثة سيارات، وحاول المتظاهرون اقتحام الكنيسة الإنجيلية بشارع ابن زهرون بمنطقة غربيال بمحرم بك أيضا، وبشارع إيزيس قام المتظاهرون بتحطيم واجهة مستشفى إيزيس وتحطيم صيدلية مملوكة لمسيحى، وقامت قوات الشرطة بمطاردة المتظاهرين إلى أن توقفوا فى حوالى الثانية من صباح اليوم التالى. وقامت قوات الشرطة بإلقاء القبض على أكثر من مائة متظاهر، وقد وجهت لهم النيابة العامة عده اتهامات منها تعطيل الموصلات العامة، ومقاومة السلطات، والتجمهر والقيام بأعمال شغب، والاعتداء على الأموال العامة والممتلكات الخاصة، وتم التحقيق مع المتهمين يوم السبت الموافق 22 أكتوبر 2005، وأمرت النيابة العامة بحبسهم 15 يوما رهن التحقيقات، وفى مساء نفس اليوم قامت بعض الجهات غير الرسمية بعدد من المحاولات لاحتواء الموقف، وتم تنظيم مظاهرة بمنطقة غيط العنب جمعت عنصرى الأمة، وظلت تهتف بهتافات تنبذ الفتنة الطائفية89.
   وقد أشار تقرير بعثة تقصى الحقائق للجمعية المصرية لدعم التطور الديمقراطى” إلىعدد من النتائج حول هذا الحدث، منها90:
– أن المتظاهرين الذين شاركوا فى المظاهرات على مدار أسبوعين وحاولوا اقتحام الكنيسة لم تشاهد الأغلبية الساحقة منهم المسرحية التى قيل أنها تضمنت إساءة بالغة للمسلمين والإسلام، وأن هذه الأغلبية بنت موقفها وتحركها من خلال السمع والشائعات التى وصلت إليهم.
– أن هناك أفراد وجهات مستفيدة من أحداث العنف الطائفى شاركت فى تحريك وتوجيه الأحداث مستغلة فى ذلك المشاعر الدينية لدى المسلمين من أهل الإسكندرية، وهو ما يفسر رفع سقف مطالبات المتظاهرين وإصرارهم على ضرورة اعتذار البابا شنودة بنفسه.
– أن انتخابات مجلس الشعب ألقت بظلال سلبية على الأحداث، حيث قام أحد أعضاء المجلس والمرشح للانتخابات القادمة بتأجيج مشاعر الغضب وإثارة النعرات الطائفية لدى جموع المصلين، وهو ما يؤكد تغليب المصالح الذاتية المحدودة الضيقة على مصالح الوطن.
– أن قيادات الكنيسة القبطية تجاهلت الأحداث فى بدايتها ولم تأخذها على محمل الجد، وكان يمكن أن تبادر باتخاذ موقف أكثر سرعة ووضوحًا لمعالجة الأحداث وتداعياتها.

أحداث بلقاس بالدقهلية (ديسمبر 2005):
شهدت مدينة بلقاس بالدقهلية مظاهرات نظمها عدد من الأقباط، بعد الكشف عن إعلان إسلام فتاتين، وتزوجهما من مسلمين91.

أحداث الشرقية (يناير 2006):
شهدت قرية كفر سلامة بمحافظة الشرقية قيام بعض أبناء القرية من المسلمين بإحراق منازل 20 أسرة قبطيةفى أعقاب مشاجرة عادية بين عائلة قبطية وأخرى مسلمة انتهت بمصرع مواطن مسلم، وقد تم تشكيل مجلس للصلح بحضور سكرتير عام المحافظة ومأمور مركز منيا القمح انتهى إلى إلزام الأسر القبطية التى أضرمت النيران فى منازلها على دفع نصف مليون جنيه على سبيل الدية لأهل القتيل المسلم وإخراج أفراد هذه الأسر من القرية لكون أحد أفرادها هو المشتبه فيه فى قتل المسلم، كما أُجبروا على بيع عقاراتهم المملوكة لهم لأبناء القتيل92.

أحداث الأقصر (يناير 2006):
اندلعت مشاحنات ومواجهات عقب تحويل بيت للضيافة فى قرية العديسات بالأقصر إلى كنيسة، دون الحصول على ترخيص رسمى؛ مما أدى إلى حالة احتقان سارع على إثرها عدد من الشباب بإشعال النيران فى بعض العشش والزراعات المجاورة لبيت الضيافة، مما أدى إلى احتكاكات بين الجانبين، وقد أعلنت قوات الشرطة حالة من الاستنفار فى القرية، عقب وفاة أحد المصابين متأثرًا بجراحه، كما أُلقى القبض على نحو 30 مسلمًا وقبطيًا من المتهمين الذين يعتقد مشاركتهم فى الأحداث. وقد طالب أئمة المساجد فى الأقصر مواطنى المدينة من مسلمين وأقباط بالتماسك والوحدة وعدم الوقوع فريسة سهلة للمخربين ومثيرى الفتن، وأكدوا أن المسلمين والمسيحيين يعيشون فى جو من الأخوة والمحبة، وأن الأقصر ليست صيدًا سهلًا للمخربين، كما ناشد شيخ الأزهر فى خطبة الجمعة التى ألقاها بأسوان فى 20 يناير 2006 العقلاء التدخل للإصلاح ولم الشمل عند حدوث أى خلاف بين عنصرى الأمة، مطالبًا الجميع بالعمل من أجل خير ورخاء مصر93.

أحداث العياط بالجيزة (19 فبراير 2006):
بدأت هذه الأحداث (وفق الرواية القبطية) عندما قام مسيحيو عزبة واصف غالى بالعياط بافتتاح مبنى خاص بهم اشترته المطرانية، وحصلوا على موافقات الجهات المختصة على إعادة افتتاحه، حيث كانت العزبة نفسها قد شهدت أحداث عنف قبل 3 سنوات على ذات المبنى، وقام مسلمو القرية من الرجال والنساء بالهجوم على جيرانهم المسيحيين وتحطيم وحرق بعض المنازل، وفى اليوم التالى هاجم العزبة أعداد من مسلمى القرى والعزب المجاورة يحملون العصى وينددون بالمسيحيين. وتم القبض على عدد من المسلمين والمسيحيين، وأفرج عن بعضهم عقب الصلح الذى اُتفق فيه على افتتاح جزء من المكان، والسماح للمسيحيين بإقامة مدارس للأولاد واجتماعات فيه.

أحداث قنا (25 فبراير، 1 أبريل 2006):
فى 25 فبراير فرضت سلطات الأمن المصرية طوقًا أمنيًا على قرية الشعب بمحافظة قنا خوفًا من اندلاع أحداث عنف طائفية إثر تردد شائعات عن قيام بعض الأقباط بنشر رسائل تسىء إلى الإسلام والرسول الكريم فى القرية، لكن مدير أمن قنا نفى وجود أى أحداث عنف طائفية فى القرية، وباشرت نيابة إسنا التابعة لها قرية الشعب التحقيق فى اشتعال النيران فى منزل أحد المواطنين المسيحيين، والذى نفى فى التحقيقات قيام مسلمين بإشعال النيران فى منزله، وقال إن شررًا تطاير من فرن ريفى لجاره القبطى وتسبب فى اشتعال النيران بأكوام “القش” أعلى سطح منزله. وأوضح مدير أمن قنا أن الحريق تزامن مع سريان شائعة بالقرية عن قيام أحد الأقباط بالإساءة للدين الإسلامى، مما أثار قلق الطرفين وخوفهم من وجود محاولة لإثارة الفتنة، وقاموا بإبلاغ الأجهزة الأمنية التى انتقلت على الفور إلى القرية واتخذت الإجراءات الأمنية اللازمة94.
وفى 1 أبريلقامت أجهزة الأمن بقنا بعقد مصالحة تاريخية حضرها أكثر من ألفى شخص، وذلك بمعاونة لجنة المصالحات الأهلية، ونجحوا بذلك فى إسدال الستار على الأحداث الطائفية التى شهدتها قرية فاو بحرى بدشنا وأصيب فيها ٤ من المواطنين، وتم التأكيد خلال المصالحة أن هناك جهات خارجية تتربص بمصر وتسعى للتفريق بين المسلمين والمسيحيين، وطالب البعض بتشكيل لجنة من حكماء الطرفين مهمتها وأد أى خلاف فى مهده95.

حادث المحلة الكبرى بالغربية (أبريل 2006):
اختفت فتاة مسيحية عن منزلها، ثم تم إعلان إسلامها وتوزيع شهادة إشهار إسلامها على المارة فى الشارع العام بالمحلة الكبرى، وذلك دون استجابة من السلطات لمطالب أهل الفتاة بإجلاء مصيرها ومقابلتها لاستبيان كيفية إشهارها إسلامها، ووفقًا لما ذكره والدها فقد اختفت الفتاة من محل عملها يوم 5 أبريل 2006، فتقدم ببلاغ إلى قسم الشرطة ثم توجه إلى مكتب مباحث أمن الدولة يوم 6 أبريل متهمًا صاحب العمل باختطاف كريمته, وبصحبة محاميه توجه فى اليوم التالى إلى الكاتدرائية بالقاهرة؛ لإخطار الأنبا يوأنس سكرتير نيافة البابا شنودة بواقعة الاختطاف، مطالباً بالتدخل لدى السلطات المعنية، ويوم 8 أبريل توصلت أسرة الفتاة إلى معلومات بإشهار الفتاة إسلامها، وفى صباح 10 أبريل احتشد جمهور ضخم من أقارب الفتاة ومواطنين مسيحيين مطالبين بإجلاء مصير الفتاة وتسليمها لهم، وتولى الآباء الكهنة صرفهم، ثم تقدم محامى الأسرة ببلاغ اتهم فيه مباحث أمن الدولة ومباحث القسم بتعمد التباطؤ فى الإجراءات والتواطؤ مع المشكو فى حقه, واعتصم المسيحيون بكنائس المدينة احتجاجاً على الأمر.

أزمة الإسكندرية (أبريل 2006):
تعددت العوامل والاعتبارات التى شكلت البيئة المحيطة بأزمة سيدى بشر بالإسكندرية فى أبريل 2006، والتى كان لكل منها تأثيره بدرجة أو بأخرى على الأزمة، وتداعياتها وردود الفعل المختلفة بشأنها، حيث كانت هذه العوامل بمثابة محفزات للتوتر وعدم الاستقرار السياسى والاقتصادى والاجتماعى والأمنى، على مستوى الدولة والمجتمع فى المرحلة التى سبقت الأزمة، والتالية لها96. أما عن الحدث نفسه، ففى صباح يوم الجمعة 14 أبريل 2006، ووسط الاحتفالات بالعديد من المناسبات الإسلامية (المولد النبوى الشريف) والمسيحية (أحد السعف، وعيد القيامة المجيد، وعيد شم النسيم) والوطنية (الاحتفال بتحرير سيناء)، خلت الشوارع من المارة وازدحمت الكنائس بالمصلين الذين أنهوا قداسهم وخرجوا ليبدأوا يومهم، فظهر شاب شاهرًا سيفين بيده وقائلًا: “لا إله إلاالله” أمام كنيسة القديسين بسيدى بشر، واعتدى على ثلاثة أشخاص، أحدهم سقط قتيلا وأصيب الآخران، وكل ذلك فى لحظات وسطدهشة المصلين الذين خرجوا توًا من الكنيسة، وحاول عدد من رواد الكنيسة الإمساك به ولكنه جرى مسرعًا، وحاولوا اللحاق به ولكنهم لم يستطيعوا، وقال شهود عيان إنه ركب إحدى السيارات، وأكدوا أنه لم يكن بمفرده حيث كان بصحبته شخص آخر فى السيارةوفرا هاربين، ثم حدث هجومين آخرين على كنيستى مارى جرجس بسبورتنج ومارى جرجس بالحضرة97.
  وفى اليوم التالى شهدت الإسكندرية العديد من الأحداث المتصاعدة، والتى واكبت تشييع جنازة ضحية الحادث، ففى الوقت الذى قام فيه عدد من المتظاهرين بالاعتداء على المارة والمنشآت، دعا أئمة المساجد فى الإسكندرية عبر مكبرات الصوت إلى تهدئةالأوضاع، وقال شهود عيان إن الموكب الجنائزى من كنيسة القديسين إلى المقابر تعرض لإلقاء الحجارة من المبانى الواقعة فى شارعمجاور للكنيسة، فيما كانت مصادمات بالعصى تدور بين مسلمين وأقباط فى الشارعوتم إحراق إحدى السيارات، وتدخل رجال الأمن على الفور وقسموا الموكب الجنائزىإلى قسمين لمحاصرة المتظاهرين المشتركين فى المصادمات، وبدأت المناوشات بين الطرفين تزداد بعد أن ظهر بعض الشبابيقذف وابلاً من الحجارة على المتظاهرين، وقد سُمع من داخل الكنائس هتافات عنيفةضد المسلمين وضد الحكومة، وتواصلت الصدامات الطائفية بين المسلمين والأقباط لليوم الثالث على التوالى فى الإسكندرية، مع الإعلان عن وفاة مسلم متأثراً بجروح أصيب بها فى مواجهات السبت 15 أبريل، وأسفرت المواجهات الجديدة عن سقوط حوالى 43 جريحاً واعتقال 50 شخصاً، ونشرت قوات الأمن أعدادًا كبيرة من رجالها حول الكنائس والمساجد التى شوهد فى محيطها شبان مسلمون وأقباط مزودون بسيوف وسكاكين وأنابيب غاز محمولة على الأكتاف.
    وقد تم إيداع المتهم فى الحادث بمستشفى المعمورة للأمراض النفسية والعقلية لفحص قواه العقلية‏,‏ وذلك بعد أن وجهت النيابة إليه تهم القتل‏,‏ والشروع فى القتل‏,‏ وحيازة سلاح أبيض‏,‏ واقتحام دور العبادة‏، ثم بدأت نيابة شرق الإسكندرية تحقيقاتها فى الأحداث‏, التى نشبت بين مجموعتين من الأقباط والمسلمين أثناء تشييع جثمان المتوفى المسيحى فى الأحداث‏,‏ وأسفرت عن وفاة مسلم‏,‏ وإصابة‏31‏ شخصًا آخرين‏,‏ من بينهم أربعة من رجال الشرطة‏,‏ وحرق وإتلاف‏عدد من السيارات والمحلات التجارية98.

فتنة العياط (مايو 2007):
تعرض الأقباط فى بمها التابعة لمركز العياط بالجيزة لاعتداءات يوم 11 مايو بعد صلاة الجمعة، وذلك إثر شائعة بتحويل أحد المنازل إلى كنيسة؛ وهو ما تسبب فى حرق العديد من منازل الأقباط وإصابة العديد منهم، كما تم نهب وحرق بعض المحلات والمتاجر الخاصة بالأقباط، وانتهت الأحداث بعقد جلسة عرفية للصلح بين الطرفين99.

قضية دير أبو فانا (مايو 2008):
تعرض دير أبو فانا الواقع فى المنيا لهجوم عن طريق مجموعة من الأعراب، وذلك بسبب نزاع على قطعة أرض بين الدير والأعراب، وهذه الأرض محل النزاع ملك للدولة ولم يتم تخصيصها لأى طرف من الطرفين المتنازعين بالشكل القانونى السليم، وحينما سقط قتيل وأصيب آخرون فقد تحول الأمر إلى قضية طائفية، كما يرجع بعض المحللين الخلافات على منطقة الدير إلى كشف أثرى أعلنت عنه البعثة الأثرية النمساوية للتنقيب عن الآثار عام 2003؛ مما دفع بعض الأعراب إلى السعى للسيطرة على المنطقة للتنقيب عن هذه الآثار، واستغل بعض أقباط المهجر هذه الأحداث للترويج لادعاءات الاعتداء على الأقباط والزعم بوجود محاولات لإجبار الرهبان على ترك مسيحيتهم100. إلا أن الحادث قد أسفر عن إحداث تلفيات فى الدير والممتلكات المحيطة به، كما نجم عن الاشتباك مقتل مسلم وإصابة أربعة مسيحيين، واختطاف ثلاثة رهبان لفترة وجيزة، وأعقب المصادمات بيوم واحد اندلاع مظاهرة شارك فيها حوالى 300 شاب قبطى فى ملوى101.

أحداث المحلة الكبرى (مايو 2009):
شهدت عزبة توما التابعة لقسم أول المحلة الكبرى بمحافظة الغربية أحداثا دامية بين عائلتين إحداهما مسيحية والأخرى مسلمة ليشتعل فتيل الفتنة الطائفية بالمنطقة بعد اختفاء فتاة قبطية لمدة أسبوعين، وذلك لارتباطها بأحد الشباب المسلم، ثم هدأت الأوضاع بعد أيام من الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، وقد تم إعادة الفتاة وإرسالها للدير حتى تهدأ الأوضاع102.

فتنة الدقهلية (يونيه 2009):
وقعت صدامات طائفية فى قرية كفر البربرى بمدينة المنصورة التابعة لمحافظة الدقهلية، بعد أن قُتل شاب مسلم أثناء مشاجرة مع صاحب متجر مسيحى بسبب خلاف على ثمن زجاجة مياه غازية؛ مما أدى إلى اندلاع اشتباكات طائفية، حيث توجه عشرات من المسلمين عقب مقتل الشاب إلى منزل صاحب المتجر المسيحى، وأضرموا فيه النيران وفى منزل مجاور، إلا أن الشرطة تمكنت من السيطرة على الموقف، بعد أن أوقفت عددا من الأشخاص شاركوا فى هذه الصدامات103.

أحداث بنى سويف (يونيه 2009):
حدثت اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بعزبة جرجس يوسف التابعة لنزلة أقفهص بمركز الفشن الواقع فى محافظة بنى سويف، بسبب وجود منزل مكون من 4 طوابق يسكنه الأب سمعان كاهن العزبة، والذى يقع بالقرب من مسجد بالعزبة، واعتقد المسلمون أن المسيحيين يحاولون تحويل المنزل إلى كنيسة، وقد حاصرت قوات الأمن العزبة وحولتها إلى ثكنة عسكرية، كما دفعت بأعداد كبيرة من قوات الأمن المركزى حول المناطق المؤدية إلى كنيسة الفشن104.

فتنة المنيا (يوليو 2009):
شهدت قرية الحواصلية التابعة لمركز المنيا أحداثًا طائفية فى يوليو 2009 بين مسلمى ومسيحى القرية؛ بسبب تحويل أحد المنازل بالقرية إلى كنيسة، وقامت قوات الأمن بمحاصرة القرية إثر المصادمات بين الطرفين والتى نشبت عقب تركيب صليبين من الجبس على واجهة الدور الثانى بالعقار محل سكن أحد أقباط القرية، والذى أكد أن المنزل ملك للطائفة المعمدانية الوطنية للكنيسة الأنجيلية، وأنها ستقوم بالإجراءات اللازمة للحصول على الترخيص لإقامة الشعائر الدينية فى هذا المكان؛ مما دفع مسلمى القرية إلى التجمهر أمام المنزل عقب الانتهاء من صلاة الجمعة، محاولين الوصول إلى المنزل وتصدت لهم قوات الأمن وقيامهم بإلقاء الطوب والحجارة وكرات النيران، فيما كثف الأمن تواجده بالقرية لمنع حدوث المصادمات من جديد بين الطرفين، خاصة بعد إصابة 4 أشخاص من الجانبين105.

أحداث نجع حمادى بقنا (6 يناير 2010):
ترجع هذه الأحداث إلى ليلة عيد الميلاد المجيد 2010، حيث شهدت مدينة نجع حمادى إطلاق بعض الأشخاص أعيرة نارية بشكل عشوائى على المتواجدين أمام مطرانية الأرثوذكس بنجع حمادى، وراح ضحية الحادث ستة أقباط ومجند مسلم كان يؤدى خدمته، وأصيب تسعة أشخاص آخرون بطلقات نارية106، وأثناء تشييع جنازات القتلى اندلعت موجات من الاعتداءات الطائفية التى طالت منازل وممتلكات الأقباط بنجع حمادى وقرية بهجورة المجاورة، وعزبة تركس التابعة للقرية، حيث قامت مجموعات تحمل أسلحة بيضاء وعصياً وأوعية من البنزين بكسر أبواب المحلات التجارية وسرقتها وإشعال النيران فيها107.

أحداث مرسى مطروح (مارس 2010):
رغم أن محافظة مطروح تعد من أكثر المحافظات المصرية هدوءًا، إلا أنها قد شهدت فتنة طائفية بسبب إقامة سور بالقرب من كنيسة الملاك بمنطقة الريفية؛ حيث قام بعض الأقباط ببناء سور لمبنى خدمات ملحق بالكنيسة دون تصريح، فقام بعض المسلمين بهدمه وحصار الكنيسة والاعتداء على ممتلكات الأقباط، وهو ما أدى إلى إصابة أكثر من 30 مواطنًا، إلا أن الأحداث انتهت بجلسة صلح موسعة بين الطرفين108.

وقائع قضية كاميليا شحاتة (2010 – 2011):
بدأت وقائع هذه القضية فى يوليو 2010، حين تظاهر مئات المسيحيين من قرية دير أبو مواس بالمنيا فى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية؛ احتجاجاً على اختفاء زوجة القس “تادرس سمعان”، وهو ما بدا وقتها بأنه بوادر أزمة طائفية جديدة، خاصة مع ظهور شائعات لا يعرف أحد مصدرها بأنها تعرضت للاختطاف، وعلى الرغم من أن الامن استطاع التوصل للزوجة المختفية بعد أربعة أيام فقط من اختفائها، إلا أن عود الثقاب كان قد اشتعل وأمسكت النيران بوحدة الوطن. فعلى الرغم من أن الأمن أعلن أن السيدة كانت مقيمة عند أقاربها بالقاهرة نتيجة لخلافات عائلية مع زوجها، إلا أن الأقاويل والشائعات انطلقت بين السلفيين أن كاميليا قد أسلمت؛ ولذلك هربت من زوجها، وأن الأمن قد سلمها للكنيسة رغماً عنها، وهو ما كان بمثابة صب البنزين على عود الثقاب الذى مازال مشتعلاً، وخلال شهور عديدة تالية قام السلفيون فى الإسكندرية والقاهرة بمظاهرات ضد الكنيسة والبابا شنودة مطالبين بظهور كاميليا شحاتة وتفتيش الأديرة والكنائس للبحث عنها، فى الوقت الذى رفع فيه عدد من المحامين دعاوى ضد الكنيسة لتسليم كاميليا، ولم يُخمد الفتنة ظهور تسجيل على الإنترنت لكاميليا شحاتة تؤكد فيه أنها مسيحية وتنفى اعتناقها الإسلام حيث شكك السلفيون فى هذا التسجيل، ورغم أن ثورة 25 يناير وحدت بين الهلال والصليب إلا أنه مع حالة الانفلات التى سادت عادت مظاهرات السلفيين فى عام 2011 مرة أخرى، وبلغ الأمر فى إحدى المرات محاصرة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لتظهر كاميليا شحاتة مرة أخرى على إحدى القنوات الفضائية وتؤكد اعتناقها المسيحية، وأن كل ما حدث كان بسبب خلافات زوجية مع زوجها وتم التصالح بينهما وقتها، وأنه لا صحة مطلقاً لإشهار إسلامها109.

أحداث العمرانية بالجيزة (24 نوفمبر 2010):
اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن ومئات الأقباط فى منطقة العمرانية بالجيزة، كما نظم مئات الأقباط مظاهرة أمام محافظة الجيزة احتجاجاً على توقف أعمال البناء فى كنيسة العمرانية، وقد أسفرت الاشتباكات عن مقتل شاب مسيحى، وإصابة 55 شخصاً بينهم 13 من أفراد الشرطة ونائب مدير الأمن، وذلك أثناء قيام الشرطة بفض تجمع للأقباط كان متواجدًا أمام مبنى للخدمات فى العمرانية احتجاجاً على قرار رئيس الحى بوقف عمليات البناء فى الكنيسة، وقطع نحو 400 منهم الطريق الدائرى110.
كنيسة القديسيْن (يناير 2011):
وقع حادث تفجير سيارة مفخخة أمام كنيسة القديسين بمنطقة سيدى بشر بمدينة الإسكندرية وذلك فى 1 يناير 2011، سقط على إثره 21 قتيلًا وأصيب مائة شخص آخرون، وعقب الانفجار تجمهر مئات المسيحيين أمام المسجد المقابل للكنيسة بغية اقتحامه، وكانت نفس الكنيسة قد تعرضت فى 2006 لهجوم بالسلاح الأبيض كما أشرنا سابقًا111.

   يتضح مما سبق طرحه، أنه قد تعددت أنماط العنف الطائفى فى عصر مبارك، فكان منها حوادث العنف الجماعى، وحوادث مرتبطة بممارسة المسيحيين لشعائرهم الجماعية، وأخرى تتمثل فى استهداف الكنائس خاصة فى المناطق والقرى ذات الأغلبية المسلمة والتى تفاجأ ببناء كنيسة دون إنذار مسبق لهم، فى ظل أزمة الترخيص وبناء دور العبادة، كما ظهر نمط القتل العمد على أساس الهوية الدينية، والذى حدث أغلبه فى حالات التحول الدينى. ورغم ارتفاع نسب الحوادث الطائفية فى العقدين الأخيرين من عهد مبارك فإن نظامه ظل يستخدم حجج التهوين والإنكار لحقيقة الاحتقان الطائفى الماثلة للعيان، رغم أنه كان الأكثر تأزمًا طائفيًا على مختلف المستويات كما عرضنا فى التفاصيل السابقة.

تجاوزت الثورة المصرية فى 25 يناير 2011 شعار ثورة 1919 “الهلال مع الصليب” مؤكدة على مقولة “مصريين بلا تمييز”، وهو ما تجلى منذ بداية الثورة، وحتى بدء المرحلة الانتقالية بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ولكن لم يكد يمر شهر واحد على الثورة حتى انفجرت العديد من الحوادث التى فجرتها مشاعر غضب اجتماعى عنيف مثل حادث قرية صول، وشائعة احتجاز مسيحية أسلمت، والتى ظهرت على قناة مسيحية قبل أحداث إمبابة بيوم معلنة بقاءها على مسيحيتها، وتواترت حوادث التوتر الطائفى والعنف ضد المسيحيين وضد بعض المسلمين على السواء، ففى شهر أبريل قتل ثلاثة أشقاء مسيحيين شقيقتهم – التى تحولت للإسلام – مع طفلها فى منطقة كرداسة بالجيزة، إلا أن الحوادث ضد المسيحيين كانت هى الغالبة. وقد شهد شهر مارس وحده ثلاثة أحداث طائفية كبيرة، بعضها غير مسبوق، هى على الترتيب هدم كنيسة الشهيدين بقرية صول التابعة لمركز أطفيح بمحافظة الجيزة، وقتل وتدمير وتخريب فى المقطم فى، وقطع أذن قبطى متهم بإدارة أعمال منافية للآداب فى محافظة قنا، وفى منتصف أبريل خرجت مظاهرات بنفس المحافظة (قنا) اعتراضًا على تعيين محافظ مسيحى جديد للمحافظة، وهو ما اضطر الحكومة الانتقالية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستجابة لمطالبهم فى النهاية، وفى مايو حدثت أحداث إمبابة المروعة فى كنيسة مارمينا.

المحور السادس: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم المجلس العسكرى (فبراير2011- يونيه 2012)

–       أحداث أطفيح بالجيزة (مارس 2011): تعرضت كنيسة الشهيدين مارمينا ومارجرجس بقرية صول فى مركز أطفيح بمحافظة الجيزة للحرق والهدم على خلفية خلاف بين أهالى القرية؛ بسبب علاقة مشبوهة بين شاب مسيحى وفتاة مسلمة، إلا أن القوات المسلحة وعدت بإعادة بناءها كما كانت؛ انطلاقًا من الحرص على حماية الوطن من أى فتن وخلافات، وكذلك من أجل ضرورة عودة الأمن للقرية.

   وقد نتج عن هذه الأحداث عدد من الإصابات والوفيات؛ مما زاد من أجواء الاحتقان فى القرية وهو ما جعل الأقباط يتظاهرون أمام ماسبيرو حتى صدور قرار إعادة بناء الكنيسة، وعادت هذه المظاهرات مرة أخرى إلى الوجود بعد أن رفض مسلمو قرية (صول) عودة المسيحيين إلى القرية وقيام عدد من البلطجية بنهب محال ومنازل مسيحيى القرية، وطالب المعتصمون قوات الجيش بإعادة الأمن والهدوء إلى القرية، وهو ما تم بالفعل بعد تدخل العقلاء من الجانبين لتخطى الأزمة وعقد الصلح112.

–       وقائع المقطم (مارس 2011): هاجم بعض الشباب المسلمين مظاهرات الأقباط – التى نظموها اعتراضًا على أحداث قرية صول – فى مناطق المقطم ومنشأة ناصر والدويقة والقلعة والسيدة عائشة، وقد وقعت الاشتباكات بين المسيحيين والمسلمين على خلفية شائعة بحرق مسجد، وأسفرت هذه الأحداث عن مقتل 13 مواطن وإصابة أكثر من 130 آخرين، كما تم إحراق أربعة منازل خلال الأحداث113.

–       أحداث قنا (مارس – أبريل 2011): وقد بدأت بتعرض الموظف القبطى أيمن مترى لقطع أذنه وإحراق شقته وسيارته على يد بعض أعضاء جماعة السلفيين فى محافظة قنا بعد انطلاق شائعة حول علاقة آثمة له مع فتاة مسلمة، وانتهى الأمر بعقد مصالحة بين الأطراف المتصارعة114. أما الحادث الثانى فجاء باندلاع مظاهرات بنفس المحافظة (قنا) اعتراضًا على تعيين محافظ مسيحى جديد للمحافظة، وهو ما اضطر الحكومة الانتقالية لتغييره استجابة لمطالبهم.

–       أحداث إمبابة وعين شمس (مايو 2011): تعرضت منطقة إمبابة لحادث جراء فتنة طائفية أطلق عليها آنذاك “فتنة عبير”؛ حيث كانت بطلتها فتاة مسيحية تدعى عبير طلعت فخرى، وكانت متزوجة من شاب مسيحى وأسلمت وذهبت مع آخر مسلم، ورفعت قضية طلاق على زوجها المسيحى، وقالت أنها اُحتجزت بعدة أماكن تابعة للكنيسة وكان آخرها فى مبنى الأنبا يوحنا القصير بجانب كنيسة مارمينا بإمبابة، وأكدت أنها أخبرت زوجها المسلم بمكانها وحضر لنجدتها، وعندها تجمع بعض الشباب المسلم أمام الكنيسة بإمبابة محاولين دخولها للتفتيش عن عبير، وبعد التأكد من عدم وجودها داخل الكنيسة حدثت اشتباكات ثبت بعدها أن تاجرًا مسيحيًا مقيمًا بجوار الكنيسة ومعه آخرون هم وراء تلك الحادثة، وقد كان التاجر أول من أطلق الرصاص خلال الحادث، وحرض الشباب المسيحى على مهاجمة المسلمين، واشتعل الموقف بين الجانبين وحدث تبادل لإطلاق النار والمولوتوف، وهوجمت الكنيسة وقتل حراسها ثم حرقت. وسيطرت أجهزة الأمن على الوضع بعد حرق الكنيسة وأُلقى القبض على العديد من الشباب ممن أحرق الكنيسة وأطلقوا النار من أسطح العمارات المجاورة لها على المتظاهرين. وعقب ذلك بدأ مئات من المسيحيين اعتصام أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) للمطالبة بالتحقيق فورًا فى الهجوم على كنيسة مارمينا وأحداث العنف التى شهدتها منطقة إمبابة. واستمر الأٌباط فى الاعتصام وطالبوا بإعادة فتح عدد من الكنائس المغلقة بدون وجه حق، وعندما قرروا فض الاعتصام وتعليقه مؤقتاً فوجئوا بتعدى السلفيين على كنيسة العذراء بعين شمس؛ فقرر الأقباط مواصلة الاعتصام المفتوح، وذلك حتى عقدت جلسة عرفية بين عدد من كبار رجال الدين المسيحى ورجال الأمن وعدد من مشايخ المنطقة التى تقع بها كنيسة العذراء والأنبا أبرام بعين شمس، للوقوف على الحلول التي يرتضى بها كافة الأطراف وتساهم فى حل الأزمة115.

–       وقائع أسوان (سبتمبر 2011): شهدت قرية المريناب بمركز إدفو بمحافظة أسوان أحداث قلائل وشغب على خلفية قيام مجموعة من الأقباط بالقرية بتحويل مضيفة خاصة بهم إلى كنيسة، وبناء عدد من القباب أعلاها، الأمر الذى أثار بعض مسلمى القرية الذين رفضوا بناء أى كنسية دون وجود تراخيص لها، وهددوا بإزالتها بالقوة، إلا أنه تم العمل على فض الاحتجاجات بين الطرفين، وعقد جلسة عرفية للصلح بينهما، والعمل على حل الأزمة بشكل ودى، خاصة فى ظل التزام الجانب القبطى بالوعود التى اتخذوها سابقا بإزالة القباب المبنية أعلى المضيفة، نظرًا لعدم وجود أى صفة كنسية للمضيفة، وكانت الأحداث قد بدأت حينما طالب خطيب مسجد المريناب الأهالى بالتصدى لمشروع بناء كنيسة، رغم أن عدد المسيحيين بالقرية لا يزيد عن60 مواطنًا؛ فتوجه شباب المصلين إلى المبنى الذى كان يستخدمه المسيحيون دارًا للمناسبات لإزالته، وكادت تحدث فتنة طائفية، لولا تدخل العقلاء بالقرية، واشتعلت النيران بكشك خشبى لتشوين مواد البناء وتم إخماد الحريق بوصول قوات الأمن، وتمت السيطرة على الموقف وفض الاشتباك وتعيين خدمات أمنية مستمرة بالقرية لحين انتهاء الموقف116.

–       أحداث ماسبيرو (أكتوبر2011): قرر آلاف الأقباط التظاهر احتجاجًا على أحداث المريناب السابق ذكرها، واحتشد المتظاهرون من شبرا حتى وصلوا إلى مبنى ماسبيرو (التلفزيون المصرى) وبدأوا اعتصامهم السلمى هناك، وفى نفس الوقت تظاهر أقباط فى الإسكندرية وأسيوط والمنيا؛ للمطالبة بإقالة محافظ أسوان، واستمرت المظاهرات حتى حدثت مصادمات مع قوات الأمن وبشكل خاص قوات الشرطة العسكرية يوم 9 أكتوبر الذى أطلق عليه الأقباط “يوم الغضب القبطى”؛ مما أسفر عن مقتل أكثر من 26 مدنى وجرح 212 آخرين معظمهم من الأقباط، ووفاة وإصابة عدد من أفراد الجيش117.

–       أحداث العامرية بالإسكندرية (يناير 2012): شهدت قرية شربات بمنطقة العامرية فى الإسكندرية فتنة طائفية، أسفرت عن تهجير 8 أسر قبطية؛ بسبب تشهير شاب قبطى بسيدة مسلمة، وترويج مقاطع فيديو تظهرها فى مواضع غير لائقة118.

 

المحور السابع: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم مرسى (يونيه 2012- يونيه 2013)

شهدت هذه الفترة أحداثًا طائفية بارزة وفارقة فى تاريخ الوطن، كان على رأسها أحداث الخصوص والاعتداء على الكاتدرائية المرقسية بالعباسية فى أبريل 2013، وإصدار المجلس الملى العام للكنيسة الأرثوذكسية بيانًا حادًا أعرب فيه عن “قلقه الشديد من استمرار الشحن الطائفى الممنهج ضد مسيحيى مصر، والذى تصاعدت وتيرته، وحدته خلال الأشهر الماضية، بسبب تراخى الدولة وكل مؤسساتها عن القيام بدورهم تجاه تطبيق القانون على الجميع بدون تفرقه، والتقاعس عن تقديم الجناة المعروفين فى أحداث سابقة للعدالة، أو اتخاذ أى موقف حاسم حقيقى نحو إنهاء الشحن والعنف الطائفى الآخذ فى التصاعد بدون رادع، الأمر الذى ترتب عليه إهدار لهيبة الدولة واحترامها للقانون ولمواطنيها وحرياتهم ومؤسساتهم الدينية”، وقد تغيب الرئيس عن حفل تنصيب بابا الأقباط الأرثوذكس الجديد “البابا تواضروس” فى نوفمبر 2012، كما أن أغلب المسيحيين انسحبوا من الجمعية التأسيسية للدستور119، وفيما يلى إشارة لأبرز الأحداث الطائفية التى شهدها هذا العام.

 – أحداث البدرشين بالجيزة (يوليو 2012): وقعت اشتباكات بين المسلمين والمسيحيين بقرية دهشور التابعة لمركز البدرشين بالجيزة، وتطورت الأحداث لتصل إلى تهجير ما يقرب من 120 أسرة قبطية من القرية على خلفية هذه الاشتباكات، والتى عرفت آنذاك بـ “فتنة القميص”، ونتج عنها إحراق منازل بعض الأقباط بالقرية ومغادرتهم لها، إلا أنهم عادوا إليها بعد ذلك وسط ترحيب من مسلمى القرية120.

– أحداث رفح بسيناء (سبتمبر 2012): تم تهجير 9 أسر مسيحية من مدينة رفح إلى مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، استجابة لحالة القلق التى انتابت الأسر المسيحية بعد واقعة إطلاق النار على محل تاجر مسيحى فى رفح، وكذلك مع زيادة تلقيهم تهديدات لإجبارهم على مغادرة رفح؛ وذلك للنجاة بحياتهم من العناصر المتشددة، وعقد المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية اجتماعا لبحث أزمة تهجير الأسر المسيحية من رفح121.

– أحداث بنى سويف (أكتوبر 2012): حدثت اشتباكات طائفية عنيفة بعزبة ماركو التابعة لقرية طلا بمركز الفشن الواقع ببنى سويف عقب أداء المسيحيين لصلاة قداس الأحد بكنيسة مارجرجس بعزبة ماركو، أسفرت عن إصابة عدد كبير من الطرفين، وكانت الأحداث قد وقعت بسبب قيام أهالى عزبة راجى المجاورة لعزبة ماركو والتابعة لقرية طلا أيضا بأداء الصلاة فى كنيسة عزبة ماركو ومخالفتهم لشروط وضعها رؤوس العائلات من عزبتى ماركو وراجى من المسلمين والأقباط بتنظيم أوقات الصلوات وأعداد المصلين وسيارات نقل الركاب التى تتسبب فى منع المرور بالشارع الضيق الذى تقع به؛ مما أدى إلى غضب المسلمين بعزبة ماركو وحاولوا منع المسيحيين من الصلاة، فنشبت مشادات كلامية بين الطرفين سرعان ما تحولت إلى مشاجرات بالعصى والأسلحة النارية122.

– أحداث شبرا الخيمة بالقليوبية (نوفمبر 2012): قام بعض السلفيين باقتحام كنيسة مارمينا بشبرا الخيمة والاستيلاء على المبنى وأقاموا بداخله شعائر صلاة العشاء وهم مدججين بالأسلحة وعلقوا لافتة تحمل اسم مسجد “عباد الرحمن” على المبنى، وذلك بالرغم من صدور تصاريح للمبنى كمبنى خدمات تابع للكنيسة، فى واقعة  هى الأولى من نوعها فى تاريخ مصر، إلا أن الأمن أعاد المبنى وحرره من مقتحميه123.

– أحداث الخصوص والكاتدرائية المرقسية بالعباسية (أبريل 2013): بدأت فتنة الخصوص بالقليبويبة يوم 5 أبريل جراء قيام ظهور رسوم فى هيئة صليب على جدران معهد أزهرى بالمنطقة، وتعددت الأقاويل حول من رسمها، فالبعض أكد أن أطفال قاموا بالرسم أثناء لعبهم بالمنطقة وآخرون أكدوا أن شابًا مسيحيًا قد رسمها؛ وهو ما أثار حفيظة عدد من المسلمين، فنشبت مشاجرة بين بعض المسلمين والمسيحيين، قام على إثرها أحد الأقباط بإطلاق النار على المتواجدين فاشتعلت الأزمة، وتطور الأمر لاشتباكات بالأسحلة بين الطرفين وحرق منزل القبطى الذى بادر بإطلاق النار، مما أدى لمقتل 4 أقباط ومسلم وإصابة العشرات، وأثناء تشييع الجثامين حدثت اشتباكات دامية بين أقباط ومسلمين أمام الكاتدرائية، واستمرت ليوم كامل أدت لمقتل قبطى وإصابة ما يقرب من 89 آخرين124.

– المحور الثامن: الفتنة الطائفية خلال فترة حكم عدلى منصور (يوليو2013- يونيه 2014):

شهد هذا العام العديد من الأحداث الطائفية التى جاءت كرد فعل من أنصار الرئيس محمد مرسى بسبب عزله، مما أدى إلى ازدياد العنف الطائفى خاصة عقب فض اعتصاماتهم، حيث شهد شهر أغسطس 2013 وحده الاعتداء على أكثر من 60 كنيسة فى المحافظات المختلفة وحرق بعضها مثل كنيسة مارجرجس بسوهاج وكنيسة السيدة العذراء بالمنيا125، وكان من أهم الأحداث الطائفية بهذا العام ما يلى:

– أحداث المنيا (أغسطس 2013): نشبت مشاجرة بين مسلمى ومسيحى قرية بنى أحمد الشرقية، بدأت بين شخص مسلم وآخر مسيحى على إحدى المقاهى؛ بسبب أغنية وطنية مما أثار غضب المسيحى، وذلك أثناء مرور مسيرة لمؤيدى الرئيس المعزول محمد مرسى, وهو ما نتج عنه 15 مصاب بطلقات نارية، وحدوث تلفيات بسبعة منازل لأقباط بالقرية, وبعض ممتلكاتهم الأخرى كالسيارات والمحال التجارية؛ كما حدثت محاولة لاقتحام الكنيسة الإنجلية الواقعة بقرية ريده التابعة لمركز المنيا، إلا أن الأمن نجح فى التصدى لها بمساعدة أهالى القرية126.

– فتنة بنى سويف (أغسطس 2013): شهدت قرية الديابية الوسطى التابعة لمركز الواسطى بمحافظة بنى سويف أحداثًا مؤسفة، بسبب اشتعال فتنة طائفية بين مسلمى وأقباط القرية؛ بسبب خلاف على إقامة أحد المطبات الصناعية أمام أحد منازل الأقباط، مما تسبب في إصابة 30 من أبناء القرية من الطرفين، واحتراق 9 منازل للمسيحيين ومنزلين للمسلمين وكنيسة وسيارة وعدد من الدراجات البخارية. وفرضت قوات الشرطة كردونًا أمنيًا حول القرية وداخلها؛ لمنع تجدد الاشتباكات، كما قامت قوات الأمن بحملة اعتقالات واسعة لأطراف النزاع وضبطت 25 من الطرفين127.

– أحداث المنيا (سبتمبر – نوفمبر 2013): شهدت قرية دلجا بمركز دير مواس التابع لمحافظة محافظة المنيا أحداث طائفية فى سبتمبر 2013، وذلك عقب فض اعتصامى مؤيدى الرئيس المعزول محمد مرسى، حيث تمكنت الجماعات الإسلامية من إحكام سيطرتها على دلجا، وفرض إتاوات على سكانها الأقباط الذين يشكلون أقلية لا تتجاوز 20% إلا أنها مركزة فى كثافة سكانية مرتفعة، إذ قامت هذه الجماعات بالقتل والترويع وحرق كنائس، وفرضت حكمها على القرية، حتى قامت قوات الجيش بمحاصرة القرية من جميع مداخلها والقبض على هذه العناصر المتطرفة128.

وفى نوفمبر 2013، وقعت فتنة أخرى بين بعض أهالى قرية الحوارته التابعة لمركز المنيا وعدد من أهالى قرية نزلة عبيد المجاورة لها، وسقط خلالها ثلاثة قتلى وأصيب 20 آخرون، كما شهدت المنيا واقعة أخرى فى نفس التوقيت، حيث حدثت فتنة طائفية أخرى بقرية البدرمان التابعة لمركز دير مواس، وذلك بحدوث اشتباكات مسلحة بين مسلمين وأقباط، عقب تردد شائعة بهروب فتاة مسلمة مع شاب مسيحى، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل شخص وإصابة 4 آخرين وحرق 5 منازل، وكثفت أجهزة الأمن تواجد قواتها فى المنطقة؛ تحسبًا لتجدد الاشتباكات129.

المحور التاسع: الفتنة الطائفية فى بداية عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى (يونيه 2014 – ديسمبر 2015):

رغم أن فترة حكم الرئيس السيسى شهدت أحداثًا طائفية، إلا أنه يمكن القول أنها أحداث محدودة التأثير ولم يكن لها صدى يُذكر فى المجتمع، وكان من أبرزها:

–       أحداث سمالوط بالمنيا (مارس 2014): وقعت هذه الفتنة بقرية شوشة التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا، وذلك عقب أن نشبت بين الطرفين المسلم والمسيحى مشاجرة بسبب خلافات الجيرة، أسفرت عن إصابة 4 من الطرفين, وفرض الأمن كردونًا أمنيًّا حول القرية، وتمت السيطرة على الموقف والقبض على 25 من الطرفين130.

–       وقائع قرية الجلاء بالمنيا (4 أبريل 2015): شهدت قرية الجلاء بمركز سمالوط فى محافظة المنيا، اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بسبب قيام مجهولين برشق سيارة تستقلها طالبات مسيحيات بالطوب والحجارة؛ مما دعا ذويهم إلى الخروج من منازلهم لمعرفة سبب الاعتداءات التى حدثت دون مبرر، فوقعت اشتباكات بين الأهالى من الطرفين أسفرت عن سقوط 9 جرحى، وتأتى هذه الواقعة بعد أقل من أسبوع من الأزمة التى شهدتها قرية العور التابعة لمركز سمالوط شمال المحافظة؛ بسبب الخلاف على بناء كنيسة تحمل أسماء قتلى حادث “داعش” الإرهابى، إلا أنه قد تم عقد جلسة عرفية انتهت بالاتفاق على بناء الكنيسة من طابق واحد131.

–       أحداث بنى سويف (مايو 2015): نشبت هذه الفتنة بعد قيام شاب مسيحى (ويدعى أيمن يوسف مرقص) بنشر صور مسيئة للرسول والإسلام والمسلمين عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعى “فيس بوك” من مقر إقامته بالأردن، وكانت هذه الصور كفيلة بإشعال غضب المسلمين فى قريته الواقعة فى جنوب محافظة بنى سويف، فهاجم عدد من شباب قرية كفر درويش، أسرة الشاب القبطى، فاضطرت قوات الأمن للتدخل وفرضت كردونًا أمنيًا حول منازل الأقباط132.

–       فتنة سمالوط بالمنيا (سبتمبر 2015): عقب خلاف بين شاب مسيحى من قرية العمودين وآخر مسلم من قرية الشروبى بمركز سمالوط التابع لمحافظة المنيا، خرجت سيارات تحمل متطرفين من قرية الشروبى حاملين العصى والأسلحة البيضاء والخرطوش، واعتدوا على حفل زفاف أحد المسيحيين بقرية العمودين، وبعد تدخل الأمن تم التصالح بين الطرفين133.

–       أحداث العامرية بالإسكندرية (سبتمبر 2015): وقع خلاف معتاد على حيازة قطعة أرض بين طرفين، لكن لأن المالك مسيحى، والمعتدى على الأرض من الأعراب، حيث وضع يده على الأرض المجاورة لكنيسة مارجرجس بقرية العلا بالعامرية بمحافظة الإسكندرية، فلجأ المالك إلى كل الحلول الودية، ثم لجأ إلى القضاء، ليحصل على حكم نهائى باسترداد أرضه، وتوجهت قوة من الشرطة لتنفيذ الحكم، لكنها فوجئت بأن مكبرات الصوت فى المساجد تحرض السكان على التصدى للشرطة، التى جاءت لنصرة المسيحيين على المسلمين، وبالفعل توجهت مجموعات كبيرة من الأهالى واصطدمت بالشرطة، وسقط قتيل من المهاجمين وعدد من الجرحى، مقابل عدة إصابات بالشرطة، التى آثرت الانسحاب حتى لا تتفاقم الأزمة، إلا أن المتطرفين ظلوا محاصرين منازل الأقباط، وهددوهم بالقتل إذا لم يهاجروا جميعا من القرية، ويتنازلوا عن الأرض، ليخضع المسيحيون فى القرية للإقامة الجبرية لمدة أسبوعين، ويصاب العديد منهم بسبب الضرب والاعتداء من المتطرفين بالقرية134.

 

–       أحداث أبوقرقاص بالمنيا (مايو 2016): وقد تم تداول هذه الأحداث إعلاميًا إثر تجريد سيدة مسيحية مسنة من ملابسها فى قرية الكرم بأبو قرقاص، وتبين أن هذه الأحداث بدأت بعد شائعة علاقة بين مسيحى ومسلمة أطلقها زوج المرأة المسلمة انتقامًا منها بسبب خلافات بينهما، وقد تعرض الشاب المسيحى للتهديد مما دفعه لترك القرية، عقب ذلك تعرضت والدته للهجوم عليها وتجريدها من ملابسها، وبعد ذلك تجمعت مجموعة يقدر عددها بثلاثمائة شخص، خرجوا مساء اليوم التالى يحملون أسلحة متنوعة وتعدوا على بعض منازل الأقباط، إذ قاموا بسلبها وتحطيم محتوياتها وإضرام النار فيها. وقد عقب هذه الأحداث حملات فى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى تطالب بإعادة حق السيدة المسنة، وأخرى تطالب بإقالة محافظ المنيا، وطالب العديد من المختصين بضرورة البحث المتعمق فى أسباب الفتن الطائفية وتكرارها فى بعض الأماكن مثل محافظة المنيا؛ حتى يتم علاج هذه الأسباب جذريًا دون الاكتفاء بالصلح الشكلى والجلسات العرفية.

خاتمة:

تنوعت الفتن الطائفية فى مصر ما بين حوادث فردية تحولت لأحداث طائفية، ووقائع التحول الدينى، وبعض حوادث العنف الجماعى، واستهداف دور العبادة “خاصة الكنائس”، ويتضح أن الأزمات الطائفية قد تكررت خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، ومع الاعتراف بأن ثمة اختلاف دينى بين عنصرى الأمة المصرية، إلا أنه يمكن القول أن مصر لم تصل فى أى وقت من الأوقات إلى وضعية المجتمعات الطائفية التى عرفها التاريخ الحديث، كما تبين لنا أنه فى كثير من الأوقات ومنذ الاحتلال البريطانى لمصر كانت العوامل الخارجية تلعب دورًا ملموسًا فى حدوث الصدامات بين المسلمين والأقباط.

وقد تبين مما سبق أن الفتنة الطائفية فى مصر منذ عام 1972 وحتى عام 2016 تركزت بشكل أساسى فى محافظات القاهرة والمنيا والجيزة تلتها محافظات الإسكندرية وبنى سويف وأسيوط وسوهاج وقنا والفيوم ثم جاءت محافظات الشرقية والغربية والدقهلية، بينما شهدت بعض المحافظات حدثًا طائفيًا واحدًا خلال تلك الفترة كالقليوبية وكفر الشيخ ومطروح وشمال سيناء والأقصر وأسوان.

ويتضح أن طرق مواجهة الأحداث الطائفية تؤكد على تركيز النظم الحاكمة باختلافها على معالجة هذا الملف من الناحية الأمنية مع إغفال المعالجة السياسية والمجتمعية. فقد ثبت من تطور الأحداث نجاح الحل الأمنى بشكل جزئى، إذ أنه ما تزال الأحداث موجودة وتتجدد، وهذا يرجع لعدم معالجة الجذور، والاكتفاء بمعالجة مظاهر الأحداث، كما أن الحل الأمنى كان يعقب المشكلة، إلا أنه يجب على الأجهزة الأمنية أن تقوم بإعداد نفسها من خلال استخدام نظريات الأمن الوقائى والدمج بينها وبين نظريات الأمن العلاجى، فضلا عن تطوير القدرة على التنبؤ بمحاولات إثارة الفتنة عبر استخراج المؤشرات العلمية وتحليلها والاستعداد للتحرك السريع لمواجهتها، وفى الإطار ذاته يجب أن يتم تأكيد هيبة القانون، كما يجب أن يكون تدخل الأجهزة الأمنية سريعًا وفعالًا بما يمنع إضفاء أبعاد دينية أو طائفية على الخلافات أو التوترات العادية  التى قد تحدث بين المواطنين.

وقد كشفت الأحداث الطائفية التى شهدتها مصر بشكل عام عن غياب مفهوم الإدارة الرشيدة للأزمات؛ نتيجة غياب الشفافية، وحرص الأطراف المختلفة على التصعيد، واللجوء إلى أساليب الشحن الدعائى وإلقاء الاتهامات المتبادلة، وإطلاق العنان للشائعات، والقابلية إلى الانسياق وراء العوامل غير الموضوعية فى التناول؛ وهو ما يجعل المجتمع فى حالة من السيولة واللا معيارية التى تنذر بتفجر الأوضاع فى أى وقت وأى مكان. حيث أنه بمجرد وقوع الأزمة تطفو على السطح سلسلة من الخطابات المعتادة التى تتحدث عن الشأن الطائفى، هذه الخطابات فى حالة تناسخ دائم، وكأن ما يحدث هو إعادة تدوير متعمد لرؤى تسهم فى إبقاء حالة الاحتقان الطائفى، وتتمثل هذه الخطابات فى: خطاب الوحدة الوطنية (الذى يتحدث عن العلاقات الحميمة بين المسلمين والأقباط الذين يوصفوا بعنصرى الأمة)، وخطاب الإنكار (ومفاده أن المشكلات بين الجانبين الإسلامى والمسيحى إما عارضة أو مفتعلة)، وخطاب الاتهام (حيث  تتسارع مختلف الجهات إلى إلقاء اللائمة على طرف بعينه فى كل حادث طائفى)، وخطاب المشكلات القبطية (إذ يعاد فى أعقاب كل حادث طائفى إنتاج خطاب الهموم الطائفية الخاصة بالأقباط، مثل العقبات التى تعترض بناء الكنائس، والتمثيل السياسى للأقباط .. إلخ).

إضافة إلى ما سبق، فإن استمرار أساليب المعالجة الوقتية للأزمات الطائفية يجعل من الممكن إنتاجها وتفاقمها بين الحين والآخر، وهو ما قد يؤدى إلى توترات داخل كيان الأمة المصرية بين مسلميها وأقباطها؛ الأمر الذى ينذر بمخاطر جمة فى ظل استمرار المعالجات الراهنة للأحداث، ما لم يُعالج الأمر برؤية سياسية واجتماعية وإعلامية متعمقة وواعية. أما عن أسباب الاحتقان الطائفى فيمكن إجمالها فى: الأمية والجهل، وغياب ثقافة الحوار، وغياب الشفافية، وتدهور مستوى التعليم وقيامه على التلقين والحفظ دون الفهم والابتكار والتفكير، والمعالجة الإعلامية القاصرة للأحداث، والخطاب الدينى المغلوط فى كل من الجانبين، خاصة وأن الفتنة الطائفية فى مصر عقب ثورة 25 يناير ظهرت على أرضية دينية وليست سياسية أو اجتماعية كما كان يحدث، وهو ما اتضح للجميع خاصة إبان عزل الرئيس محمد مرسى، فمن جهة قامت الجماعات المتشددة بافتعال بعض الأحداث الطائفية فى ظل التوظيف السياسى للدين، ومن جهة أخرى وقعت حوادث طائفية نتيجة الانفلات الأمنى والتحفز الشعبى العام، وعدم شعور الجميع بالاستقرار السياسى.

ومن خلال ما سبق يمكن القول أننا فى حاجة لمواجهة أعمال العنف الطائفى، وهو أمر لن يتأتى بالتهوين من شأنها أو التعتيم عليها، فينبغى إحاطة الرأى العام بالحقائق الكاملة فى مثل هذه الأعمال، كما ينبغى تطبيق القانون بصرامة على مختلف الأطراف التى تشارك فى تأجيج الفتن الطائفية، وينبغى كذلك إجراء مراجعة شاملة لمناهج التعليم وسياسات الإعلام، وجعلها تستهدف الإعلاء من قيم التسامح وتعزز ثقافة المواطنة والحريات ونبذ العنف والتعصب والكراهية الدينية، ونشر الوعى لدى المواطنين خاصة عند استخدامهم صحافة المواطن؛ حتى لا يساهموا فى إذكاء الفتن والتعصب، وأخيرًا يجب وضع برنامج شامل للإصلاح فى شتى المناحى وتوافر إرادة سياسية لتنفيذه، كما أن غياب التوتر الطائفى يرتبط بوجود مشروع أو هدف قومى يسعى النظام إلى تحقيقه؛ لإقامة بناء داخلى قادر على تعبئة الشعب حوله بدلًا من الانقسامات والصدامات؛ وذلك حتى لا يظل المجتمع أسير خطابات طائفية تكرس انقسامه وتضر بحقوق مواطنيه.

د. شريف درويش اللبان، رئيس وحدة الدراسات الإعلامية بالمركز
أ‌.    أسـماء فـؤاد حافـظ مدرس مساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية وباحثة دكتوراه بكلية الإعلام جامعة القاهرة

الهوامش:
1-    سامح فوزى، سمير مرقص، إدارة التعددية الدينية – الأقباط فى مصر نموذجاً، مبادرة الإصلاح العربى، يونيو 2012، ص 1.
Available at:http://www.arab-reform.net
2-    أبو سيف يوسف، “المشكلة الطائفية والأوضاع الطبقية فى مصر”، فى د. لطيفة الزيات وآخرون، “المشكلة الطائفية فى مصر”، مركز البحوث العربية، 1988، ص ص 60-62.
3-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، بيروت، دار الوحدة، 1982، ص 59.
4-    أبو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، بيروت، مركز الوحدة العربية، 1987، ص ص 2-3.
5-    عبد الرحيم عبد الهادى، الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط فى مصر ودور انجلترا فى أحداثها 1908- 1911، القاهرة، مكتبة نهضة الشرق، 1995، ص 9.
6-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، العلاقات الإسلامية القبطية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، تقرير غير منشور، 2006، ص ص 11 – 12.
7-    سامح فوزى، سمير مرقص، مرجع سابق، ص 4.
8-    طارق البشرى، مرجع سابق، ص 29.
9-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص 14.
10-    طارق البشرى وآخرون، المواطنة والتحول الديمقراطى فى مصر – استطلاع رأى عينة من النخبة، القاهرة، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 2009، ص 3.
11-    أحمد زايد، المواطنة والمسئولية الاجتماعية، مدخل نظرى، المؤتمر السنوى الحادى عشر ” المسئولية الاجتماعية والمواطنة”، القاهرة، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 2010، ص ص 17 – 44، ص 20.
12-    إبراهيم البيومى، المواطنة والتحول الديمقراطى فى مصر، مدخل نظرى، المؤتمر السنوى الحادى عشر ” المسئولية الاجتماعية والمواطنة”، القاهرة، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 2010، ص ص 1607 – 1613، ص 1608.
13-    حنان كمال، المواطنة والإصلاح السياسى – دراسة النظام السياسى المصرى (2003-2008م)، رسالة ماجستير. غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2009، ص 82.
14-    راغب السرجانى، الفتنة الطائفية، الجذور – الواقع – المستقبل، القاهرة، أقلام للنشر والتوزيع والترجمة، 2011، ص 9.
15-    فهمى هويدى، مواطنون لا ذميون، القاهرة، دار الشرق، 1999، ط 3، ص 7.
16-    مروة نظير، أسماء فؤاد، أبعاد المواطنة فى الخطب السياسية: دراسة تحليلية لأبرز خطب الرئيس مبارك خلال الفترة من 1981 إلى 2007، المؤتمر السنوى الحادى عشر ” المسئولية الاجتماعية والمواطنة”، القاهرة، المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 2010، ص ص 527 – 568، ص 533.
17-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 41، ص 104.
18-    وهى مشاجرة عادية نشبت بمدينة الإسكندرية فى يونيه 1882م بين مواطن مصرى وبين أحد الرعايا الأجانب، بسبب خلاف على أجرة الركوب أدى إلى إخراج الشخص الأجنبى سكيناً كبيراُ طعن به “العربجي” حتى الموت، فاتسع نطاق الشجار بعد ذلك حتى طال معظم أنحاء المدينة وقتل فيه العشرات من الأجانب والمصريين.
19-    راغب السرجانى، مرجع سابق، ص ص 22 – 23.
20-    منى مكرم عبيد، إشكالية الدور السياسى للأقباط، منشور فى عبد العظيم رمضان، الدور الوطنى للكنيسة المصرية عبر العصور، ندوة لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002، ص ص 266 – 268.
21-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص ص 118 – 119.
22-    المرجع السابق نفسه، ص ص 58 – 61.
23-    فهمى هويدى، مرجع سابق، ص 51.
24-    عبد الرحيم عبد الهادى، مرجع سابق، ص ص 47 – 49.
25-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 55.
26-    عبد الرحيم عبد الهادى، مرجع سابق، ص ص 52 – 57.
27-    المرجع السابق نفسه، ص ص 103 – 104.
28-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 64.
29-    عبد الرحيم عبد الهادى، مرجع سابق، ص 78.
30-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 65.
31-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص 17.
32-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 76.
33-    المرجع السابق نفسه، ص ص 83 – 85.
34-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 17 – 24.
35-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص ص 115 – 116.

36-    طارق البشرى، المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية، مرجع سابق، ص 109.
37-    محمد عمارة، الفتنة الطائفية (متى وكيف ولماذا؟)، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2009، ص 15.
38-    رامى عطا، صحافة الأقباط وموقفها من قضايا المجتمع المصرى من 1877 إلى 1930، رسالة ماجستير. غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الإعلام، قسم الصحافة، 2005، ص 31.
39-    سليم نجيب، أوضاع الأقباط فى العصر الملكى والجمهورى، موسوعة تاريخ أقباط مصر.
40-    فهمى هويدى، مرجع سابق،  ص 54.
41-    سامح فوزى، سمير مرقص، مرجع سابق، ص 6.
42-    عادل داود، القضية القبطية، دراسات مصرية، 2006.
43-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 24 – 25.
44-    أبو سيف يوسف، المشكلة الطائفية والأوضاع الطبقية فى مصر، مرجع سابق، ص ص 64- 65.
45-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 25 – 26
46-    راغب السرجانى، مرجع سابق، ص 29.
47-    سامح فوزى، سمير مرقص، مرجع سابق، ص 7.
48-    ميلاد حنا، نعم أٌقباط لكن مصريون، القاهرة، مكتبة مدبولى، 1980، ص 88.
49-    سامح فوزى، سمير مرقص، مرجع سابق، ص 7.
50-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق،ص ص 31 – 32.
51-    الفتنة الطائفية أسبابها وعلاجها، منتدى المحامين العرب.
52-    Available at:  http://www.mohamoon-montada.com/Default.aspx?Action=Display&ID=116716&Type=3
53-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، العلاقات الإسلامية القبطية، مرجع سابق، ص ص 37 – 38.

54-    سامح فوزى، سمير مرقص، مرجع سابق، ص ص 7- 8.
55-    راغب السرجانى، مرجع سابق، ص ص 30 – 31.
56-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، صص 39 – 40.
57-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، صص 44 – 47.
58-    المرجع السابق نفسه، صص52 – 63.
59-    راغب السرجانى، مرجع سابق، ص 29.
60-    المرجع السابق نفسه، ص ص 79 – 82.
61-    المرجع السابق نفسه،ص ص 83 – 96.
62-    المرجع السابق نفسه، ص 109.
63-    المرجع السابق نفسه، ص 119.
64-    عزت اندراوس، موسوعة تاريخ أقباط مصر.
65-    Avilable at:www.coptichistory.org
66-    عبد الرحيم على، الإرهابيون يشعلون نار الفتنة الطائفية فى الصعيد: الجماعة الإسلامية تبرر هجومها على المحرق بالانتقام لمذابح البوسنة، جريدة الأهالى، 16 مارس 1994.
67-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، العلاقات الإسلامية القبطية، مرجع سابق،ص ص 137 – 145.
68-    عزت اندراوس، مرجع سابق.
69-    مسعد صادق، عزبة الأقباط: القرية التى اتشحت بالسواد حزنا على ضحاياها، جريدة وطنى، 10 مارس 1996.
70-    عزت اندرواس، مرجع سابق.
71-    كمال الدين الإسلامبولى، زيارة أمريكا والفتنة الطائفية، جريدة الأحرار، 28 فبراير 1997.
72-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق،ص ص 106- 108.
73-    عزت اندرواس، مرجع سابق.
74-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 125 – 128.
75-    المرجع السابق نفسه،ص ص 137 – 145.
76-    أسعد عبود، بدء محاكمة ممدوح مهران، 24يونيه 2001، وإغلاق صحيفة النبأ المصرية، 4 يوليو 2001، http://archive.bab.com.
77-    أسعد عبود، انتفاضة الأقباط فى مصر من وراءها؟، 21 يونيه 2001، http://www.bab.com .
78-    نجوى عبد العزيز، مصر: الحكم على مهران بالحبس ثلاث سنوات فى قضية صحيفة النبأ “الموقوفة”، جريدة الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2001،  http://archive.aawsat.com.
79-    شريف منصور وآخرون، تــقــرير المـجتمع الـمدنى والتحول الديمقراطى والأقليات  فى الوطن العربى (خلال عام 2003)، إصدارات مركز ابن خلدون، ص 20، www.islamdaily.org.
80-    الجزيرة نت، الشرطة المصرية تحاصر قرية لمنع توتر طائفى، 6 مارس 2004، http://www.aljazeera.net/news/arabic/.
81-    سعد الدين ابراهيم، مرجع سابق، ص ص 13 ـ 37.
82-    الجزيرة نت،أقباط يتظاهرون فى القاهرة ومصادمات طائفية بالمنيا ،  8 ديسمبر 2004، http://www.aljazeera.net.
83-    سعد الدين إبراهيم، الملل والنحل والأعراق، التقرير السنوى الثامن، القاهرة، إصدارات مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 2005، ص ص 13 – 37.
84-    المرجع السابق نفسه، ص ص 13 – 37.
85-    السيد أبو داود، ظاهرة إسلام المسيحيات فى مصر، موقع الإسلام اليوم، 15/12/2004، http://www.islamtoday.net.
86-    فهمى هويدى، هوامش على مشهد الفتنة، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، 21 ديسمبر 2004.
87-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 195 – 210.
88-    محمد رضا، إسلام فتاتين يشعل مظاهرات الأقباط من جديد، لها أون لاين، 1 مارس 2005، http://www.lahaonline.com.
89-    المرجع السابق نفسه، ص ص 269 – 279.
90-    المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أحداث الإسكندرية…الأسباب واستراتيجية المواجهة، 6 نوفمبر 2005، منشور على موقع الحوار المتمدن، العدد 1375، 11 نوفمبر 2005،http://www.ahewar.org.
91-    محمود على وآخرون، أحداث الإسكندرية  والاحتقان الطائفى فى مصر، الجمعية المصرية لدعم التطور الديمقراطى، تقرير بعثة تقصى الحقائق، أكتوبر 2005، منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان،http://www.anhri.net .
92-    فراج إسماعيل، تصاعد أزمة مسيحيتين مصريتين بعد الزواج من شابين مسلمين والإنجاب، العربية، 21 ديسمبر 2005،  http://www.alarabiya.net.
93-    الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، فتنة الإسكندرية ليست نهاية المطاف (ورقة موقف)، 9 مايو 2006.
94-    “مصر” .. قطار الفتنة يزيد من سرعته، هيئة العلماء المسلمين فى العراق، 18 أبريل 2006،  http://iraq-amsi.net/ar/news_view_6325.html.
95-    صلاح بديوى، ثالث حادث للفتنة الطائفية خلال أسبوعين ونواب يطالبون بإجراء حوار وطنى لمنع التصعيد، المصريون، 26 فبراير 2006، http://www.masress.com.
96-    محمد السمكورى، محمد حمدى، مصالحة لإنهاء فتنة طائفية انتهت بالتنديد بحادث دهب، جريدة المصرى اليوم، 28 أبريل 2006.
97-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق،ص 307.
98-    المرجع السابق نفسه، ص ص 323 – 324.
99-    المرجع السابق نفسه، ص ص 327 – 328.
100-    مكرم محمد أحمد، فتنة العياط، جريدة الأهرام، عمرو بيومى، البابا يلجأ للرئيس «لرفع الظلم عن الأقباط.. وتفعيل مواد المواطنة»، منتديات الكنيسة، 2 مايو 2007، http://www.arabchurch.com.
101-     حنان كمال، المواطنة والإصلاح السياسى – دراسة النظام السياسى المصرى (2003-2008م)، رسالة ماجستير. غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2009، ص ص 89 – 90.
102-     دير أبو فانا، ويكيبيديا،  https://ar.wikipedia.org.
103-     هند عادل، اختفاء فتاة قبطية يشعل معركة بالمحلة، اليوم السابع، 6 يونيو 2009، رغم جلسات الصلح العرفية.. قضية فتاة المحلة المسيحية تثير الفتنة الطائفية، اليوم السابع، 9 يونيو 2009.
104-     الفتنة الطائفية تتجدد بالدقهلية بعد مقتل مسلم، اليوم السابع، 1 يوليو 2009.
105-     أيمن لطفى، على خلفية الأحداث الطائفية الأخيرة.. الأمن يحول عزبة بشرى لثكنة عسكرية ببنى سويف، اليوم السابع، 23 يونيو 2009، شعبان هدية، وفد من المحامين لإنهاء الفتنة الطائفية ببنى سويف، اليوم السابع، 4 يوليو 2009.
106-     حسن عبد الغفار، حبس40 من قرية الحواصلية فى أحداث فتنة المنيا، جريدة اليوم السابع، 25 يوليو 2009.
107-    هند المغربى، 19 ديسمبر.. إعادة محاكمة متهمين فى أحداث كنيسة نجع حمادى، صحيفة اليوم السابع، 14 نوفمبر 2011.
108-    إسحق إبراهيم وآخرون، نجع حمادى “شهود على الفتنة”، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 21 يناير 2010،  http://www.eipr.org.
109-    حسن مشالى، 72 ساعة من التوتر الطائفى من مطروح إلى فرشوط، جريدة اليوم السابع، 19 مارس 2010.
110-     يمكن الرجوع إلى:
– وليد فائق، تفاصيل القصة كاملة: فتنة كاميليا وأخواتها، مجلة أكتوبر، 15 مايو 2011.

112-  أشرف صادق، الشكر والعرفان للمشير طنطاوى بعد قرار إعادة بناء كنيسة أطفيح، جريدة الأهرام، 7 مارس 2011، محمد شومان وآخرون، عشرات الآلاف من الأقباط يعتصمون أمام التليفزيون حتى تتحقق مطالبهم، جريدة الأهرام، 9 مارس 2011.

113-  مصريات، أحداث المقطم، أخبار أحداث مظاهرات الأقباط فى صلاح سالم القلعة والمقطم، http://www.masreat.com.

114-  أسامة الهوارى، فقدت أذنى وكدت أفقد رقبتى بسبب سطوة السلفيين، جريدة الأهرام، 25 مارس 2011. أسامة الهوارى، اتفاق المصالحة فى واقعة قطع الأذن أمام النيابة اليوم، جريدة الأهرام، 26 مارس 2011.

115-  أحداث 2011 فى مصر، ويكيبيديا، https://ar.wikipedia.org.

116-  موفق أبو النيل، الهدوء يعود لقرية المريناب بإدفو بعد التصدي للفتنة الطائفية، الأهرام، 2 أكتوبر 2011، عبد الله صلاح، تجدد الاحتجاجات فى إدفو بسبب إزالة “قِباب كنيسة المريناب”، اليوم السابع، 30 سبتمبر 2011.

117-  الأقباط يعتصمون أمام ماسبيرو على خلفية فتنة المريناب، مصرس، 4 أكتوبر 2011، http://www.masress.com.

118-  مايكل فارس، خريطة أكبر الفتن الطائفية بعد ثورة 25 يناير.. مراكزها أسيوط والمنيا والإسكندرية والقاهرة.. إبراهيم: الحل الأمنى علاج قاصر وسطحى.. زاخر: الأقباط يدفعون ثمن مساندتهم لشيخ الأزهر، جريدة اليوم السابع، 9 أبريل 2013.

119-  حنان أبوسكين، قضايا الأقليات والمواطنة فى مصر بعد الثورة، مجلة  الديمقراطية، العدد 52، أكتوبر  2013، ص ص 1 – 2.

120-  أحمد عبد اللطيف، الأسر القبطية تعود لدهشور وسط احتفال المسلمين.. والجناة أمام المحكمة خلال أيام، جريدة المصرى اليوم، 9 أغسطس 2012.

121-  عبد الحليم سالم، أمين صالح، تهجير 9 أسر مسيحية من رفح للعريش خوفاً من تهديدات الإرهابيين.. قزمان: الحل أن تبسط الدولة نفوذها وليس أن نهجر أرض الأنبياء.. راعى الكنيسة: الأهالى هجروا أراضيهم بعد إطلاق النار على محل تاجر مسيحى، اليوم السابع، 27 سبتمبر 2012.

122-             أشرف مصطفى، اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بعزبة ماركو ببنى سويف، جريدة التحرير، 28 أكتوبر 2012. 

123-  ميرفانا ماهر ، “اتحاد شباب ماسبيرو” يدين الاعتداء علي مبني خدمات كنيسة مارمينا بشبرا الخيمة ، جريدة الفجر، 6 نوفمبر 2012.

124-  محمد السيد، أحداث الخصوص اشتعلت بعد قيام شاب مسيحى برسم صليب على المعهد الأزهرى، الأهرام، 6 أبريل 2013، عصمت الشامى، “بوابة الأهرام” تنشر نص تقرير لجنة تقصى “القومى لحقوق الإنسان” حول أحداث الخصوص، الأهرام، 11 أبريل 2013.

125-  مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، ترمومتر العنف “العنف ميتر”، سبتمبر 2013،  http://www.andalusitas.net.

126-  سعيد الشريعى، ننشر التفاصيل الكاملة للأحداث الطائفية بقريتى بنى أحمد وريده بالمنيا، Enn الإخبارية، 4 أغسطس 2013، http://www.egyptiannews.net.

127-  عمر الشيخ، بالصور.. ارتفاع مصابي اشتباكات بني سويف الطائفية لـ30.. واحتراق 11 منزلاً، جريدة المصرى اليوم، 11 أغسطس 2013.

128-  سماح السيد، الداخلية المصرية: قرية “دلجا” ستعود آمنة خلال 24 ساعة، العربية، 17 سبتمبر 2013.

129-  حسن عبد الغفار، المئات يشاركون فى تشييع جثامين قتلى فتنة المنيا، جريدة اليوم السابع، 29 نوفمبر 2013، سعيد نافع، عوده الهدوء لقرية «البدرمان» بالمنيا.. وحصيلة الاشتباكات قتيل و10 مصابين، جريدة المصرى اليوم، 29 نوفمبر 2013.

130-  ماهر عبد الصبور، إصابة 4 والقبض على 25 فى مشاجرة بين عائلتين بسمالوط، جريدة الشروق، 24 أغسطس 2014.

131-  أمير الراوى، إخلاء سبيل 4 من المتورطين في أحداث فتنة “الجلاء” بالمنيا بينهم طفل، موقع مصراوى، 6 أبريل 2015، www.masrawy.com.

132-  ساجد النورى، بعد أزمة تهجير الأقباط في بني سويف.. أشهر 12 قضية طائفية شهدتها مصر، جريدة الوطن، 3 يونيه 2015.

133-  مصطفى السعيد ، إلى متى يظل المسيحيون “الحيطة المايلة”؟، جريدة الأهرام المسائى ، 1 أكتوبر 2015.

134-  المصدر السابق نفسه.

(Read more)  عدسة الارهاب في افريقيا خلال 2020: ماذا حدث بعد كوفيد-19؟