بعد تأييد نواب المجلس الشعبي الوطني، بالأغلبية لمشروع قانون طرحته وزارة العدل، يجرّم إغلاق الإدارات والمؤسسات العمومية، وبرره الوزير عبد الرشيد طبي، بأن الأفعال محل التجريم “تهدد النظام العام وأدت إلى عرقلة الكثير من المرافق وتعطيل حاجيات المواطنين”، تبرز مخاوف حول مدى تقييد هذا القانون للفعل الاحتجاجي، بوصفه أحد وسائل التعبير التي يكسبها المواطن لمقاومة سياسات وقرارات يرى أنها ليست في صالحه وغير شعبية، بالرغم أن بعض القانونيين أيدوه من حيث المبدأ، لكنهم انتقدوا الشق العقابي فيه الذي يصل إلى 10 و20 سنة سجنا في حالات استعمال العنف والتهديد.

يختلف القانونيون والمختصون حول هذا القانون، بين من يعتبره تعديلا “ضروريا ومنطقيا”، كون غلق المؤسسات أثناء الاحتجاجات يؤثر على سير المصلحة العمومية للمرفق العام، ومن يعتبره قانونا يأتي في سياق توقّع حركات احتجاجية، على خلفية توجّهات الحكومة الأخيرة نحو التقليص من الدعم الاجتماعي وكذا بسبب زيادات في الأسعار ومشاكل تنموية، وبالتالي استباقها بمعالجة قضائية لاحتوائها بدل حلحلة المشاكل العالقة من الأساس.

وفي الوقت الذي يتفق الحقوقي بوجمعة غشير ورئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان سابقا، مصطفى بوشاشي، حول أن غلق المؤسسات العمومية ليس “ضروري ومنطقي” أثناء الاحتجاج، بل يكفي المتظاهرين التجمهر ورفع الشعارات والإضراب، يرى الجامعي المختص في الحركات الاحتجاجية، الأستاذ سمير لرابي، أن القانون ليس معزولا وإنما جاء في سياق توجه عام لاستباق واحتواء الاحتجاجات، وتوقعات بأن التظاهر سيكون واسعا كرد فعل على “بداية التخلي عن الدعم الاجتماعي في الكثير من المناحي”.

وبالنسبة لمحدثنا، فإن تجريم غلق المؤسسات والإدارات العمومية، يعني التسيير الأمني لكل حركة احتجاجية وغض الطرف على أن هذه الأخيرة ناتجة في الأصل عن تقاعس السلطات في تأدية التزاماتها ولا تعكس عنف أو سلوك المواطن، وبالتالي فإن السلطات تتحمل جزء من سلوك الغلق في حد ذاته، يضيف المتحدث.

وكان الأجدر على السلطات، في نظر المتحدث، التفكير في أصل الاحتجاجات ومعالجته. ويتعلق غالبا بوضع اجتماعي وتأخر في التنمية وانتشار البطالة وليس الذهاب إلى الحلقة السهلة والتركيز عليها.

ولا يتوافق الأكاديمي مع المبررات التي قدّمها وزير العدل للنواب لكسب تأييد لمشروع قانونه، والتي ترتكز على أن غلق مؤسسة يعرقل مصالح الناس، وبالتالي صار من الضروري تجريمه، ويرى أن فعل الغلق لم يأت فجأة وإنما قد يسبقه مراسلات وشكاوى وتلويح بالاحتجاج من قبل الساكنة، بالتالي كان على السلطات تجنبه بمعالجة مشاكل المواطنين وفتح قنوات تواصل، حتى لا تتعفن الأوضاع وتتطور إلى الاحتجاج والغلق، وبالتالي، فإن المسؤول عن عرقلة النشاط العمومي هو من لم يقم بواجبه من البداية وليس من يقوم برد الفعل.

لكن بالمقابل، يرى قانونيون وحقوقيون، أن تجريم أفعال غلق مقرات البلديات خلال الاحتجاجات “واقعية وضرورية”، غير أنهم اختلفوا فقط في الشق العقابي فيها، وانقسموا بين من يراها “قاسية” قياسا بالسلوك ومن يعتبرها “مستحقة”.

وفي تصور الحقوقي بوجمعة غشير، فإن التظاهر أمام البلديات للمطالبة بالحقوق كاف، دون اللجوء إلى غلق وعرقلة نشاط المؤسسة العمومية، بما يحوّله “إلى سلوك غير سلمي تترتب عنه آثار تمس بالمصلحة العامة”، مقترحا في اتصال مع “الخبر”، أن العقوبة الأنسب لهذه الأفعال لا تصل إلى عشرين سنة، بل يمكن حصرها في الحبس موقوف التنفيذ مع الغرامة، فتصبح كافية وتحقّق الردع العام، منبّها بأنه في حالات العود أو توافر ظروف التشديد المعروفة، يمكن للقاضي أن يشدد العقوبة، بما يتيح القانون أو اقتراح تعديلات تشدد العقوبة تدريجيا ولاحقا.

وبالنسبة للشق الجنائي والجزائي في المسألة، يرى المحامي عثماني الزبير، أن تجريم الغلق يحتاج إلى تحديد بدقة ركنيه المعنوي والمادي، وتمييزه عن الأفعال المشابهة له، حتى لا يقع تداخلا وخلطا مع التهم الأخرى التي تندرج في نفس السياق، وكي “يتسنى للجهات القضائية والأمنية التعاطي قانونيا مع الوقائع المطروحة أمامهم”.

وفي السياق، أفاد عثماني في اتصال مع “الخبر”، أن لجوء المحتجين إلى غلق مقرات المؤسسات العمومية أو حتى الطريق العام، هو وسيلة ضغط وتعبير عن حجم التذمر والسخط، وقد يتداخل مع فكرة المساس بمصالح المواطنين وبنشاط المرفق العام، وبالتالي مرشح ليتحول إلى ضرر للمجتمع أكثر منه ممارسة لحق التظاهر والاحتجاج. وعليه يتابع القانوني وهو أستاذ جامعي سابق بكلية الحقوق بولاية عنابة، يتعيّن الأخذ بعين الاعتبار الجانب الحقوقي والحرياتي .