قيل لي ذات مرة والعهدة على الراوي، إن مدير شركة عمومية رفع شكوى لدى مصالح الأمن فقط لأنه تلقى “هدايا” من مسؤول مثله بمناسبة العام الجديد، تتمثل في “مفكرات” ورزنامة الأشهر، وكذا بعض الأجهزة الإلكترونية المعروفة. والسبب في ذلك، أن المدير العام متخوف من أن تجره هذه “الهدايا” للوقوف أمام المحاكم ويتهم بتلقي “مزية غير مستحقة” التي قد تدرج ضمن تجريم فعل التسيير. هذه الواقعة حقيقية وليست من نسج الخيال، وهي تصور درجة حالة “الفوبيا” التي يعيشها مسيرو المؤسسات العمومية للدولة في الجزائر.

كشفت قضية محاكمة بنك الخليفة بعض الحقائق الخاصة بـ”تجريم فعل التسيير”، بعدما وجد عشرات المسيرين العموميين أنفسهم شهودا أو متهمين في تلك المحاكمة الشهيرة، تحت بند يسمى “فعل التسيير”، وكان لذلك وقع “الصدمة” لدى السياسيين والمسيرين للقطاع الاقتصادي الذين شملهم الشلل، ولم تعد تستهويهم لا الشراكة ولا برامج الاستثمار ولا البحث عن الصفقات التجارية، وهي من صميم المهام الموكلة لهم عند التعيين في ذات المنصب.

إذا كانت “حملة الأيادي النظيفة” التي مورست من قبل حكومة أويحيى في منتصف التسعينات، وجرت معها مئات الإطارات المسيرة إلى السجون، ومنهم إطارات شركة سيدار للحديد والصلب، لم تحدث نقاشا واسعا يومها، باستثناء احتجاج الاتحاد الوطني للمقاولين العموميين (منظمة نقابية تدافع عن المسيرين والمديرين العموميين)، قبل أن تتم معاقبته على موقفه بعدم دعوته لاجتماع الثلاثية، فإن قضية الخليفة قد فتحت الباب على مصراعيه، ليس فقط حول مسألة استغلال النفوذ والرشاوى وما إلى ذلك من القضايا التي يعاقب عليها القانون، ولكنها طرحت معها قضية جوهرية لا يراد لها أن تظهر، والمتمثلة في “أخطار التسيير” التي قد يقع فيها المسيرون، خصوصا في القطاع العام، وكيفية تعامل الدولة مع هذه المشاكل التي كانت وراء إزاحة العديد من الإطارات الذين عوقبوا فقط بسبب “عثرة” في الطريق ليس إلا، ولم تشفع لهم كفاءتهم المشهود لهم بها في الداخل والخارج.

وكان من أفضال نتائج تلك القضية، أن فتحت وزارة العدل ورشة لمراجعة القانون و”رفع التجريم عن فعل التسيير”، غير أن المراجعة لم تذهب بعيدا في تصوراتها، ما جعل المحامي ميلود براهيمي، الذي كان عضوا في تلك اللجنة، يغادرها ويتحفظ على نتائج تقاريرها التي وصفت بـ”المحدودة”. ومثلما بقي السؤال الذي طرحته هيئة المحكمة الخاصة بملف الخليفة، وهو كيف توضع أموال المؤسسات العمومية في بنك الخليفة من دون أن يقوم مودعوها من المديرين بالسؤال عن وضعية هذا البنك الجديد والحالة المالية له، دون جواب مقنع، مثلما يدفع مثل هذا السؤال إلى الحديث عن أين تبدأ مسؤولية الدولة كدولة وأين تقف مسؤولية الأفراد، خاصة أن الفضيحة المنجرة عن بنك الخليفة ضاع فيها المال العام والخاص على حد سواء.

وفي هذا السياق، أتذكر يومها أن المحامي زغيمي مصطفى، وهو أحد المدافعين عن مؤسسة المشروبات الكحولية بوهران، أثار قضية جوهرية أمام المحكمة، مفادها أن “هناك مؤسسات عمومية تم إفلاسها من دون أن تضع أموالها في بنك الخليفة، ودون أن تتم محاسبتها أو معاقبة مسيريها، في حين يحاسب اليوم من أرادوا رفع موارد شركاتهم وفوائدها من خلال بنك معتمد يمنح أعلى نسب الفوائد مقارنة بالبنوك العمومية”، وهو ما يعني أن تجريم فعل التسيير يتم التعامل معه بمكيالين، وبالتالي أضحى سببا في هذه “الضبابية” التي يعاني منها المديرون والمسيرون العموميون خصوصا.

باستثناء وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني، الذي أشار يومها، في أحد تصريحاته أمام رؤساء الدوائر، إلى مسؤولية البنك المركزي الجزائري في هذه القضية، فقد ساد يومها توجه يرمي بشكل أو بآخر إلى إخراج الدولة من المعادلة واعتماد مسار الفعل المنعزل الذي يجعل من المسيرين والمديرين متهمين بمعاكسة قوانين لا تعترف بأن الجزائر دخلت فعلا في اقتصاد السوق وحرية المبادرة، أو هكذا يقال على الأقل في الخطاب الرسمي.

صحيح أن هناك مسؤولين قد أغرتهم “الهدايا والمزايا”، وهو أمر لا يمكن نكرانه، لكن بينت الكثير من الحقائق في المحاكمات أن هناك آخرين كانوا ضحايا لـ”نوم” مؤسسات الرقابة للدولة التي بقيت متفرجة طيلة سنوات على “المجزرة” وتركت هؤلاء المسيرين وحدهم في سباق لتحقيق “عقد النجاعة” الذي يربطهم بالمؤسسة. وتظهر المحاكمات، التي ما تزال جارية اليوم فيما يسمى “محاكمة العصابة”، أن العديد من المسيرين العموميين (في الإدارة والقطاع الاقتصادي) جرفهم التيار بفعل “تجريم فعل التسيير”، سواء تعلق الأمر بمصانع السيارات، الاستثمار أو العقار الصناعي. ووجد أويحيى، الذي كان وراء ما سمي بـ”حملة الأيادي البيضاء” في التسعينات، يقع في مصيدة “تجريم فعل التسيير”، وهو الذي كان أدرى من غيره بما يوجد في هذا القانون الذي حوكم به. والغريب في الأمر أن حتى الذين أطلقوا النار على أويحيى وهو وزير أول، بسبب سجنه “الإطارات” في عهده، على غرار وزير العدل السابق الطيب لوح بمعية عمار سعيداني، في سياق تصفية حسابات سياسية يومها كانت بسبب العهدة الخامسة، هم في السجن أو هاربون في الخارج لنفس الجرم.

والنتيجة الماثلة اليوم، بعد سنوات من الأخذ والرد والكر والفر، في محاولة لرفع التجريم عن أخطار التسيير، أن الذين تقع على عاتقهم مهمة تسيير الشركات والمجمعات، بل وحتى الوزراء والولاة، لا يجري على لسانهم سوى شعار واحد “لي خاف… اسلم”. وهذه حقيقة تعشعش اليوم في مختلف دواليب الدولة، وتقف وراء حالة الشلل العام الجاري في البلاد، رغم أن المتعارف عليه هو أن “من يخاف لا يبدع”، وهو ما جعل المؤسسات الوطنية، بما فيها السياسية، يكاد يتوقف النبض بها وتحسب في عداد الأموات جراء حالة الركود والترقب المتحكمة فيها.

ومثلما لم تنه قضية الخليفة الجدال حول “تجريم فعل التسيير”، رغم صدور الأحكام في حق المتهمين وتوزيع صكوك الغفران على الآخرين وطي الملف نهائيا، فمن الخطأ الاعتقاد أن “محاكمة العصابة” ستجبر الضرر الذي أحدثته في عمق الدولة الذي يحتاج إلى “معجزة” لإصلاحه. وهذه الصورة انعكست بشكل مباشر على أرباب العمل الجزائريين العموميين والخواص الذين أشار استطلاع للرأي لديهم، أن مؤشر الثقة لدى المستثمرين في “سقوط حر”.

ومن هذا الباب، لم تكن قضية الخليفة بكل تلك السلبية، بل كانت بمثابة (رب ضرة نافعة)، كونها فتحت أعين الجزائريين، مسؤولين ومواطنين بسطاء، على الكثير من الحقائق، وعلى استخلاص المزيد من الدروس لم يكن بالمقدور الوصول إليها في الحالات العادية. ومن الدروس التي يجب استخلاصها، أن التصدي للجرائم الاقتصادية والفساد لا يكون عن طريق العقاب فقط، مثلما قد يعتقده البعض، بل الحل الأمثل يكمن في اعتماد إخضاع تسيير الشؤون العمومية لقواعد الشفافية وللمعايير الدولية، وبالنحو الذي يجعل مسؤولينا ومديرينا ورؤساء بلدياتنا يفرقون جيدا بين المال العام وبين المال الخاص، وبين ما هو حق وبين ما هو رشوة واستغلال للسلطة والنفوذ.