blank

يجيد الكاتب الدكتور شاهر الشاهر بين دفتي هذا الكتاب القراءة في الحرب الظالمة التي عصفت ببلدنا سورية وكلفت الوطن والشعب والدولة، خسارات لا تعوض في الأرواح والعمران والثقافة والاقتصاد والتعليم والصحة، كما يبينها في الفصل الأخير من الكتاب، فيقع على مخططات للهيمنة والتقسيم والحروب المتعددة الوجوه التي تمليها مصالح استعمارية عدوانية، كانت سورية عقة مستعصية بوجهها. ويستعرض مؤلف الكتاب هذه المخططات ومنطلقاتها، ليضع بين يدي القارئ صور عن المسرح الدولي عشية الحرب على سورية ويواكب الدكتور الشاهر تفاعل اللاعبين الأساسيين على مسرح الحرب، وكيف غيرت في حساباتهم وغيروا في مسارها. ويقف المؤلف في كثير من الأحيان في نقاط الحياة الافتراضي من أجل تقديم صورة أكثر دقة للأحداث وهو يراقب تطورها، من مبادرات سياسية وأحلاف وحروب ونوعيات تقع السوريون خلالها أغلى ما لديهم لحماية بلدهم، وتجنيبه خطر السقوط والتقسيم والتحول إلى ساحة يقال فيها اللاعبون إلى ما لا نهاية، فنجحت سورية بأن تبقى اللاعب الأول في ملعبيها، الذي التقسم فيه وحوله العالم بين حلقاع لهم يميزهم صدق التزامهم بسورية المرحدة والسيدة والقوية، كشريك في مفهوم دولة الاستقلال والسيادة، وبالمقابل حلف الحرب والاستياحة والتقسيم والفوضى والعنوان الذي تقوم علاقات أطرافه على الاستماع والاستلحاق.

في الحصيلة، ها نحن أمام صعود القوة السورية مرة أخرى إلى المسرح الدولي والإقليمي، تسترد وحدتها وتلملم أشلاءها التي توزعها في ذروة الحرب الالاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف من وحوش الإرهاب المستجلبين من أنحاء العالم، كجيش يديل يحقق الأهداف التي أرادها حلف الحرب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وفي النهاية يدرك الجميع أن سورية هي الرقم الصعب في جميع معادلات المنطقة. فسورية هي الحرب والسلام وهي طائر العنقاء الذي يحترق كي ينهض مرة أخرى من الرماد ليزداد قوة ويرعب أعدائه بقوته وحكمته وصموده وانتصارهه.

في الحصيلة، ها هي سورية تنفض عنها غبار ورماد الحرب والاحتراق، وتمسح جراحاتها وتبلسم الندوب التي أصابت جسدها وشوهت الكثير من جمالها، ومعها حلق تلاقت معه وتلاقي معها على عهد حماية معادلة دولة الاستقلال الوطني، واسقاط مشروع الهيمنة، الذي ينسب للرؤية الأمريكية الزمن القطبية الأحادية، لكن البعد الإقليمي لهذا المشروع يقي دائما يعيون إسرائيلية، يتنفس المصالح الإسرائيلية، ويقرأ بين سطور أمن إسرائيل، ويضبط إيقاع خطوائه على توقيت عساعة المخططات الإسرائيلية وتحسس المخاطر التي تستشعرها إسرائيل. فكما كان الحلف مع روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس الصديق السورية والسوريين فلاديمير بوتين، ومع الصين وسائر دول البريكس المدافعة عن عظيم الاستقلال وعتاهضة الهيمنة، كان حلف قوى المقاومة وعلى رأسه.

الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله وعقاومته، شريك في وجه حلف الهيمنة الأمريكية، لكله الشريف ورفيق السلاح في إسقاط المخططات الإسرائيلية، وإقامة التوازن الاستراتيجي بوجهها الذي حلم به القائد الخالد حافظ الأسد وجد معالمه ويناءه الرئيس القائد بشار الأسد.

يأتي استهداف سورية كونها دولة عربية مقاومة ومواجهة للمشاريع العدوانية، ونظراً لموقعها الجغرافي الهام في المنطقة والعالم، وكذلك امتلاكها إمكانات هامة في الاقتصاد والصناعة العالمية. ونظراً أيضاً لأن سورية العربية تقاوم المشاريع والمخططات الهادفة إلى تحقيق أمن الكيان الصهيوني الغاصب على حساب حقوق الشعب العربي الفلسطيني وحقوق العرب في أرضهم وثرواتهم وسيادتهم على هذه الأرض، حيث تهدف القوى المعادية لإزاحة العقبة المتمثلة بالدولة السورية، وصولاً لتحقيق المشاريع والمخططات الموضوعة لإضعاف الأمة العربية والنيل من أمنها وسيادتها واستقلالها. تدفع سورية الثمن الباهظ بشرياً ومادياً واقتصادياً وسياسياً، وما يلحق بها من دمار وخراب وبأيدٍ إرهابية، عربية وأجنبية مدعومة من أنظمة عربية وإقليمية، مثل تركيا، ودول استعمارية كبرى، مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا، دفاعاً عن أمنها الوطني وأمن الأمة العربية، مما يعني أن صمود سورية ومواجهتها للعدوان الكوني قرابة سبع سنوات إنما هو في حقيقته صمود للأمة العربية، يستهدف الحفاظ على ما تبقى من أمن الأمة العربية المستباح ليس من الدول الطامعة في السيطرة على المنطقة العربية فحسب؛ بل من الدول العربية التي تفتقد إلى أدنى الروابط مع الأمة العربية، حيث يمارسون كل أنواع الوسائل لهدم وتحطيم الركيزة الأساسية للأمن القومي العربي، ممثلاً بالدولة العربية السورية التي أصبحت فعلياً مرتكزاً لأمن العالم، عبر ما تشهده من تهديدات أمريكية وغربية، ورموز لمواجهة هذه التهديدات، من “روسيا الاتحادية وجمهورية إيران الإسلامية والمقاومة الإسلامية العربية”.

إن محاولة إسقاط الدولة السورية إنما يعني تحقيق أهداف العدو الأمريكي– الصهيوني والدول الاستعمارية، وتمرير مشاريعهم الهادفة إلى إسقاط الأمة والهيمنة على مساحاتها الجغرافية وثرواتها النفطية بشكل خاص، وكذلك إسقاط المشروع المقاوم للهيمنة الاستعمارية، وأحلام أردوغان الوهمية المستندة إلى تحقيق أطماعه، لأن يصبح سلطان العصر والزمان. ويعد الدفاع عن أمن سورية دفاعاً عن الأمة العربية وسيادتها واستقلالها، وبناء المشروع القومي العربي النهضوي، وتحقيق الحل السياسي المستند إلى وحدة سورية أرضاً وشعباً بتحقيق الأمن في العالم. إن مواجهة الإرهاب في سورية والقضاء عليه مرتبط بالأمن الدولي ويخدمه، ذلك لأن العصابات الإرهابية التي تسفك الدماء وتنزل الخراب والدمار في القطر العربي السوري تستهدف أيضاً العديد من دول المنطقة والعالم والشواهد كثيرة، من أبرزها ما أصاب فرنسا وروسيا وبلجيكا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا ودول أخرى في هذا العالم، كما تجدر الإشارة، في هذا الصدد إلى أنّ ما واجهته الدول الشرق أوسطية، والمنطقة العربية بدولها كافة هو مجرد انعكاسات للنظام الدولي الجديد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالزعامة الدولية، حيث تحول الصراع بين الشرق والغرب إلى صراع بين الشمال والجنوب، إضافة إلى مساعي السيطرة على خيرات دول العالم الثالث وإضعاف المنظمات التي تجمع بين دول العالم الثالث، وتكوين كتلة دولية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة أي تكتل دولي معارض للنظام الدولي الجديد، رغم بروز بعض الدول المؤهلة مستقبلاً لأن تكون أقطاب موازية للولايات المتحدة الأمريكية، وزيادة هيمنة الدول الكبرى على ثروات الشعوب المستضعفة بحجة تشجيع الاستثمار وحرية التجارة، وزيادة التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصغرى تحت غطاء نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، علاوة على العمل على سحق الدول التي تقف بوجه السياسات والاستراتيجيات الأمريكية، وتتبنى أيديولوجيا معادية لتوجهاتها، ليتضح بذلك محورية الاستهداف الصهيوني الأمريكي لسورية الدولة العربية الشرق أوسطية. وعلى الرغم من أنّ ثبات سورية على مبادئها ودفاعها عن المصالح الوطنية والقومية أضحى تقليداً وعنواناً أساسياً لهذا البلد.

إلا أنّ ما شهدته السنوات الأخيرة من ظروف وتطورات نوعية وجديدة على الساحة الإقليمية والدولية، جعلت من ثباتها على مواقفها شيئاً أشبه بالمعجزة، أي أنّه أخذ شكل التحول النوعي، أو التطور النوعي. لقد أكّدت سورية قدرتها على الذهاب حتى النهاية عند اشتداد الضغوط والتهديدات، ما جعل قوى الهيمنة تشعر بقوة الموقف السوري وثباته، وتتراجع أمام هذا الموقف. لقد شكّلت السنوات الماضية بداية مرحلة جديدة حافلة بالأحداث الدولية والإقليمية التي تأثرت بها سورية والمنطقة العربية، ومع ذلك كان لسورية فيها موقف محدد، وهي مرحلة تحتاج بالفعل إلى دراسة متعمقة لا تتسع لها الصفحات المتاحة في هذا الكتاب. إنّ تراكمات الصراع في منطقة الشرق الأوسط في التاريخ القديم والحديث والمعاصر على حد سواء لا تدع أي مجال للجدل في أنّ سورية، ولأسباب متعددة ومتنوعة، كانت أحد أهم مراكز الاهتمام لدى صانعي السياسة ومخططيها في مختلف الدول الكبرى العالمية والإقليمية. إن أحد أهم التحديات التي ستواجه سورية في المرحلة القادمة هو كيفية تدعيم سياستها الخارجية بسياسة داخلية أكثر كفاءة، فسورية تعاني من ضعف مزمن في هذا المجال، فالحكومات المتعاقبة كانت تستنزف دوماً في الداخل النجاحات التي تتحقق في السياسة الخارجية، فأداء الحكومات في السنوات الأخيرة لم يشذ عن هذه القاعدة، وهذا يدل على خلل بنيوي في الأداء الحكومي لابد من معالجته بجدية، وهو ما دفع السيد الرئيس بشار الأسد إلى طرح مشروع الإصلاح الإداري كمدخل للإصلاح ككل.

blank

 

 

Print Friendly, PDF & Email
blank