Print Friendly, PDF & Email

إذا كان انهيار الإتحاد السوفياتي وما تبعه من غياب المعسكر الإشتراكي قـد أدى إلـى إنهـاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فإنه قد فتح المجال لبداية حرب جديدة بين الغرب متمثـل فـي دول أوروبا الغربية من جانب والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، بهدف التمكن من السيطرة علـى أسواق العالم والتي من ضمنها السوق المغاربية ومن ثم بدأ ظهور التكتلات الإقتصادية ولعـل أبرزهـا الإتحاد الأوروبي والنافتا في أمريكا الشمالية وآسيان في جنوب شرق آسيا.

وفي ظل هذه التكتلات وما تبعها من نظم اقتصادية جديدة، كان ينبغي على الـدول المغاربيـة التكامل والإتحاد لخلق منطقة تجارة حرة وإقامة سوق مغاربية مشتركة تستطيع عـن طريقهـا فـرض وجودها في المجتمع الدولي ومنافسة التكتلات الإقتصادية الأخرى ورغم وجود الإمكانيات الإقتصـادية والمادية والثقافية في المغرب العربي لإقامة مثل هذا التكتل، إلا أنه نظرا للظروف والأزمات والتحديات التي مر بها المغرب العربي في الماضي ويمر بها الآن لم تستطيع الدول المغاربية تحقيق هـذا الت كامـل المنشود، مما جعل العديد منها يبحث منفردا عن ترتيبات حمائية لإقتصادياته عن طريق الـدخول إلـى منظمات عالمية أو تكتلات اقتصادية كبرى من خلال علاقات الشراكة غير المتكافئة.

وعليه سنحاول من خلال هذا الفصل والذي سيتم تقسيمه إلى مبحثين، التطرق لتحديات التكامـل المغاربي حيث يخصص المبحث الأول للتحديات الداخلية والتي تقسم بدورها الى تحـديات ذات طـابع بنيوي مرتبطة بوضعية الدول المغاربية وسياساتها بعضها اتجاه بعض، في حين أن هناك تحـديات ذات طابع ظرفي أو مرتبطة بعوامل معينة وقد زالت بزوالها، أمـا المبحـث الثـاني فيخصـص للتحـدي ات الخارجية التي تواجه التكامل المغاربي والتي حصرناها في جملة المشاريع الخارجيـة التـي عرضـت وفرضت على دول المنطقة والتي تمثل في نفس الوقت عامل ضغط ودفع لهـذه الـدول لأجـل تفعيـل مؤسسات اتحاد المغرب العربي المجمدة.

 

المبحث الأول: التحديات الداخلية

تعددت التحديات و المشكلات المانعة للتكتل والتكامل المغـاربي وأخـذت اتجاهـات عديـدة تراوحت بين تحديات سياسية اقتصادية وإدارية مؤسساتية والتي حالت دون التوصل إلى حالة من التكتل تضمن صيانة مصالح المجموع في مواجهة العالم الخارجي هذا يأتي في ظل الوقت الذي تكتلـت فيـه أوروبا الغربية سياسيا واقتصاديا وفرضت نفسها على عالم اليوم، رغم أن دولها مختلفة اللغات متباينـة الحضارات والثقافات أما المغاربة أصحاب اللغة الواحدة والدين الواحد و الأصول الحضـارية المتماثلـة تخلفوا عن الركب وبات الخطر يداهمهم وأن منطق العمل الفردي على حل مشكلاتهم لن يفيد بل سـوف يصطدم المغاربة بمشكلات أكثر تعقيدا فالتنمية الذاتية في عالم منعزل مفهوم تجاوزه الـزمن والعـرب يعيشون في عالم يحاول الأقوياء فيه أن يفرضوا منطقهم تحت اسم العولمة والمجتمع الكوكبي وغيرهـا من المفاهيم الجديدة التي اقترنت بالنظام العالمي الجديد، مما يعني ضرورة التعامل مع هذه المفاهيم مـن خلفية تحكمها القوة السياسية والإقتصادية حتى لا يصبح رفض الواقع هروبا من سيئ إلى أسوأ.

وبناءا عليه سنركز في هذا المبحث على أهم التحديات التي وقفت وتقف في وجه التكامل المغاربي.

المطلب الأول : التحديات السياسية

الهدف الأساسي من التكامل والإتحاد المغاربي على اعتبار أنه يجسد تجربة التكامل هو تعزيـز التعاون الإقليمي والتنسيق في عصر التكتلات العملاقة، إلا أن هذا الهدف يبدو غير كاف لتحقيق التكاملحيث الهاجس الإقتصادي يحتل مرتبة متأخرة في تحديد العلاقات البينية، وحيث أثبت الهـاجس الأمنـي فاعليته كما هو الحال في مجلس التعاون الخليجي في حين لم يتمكن الإتحاد المغاربي من أن يلعب دورا فاعلا في مواجهة العقوبات التي فرضت على ليبيا وهو ما قلل من فاعليته رغم قناعة الجميع بضـرورة تعزيزه في ظل تيار العولمة الجارف وعصر التكتلات العملاقة وفي حين انحسر دور التكتلات الإقليمية الإفريقية في الحفاظ على الأنظمة القائمة ووقف الحملات الدعائيـة وعـدم مسـاندة أي منهـا للقـوى المعارضة للآخر، ورغم تأكيد الدول المغاربية على أن التكتل بينها يعد خيارا استراتيجيا إلا أن الواقـع يشهد بكونه مجرد أداة لحماية القطرية الضيقة ودواعي السيادة المحلية، والتي حالت إلى جانب عوامـل أخرى دون رقي تجربة التكامل المغاربية إلى مشروع تكاملي إقليمي هـادف ، وعليـه يمكـن تلخـيص التحديات السياسية في العناصر التالية :

الفرع الأول : طبيعة النظم السياسية 

تمثل الإختلافات بين النظم السياسية وترتيب أولوياتها أحد التحديات والمشكلات الأساسية، حيث أن الدول المغاربية لازال النظام الحاكم فيها يمارس الدور الأكبر في وضع وتنفيذ السياسات دونما سماح بمشاركة أخرى، ومن ثم نجد درجات ومستويات التكامل ترتبط إلى حد بعيد بمدى اتفـاق أو اخـتلاف النخبة الحاكمة، حيث تغيب المؤسسات السياسية الفاعلة سواء كانت حكومية أو غير حكومية، ولا تعطي مجالا لعمل الدبلوماسية الشعبية ومشاركة الجماهير في العملية التكاملية فهي أنظمة استبدادية منغلقة على نفسها وهذا ما يعني غياب أحد أبرز مرتكزات الطرح الوظيفي الجديد لتحقيق التكامل ألا وهو ضـرورة توفر الديمقراطية والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني القادرة على إنجاح مسار التكامل وهـو الأمر الذي جعل التجربة المغاربية تعرف تعثرا كبيرا حيث غلب عليها الطابع الرسمي والبيروقراطية.

فلقد احتكرت المؤسسات الرسمية كل أنواع المسؤوليات وهمشت إلى حد كبيـر دور المـواطن ومؤسسات المجتمع المدني، وهذا ما أدى إلى ضعف مؤسسات المجتمع المـدني مـن حيـث التنظـيم والممارسة وافتقارها إلى الوسائل الإعلامية لإبلاغ رسالتها إلى الجمهور، وهذه العوامل هي التي حالـت دون أن تلعب حوالي 83 منظمة من مؤسسات المجتمع المدني ذات الطابع المغاربي التي تأسسـت فـي إطار اتحاد المغرب العربي أن تلعب دورها في تحقيق الوحدة المغاربية، وهو ما يعني أن العبرة ليسـت بعدد منظمات المجتمع المدني ولكن العبرة بفاعليتها إلا أن الفاعلية تتطلـب قـدرا مـن حريـة الإرادة والحركية وهي عوامل غير متوفرة لهذه المنظمات في الوقت الحاضر نتيجة هيمنة الدولة علـى الشـأن العام وتلك السلبية بادية في عرقلة منظمات المجتمع المدني عن القيام بدورها في تحقيق التنمية والبنـاء المغاربي المشترك ،لأن البناء المغاربي المشترك يحتاج إلى مشاركة الجميع وتوفر إرادة الجميع، وهـو ما يعني أن أزمة اتحاد المغرب العربي هي في جزء منها أزمة مجتمع مدني، وعلينا أن نتعلم من تجربةالإتحاد الأوروبي الذي ساعدته ديمقراطية أنظمته على استمرار تجربته ووصولها إلى أهدافها (1).

فالمجتمع المدني هو الذي يعمل كواسطة لأجل تعميق مسألة التكامل وتعزيزها علـى المسـتوى الجماهيري، وبالتالي يحدث حسب ايتزيوني مسألة الإسراع في تحقيق هدف التكامـل وهـذا مـا نجـده متجسدا في تجارب الدول المتقدمة، فدور هذه المؤسسات هو تعميق الثقة بين الحـاكم والمحكـوم هـذا الحاكم الذي يمثل إرادة الجماهير على مستوى عملية التكامل في حين نرى هذا الجانب غائبا في تجربـة الدول المغاربية.

ويعود هذا الإنغلاق والتخوف من إعطاء مجال أوسع لحركة هذه المؤسسات علـى المسـتوى المغاربي إلى التخوف من التعدي على السيادة القطرية، وهو السبب الرئيسي وراء فشل أية جهود نـادت بالوحدة أو التكامل الإقتصادي، فلم تستطع الدول المغاربية أن تدرك أن أي عمل مشترك لابد لـه مـن تنازلات معينة لصالح مؤسسات العمل الوحدوي وهذا ما أكدت عليه الوظيفية بشقيها الأصـلي والجديـد لأجل نجاح عملية التكامل.

وإذا كانت هذه التنازلات قد تم رفضها في ظل عمل مغاربي مشترك فهي نفسها التي تم قبولهـا في ظل اتفاقيات الشراكة مع أوروبا، فلماذا قبلنا في الشراكة مع الآخر ما لم نقبلـه فـي ظـل العمـل المغاربي الموحد ؟ ونسجل هنا أن من عوامل النجاح الذي عرفته تجربة الإتحاد الأوروبي خلال مراحله المختلفة والتي نصت عليها معاهدة روما هو مبدأ تنازل الدول الأعضـاء فـي الجماعـة  الإقتصـادية الأوروبية عن جزء من سيادتها القومية لصالح أجهزة التكامل وهي أجهزة بطبيعتها فوق قومية ([1]).

يمكن تفسير هذه النزعة القطرية الشديدة والتمسك بالسيادة وعدم التنازل بـبعض الصـلاحيات لمؤسسات التكامل إلى عامل غياب الإرادة السياسية، ولقد لعب هذا العامل دورا بارزا في تعميق أزمـ ة التكامل وقد كان وراء ضعف الإرادة السياسية عوامل عديدة أهمها : عـدم وضـوح الفوائـد الكبيـرة المتبادلة للتكامل الإقتصادي والتي تعد حسب “هاس” و ” ايتزيوني” من دوافع عملية التكامل مـن خـلال حساب معدلات المكاسب والخسارة من قبل القوى الرئيسية في العملية التكاملية وهو ما أضعف الإقتنـاع الموضوعي لدى أصحاب القرار السياسي بجدواها وجديتها، ولقد كـان الحـرج السياسـي لا  الإقتنـاع الموضوعي وراء تبني العديد من الإتفاقيات والمشروعات المشتركة، وكثيرا ما كان التأخر في التطبيـق الجدي لبعض هذه الاتفاقيات مدعاة لحصول متغيرات جديدة تنتفي أو تقـل معهـا صـلاحية المـدخل المختار، فتبدأ جولة جديدة لمدخل جديد دون انتظار وضوح التجربة الأولى ولقد أسهم في عـدم الجديـة في التطبيق غلبة النظرة الآنية على النظرة طويلة المدى وطغيان المصالح العاجلـة علــى المنافــعالآجلة ([2]).

الفرع الثاني : تأزم العلاقات المغاربية 

تتميز العلاقات المغاربية في مجملها بالتوتر ويرجع ذلك إلى مشكلات الحدود، وعـدم تسـويتها بشكل نهائي، ومن ثم فهي تعتبر قنابل موقوتة قابلة للإنفجار من وقت لآخر وقد لعـب  الإسـتعمار دورا كبيرا في خلق تلك المشكلات ليس بين دول المغرب العربي فقط ولكن في إفريقيا بشكل عام، حيث نجـد مشكلة الحدود بين الجزائر وتونس حول النقطة 233 ويفترض أنه قد تم تسوية المسألة فـي اتفـاق 19 مارس 1983م ولكن أحيانا ينفجر وأخرى يخبو، وهناك أيضا مشكلة الحدود بين الجزائر وليبيـا، كمـا توجد مشكلة الحدود بين تونس وليبيا حول الحقوق البحرية للدولتين، وتعد مشكلة الحدود بـين الجزائـر والمغرب الأكثر خطورة على الإطلاق بين دول المنطقة إلى أن تمت تسويتها عام 1992م بعد تصـديق المغرب على المعاهدة، وهناك مشكلة الحدود بين المغرب وموريتانيا وتتمثل خطورة المشكلات الحدودية بين دول المغرب العربي في أنها برغم تسويتها إلى حد بعيد تؤثر على العلاقات بين تلك الـدول وذلـك حسب رؤى القيادات الحاكمة، علاوة على أنها مناطق غنية بالثروات المعدنية والبترولية كمـا أن عـدم تسوية مشكلة الصحراء الغربية تمثل أحد الهواجس والمصادر الأساسية للتوترات بين دول المنطقة ([3]).

أولا : قضية الصحراء الغربية 

إن مشكل وتحدي الصحراء الغربية كان دائما ولا يزال يضع العلاقات الدبلوماسية بين الـدول المغاربية في موقف حرج، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن الجذور الحقيقية لتكون هذه الأزمة ؟

الصحراء الغربية كانت تعرف في السابق بإسم وادي الذهب والساقية الحمراء والتي تمتد علـى الساحل الغربي لقارة إفريقيا المطل على المحيط الأطلسي، وتحدها المغرب من الشـمال وتحـيط بهـا موريتانيا من الجنوب والشرق وتتلاقى مع الحدود الجزائرية في منطقة ضيقة في أقصى الشمال الشرقي وتزيد مساحتها على 270 ألف كلم2 .

أهم ما يميز هذه المنطقة توفرها على ثروات معدنية منها الفوسفات الذي تعتبر رواسـبه مـن أغنى الرواسب العالميـة حيث يقدر الإحتياطي بنحو 600 مليون طن وترتفع فيه نسبـة المعدن إلــى 30 % ، وقد بدأ إنتاج الفوسفات بها منذ عام 1972م ([4]).

تعرضت هذه المنطقة خلال عامي 1884م-1886م للهيمنة الإسبانية، حيث استطاعت اسـباني ا فرض سيطرتها على القسم الجنوبي من الصحراء الغربية المعروف بإسم وادي الذهب وذلك لأنـه يقـع قبالة جزر الكناري، التي كانت اسبانيا قد استولت عليها منذ القرن الخامس عشر ولم تكـن فـي نظـرالإسبان سوى محطة اسبانية على طريق الأطلسي وحينما احتـل الإ سـبان شـمال المغـرب (الريـف المراكشي) في عام 1904م حصلت اسبانيا أيضا على المنطقة الشمالية من الصحراء الغربية المعروفـة بإسم الساقية الحمراء وفي عام 1912م جرى تخطيط الحدود بين الممتلكات الفرنسـية فـي موريتانيـا والجزائر من جهة وبين الممتلكات الإسبانية في الصحراء الغربية من جهة أخرى وعلى الرغم من ذلـك لم تعر اسبانيا أي اهتمام لهذه المنطقة، وبإستثناء الوجود العسكري الإسباني في مدن الساحل فقـد ظـل الداخل مهملا ولم يصل الإسبان إلى الداخل إلا في عام 1934م.

ولقد اهتمت الدول المجاورة للصحراء وهي المغرب وموريتانيا والجزائر، بضـرورة خـروج الإسبان من الإقليم وفي منتصف عام 1970م ظهرت إلـى الوجـود منظمـة عسـكرية هـي منظمـة البوليساريو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وقد أنشئت هذه المنظمة بـدعم مـن الجزائر وكانت هذه المنظمة تنادي بتكوين دولة مستقلة في الصحراء الغربية في حين كانـت المغـرب وموريتانيا تعتبران الصحراء الغربية أجزاء محتلة من أراضي الدولتين يجب استعادتها، وهكذا وجـدت الخلافات بين كل من المغرب وموريتانيا من جهة والجزائر ومنظمة البوليساريو من جهة أخرى.

في عام 1972م اتخذت الأمم المتحدة قرارا يقضي بإستقلال الصحراء الغربية، وجلاء القـوات الإسبانية عن المنطقة وأعلنت اسبانيا أنها ستعطي الفرصة للسكان ليقرروا استقلالهم من خلال اسـتفتاء عام تجرية في المنطقة عام 1975م، واثر ذلك أحالت الأمم المتحدة بطلب من المغرب وموريتانيا قضية الصحراء الغربية إلى محكمة العدل الدولية لتنظر في أمر السيادة المستقبلية على الإقليم هل هي للمغرب أم لموريتانيا ؟، وقد جاء قرار محكمة العدل الدولية أن كلا من المغرب وموريتانيـا كانـت تربطهمـا علاقات قوية بالإقليم قبل احتلال اسبانيا له، ولم تحكم المحكمة الدولية لصالح المغرب أو موريتانيا كمـا أنها لم تحكم بإستقلال المنطقة وسيادة أهلها عليها وبالرغم من قرار المحكمة هذا انسحبت اسـبانيا مـن المنطقة وأعطتها لكلا طرفي النزاع الموريتاني والمغربي وفي عام 1976م حلـت القـوات  الإسـبانية وتقدمت القوات المغربية فإحتلت المنطقة الشمالية الساقية الحمراء ودخلت القوات الموريتانيـة المنطقـة الجنوبية ريودورو ([5]).

قامت الجزائر بدعم البوليساريو التي تطالب بإستقلال المنطقة، وكونت هذه المنظمة حكومة فـي المنفى وسمت دولتها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وكانت تتلقى دعما وتأييدا من الجزائر بهذا الخصوص وقد قامت الجبهة ببعض العمليات العسكرية في المنطقة وقد اسـتطاع ت هـذه الجبهـة التغلب على القوات الموريتانية في الجنوب لذا قررت موريتانيا في عـام 1979م الجـلاء عـن القسـم الجنوبي من الصحراء، عندها استغلت القوات المغربية هذا الموقف فقامت بـ إحتلال الجـزء الجنـوبي الخاص بموريتانيا وضمته إلى القسم الشمالي، واستمرت الإشتباكات والمواجهة بين الطرفين الصحراويوالمغربي إلى عام 1988 حيث وافق الطرفان المغربي وجبهة البوليساريو على وقف إطلاق النار، على أن يجري استفتاء عام للسكان تحت إشراف الأمم المتحدة يتقرر بموجبه مصير الصحراء الغربيـة وقـد تشكلت لجنة من الأمم المتحدة لمتابعة موضوع الإستفتاء وحصر السكان الذين يحق لهم الإستفتاء([6])، لكن الإستفتاء ليومنا هذا لم ينجز ومسألة الصحراء الغربية ما تزال تصعد حدة التوتر بين الـدول المغاربيـة وتضع علاقاتها على المحك بين الطرفين الأساسين الجزائر على اعتبارها حاضنة للقضية ومدعمة لهـا والمغرب الذي يؤكد على مغربية الصحراء الغربية، وتضع التكامل المغاربي أمام تحدي مزمن ليس لـه نهاية أو حدود.

ثانيا : الإتجاه العام للعلاقات المغاربية خلال الفترة الممتدة من 1990م إلى 2000م  

في إطار الحديث عن الإتجاه العام للعلاقات المغاربية فإننا نكون بصدد التطرق لعلاقات التـوتر والإنفراج للدول المغاربية، والتي طالما ميزت مسيرة هذه الدول وفي هذا الإطار يمكن عـرض بيانـات الجدول رقم 02 الذي يوضح طبيعة العلاقات السياسية بين الدول المغاربية خلال الفتـرة الممتـدة مـن 1990م إلى 2000م.

الجدول رقم 02 علاقات الإنفراج والتوتر بين دول اتحاد المغرب العربي خلال السنوات 

19902000م 

موريتانياالمغربالجزائرتونسليبياالبلدان 
  10

20

  10

20

  10

10

  10

10

ـــ  ـــليبيا (1)       (2)
  10

10

  10

10

  10

10

ـــ  ـــ  10

10

تونس
  10

10

  10

20

ـــ  ـــ  10

10

  10

10

الجزائر
  10

20

ـــ  ـــ  10

20

  10

10

  10

20

المغرب
ـــ  ـــ  10

20

  10

10

  10

10

  10

20

موريتانيا

 

المصدر : مجلة المستقبل العربي. الأجزاء المتعلقة بالعلاقات العربية- العربية.

الأعداد من عام 1990 ← 2000م.

  • 10 : تمثل علاقات التنسيق والتعاون أو الإنفراج.
  • 20 : تمثل علاقات التوتر والصراع.
  • (1) : العلاقات السياسية خلال السنوات 1990 ← 1994م.
  • (2) : العلاقات السياسية خلال السنوات 1995 ← 2000م.

إن المتفحص لبيانات هذا الجدول يمكنه ملاحظة التالي :

  • أن علاقات دول المغرب العربي تسودها علاقات الإنفراج أحيانا والتوتر أحيانا أخرى بل إن منطقـة المغرب العربي قد شهدت وتشهد علاقات ما بعد التوتر حيث أن المنطقة شهدت حربـا حدوديـة بـين المغرب والجزائر عام 1963 م، والحرب بين المغرب والبوليساريو منـذ منتصـف سـبعينات القـرن العشرين(1).
  • بالرغم من أن قيام اتحاد المغرب العربي قد جسد علاقات التنسيق والتعاون منذ قيامه عام 1989 م ،إلا أن العلاقات بين ليبيا وموريتانيا من ناحية والجزائر والمغرب من ناحية أخرى قد اتسـمت بـالتوتر والصراع منذ السنوات 1994م-1995م نظرا لإنخراط موريتانيا في علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في الحالة الأولى، ونظرا لتأييد الجزائر لجبهة البوليساريو و الخلاف حول التعاطي مع الملف الإسلامي فـي الحالة الثانية.

وبلغ التوتر أوجه بين الجزائر والمغرب في صيف 1994م بسبب الخلاف حول التعـاطي مـع الملف الإسلامي، اثر حادث اعتداء فندق أطلس آسني بمراكش (شارك فيه فرنسيون من أصول جزائرية ومغربية أودى بحياة اسبانيين)، حينما أكدت الرباط تورط جزائريين في الحادث متهمة في الوقت نفسـه الأمن الجزائري بالضلوع فيه ( أثبتت التحقيقات المغربية والفرنسية فيما بعد عدم تورط الأمن الجزائري في العملية )، فبادر المغرب في 26 أوت 1994م إلى فرض التأشـيرات لـيس فقـط علـى الرعايـا الجزائريين بل على كل الأجانب من أصل جزائري وهو ما تم اعتباره سابقة تاريخية لأنه ينطوي علـى تصور عرقي، وكان رد فعل الجزائر سريعا حيث طبقت مبدأ المعاملة بالمثل فارضة نظـام التأشـيرات على رعايا المغرب، لكنها لم تطبق هذا الإجراء على الأجانب من أصل مغربي، كما أغلقـت يـوم 27 أوت 1994م حدودها مع المغرب ([7]).

3- اتسمت علاقة ليبيا بتونس بتحسن ملحوظ بعد التوتر الذي ساد العلاقات بين الـدولتين خـلال عقـد الثمانينات خاصة خلال السنوات 1981م-1984م والسنوات 1987م-1989م، لكـن منـذ بدايـة عقـد التسعينات والعلاقات الليبية- التونسية تشهد تحسنا ملحوظا، حيث تعقد بشكل دوري اجتماعـات قمـة  أو لقاءات وزارية من خلال الزيارات المتبادلة بين الدولتين.

إذا كانت علاقة ليبيا بتونس تعكس علاقة انفراج، فإن علاقة ليبيا بموريتانيا منـذ عـام 1995م تعكس بدورها علاقة توتر وعليه فإن هذه الدراسة تلاحظ أن ذلك يؤثر ايجابيا أو سـلبيا علـى العلاقـة التجارية بين ليبيا من ناحية، وتونس وموريتانيا من ناحية أخرى فبالرغم من أن موريتانيا كانت شـريكا هامشيا خلال عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات من القرن العشرين إلا أن علاقاتها التجارية مع ليبيـا تعتبر معدومة منذ عام 1995م نتيجة لتوتر العلاقات بسبب انخراطهـا فـي علاقـات دبلوماسـي ة مـع إسرائيل.

وهذا ما يعني تسييس الإقتصاد وخضوعه للسياسة وهو من أخطر ما وقع في عالمنـا العربـي بمعنى أن العلاقات السياسية بين الدول العربية هي التي تحكـم التبـادل التجـاري وليسـت المصـالح المشتركة والمنافع التي يجب تحقيقها ([8]).

فالعامل السياسي قد أثر على علاقة ليبيا التجارية مع تونس على سبيل المثال حيث يلاحظ فـيهذا الشأن أن الصادرات والواردات قد تقلصت خلال سنوات توتر العلاقات في الثمانينات، لكن علاقـةالإنفراج والتحسن الملحوظ في العلاقات الليبية التونسية خلال عقد التسعينات قد جعل من تونس الشريكالتجاري الأهم، حيث يلاحظ أن 9,76 % من الصادرات الليبية إلى العالم العربي تذهب إلى تـونس و أن 9,46 % من الواردات الليبية من العالم العربي تأتي من تونس، أما لو أضفنا كل من الجزائر والمغـرب إلى القائمة فإنه يلاحظ أن 22,57 % من الواردات الليبية من العالم العربي تأتي من هذه الدول الثلاثـة وأن 56,85 % من الصادرات الليبية إلى الوطن العربي تذهب إلى الدول المغاربية الثلاثة، كما احتلـت تونس المرتبة الخامسة عالميا في قائمة الصادرات الليبية، وفي المرتبة السادسة فـي قائمـة الـواردات الليبية عام 2001م، حيث يلاحظ أن الصادرات الليبية إلى تونس قد ارتفعت مـن 6,4 % إلـى 7,5 % وأن الواردات الليبية من تونس قد انخفضت في نفس الوقـت مـن 9,6 % إلـى 8,5 % خـلال عـام 2000م-2001م على التوالي، لكن بالرغم من العلاقات التجارية القوية بين كل من ليبيا وتونس إلا أنـه يمكن القول بأن التجارة البينية المغاربية تتسم بالضعف (1)، والسبب هو العامل السياسي والـذي يتجسـد في بروز علاقات التعاون أحيانا وعلاقات الصراع أحيانا أخرى وهنا يمكـن إسـقاط عامـل  الإتصـال والمبادلات التجارية عند ” كارل دويتش ” حيث يركز على تاريخ العلاقات بين الوحدات السياسية المعنية بالتكامل، فبقدر ودية العلاقات بين الأطراف المعنية، بقدر ما يؤدي ذلك إلى تفعيـل قنـوات  الإتصـال وزيادة نسبة المبادلات التجارية ومن ثم التعجيل بالعملية التكاملية، وهنا يمكن القول أن من بين التحديات و الأسباب المباشرة التي حالت دون تحقيق التكامل هي الصراعات السياسية بين الدول المغاربية والتـي في أغلبها صراعات حدودية تمتد بتأثيرها إلى كافة العلاقات الإقتصادية والدبلوماسية.

الفرع الثالث : الأوضاع الداخلية الأمنية وانعكاساتها 

إن الأوضاع الداخلية لدول الإتحاد المغاربي، وما أفرزته من أزمات على المسـتوى القطـري، جعلت الإهتمام بها يغلب على الإهتمام بجهود التعاون والتكامل على المستوى المغاربي، فقد كانت هناك أزمة المقاطعة والحصار التي تعرضت لها الجماهيرية الليبية، والأزمة السياسية الحـادة الخانقـة فـي الجزائر، وعاشت تونس نفس الوضع تقريبا، ورغم انفراج تلك الأزمات في معظم الـدول المغاربيـة إلا أن الظروف الدولية المستجدة والمعطيات العلنية والسرية المرتبطة بها تساهم في عرقلة جهود التنسـيق والتعاون بين الدول المغاربية لتبقى تحت هيمنة الدول المتقدمة تستغل مواردها، وتشكل سوقا يـتم مـن خلالها استهلاك سلعها وخدماتها وأفكارها وأنماط حياتها، وسيتم في هذا العنصر عرض كل من قضـية لوكربي والأزمة الليبية وكذلك الأزمة السياسية الجزائرية وتداعياتها على المسار التكاملي في المنطقة.

أولا : قضية لوكربي وردود الفعل المغاربية 

كان أول تعبير عن قيام النظام الدولي الجديد هو المس بأمن الجماهيرية الليبيـة أحـد الـدولالمكونة لإتحاد المغرب العربي وذلك بفرض حظر جوي عليها، منذ أن صـادق مجلـس الأمـن فـي21/01/1992م على القرار 731 ثم القرار 748 ([9]).

وفرض الحظر على ليبيا لإتهامها بتفجير الطائرة الأمريكية فوق بلدة لوكاربي باسكوتلندا عـام 1988م، واعتماد قرار 883 تاريخ 11 نوفمبر 1993م القاضي بعقوبات جديدة ضد ليبيا حيث تم توسيع الحظر الجوي والعسكري والدبلوماسي عليها.

طالبت ليبيا من الدول المغاربية الوقوف إلى جانبها وعدم تطبيق قرارات مجلس الأمن مسـتندة إلى المادة 14 من معاهدة اتحاد المغرب العربي التي تنص على أن >> كل اعتداء تتعرض له دولة مـن الدول الأعضاء يعتبر اعتداء على الدول الأعضاء الأخرى << ، إلا أن الدول المغاربية طبقت الحظـر الجوي على ليبيا، ثم طالبت ليبيا مرة ثانية التضامن معها في مواجهة الدول الغربية وأمام هذه الوضـعية تعاملت ليبيا مع دول المغرب العربي بتحفظ حيث لم تحضر قمتي نواكشط وقمة تونس وتوقفت عن تنفيذ بعض المشاريع المشتركة مثل مشروع الجامعة المغاربية التي التزمت فيه ببنائها وتمويلها ([10]).

وقد ساهمت هذه القضية في عرقلة مسيرة اتحاد المغرب العربي والمسار التكـاملي، وقضـت على انتعاش التعاون الثنائي بين هذه الدول، وكانت بمثابة الضربة القاضية لمناخ التعـايش الـذي سـاد علاقات هذه الدول مع نهاية عقد الثمانينات، لتعود من جديد الحمـلات الإعلاميـة المتبادلـة وسياسـة المحاور التي حكمت العلاقات المغاربية خلال عقدي السبعينات والثمانينات، وقد وصـلت الأزمـة إلـى قمتها عند إعراض ليبيا عن تسلم رئاسة اتحاد المغرب العربي من الجزائر عام 1995م، احتجاجا منهـا عن مواقف الدول المغاربية وهذه المواقف المتباينة كانت من بين العوامل التي ساهمت في تعطيل الهيكل الرئيسي في الإتحاد وهو مجلس الرئاسة المسؤول الأول عن كل القرارات المهمة والمصيرية في اتحـاد المغرب العربي ،لأن بقاء رئاسة الإتحاد عند الجزائر يعني تعطيل مسيرة الإتحاد نهائيا، وذلـك  للأزمـة الداخلية التي كانت تعيشها الجزائر ([11]).

أما عن خلفية الولايات المتحدة الأمريكية من فرض هذا الحصار فهي تهدف في الحقيقـة إلـى المس بأمن دول اتحاد المغرب العربي والقضاء عليه كتكتل اقتصادي يهدف إلى الوصول إلـى مغـرب عربي موحد في المستقبل وبالتالي تهديد المصالح الأمريكية والمغاربية في المنطقة المغاربية ([12]).

وما يمكن أن نستخلصه من خلال حادثة لوكاربي وفرض الحصار على الجماهيرية الليبية هـوأن التجربة المغاربية في التكامل بمرحلتيها الأولى من خلال اللجنة الإستشارية الدائمة 1964م والمرحلةالثانية بإنشاء اتحاد المغرب العربي سنة 1989م، لم تجد بيئة دولية حاضنة لمسار التكامل، وهنا يغيـبدور النخبة الخارجية في تسريع وتيرة التكامل حسب افتراضات ايتزيوني وإنما برز دورها في تعطيـل وتوقيف مسار التكامل.

حيث لا تحبذ هذه النخبة الخارجية والتي تمثل الدول الكبرى وعلى رأسـها الولايـات المتحـدة الأمريكية والدول الأوروبية، قيام التكامل المغاربي والذي ترى فيه ما يضر ويـنقص مـن مصـالحها ونفوذها في المنطقة، بمعنى عدم تطابق أهداف النخبة الخارجية مع أهداف النخبة الداخلية، فهي تفضـل التعامل مع الدول المغاربية بشكل انفرادي وذلك بالتعامل معها من خلال اتفاقيات ثنائية.

ثانيا : أزمة الجزائر الداخلية وتأثيرها في مسار التكامل 

عرفت الجزائر في عقد التسعينات من القرن العشرين أزمة طاحنة كادت تتحـول إلـى حـرب أهلية نتيجة توقيف مسار الإنتخابات البرلمانية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقـاذ عـام 1991م ،وعلى الرغم من أن الوجه السياسي للأزمة ليس إلا أحد أوجهها ذلك أن تلك الأزمة كانت متعددة الأوجه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا الأمر الذي أربك الأوضاع في هذا البلد المغاربي، وهو ما انعكس بالسـلب على اتحاد المغرب العربي من ثلاثة أوجه :

الوجه الأول : إن الجزائر في الوقت الذي تولت فيه رئاسة اتحاد المغرب العربي كانت تعـيش أوج أزمتها، مما جعلها منشغلة بأوضاعها الداخلية المتأزمة عن تحريك مؤسسات الإتحاد مـا زاد فـي جمود هذه المؤسسات.

الوجه الثاني : لتأثير أزمة الجزائر الداخلية في مسيرة اتحاد المغرب العربي، فتتمثل في تخوف أعضاء دول الإتحاد من انتقال الأزمة الجزائرية إليها، مما جعلها تعمـل علـى التقليـل مـن دخـول الجزائريين إليها، كما قامت هذه الدول بضبط حركة مواطنيها إلى الجزائر الأمر الذي ساهم في عرقلـة حركة الأشخاص والبضائع داخل الفضاء المغاربي (1)، وهذا ما يعني غياب عنصر الإتصال والمبادلات الذي يؤدي إلى تماسك وديمومة العملية التكاملية ويدفع تدريجيا قادة وشعوب هذه الدول إلـى الوصـول إلى الشعور بالإحساس بالإنتماء إلى الجماعة السياسية الجديدة التي يهدف التكامل إلـى تحقيقهـا داخـل رقعة جغرافية معينة، والتي يفترض أن تكون منطقة المغرب العربي، لكن الأمر اختلف حيث واجهـت الجزائر أزمتها منفردة أمام تخلي مغاربي صريح خوفا من انتقال الأزمة وهذا مـا يعنـي انعـدام روح التضامن بين الدول والشعوب المغاربية وغياب أبرز دعائم التكامل عنـد دويـتش  الإتصـال وعنصـر المبادلات التجارية ولعل الجمود الذي عرفه الإتحاد في هذه الفتـرة انعكـاس واضـح لغيـاب هـذينالعنصرين.

الوجه الثالث : لدور الأزمة الداخلية الجزائرية في تعطيل الإتحـاد، فيتعلـق بموقـع الجزائـرالجغرافي فهي تقع موقع القلب من المغرب العربي بالإضافة إلى الوزن السكاني والإقتصادي ،مما يعني أنه من المستحيل تقدم التكامل المغاربي بدون الجزائر ([13]).

يتضح من العرض السابق أن القضايا السياسية والأمنية كانت فاعلا سلبيا في إطـار العلاقـات المغاربية أو بين دول الإتحاد، حيث أنها رغم كونها قد تمثل مدخلا للتعاون والتنسيق إلا أن بعض هـذه الدول تورط في مغامرات سياسية وعسكرية في دول أخرى، علاوة على مشكلات الحـدود والتـوترات الداخلية وانتشار الأصولية والجماعات الإرهابية المتطرفة داخل بعض الدول، بدلا من أن تمثـل حـافزا على التعاون والتنسيق كانت أحد مصادر الخلافات والنزاعات كما أن اختلاف القيادات ونظـم الحكـم، وعدم تطبيق الديمقراطية وإنشاء مؤسسات سياسية قوية حكومية وغير حكومية جعل السياسات الخارجية والتعاون الإقليمي بين دول المنطقة يسير وفقا لهواء القيادات السياسية والنخب الحاكمـة، عـلاوة علـى حرص تلك القيادات على سيادتها المطلقة والخشية من عدوى الديمقراطية أو الإنفتـاح علـى الأفكـار والمعتقدات السياسية، وبالتالي مطالبتها بمزيدا من الديمقراطية يجعلها تتراجع للحفاظ علـى شـرعيتها، التي قد تعتمد على أسس تقليدية أو عدم وعي المواطنين، ومشاركتهم في الشؤون السياسية، مما أثر سلبا على تلك التجربة في التكامل الإقليمي، والتي كان ينظر إليها بإعتبارها أحد المحركات الدافعة فيما بـين الدول المغاربية، نظرا لعوامل التشابه المتعددة بين تلك الدول والميراث الثقافي والحضاري الذي يؤلـف فيما بينها أو مع الدول الأوروبية.

المطلب الثاني : التحديات الإقتصادية 

تتفاوت الدول المغاربية من حيث درجات النمو الإقتصادي ومن حيث درجـات الأخـذ بـنظم التخطيط الإقتصادي، حيث يؤدي هذا إلى صعوبة التنسيق الإقتصادي بين الدول، كما تختلف هذه الـدول من حيث الأنظمة والتشريعات التجارية والتنفيذية والجمركية، هـذه الأمـور يترتـب عليهـا تضـارب السياسات الإقتصادية وتخلف صعوبات في تنفيذ القرارات المشتركة وأيضا اختلاف النظم السياسية مـن حيث كونها تنتمي إلى القطاع الخاص أو القطاع العام، واختلاف الأساس النقدي بين الـدول المغاربيـة بعضها البعض يمثل عقبة أساسية، كما يعاني الإقتصاد المغاربي من ضعف القاعدة الإنتاجيـة والتوجـه الخارجي لإستراتيجية التنمية فيها، وغياب التصور الشمولي وغياب التنسيق في السياسـات  الإقتصـادية بين الدول المغاربية، يضاف إلى ذلك عدم توفر بنية أساسية صالحة لإنشاء حالة تكاملية، كمـا أن الفـن الإنتاجي متخلف والدول المغاربية لا تساير التقدم التكنولوجي فـي العـالم، كـل هـذه آفـات تصـيب الإقتصاديات المغاربية وتعرقل أي محاولة للتكتل والتكامل المغاربي ووفقا لما سبق فإنه سيتم التعـرضلأهم التحديات الإقتصادية التي كانت وراء إخفاق التجربة المغاربية في التكامل.

الفرع الأول : الطبيعة الهيكلية للإقتصاديات المغاربية 

يقصد بالهيكل الإقتصادي العناصر الأساسية التي يرتكز عليها الإقتصاد المغاربي فـي إحـداث عملية التنمية، وبالتمعن في الإقتصاديات المغاربية نجدها تعتمد على مجـالين أساسـيين وهمـا مجـال الصناعة ومجال التجارة والتي تمثل العمود الأساسي بالنسبة للإقتصادات المغاربية خاصة في علاقاتهـا الإقتصادية مع العالم الخارجي.

أولا : ضعف قاعدة الصناعات التحويلية 

يرتكز قطاع الصناعات التحويلية في الدول المغاربية على عـدة مجموعـات رئيسـية أهمهـا صناعة الكيماويات والمنتجات النفطية والبلاستيك والفحم الحجري والمطاط، تليها الصـناعات الغذائيـة والمشروبات ثم المنسوجات والملابس الجاهزة والصناعات الجلدية، وقد سجل أعلـى نصـيب لقطـاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي في كل من تونس والمغرب حيث بلغ هذا المعـدل نحـو 4,21 % ، 16 % على التوالي عام 2002م.

ويغلب على هيكل الصناعات التحويلية في الدول المغاربية استخدام ما يتوفر من مواد خام فـي إقامة القاعدة الصناعية، حيث يلاحظ سيطرة الصناعات التحويلية المرتبطـة بـالنفط وبعـض المعـادن الأخرى على القواعد الصناعية في الدول المغاربية سواء على المستوى القطري أو الإجمالي وهـو مـا يطلق عليها بالصناعات الخفيفة Light Industries .

ويعكس هذا النمط لهيكل الإنتاج الصناعي مجموعة من الحقائق : أولها الإرتباط القوي بين مـا يتوفر للمنطقة ككل أو على المستوى القطري من مواد خام أولية، وبين الصناعات التحويلية القائمة حيث تسيطر الصناعات البتروكيماوية في كل من ليبيا والجزائر وهما الدولتين النفطيتين في المنطقـة، بينمـا تسيطر الصناعات الغذائية في الدولة ذات الإقتصاد الناشئ موريتانيا، أما الصناعات النسيجية فتسود فـي تونس والمغرب، وثاني الحقائق التي يعكسها هذا النمط من الصناعات التحويلية هـو تضـاؤل الأهميـة النسبية للصناعات الهندسية والمعادن الأساسية والمعدنية غير التعدينية والتي تسود نسـبيا فـي تـونس والمغرب، وهي صناعات تعتمد في المقام الأول على كثافة المدخل المعرفي من العلم والتكنولوجيا أكثر من اعتمادها على المواد الخام، وتضم هذه الصناعات مكونات الحاسبات والماكنات والمعدات والسيارات وهو ما يكسبها قدرات أعلى في المنافسة بالأسواق العالمية.

هذا في حين يغلب على الصناعات الهندسية في الدول المغاربية طابع الصناعات التجميعيـة أو الورش الصناعية الصغيرة، حيث تتدنى الإنتاجية والتكنولوجيا المستخدمة الأمر الذي يمكن معه القـول أن الطابع الغالب على الصناعات التحويلية في الدول المغاربية هو الصناعات الأولية التي تعتمد أساسـا على خامات محلية ولا يساهم فيها المدخل المعرفي التكنولوجي.

وهكذا يمكن القول أن الصناعات التحويلية تتمثل في صناعات تتواجد عند المنبع وتقـوم علـىتحويل المواد الخام المتوفرة أو صناعات في الوسط أو في أواخر الحلقة التكنولوجية إما لتكملـة المنـتج النهائي أو إنتاج المكونات وتحتل في المتوسط موقعا متواضعا في مراحل الحلقة التكنولوجيـة، وترتكـز حاليا على صناعات تم تجاوزها تكنولوجيا في دول الأصل ولا تحتاج إلى تقنيات عالية ولا إلى خبـرات فنية عالية.

وهذا النمط من التصنيع لا يستقطب استثمارات ذات محتوى عالي من التقنية ولا يسـاعد علـى تنمية القدرات الفنية للعاملين ولا يحتاج إلى مجهودات في البحث والتطوير أو ابتكـار منتجـات جديـدة بإعتبار أن الدولة الأم تتكفل بذلك ([14]).

وتعكس نسبة الصادرات الصناعية في الصادرات السلعية توجه سياسات التصـنيع ومـدى مـا تحققه من نجاحات، خاصة إذا ما قورنت مع نسبة الصناعات التحويلية في النـاتج المحلـي الإجمـالي إضافة إلى ما تمثله هذه النسبة أيضا من مؤشر يعكس نمط التصنيع ذاته، والذي يتباين من مجرد التوسع في تصدير المواد الأولية المصنعة كالصناعات البتروكيماوية في حالة اعتماد الإقتصاد على البترول إلى نمط تصدير معمق للصناعات التحويلية.

فكلما ارتفعت نسبة الصادرات الصناعية في هيكل الصادرات السلعية عـن نسـبة الصـناعات التحويلية في هيكل الإقتصاد الوطني دل ذلك على نمط للتصنيع يعتمد على التوجه الخارجي ويعمق مـن الصناعات التحويلية، وكلما كانت نسبة الصادرات الصناعية إلى الصادرات السلعية منخفضة عن نسـبة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي دل ذلك على ارتكاز نمط التصنيع على المـواد الأوليـة سواء الزراعية أو الخامات البترولية والمعدنية.

ويعكس نصيب الصادرات التحويلية في هيكل الصادرات السلعية مدى التقدم في عملية التصنيع وأحد مظاهر القدرة التنافسية للإقتصاديات الوطنية في السوق العالمية، في حين أن ارتفـاع الصـادرات الأولية (زراعية ومعدنية) يعكس في المقام الأول ما يتمتع به الإقتصاد الـوطني مـن مميـزات نسـبية اكتسبتها لظروف تاريخية أو جغرافية أو طبيعية مناخية، وبالتـالي فـ إن انخفـاض نسـبة الصـ ادرات الصناعية التحويلية في هيكل الصادرات السلعية في الإقتصاديات المغاربية. يمثل أحد نقاط الضعف فـي التجارب الإنمائية المغاربية والتي ترتكز على نمط التصنيع المعتمد على المواد الأولية.

و كما تشير بعض الدراسات الإقتصادية فإن نقص التنوع والتكامل الإنتاجي يعد عقبة هامة فـي سبيل نمو التجارة البينية المغاربية، فالتشابه في الموارد يحد من إمكانية التكامل حيث أن الميزة النسـبية للمنطقة تتمثل في منتجات متشابهة، كذلك فإن عدم تنوع قاعدة الصـادرات خاصـة فـي الصـناعاتالتحويلية يحد من فرص التجارة القائمة على تنوع السلع (1).

وسنحاول من خلال الجدول رقم 03 عرض لهيكل صادرات الدول المغاربية الثلاث : تونس، الجزائـر،المغرب، خلال الفترة الممتدة من 1993م إلى 1998م : لأجل معرفة مدى مساهمة الصناعات التحويليـة وكذلك الصناعات المعتمدة على المواد الأولية في مجال التجارة الخارجية.

جدول رقم 03 : هيكل الصادرات للدول المغاربية الثلاث للفترة من 19931998. الوحدة (%). 

  1998  1997  1996  1995  1994  1993السنوات  هيكل الصادراتالدول
  96,4  96,3  93,5  94,9  96,1  95,2المحروقات.الجزائر 
  0,3  0,2  0,6  0,9  1,0  0,7المنتجـات الزراعيـة، الصـيد والمياه والطاقة.
  0,9  1,1  1,3  1,4  0,9  1,0المعادن والصـناعة الحديديـة والميكانيكية.
  2,1  2,2  4,4  2,6  1,7  2,9المنتجات النسـيجية والجلديـة والخشبية والبلاسـتيكية والتبـغ …الخ.
  50,5  48,7  51,1  49,9  47,6  47,2النسيج والألبسة والجلود.تونس 
  17,2  19,9  22  18,5  19,2  21,6المنتجات الطاقويـة، الم نـاجم، الفوسفات ومشتقاته.
  22,7  20,3  19,4  21,6  20,2  19,5منتجـات أخـرى: كهربائيـة ،حرفية ميكانيكية…الخ.
  53,8  71,8  66,9  65,1  64,5  64,7المنتجــات المعدنيــة الخــام والفوسفات والزنـك والأسـمدة وحمض الفوسفات والمنتجـات النهائية للتجهيز الصناعي.المغرب 
  42,7  22,1  27,7  28,6  29,5  29,8المنتجات الغذائية، المشـروبات، التبغ، المنتجات البحرية.
  1,5  1,9  1,6  2,2  2,1  2,7الطاقــة ومــواد التشــحيم Lubrifiant .
  20  4,2  3,8  4,1  3,9  2,8المنتجات ذات المصدر النبـاتي والحيواني.

المصدر:

Mohamed B Telemcani, Sofiane Tahi, Nouvelles Dynamiques Territorials Les Et Intégration Des Maghreb a L’union Européenne. In: Iiternational Conférence On Trade Currency Unions And Economic Integration, Canada : [S.M.E], 2000, P 6.

استنادا إلى معطيات الجدول رقم 03 يمكن ملاحظة أن الجزائر وهي أحد أبـرز دول المغـربالعربي النفطية ترتكز بنسبة عالية على الصادرات النفطية والتي تجاوزت طيلة الفترة المدروسـة نسـبة90 % وهذا ما يعني اعتمادها على المواد الأولية الخام في صادراتها، في حين لا تتجـاوز الصـادراتمن السلع الأخرى التحويلية نسبة 3 % ، أما تونس والمغرب فنجدهما تعتمدان بشكل متوسـط مقارنـة بالجزائر على الصناعات التحويلية، فلقد سجلتا نسب متصاعدة في هذه الصناعات بلغت بالنسبة لتـونس من المنتجات النسيجية ما مقداره 50 % لسنة 1998م  أما المنتجات الزراعية والغذائيـة فلقـد سـجلت نسب متقاربة خلال فترة الدراسة حيث سجلت أعلى نسبة سنة 1994م بـ 13  % وأدنـى نسـبة سـنة 1996م بـ  5,7  % ، أما المغرب فلقد مثلت السلع التحويلية من مجمل صادراته نسب متوسطة بلغـت أعلى درجة فيها من المنتجات الغذائية ما نسبته 7,42  % عام 1998م.

وتمثل هذه النتائج حصيلة جهود التنمية الفردية ولا شك أن تدني حصة الـدول المغاربيـة فـي التجارة العالمية إضافة إلى استمرار ارتكاز صادراتها على المواد الأولية يضعف من قـدرتها التنافسـية في الأسواق العالمية، ومن ثم يضعف من وزنها النسبي في الإقتصاد العالمي وتهمـيش دورهـا علـى المستوى الإقليمي والدولي، في الوقت الذي تتصاعد فيه أنصبة مجموعات إقليمية أخرى.

ثانيا : واقع التجارة البينية المغاربية 

تتضمن مسألة التحديات التجارية في دول المغرب العربي بعدين أساسيين: بعد داخلـي بينـي، وبعد خارجي يتعلق بالتجارة الخارجية لهذه الدول.

1– انخفاض حجم التجارة البينية للدول المغاربية 

تماثل هياكل الإنتاج وتشابه المنتجات المغاربية تعتبر كأحـد التحـديات  والمعوقـات الرئيسـية لتطوير المبادلات التجارية البينية لأنها منتجات متنافسة فيما بينها حيث تسعى كل دولة للمحافظة على ما أحرزته من تقدم في مجالات التصنيع القائمة، والتي يصعب قبول أي تهديد لها وقيام تكتل إقليمي علـى حسابها.

لذلك يلاحظ لجوء الدول المغاربية إلى المغالاة في استخدام الإشتراطات الخاصة بالمواصـفات والمقاييس، وتعقيد الإجراءات الجمركية، فضلا عن طلب المزيد من الإستثناءات وتوفير قدر كبير مـن الحماية لتلك الصناعات (1).

ويفسر هذا الوضع واقع التجارة البينية المغاربية والتي لا تتجـاوز 5 % مـن نسـبة التجـارة الخارجية لدول المغرب العربي المقدرة بنحو 84 مليون دولار سنة 2002م، في حـين تقـدر التجـارة البينية غير الرسمية بـ 5 بليارات دولار نتيجة القيود الصارمة المفروضة من قبل الحكومات المغاربيـة فتلجأ لمثل هذه السبل.

والمفارقة العجيبة أن هيكل مبادلات المغاربة يمر في الغالب عبر شريك ثالث غالبا مـا يكـون الإتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال تستورد المغرب من الجزائر 5 % من وارداتهـا مـن المشـتقات النفطية في حين تستورد ما تزيد قيمته الإجمالية عن 5,2 مليون دولار من نفس السلعة مـن  الخـارج، وتستورد الجزائر أقل من 2 % من الحمضيات من المغرب في حين تستورد ما قيمته 5 ملايـين دولار من السلع الغذائية من الإتحاد الأوروبي بعضها مصنع في المنطقة، وتعد اسبانيا أكبر مصـدر لأسـواق الجزائر وتونس وليبيا من الثروة السمكية القادمة من الشواطئ الموريتانية التي تعد من أغنى الشـواطئ في العالم، ويتم تصنيع الأسماك الموريتانية في أوروبا لتصدر لدول المنطقة بأسعار مضافة. ولعل هـذا ما دفع جريدة الحياة اللندنية إلى القول بأن المنطقة تخسر سنويا 10 بلايـين دولار نتيجـة غيـاب أيـة إستراتيجية للتكامل بينها والإعتماد على الإتحاد الأوروبي في التسويق والإنتاج ([15]). وهذا مـا يعنـي أن الدول المغاربية عاجزة حتى على التنسيق التجاري فيما بينها.

2– استمرار تغليب الطابع العمودي للسياسة الإقتصادية لدول المغرب العربي 

تعد دول المغرب العربي من الدول المفتوحة على العالم الخارجي، وذلك بما تمثله التجارة مـن القطاعات المعول عليها في تمويل خطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية وعامـل مـؤثر فـي مـوازين الإقتصاد الوطني بحيث تتوقف حالة الموازنة العامة للدولة على حالة أسواق الصادرات لدول المغـرب العربي.

ونتيجة لمحدودية صادرات دول المغرب العربي، إذ أن معظمها تصدر سلعة أو سلعتين أو على الأكثر ثلاثة سلع بإتجاه الدول الأوروبية أساسا، مثلا الجزائر وليبيا (المحروقـات، البتـرول و الغـاز )، تونس والمغرب (الصناعات التحويلية، النسيج، الحوامض)، المغرب، تونس وموريتانيا (منتجات الصـيد البحري والمواد المنجمية)، كما أنها تستورد نفس السلع المصنعة مـن أوروبـا (منتجـات تكنولوجيـة وغذائية) هذه العملية أدت إلى ربط الإقتصاديات المغاربية بالخارج مقابل ضعف تكاملها على المسـتوى الجهوي، الأمر الذي أدى إلى أن تتأثر بالتغيرات التي قد تطرأ على أسعار تلـك المـواد فـي السـوق العالمية، وبالتالي تفرض عليها نوع من التبعية المستديمة اتجـاه الأسـواق الأجنبيـة خاصـة  الإتحـاد الأوروبي (2).

ويستحوذ الإتحاد الأوروبي على حوالي 73 % من التجارة الخارجية لدول المغـرب العربـي،حيث تستورد تونس 72 % من وارداتها من الإتحاد الأوروبي وتصـدر 78 % مـن صـادراتها إليـهوتستورد الجزائر 58 % من وارداتها منه وتصدر إليه 62 % من صادراتها، كما تستورد المغـرب 70% من وارداتها من الإتحاد الأوروبي وتصدر إليه 60 % من صادراتها، وتستورد موريتانيا 53 % من وارداتها من الإتحاد الأوروبي وتصدر إليه 72 % من صادراتها، ويشار إلى أن قلة تنـوع اقتصـاديات المنطقة يشكل عقبة أمام تنشيط التجارة البينية ويجعلها متقلبة حسب التقلب في التجارة الخارجية، وهو ما استغلته أوروبا لفرض شروطها في اتفاقياتها مع المنطقة ([16]).

وهذا الوضع بالنسبة للإقتصاديات المغاربية يجعلنا نتكلم عن درجة الإنفتاح الإقتصـادي لهـذه الدول وما يمثله من مخاطر وتهديد للإقتصاد المغاربي الهـش أمـام المنافسـة الشـديدة  للإقتصـاديات الخارجية المسيطرة على العلاقات الإقتصادية الدولية، وقد بلغت نسبة الإنفتاح الإقتصادي لهـذه الـدول على الأسواق العالمية حسب التقرير الإقتصادي العربي الموحد لعام 2002 م مايلي تـونس 1,82 % ، الجزائر 8,53 % ، ليبيا 5,42 % ، المغرب 3,54 % ، موريتانيا وهي الحالة الشاذة حيث بلغت درجة الإنفتاح فيها أكثر من 100 % فقد مثلت درجة الإنفتاح فيها 116,1 %  ([17]). وهذا ما يعنـي انكشـافها الكلي على التقلبات الإقتصادية العالمية.

وعليه واعتمادا على ما تقدم يمكن القول بأن الإقتصادات المغاربيـة ظلـت مرتبطـة بالـدول الصناعية الغربية، وقد أدى نمط الصناعة في هذه الدول إلى زيادة الإعتماد على الـدول الغربيـة فـي استيراد الآلات والمعدات والتكنولوجيا بما في ذلك الخبرة والخدمات الفنية، وكـذلك اسـتيراد حاجاتهـا الغذائية من هذه الدول بمعنى تبعيتها التكنولوجية التقنية الفنية والغذائية للخارج، حيث أصـبحت مشـكلة العجز الغذائي هاجس لمعظم الدول المغاربية وذلك بسبب الزيادة السكانية فقد وصلت فاتورة الـواردات لدول اتحاد المغرب العربي لعام 1995م حوالي 5 مليار دولار نصف هذا المبلغ من نصـيب الجزائـر التي بلغت وارداتها من الحبوب 80 % من استهلاكها و 70 % بالنسبة لكل من تونس والمغرب، وبذلك تكون نسبة مجموعة المواد الغذائية المستوردة إلى مجموعة الواردات 26 % للجزائر وليبيـا و 15 % للمغرب و 30 % لكلا من تونس وموريتانيا ([18]). فهي دول عاجزة حتى على تحقيـق اكتفائهـا الغـذا ئي مجتمعة أو منفردة.

الفرع الثاني : المديونية  

تعاني دول المغرب العربي من مشكلة الديون الخارجية لكل من البنـك الأوروبـي  للإسـتثماروميزانية الممثلية الأوروبية والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات الإقتراضية العالمية، وقد أدت مشـكلة المديونية الخارجية إلى حدوث أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، استدعت الإسـتعانة بصـندوق النقـد الدولي وما ترتب على ذلك من إتباع سياسات التصحيح الهيكلي، إذ تشير الإحصـائيات المنشـورة فـي التقرير الإقتصادي العربي الموحد لعام 2003م أن مديونية كلا من الجزائر وتونس قد بلغت 6,22 مليار دولار و 13 مليار دولار على التوالي، في حين وصلت مديونية المغرب وموريتانيـا 14 مليـار دولار و 15 مليار دولار على التوالي، وذلك وفقا لتقديرات عام 2002م (1)، وتؤدي المديونية الخارجية لـدول المغرب العربي إلى ترسيخ التبعية المالية للدول الصناعية، بإعتبارها المصدر الرئيسـي لتـدفق  رؤوس الأموال إلى الدول المغاربية كما تعمل على هيكلة الإقتصاديات المغاربية من خـلال العوائـق الإداريـة والجمركية والضريبية التي تضعها كشروط لأجل دمجها في فلك الإقتصاد العالمي.

وقد ساهمت هذه المديونية في امتصاص المداخيل المالية من مجمل صادرات الدول المغاربيـة، وهذا ما انعكس بالسلب على الوضعية الإقتصادية والإجتماعية لهذه الدول، لعل مـن أبـرز مظاهرهـا ارتفاع نسبة البطالة حيث بلغت حسب صادرات 1999م حوالي 33 % في الجزائـر، المغـرب 19 % وتونس 6,15% ، كما بلغت نسبة خدمات الديون على الصادرات لسنة 1999م في هذه الـدول النسـب التالية 6,38 % في الجزائر، المغرب 25 % ، وتونس 16 % ([19])، فهذه المديونية قـد فرضـت علـى الدول المغاربية تبعية مالية دائمة للدول والمؤسسات الدائنة.

الفرع الثالث : قصور البنية التحتية المشتركة 

لا يخفى ما للبنية التحتية الأساسية المشتركة بين الدول الراغبة في التكامل من أهمية حاسمة في دفع مسيرته بوصفها تمثل الشروط المادية والتقنية والإجتماعية له وللعلاقات الإقتصادية البينيـة بصـفة عامة، ويأتي في مقدمتها وسائل النقل والمواصلات والإتصالات والمعلومات …. وحتى وإن كانت حالة هذه الوسائل كافية ومرضية في إطار الدولة الواحدة إلا أنها قد لا تكون مناسبة ومهيأة لإقامـة أشـكال متطورة من التكامل الإقتصادي خصوصا بين الدول المتجاورة، وتبدو حالة البنية الأساسـية المشـتركة للدول النامية في وضع مزر وتكاد تكون منعدمة، بسبب النمط الإستعماري التبعي لعلاقاتها الإقتصـادية الخارجية والإرتباط المتاح من هذه البنية وخصوصا وسائل النقل والإتصال بمراكز إنتاج المواد الأوليـة وتصديرها إلى الدول الصناعية التي تعد المستورد والمستهلك الأول لهذه المواد، أما باقي أجزاء الدولـة فلا تتوفر لها سبل المواصلات المناسبة التي تربط فيما بينها، وتسهل عمليات الإنتاج والتسـويق  وقيـام الصناعات الكبرى ناهيك عن عدم توفر وسائل المواصلات والإتصالات المشتركة بين الـدول الناميـة

على الرغم من الإتصال البري والقرب المكاني والجغرافي، مما يحد مـن إمكانيـة التوسـع التجـاريوالتخصص والتكامل الإنتاجي بين هذه الدول ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل بينهما، واتساع ما يعـرفبالمسافات الإقتصادية مع قصر المسافة الجغرافية (1).

وبالإسقاط على الحالة المغاربية يعتبر نقص البنى التحتية الملائمة من أبرز التحديات العراقيـل  الرئيسية التي تقف أمام تنمية المبادلات التجارية بين الدول المغاربية، حيث نجد أن شـبكة المواصـلات المغاربية رغم وجودها فهي غير كافية مقارنة مع المساحة الشاسعة لدول المغرب العربي، كما نلاحـظ أن هناك كثافة في شبكة المواصلات في كل من تونس والجزائر والمغرب وضآلة في موريتانيا وليبيـا، هذا بالإضافة إلى عدم التوازن بين المناطق الجبلية والصحراوية، وبين المراكز السياحية الكبرى علـى السواحل وبين الداخل، أضف إلى ذلك أن البنى التحتية من شبكات النقل بمختلـف أنواعهـا والمـوانئ والمطارات قد أعدت لخدمة المبادلات التجارية الخارجية (مراكز تصدير المـواد  الأوليـة) أمـا علـى مستوى المغرب العربي فتكاد تكون منعدمة، ما عدا شبكة السكة الحديدية التي تربط بين الدول الثلاثـة : الجزائر، المغرب، تونس عبر قطار المغرب العربي والخطوط الجوية أما بالنسبة للموانئ فنجد الخطوط البحرية محصورة على أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط وهذا مرده إلى قصور فـي الإمكانـات وخاصة مشاكل التمويل ([20]).

من الواضح أن التغلب على هذه العقبة يتطلب العمل على تطوير شبكات البنية التحتية الداخليـة في كل دولة وربط هذه الشبكات من خلال خطوط الربط في بنية تحتية إقليمية تفي بمتطلبـات التكامـل الإقليمي والتنمية الإقليمية، كما أن وجود هذه البنية يساعد على ترسيخ مسيرة التكامل وجعلها غير قابلـة  للتراجع والإنتكاس أو يجعل كلفة الإنفصال Cost Of Dissociation باهضة.

المطلب الثالث : التحديات المؤسسية والتنظيمية 

ترتبط هذه التحديات بالإطار المؤسسي والتنظيمي للتكامل الذي يتعلق بالمؤسسـات الضـرورية لإقامة ومتابعة مسيرة التكامل بكل مجالاتها وتفاصيلها والتشـري عات والإجـراءات التنفيذيـة لتطبيـق الإتفاقيات والخطوات التكاملية المتفق عليها.

وهنا ينبغي التأكيد على أن المؤسسات في حد ذاتها ليست سوى شرط ضروري وغيـر كـاف، ولا يمكن توقع قيامها بما يجب أن تقوم به دون توفير المستلزمات والإمكانـات ([21])، و الإرادة السياسـية الحقيقية لأجل التكامل.

وعند الحديث عن تحديات التكامل من الناحية المؤسسية بالنسبة للدول المغاربية فإننا نتكلم عنه من خلالوضع مؤسسات التكامل والعقبات المتعلقة بعملية المصادقة على القرارات.

الفرع الأول : غياب السلطة الإقليمية 

لعل من أهم التحديات و المشكلات التي تواجه التكتلات الإقليمية عموما هـي رفـض الـدول الأعضاء التخلي عن بعض صلاحياتها وسيادتها إلى سلطة عليا إقليمية يتطلبها إقامة تكتل إقليمي ناجح.

إن الدول المغاربية قد نجحت في إنشاء البناء المؤسساتي للتجربة التكاملية من خـلال أجهـزة تجربة اللجنة الإستشارية الدائمة سنة 1964م وكذلك تجربة اتحاد المغرب العربي لعام 1989م.

فعلى الصعيد الشكلي المؤسسي يمكن القول بنجاح التجربة في إنشاء مؤسسات ذات طابع عـام تلتها أخرى متخصصة مثلتا معا جسد التجربة وضمانة وجودها، أما على صـعيد الأداء الفعلـي يمكـن القول أن ذلك الأداء جاء أقل من المتوقع بكثير من هذه المؤسسات التي اقتصرت في الحقيقة على إثبات الوجود دون أن تؤدي إلى تدفق في العمل الوحدوي، والسبب في ذلك هو عدم امتلاكها للسـلطة والتـي تعني القدرة الفعلية على تجسيد القرارات المتخذة في الإطار المؤسساتي إلى واقع حقيقـي فمثـل هـذه المؤسسات لا تملك سوى سلطات استشارية.

ونظرا لأن الدول المغاربية مازالت تتمسك بسيادتها فإنها تضيق من نطاق سـلطات مؤسسـات التكامل كلما أمكن ذلك حرصا على عدم المساس بسيادتها وحريتها الكاملة في التصرف ولـذلك جـاءت معاهدة اتحاد المغرب العربي على اعتبارها التجربة القائمة حاليا بمثابة صيغة لتحقيق التوازن بين رغبة الدول وحرصها على الإحتفاظ بسيادتها كاملة وبين ضرورة تمتع الإتحاد بسلطات مقيدة، ومن هذه القيود مسألة عدم التدخل في المسائل المتصلة بصميم الإختصاص الداخلي للدول الأعضاء واشتراط الإجمـاع لإتخاذ القرارات وعدم سريان القرارات الملزمة في أقاليم الدول الأعضـاء إلا إذا صـدر فـي شـكل تشريعات وطنية ([22]).

وما يدل على أن الإتحاد لا يملك سلطة إلزامية لتنفيذ قراراته نأخذ على سبيل المثال لا الحصـر مسألة مشروع المصرف المغاربي والذي وقعت اتفاقيته في مارس 1991م ولكن انتظرت إحدى عشـرة سنة لمحاولة تجسيدها حيث اتفق وزراء المالية والإقتصاد في الإتحاد في مارس 2002م علـى إحيـاء مشروع تأسيس المصرف المغاربي للتجارة والإستثمار برأسمال قدره 500 مليـون دولار، ويعـد هـذا تمهيدا لقيام منطقة تجارة حرة مغاربية، وأهمية مثل هذه المصارف تكمن فـي إنشـاء بنيـة اقتصـادية مغاربية حقيقية وتسهيل التبادل فيما بين الدول الأعضاء، وهذه الأخيرة كانت تتعامل فيما بينها بالفرنـك الفرنسي والآن تتعامل باليورو، وعليه فإنشاء هذا المصرف قد يؤدي مستقبلا إلى إصدار عملة موحـدة تكون بحد ذاتها عاملا لتطوير المبادلات البينية المغاربية.

و مثل هذا الإستغراق في محاولة لتجسيد اتفاقية موجودة منذ إحـدى عشـرة سـنة، يعنـي أن تصريحات القادة المغاربة حول اتحاد المغرب العربي كخيار استراتيجي هي من قبيل الخطـاب العربـي الذي لا يجد كالعادة تجسيد عملي له، فلو كان ذلك لما انتظروا إحدى عشرة سنة لتفعيل اتفاقية أبرموهـا بأنفسهم (1).

فعلى الرغم من وجود العديد من المؤسسات الإقليمية المغاربية التابعة لإتحاد المغرب العربـي، إلا أن الإقليم لا يزال يفتقر إلى سلطة إقليمية عليا تفوض لها بعض الإختصاصات لوضع القواعد موضع التنفيذ، وتسهيل عمليات التفاوض مع الأطراف الخارجية، وهو ما عجز عنه الإتحاد أمام قضية لـوكربي والموقف السلبي لدوله وكذلك التفاوض الفردي مع أوروبا من خلال اتفاقيات الشراكة.

فغياب مثل هذه السلطة يعبر عن غياب شرط أساسي للتجربة التكاملية حسب الطرح الـوظيفي الجديد و هو ضرورة منح مؤسسات التكامل الفوق وطنية صلاحيات والتنازل لها عن جزء مـن سـياد ة الدول لأجل تحقيق التكامل ومنافع التكامل لجميع الدول الأعضاء.

الفرع الثاني : آليات اتخاذ القرار 

تعد آلية الإجماع في اتخاذ القرارات عقبة أمام اتخاذ أيـة قـرارات ذات مصـداقية، وقاعـدة الإجماع قاعدة تقليدية عرفت في بداية مراحل التنظيم الدولي، مفادها أن القرارات تصدر بعد الحصـول على موافقة جميع الدول الأعضاء وأساسها مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول ([23]).

وقد أخذت الدول المغاربية في تجربتها التكاملية بقاعدة الإجماع، ولكن هذا الأمر ترتـب عنـه آثار سلبية على العمل المغاربي المشترك، نتيجة عدم اتخاذ القرارات لإشـتراط ها موافقـة كـل الـدول الأعضاء، الأمر الذي لا يتحقق، مما يعرقل المشاريع ويعطل الإنجازات، وهذه القاعدة كانت وراء فشـل الكثير من المشاريع و إفساد المبادرات ([24]).

كذلك لازالت آلية التصديق من قبل جميع الدول الأعضاء تقـف حـائلا دون دخـول أغلـب المعاهدات حيز التنفيذ، والدليل على تعطيل هذه الآلية لسير مشاريع التكامل أن من بين 37 اتفاقيـة تـم إبرامها في إطار اتحاد المغرب العربي، لم يستكمل منها شروط الدخول إلا ست اتفاقيات في حين كـان من المفروض الإكتفاء بتصديقها من ثلاثة أعضاء من دول الإتحاد لتسريع تنفيذها وكذلك إعطـاء نـوع من الفعالية لمؤسسات الإتحاد لمنع طرف واحد أو اثنين من عرقلة مسيرة اتحاد المغرب العربـي وفـي الوضع الراهن يمكن لأي طرف معترض على مشروع أو اتفاقية لا تخدم مصالحه المباشرة أن يوقـف هذا المشروع أو الإتفاقية مهما كانت أهميته لتقدم مسيرة اتحاد المغرب العربي مع عدم إغفالنا لموضوع السيادة في ما يتعلق بتصديق المعاهدات. لكن العمل الإندماجي بطبعه يتجاوز سيادة الأطراف المشـاركة

فيه، لأنه ما لم تتنازل الدول المغاربية عن جزء من سيادتها لصالح الإتحاد، فإنه لـن يسـتطيع تحقيـقأهدافه، بالإضافة إلى تراجع مفهوم السيادة المطلقة أمام المتغيرات المصاحبة للعولمة ([25]).

إذن هي كلها تحديات داخلية ساهمت في عرقلة البناء المغاربي وجعلته يتوقف عن اللحاق بركب  الأمـم المتقدمة.

 

المبحث الثاني : التحديات الخارجية

يوشك المغرب العربي على أن يصبح رهانا للتنافس الإقتصادي الإسـتراتيجي بـين  الولايـاتالمتحدة الأمريكية وأوروبا، غير أن التنافس أكثر حدة في المجال الإقتصادي كمـا يظهـر مـن خـلال المبادرات المتوازية اتجاه دول المغرب العربي ([26]) تحت مسميات الشراكة.

إن فلسفة الشراكة تأتي كبديل عن فلسفة المساعدات الموجهة إلى الدول النامية، إذ تعكس الأولى ركائز الفكر الإقتصادي السائد في التسعينات الليبرالية والتحول نحو اقتصاد السوق والخصخصة بحيـث أن الشراكة تهدف إلى بلورة سياسة مشتركة لتنشيط اقتصاديات هذه الدول، من حيث إحداث تغييـر فـي الهياكل الإقتصادية للدول النامية متجهة إلى مصدر الخلل وليس إلـى معالجـة أو محا ولـة احتـواء أو التخفيف من نتائجه كما هي الحال في سياسات المساعدات.

الشراكة ذاتها مشروع أوروبي فرضته الظروف العالمية بعد نهاية الحرب الباردة، وقيام عـالم بقطب واحد مما يقلل من الدور الذي يمكن أن يلعبه الإتحاد الأوروبي في المجال السياسي والإقتصـادي إضافة إلى رغبته بتجاوز الأخطار التي تواجه أقطاره والمتمثلة في الهجرة الكثيفة وتلوث المتوسط. لهذا فإن الشراكة أداة ملائمة لمواجهة الأخطار وإدماج دول جنوب وشرق المتوسط في الإقتصـاد العـالمي بمبادرة أوروبية، بما يضمن تحقيق تقدم في تنمية هذه الدول وتضييق الهوة التي تفصـل بين هـا وبـين الإتحاد الأوروبي في مستويات النمو ومستوى المعيشة.

كما يهدف هذا المشروع إلى أقلمة العلاقات الثنائية التي ربطت الإتحاد الأوروبي في اتفاقيـات شراكة يجري تحديدها مع الدول المتوسطية في هذا الإطار الجديد الذي يفترض أن يزيـد مـن المنـافع الإقتصادية للجميع وتأتي هذه السياسة في إطار التوجه الدولي المتزايد المتمثـل فـي انتشـار ظـاهرة الإقليمية الجديدة كإحدى سبل توفير وضع أفضل للدول في ظل العولمة ([27]).

ولا يخفى على أحد أنه من بين الأسباب التي دفعت الإتحاد الأوروبي إلـى  الإهتمـام بمنطقـة جنوب المتوسط وبوجه خاص دول المغرب العربي، هو الإهتمام الأمريكي الكبير بالمنطقة المندرج فـي إطار ما سمي بإستراتيجية الأولوية أو الأسبقية القصوى المبلورة من طرف البنتاغون منذ سنة 1992م ، وكذلك مشروع الشراكة الأمريكي المغاربي المعروف تحت اسم ايزنستات، وقد ساهمت هذه العوامل في تسريع وتيرة اهتمام أوروبا بالمغرب العربي لتضييق النشاط الأمريكي في المنطقة لكنها تواجه إصـرارا أمريكيا، يتمثل في القفز مباشرة للمنطقة ([28]).

وأمام هذا التسابق الأوروبي الأمريكي على المنطقة وجدت دول المغرب العربـي نفسـها فـيعلاقات شراكة تمثل تحديا كبيرا لها.

المطلب الأول : الشراكة الأورو- متوسطية 

لعبت العوامل التاريخية والجغرافية والثقافية والإقتصادية دورا بارزا في الإهتمـام الأوروبـي المبكر بشؤون الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض، خاصة ما يتعلق منها بمنطقة المغرب العربي وقد أدى هذا الإعتبار إلى تنوع وتسارع المبادرات الأوروبية لربط دول الضفة الجنوبية للمتوسـط بأوروبـا من خلال آليات جد معقدة من الإعتماد المتبادل والتعاون بين طرفين غير متكافئين. غيـر أن الولايـات المتحدة الأمريكية رأت في هذه المشاريع تهديدا مباشرا لمصالحها في المنطقة وهو ما دفعها إلى مراقبـة دقيقة لكل الحوارات والإجتماعات التي تمت بين دول المتوسط، بل أنها أحيانا عملت على إفشـالها كمـا حدث بالنسبة للحوار العربي الأوروبي في فترة السبعينات ومع ذلك فقد كللت مجهودات الدول الأوروبية المتوسطية بالنجاح من خلال عقد مؤتمر برشلونة يومي 27 و 28 نوفمبر 1995م الخـاص بالشـراكة الأورو-متوسطية (1).

الفرع الأول : اتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية 

عملت الدول الأوروبية على تطوير أشكال التعاون مع الدول المتوسطية بإستمرار بحيث وصـل هذا التطور إلى إحلال اتفاقيات شراكة محل اتفاقيات التعاون القديمة المرتكزة أساسا على مـنح بعـض الإمتيازات التجارية وبعض أشكال الدعم المالي وعليه قبل الخوض في اتفاقية الشراكة الجديدة لابد مـن التطرق للخلفية التاريخية للسياسة المتوسطية وأهم المحطات التي مرت بهـا بالنسـبة لـدول المغـرب العربي.

أولا : الخلفية التاريخية للسياسة المتوسطية للمجموعة الأوروبية 

مرت السياسة المتوسطية للمجموعة الأوروبية تجاه دول المغرب العربي بثلاث مراحل متميـزة وهي مرحلة : (1957م-1974م) و (1977م-1990م) والمرحلة الممتدة من 1994م إلى يومنا هذا.

1– مرحلة 1957م-1974م 

لقد حاولت فرنسا منذ اتفاقية روما سنة 1957م، إشراك الدول المغاربية مثل تـونس والمغـرب في المشروع المتوسطي، بالإعتماد على العلاقات المتميزة التي تربطها بهاتين الدولتين والتحاق الجزائر بهما بعد نيل استقلالها سنة 1962م ([29]).

ولقد كان التعامل في هذه المرحلة منصب في الحقيقة على الدول الثلاثة الوسطى مـن منطقـةالمغرب العربي، تونس، الجزائر، المغرب خلال الفترات التي تلت مباشرة حصـولها علـى  الإسـتقلالالسياسي، من خلال اتفاقيات تجارية مع السوق الأوروبية المشتركة في حين تـم تجاهـل ليبيـا نسـبياوارتبطت موريتانيا باتفاقيات ياوندي ولومي الإفريقية (A.C.P).

حيث انتهت المفاوضات بعقد اتفاقيات شراكة سنة 1969م مع كل من تونس والمغـرب، إلا أن ما يلاحظ على هذه الإتفاقيات هو تفضيلها للجانب التجاري على حساب الجانب التعاوني التنموي، الـذي كانت تهدف إليه الدول المغاربية، كما يعكس كذلك غياب تصور اسـتراتيجي بعيـد المـدى للعلاقـات الأوروبية المغاربية، حيث أن المدة الزمنية لكل اتفاق هي 5 سنوات الأمر الذي نجم عنه محدودية نتائج هذه الإتفاقيات.

وكان لهذه السياسة الأوروبية تأثيرها المباشر على البنية الهيكلية للمبادلات الخارجية خاصة في تونس والمغرب أين تم الإهتمام بتطوير المنتوجات الزراعية التصديرية من خـلال : توجيـه النمـوذج التراكمي نحو الصادرات الزراعية بالعمل على تطوير الإستثمار في قطاع الـري واعتمـاد سياسـات زراعية تتماشى واحتياجات السوق الأوروبية على حساب الزراعات المعيشية.

وكان من نتائج هذا الإرتباط بالسوق الأوروبية ظهور مشاكل وعقبات كبيرة أمـام الصـادرات الزراعية المغاربية فيما بعد بسبب التغيرات التي عرفتها السياسات التجارية الأوروبية بفعـل السياسـة الزراعية المشتركة، وعقد اتفاقيات مشاركة مع دول متوسطية أخرى وكذلك الإنفتاح على دول أوروبيـة أخرى لتسهيل انضمامها إلى السوق المشتركة فيما بعد (1).

2– مرحلة 1977م-1990م 

عقدت في هذه المرحلة اتفاقيات لأجل تكييف العلاقات بين السوق الأوروبية والمغرب العربـي مع أهداف السياسة الأوروبية الجديدة في الميدان التجاري والتي تميزت بالحمائيـة واسـتمرار الأزمـة الإقتصادية.

وتتميز هذه الإتفاقيات عن سابقاتها بكونها أكثر شمولية، حيث لم تعد فقط تقتصر على الجانـب التجاري بل تعدت ذلك إلى الجانب المالي من خلال تقديم تسهيلات مالية لكـل مـن الجزائـر وتـونس والمغرب والتقني : تبادل المعلومات والخبرات في ميادين البحث العلمي…الـخ وا لإجتمـاعي خاصـة والمتعلق منه بالأيدي العاملة في أوروبا إضافة إلى إدخال بعض التعديلات على الرسـوم والإعفـاءات لجعلها أكثر انسجاما مع السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة ([30]).

وقد أدت هذه الإتفاقيات بين المجموعة الأوروبية ودول المغرب العربي إلى تفاقم تبعية هذه الأخيرة إلـىالمجموعة الأوروبية خاصة في المجال التجاري.

أما على المستوى المالي اتسم هذا التعاون بهزالة حجمه وهو ما يوضحه الجدول التالي :

الجدول رقم 04 : التدفق المالي بين المجموعة الأوروبية إلى الدول المغاربية (19781991م) 

الوحدة : ملايين الإيكو 

المجموعصناديق الميزانية للمجموعة الأوروبيةقروض البنك   الأوروبي للإستثمارات AEIبيان
  114

151

239

  44

44

56

  70

107

183

الجزائر : البروتوكول 01:(1978-1981)          البروتوكول 02 : (1982-1986)          البروتوكول 03 : (1987-1991)
  130

199

324

  74

109

173

  56

90

151

المغرب : البروتوكول 01:(1978 -1981)          البروتوكول 02 : (1982-1986)          البروتوكول 03 : (1987-1991)
  95

139

224

  54

61

93

  41

78

131

تونس :   البروتوكول 01:(1978-1981)          البروتوكول 02 : (1982-1986)          البروتوكول 03 : (1987-1991)
  1615  708  907المجموع العام للمغرب الأوسط

Khader Bichara, Op.Cit. PP, 18- 20 : المصدر

من خلال قراءة لأرقام الجدول يظهر أن المبلغ الإجمالي الممنوح لهذه الدول هو 1615 مليـون ايكو، والذي يبقى دون مستوى حاجات هذه الدول للتنمية الإقتصادية ولا تلبي طموحات هذه الـدول ولا تحل مشاكلها.

3– مرحلة 1994م إلى يومنا هذا 

تتميز هذه المرحلة بعقد اتفاقيات الشراكة وببروز نظرة أوروبية جديدة في كيفية التعامـل مـع منطقة المغرب العربي، هذه الأخيرة التي لم تعد في وضعها الإقتصادي الحـالي تتماشـى وطموحـات وأهداف المجموعة الأوروبية والتصورات الإقتصادية الدولية، نظرة ترتكز على فكـرة وضـع سياسـة متوسطية تشمل مختلف دول المتوسط تهدف إلى إدخال إصلاحات هيكلية وتنظيمية وتشـريعية، ودعـم مالي للفترة 1995م-1999م وذلك لتهيئة اقتصاديات المنطقة للإنضمام إلى مناطق التبادل الحر تبرم بين هذه الدول والسوق الأوروبية المشتركة وتشمل هذه الإصلاحات دعم هذه الدول في مجالات شتى مثـل إعادة هيكلة المؤسسات، الصحة، التعليم، التكوين المهني، تشـجيع  الإسـتثمار والصـادرات والتجهيـز الريفي. إلا أن منطق التعامل الإنفرادي مازال هو السائد فـي التصـور الجديـد للعلاقـات المغاربيـةالأوروبية رغم تغير نظرة المجموعة تجاه المغرب العربي والتي أملته ظـروف أيضـا جديـدة مثـلالتحولات الكبرى التي تعيشها دول أوروبا الشرقية والوسطى، وتزايد الهجرة من الجنوب إلـى الشـمال ومن الشرق إلى الغرب حيث تولدت قناعة لدى بعض الدوائر الأوروبية فيما يتعلق بالعامـل الأخيـر أن إجراءات المراقبة الحدودية والتشدد الإداري لها تأثيرها المحدود وعليه ينبغي التفكير في صـيغ جديـدة للحد من هذه الهجرة وذلك بالتفكير في أنماط جديدة للتعاون الإقتصادي بينها وبين الدول التي يأتي منهـا المهاجرون لتمكين هؤلاء من البقاء في دولهم الأصلية ([31])، وبهذا تكون أوروبا قد أنهت هذه السياسة مـع انتهاء مراحل هذه المفاوضات وبداية عهد جديد لنمط جديد من الشـراكة الأوروبيـة مـع دول جنـوب المتوسط.

ثانيا : اتفاقية برشلونة للشراكة الأورو- متوسطية 

كان لدول جنوب حوض البحر المتوسط ودول الإتحاد الأوروبـي يـومي 27 و 28 نـوفمبر 1995م موعد مع التاريخ حيث تقرر إنشاء ما يعرف اليوم بالشراكة الأورو- متوسطية بمدينة برشلونة ،ومثل هذا الإتفاق الإطار الموسع للعلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية بين 15 دولة عضـو فـي الإتحاد الأوروبي و 12 دولة شريكة من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وهي الجزائـر، المغـرب، تونس، ليبيا، مصر، إسرائيل، السلطة الفلسطينية، تركيا، الأردن، قبرص، مالطا، سوريا.

تعتبر الشراكة الأورو- متوسطية القاعدة الأولية لبناء اتحاد إقليمي جهوي ينتظر أن يتحول فـي المستقبل القريب إلى تكتل اقتصادي قوي لا يستهان به وذلك بالنظر إلى الأهداف الأساسية والتي كانـت مركز اتفاق 27 دولة شريكة ([32]).

1– أهداف التعاون الأورو- متوسطي 

يحدد الإتحاد الأوروبي لنفسه الأهداف التالية في سياسته تجاه الإقليم المتوسطي :

  • تحقيق تقدم جذري وملموس اتجاه تحقيق أهداف إعلان برشلونة أي : إقامة منطقة سـلام واسـتقرار مشتركة من خلال شراكة سياسية وأمنية.
  • خلق منطقة رفاهية مشتركة من خلال شراكة اقتصادية ومالية.
  • إقامة شراكة في الشؤون الإجتماعية والثقافية والإنسانية (تنمية الموارد البشرية، ودعم التفـاهم بـين الحضارات والتبادل بين المجتمعات المدنية).
  • حث الشركاء المتوسطيين ومساعدتهم في عملية إقامة تجارة حرة مع الإتحاد الأوروبي، ومع بعضـهمالبعض في إطار إعلان برشلونة والتحول الإقتصادي وجذب المزيد من الإستثمارات للإقليم.
  • دعم التعاون في مجال العدالة والشؤون الداخلية كما حدده المجلس الأوروبي.
  • وضع الأساس لإقامة علاقات جوار طيبة وحث الأطراف على التعاون إقليميا.
  • المساهمة في دعم السلام في المنطقة وينطوي هذا على دعم التكامل الإقتصادي والتفاهم المتبادل بـين المجتمعات المدنية ([33]).

2– مجالات التعاون 

تبلورت منذ إعلان برشلونة مجالات التعاون الأوروبي المتوسطي في عدد من المجالات التـي تخدم الجانب الإقتصادي للعلاقات بين الطرفين وهذه المجالات هي :

  • المجال السياسي والأمني

تركز العمل على تحقيق الإستقرار في منطقة حوض المتوسط، وخلق منـاخ مناسـب للتعـاون المتوسطي يقوم على تسوية كافة الخلافات في المنطقة، وكذلك الربط بين الأمن فـي البحـر المتوسـط والأمن الأوروبي واعتبار أن كلا منهما امتداد للآخر وترسيخ فكرة تحويل البحر المتوسط إلـى بحيـرة للتعاون بين الطرفين ([34]).

  • المجالات الإقتصادية والمالية يتولى الإتحاد الأوروبي :
  • العمل بفاعلية ونشاط لتطبيق اتفاقيات الشراكة الأوروبية المتوسطية وعلى الأخص من خلال المزيـد من الدعم للتحرير التجاري التدريجي في كافة المجالات المتصلة بالشركاء.
  • دعم الإجراءات اللازمة لزيادة إمكانيات جذب المنطقة للمزيد من المستثمرين وبخاصة من خلال خلق سوق أوسع والتشجيع على حياد السياسات المرتبطة بسوق الإتحاد الأوروبي وتحسين الإطار التنظيمـي وضمان معاملة عادلة ومنصفة للمستثمرين، مع رفع الوعي في الإتحاد الأوروبي بفرص الإستثمار فـي الإقليم.
  • تشجيع التعاون الإقليمي الفرعي ودعمه على سبيل المثال داخل اتحاد المغرب العربـي ومـن خـلال إطار يؤدي لتعاون إقليمي أوسع.
  • معاونة الشركاء المتوسطيين على دعم قدرتهم على صياغة سياسات تجارية مناسبة وعلى المشـاركةبفاعلية في المفاوضات التجارية وبخاصة فيما يتصل بتطوير منطقة تجارة حـرة أوروبيـة متوسـطيةوبالمفاوضات المستقبلية مع منظمة التجارة العالمية.
  • التحرير التام لحركة رأس المال وهذا ما سيؤدي إلى دعم اليورو بوصفه العملة المتضمنة في العقـود وعملية التسوية المالية في التجارة المتوسطية.
  • يعمل الإتحاد الأوروبي على تعظيم تأثير التعاون المالي من خلال موازنة الإتحاد الأوروبي، وبخاصة من خلال قواعد ميدا والبنك الأوروبي الدولي وذلك بتطبيق الإجراءات التالية:
  • التنسيق فيما بين الدول الأعضاء في مجال استراتيجيات وبرامج التعاون المـالي والتنمـوي لصـالح الشركاء المتوسطيين ويعمل الإتحاد بوصفه جهة مانحة مع الجهات المانحة الأخـرى لضـمان التـرابط والتكامل وإذا اقتضى الأمر التمويل المشترك.
  • دعم الحوار الإقتصادي مع الشركاء المتوسطيين، وذلك في سياق وضع برامج للمساعدة المالية سـعيا نحو تسريع التحولات الإقتصادية وتبني السياسات المالية والنقدية الصحيحة و الإصلاح الهيكلي.

ومن هنا كانت الدعوة لإقامة منطقة تجارة حرة بين دول حوض المتوسط بحلول عـام 2010م من خلال اتفاقيات الشراكة التي يبرمها الإتحاد الأوروبي مع دول جنوب المتوسط منفردة والتي وقعـت عليها منفردة كل من تونس، المغرب، و إسرائيل و الأردن، ومصر وسوريا و لبنان و الجزائـر، كمـا دخلت ليبيا في مفاوضات مع الإتحاد الأوروبي بهدف التوصل إلى اتفاق مماثل ([35]).

الفرع الثاني : تأثير الشراكة الأورو-متوسطية على التكامل المغاربي من خلال منطقة التبادل الحر 

إن المفهوم الجديد للتجارة من وجهة نظر الشراكة الأورو-متوسطية هو تجارة بـلا حـدود ولا حواجز ولإزالة هذه الأخيرة يجب ألا تكتفي النظم بأن تجعل الحدود متساوية من جهـة أو أخـرى بـل ينبغي أن تتبادل السلطات الثقة فيما بينها، إن الهدف من إنشاء منطقة للتبادل الحر التي تضم أكثـر مـن 40 دولة يبلغ عدد سكانها 600 إلى 800 مليون هي في خدمة المصالح الأوروبية أساسا لأن عدد الدول المتوسطية الجنوبية قد لا يفوق 15 دولة، بينما عدد الدول الأوروبية يفوق 25 دولة وأغلبها دول متقدمة صناعيا، وهذا ما يجعل الشراكة الأورو-متوسطية ذات طابع خاص.

وتتضمن منطقة التبادل الحر ضمن الشراكة الأورو- متوسطية ما يلي :

  • بالنسبة للمنتجات الصناعية سيكون النظام المعتمد نظام حرية التبادل الكاملة حسـب مـا جـاء فـي نصوص اتفاقية مراكش.
  • أما بالنسبة للسلع الزراعية والغذائية فإن الشراكة ستعتمد مبدأ التمييز المتبادل بمعنى آخـر لا مجـال لتجارة حرة غير مقيدة في مجال السلع الزراعية والغذائية وذلك لما تفرضه السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة من قيود وهذه نتيجة الصراع وتضارب المصالح بين المنتجين الأوروبيين والمنتجـين غيـرالأوروبيين ضمن البحر المتوسط.
  • أما فيما يخص الخدمات فستخضع للإجراءات المنصوص عليها في اتفاقية مراكش وهـي إجـراءاتحمائية يصعب تحريرها تحريرا كاملا في مدة زمنية قصيرة كما تنص الشراكة على السماح بالجمع بين شهادات المنشأ بين مختلف الأعضاء في منطقة التبادل الحر الأورو-متوسطية ([36]).

أولا : الإجراءات المعتمدة لقيام منطقة التبادل الحر 

إن مضمون الإتفاقيات التي أبرمتها كل من المغرب وتونس والجزائر مع الإتحاد الأوروبي فـي إطار اتفاقيات الشراكة تتمحور في النقاط الآتية :

  • إنشاء منطقة للتبادل الحر تدريجيا في مدة لا تزيد عن 12 سنة بالنسبة للمنتوجات الصـناعية تطبيقـا لإجراءات المنظمة العالمية للتجارة وقد أكدت الإتفاقيات علـى حريـة دخـول المنتوجـات الصـناعية المغاربية إلى الأسواق الأوروبية معفاة من الحقوق الجمركية تدريجيا لصالح المنتوجات الأوروبية وفـق قوائم السلع.
  • وضع رزنامة للمنتوجات المقرر تخفيض الحقوق والرسوم عليها من المعدل الأساسي بعد بداية تنفيـذ الإتفاقية وذلك من أجل الحد من الخسائر في الإيرادات الجمركية وهذا بإعتماد مرحلة إنتقاليـة بــ 12 سنة قبل استكمال منطقة التبادل الحر، ففي ظل هذه الفترة يتم تحريـر المنتوجـات الصـناعية بصـفة تدريجية وغير موحدة ويتعلق الأمر أولا بالمنتجات المستوردة التي تتمتع بمنافسة داخلية وتتمثل أساسـا في السلع التجهيزية والوسيطية، أما الإلغاء التعريفي الشبه إجمالي للسلع الإستهلاكية النهائية لا يـتم إلا بعد السنة الخامسة، بعد دخول الإتفاق حيز التنفيذ وهذا من اجل السماح للمؤسسات التي ستتضـرر مـن المنافسة الأوروبية من إعادة هيكلتها وحمايتها ([37]).

ثانيا : أثار منطقة التبادل الحر على الدول المغاربية 

ستتحمل الدول المغاربية تكاليف تكييف وتقويم اقتصادياتها مع متطلبات نظـام التبـادل الحـر وبالتالي مخلفاته ومن بين الآثار والتي سيتم التركيز فيها على الجانب السلبي مايلي :

سيؤدي تحرير التجارة مع أوروبا إلى ارتفاع مستوى الواردات المغاربية من السلع الرأسـمالية والمنتجات النصف مصنعة بسبب إعفائها من الرسوم الجمركية في بداية المرحلـة  الإنتقاليـة وبالمقابـل سوف يتراجع مستوى الصادرات المغاربية من المنتجات ذات الميزة النسبية والمنافسة العالميـة، فعلـى مستوى القطاع الزراعي سيعرف منافسة كبيرة من المنتجات الزراعية الأوروبية نتيجـة فـتح أسـواقها واعتماد قاعدة التبادل الحر خاصة وأن المنتجات المغاربية تتميز بهشاشـتها أمـام المنتجـات الفلاحيـة الأوروبية التي تتمتع بمناعة قوية، فعلى سبيل المثال فإن سعر القمح المستورد من فرنسا أو من الولاياتالمتحدة الأمريكية أقل بثلاث مرات عن التكلفة الوسطية للإنتاج بالمغرب العربي.

أما بالنسبة للجانب الصناعي والذي تمثل نسبة الواردات منه أكبر من الصادرات. والتي بإمكاندول المغرب العربي أن تطبق عليها قاعدة التبادل الحر خلال الفترة الإنتقالية على كل الـواردات مـن مواد التجهيز والمواد الأولية التي تدخل إلى السوق المغاربية بدون رسوم جمركية وهذا ما ينجـ ر عليـه ظهور منافسة شديدة من المؤسسات الأوروبية للمؤسسات الوطنية المغاربية وهذا نتيجة عدم التكافؤ ممـا يؤدي إلى إفلاس عدد كبير من هذه المؤسسات ويفسح المجال للمنتوجات الأوروبيـة لإقتحـام أسـواق المغرب العربي، وهذا ما ينعكس على اختلال الموازين التجارية للدول المغاربية إضـافة إلـى تراجـع إيرادات الميزانيات العامة نتيجة إزالة التعريفات الجمركية وبالتالي تقليص الإنفاق العام الحكومي ومنـه محدودية الإستثمار وزيادة التضخم وارتفاع مستويات البطالة، وهذا على اعتبار أن المداخيل الجمركيـة تحتل مكانة هامة في ميزانية هذه الدول وخاصة الدول غير المنتجة للـنفط فتمثـل نسـبة 43  % مـن المداخيل الضريبية للمغرب و 65 % لتونس ،53 % لموريتانيا وبالتالي تضرر اقتصاديات هذه الـدول نتيجة الإلغاء الجمركي والتحرير الخارجي، إذا لم يرافقه تحسن حقيقي في التوازنات الإقتصادية الكلية.

وعليه فإن إنشاء منطقة للتبادل الحر الأورو-متوسطية سينجر عنه تقلص وتراجع فـي مـوارد الخزينة العامة للدول المغاربية مما يجبرها البحث عن موارد مالية بديلة، أو تخفـيض مسـتوى إنفاقهـا وبالتالي لابد من تعويض التنازل عن الحماية الجمركية بتحسين القدرة التنافسية للنظم الإنتاجية المغاربية والبحث عن موارد مالية جديدة (1).

ذلك لأن إنشاء منطقة التبادل الحر بين مجموعات غير متكافئة تتطلب قدرا لا يستهان بـه مـن التكاليف في المرحلة الإنتقالية التي لا يمكن للدول المغاربية أن تتحملها بإمكاناتها المتواضعة وفي حقيقة الأمر فإن أحد الأهداف الرئيسية للإتحاد الأوروبي من الشراكة مع الدول المغاربية يتمثل في فتح أسواق هذه الأخيرة أمام منتجاتها من السلع والخدمات أما فكرة التعاون والتكامل الجهوي وكذلك الإستثمار كآلية لتطوير اقتصاديات الدول المغاربية فلم تنضج بعد لدى قادة الدول الأوروبية ([38]).

ومهما يكن من أمر فإن دخول الدول المغاربية فرادى إلى الشراكة بـدءا بتـونس كـأول بلـد متوسطي والتي وقعت اتفاقية شراكة في 17 جويلية 1995م لتدخل حيز التطبيق فـي مـارس 1998م ،والمغرب الذي وقع اتفاقية شراكة في فبراير 1996م لتدخل حيز التطبيق في مـارس 2000م وتـأخرت الجزائر في التوقيع إلى غاية 2002م ([39]) ، يفسر لنا هذا التدافع نحـو الشـراكة الخارجيـة والتفـاوض

بصورة انفرادية وليس بشكل جماعي كدول اتحاد المغرب العربي أنه تم اسـتبدال المشـروع التكـامليالمغاربي بالمشروع الأورو- متوسطي.

ويمكن القول بأن الشراكة بين طرفين غير متكافئين في الإمكانات المادية والقـدرات البشـريةوالتقنية والثقل السياسي ستؤدي حتما إلى نتائج لصالح الطرف الأقوى ومكلفة للطرف الضـعيف وهـو الطرف المغاربي والذي لن يجني إلا مزيدا من التبعية الإقتصادية واستمرار سياسة الإرتبـاط العمـودي بالخارج والقضاء على الصناعات الناشئة فشعار تجارة بلا حدود يعني التمكن من السيطرة والحصـول على الموارد الإقتصادية في هذه المناطق و بأبخس الأثمان من خلال التعامل الفـردي وتكـريس مبـدأ التشتت بدل التكامل والتعاون الإقليمي، وهذا أخطر تحدي للمنطقة المغاربية واتحاد المغرب العربي التي عجزت دوله عن تحريكه والتفاوض من خلال مؤسساته أمام تحدي الشراكة الأورو-متوسـطية والتـي وقعت في شباك شروطها واتفاقياتها غير المتكافئة.

المطلب الثاني : مشروع الشراكة الأمريكية-المغاربية 

يبدو أن أهم ردود الفعل الأمريكية تجاه المحاولات الأوروبية لإقامـة فضـاء أورو-متوسـطي متعدد الأبعاد، قد تجلت في مجموعة من المشاريع يمكن اختزالهـا فـي مسـار التعـاون  الإقتصـادي والإستثمار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو ما يسمى بالسوق الشرق أوسطية، ثـم مبـادرة وزيـر التجارة الأمريكي ” سـتيوارت ايزنسـات ” Stuart.E.Eiznstadt    الخاصـة بالشـراكة الأمريكيـة المـغاربية ([40]). وهو ما سيتم التركيز عليه في هذا المطلب بعد التطرق للجـذور التاريخيـة للعلاقـات الأمريكية المغاربية.

الفرع الأول : الجذور التاريخية للعلاقات الأمريكية المغاربية 

يرجع الإهتمام الأمريكي بمنطقة المغرب العربي إلى ما بعد استقلال أمريكا وبالضبط مع حلول سنة 1783م، حيث تطلعت أمريكا إلى المنطقة من خلال المبادرة على التوقيع على معاهدات تجارية مع الدول المغاربية وإقامة علاقات دبلوماسية، حيث تمكنت أمريكا من فتح أول قنصلية لهـا فـي المغـرب الأقصى بطنجة سنة 1791م، كما دعمت أمريكا تواجدها في البحر الأبيض المتوسط، بإرسال أول سفينة حربية أمريكية سنة 1794م وذلك لإستعراض قوتها في المنطقة.

ونتيجة للضغوط الأمريكية وتواجدها البحري في المتوسط، وقع باي تونس على معاهدة تجارية مع أمريكا تعهد فيها بفتح أبواب تونس أمام المنتجات الأمريكية وبحماية الرعايا الأمريكيين وفي مقابـل ذلك تتولى واشنطن تسليح وحدات الجيش التونسي مجانا، وتوالت الضغوطات الأمريكيـة علـى الـدول المغاربية الأخـرى الجزائر وليبيا إلى أن توصلـوا إلى توقيع اتفاقيات مماثلة لتلك التـي أبرمـت مـعتونس ([41]).

وقد تراجع الإهتمام الأمريكي بالمنطقة المغاربية مع بداية الحملـة  الإسـتعمارية  الإسـتيطانيةالأوروبية ليعود الإهتمام من جديد بالمنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة ومـا بعدها.

ويدخل الإهتمام الأمريكي بمنطقة المغرب العربي ضمن الإهتمام بالمتوسط عبر الحلف الأطلسي، لتأمين المصالح الحيوية الأمريكية التي يتعين الدفاع عنها إذ حسب الرؤية الأمريكية فـ إن أوروبـا وحـدها لا تستطيع أن تحقق الإستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط وبالتالي فالدور الأعظم هو لأمريكا فـي استتاب الأمن والإستقرار في المنطقة والتي تعد منطقة إستراتيجية بالنسبة لأمريكا وذلك لعدة اعتبـارات من أهمها :

  • تكتسي المنطقة أهمية جيو-إستراتيجية عسكرية حيث تعتبر جسرا بـين الغـرب وإفريقيـا والشـرق الأوسط، إذ كانت ضمن عناصر المواجهة مع دول المحور إبان الحرب العالمية الثانيـة حيـث شـكلت النقطة الوحيدة في بداية الأربعينات لمواجهة القوات النازية في الجبهة الجنوبية للحرب في أوروبا.
  • كان الإنزال العسكري لقوات الحلفاء والقوات الأمريكية في مدينة الدار البيضـاء المغربيـة البدايـة الرسمية لوجود عسكري أمريكي في المنطقة، واستمراره بعد الإستقلال السياسي للمغرب الأقصى، حيث تملك الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية ومطارات خضعت لسلطتها المباشرة خاصة فـي مـدن القنيطرة، بن سلمان، بن جرير وذلك لتطويق المد الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية وأثنـاء الحـرب الباردة ([42]).
  • يعتبر الأمريكيون أن سواحل شمال إفريقيا هي امتداد لسواحل أوروبا الأطلسية ولإفريقيا المتوسـطية لهذا فلا يمكن أن تترك تلك المناطق تسقط تحت مراقبة قوة معادية ولا حتى تحت نفوذها غير المباشـر وبالتالي فمن الأجدر الدفاع عن استقرار المنطقة نتيجة لموقعها الإستراتيجي.
  • تعتبر المنطقة من أهم الخطوط البحرية والجوية والتي تشكل الدعائم الأساسية للإستراتيجية الأمريكية في المتوسط، وذلك للتوصل إلى مناطق الموارد الطاقوية للتحكم في تدفقاتها حيث تعتبـر مـن المهـام الأساسية للإستقرار الإقتصادي والمالي للقوة الأمريكية.
  • تعتبر المنطقة سوقا واعدة من المستهلكين ويمكن إدماجها بسهولة في الإقتصاد العالمي نتيجة ضـعفتنافسيتها للمنتجات الأجنبية كذلك تعتبر خزانا للبترول والغاز الطبيعي والمواد الأولية ([43]).

ولأجل الإعتبارات السابقة جاء الإهتمام الأمريكي بالمنطقة والذي بـرز بوضـوح بعـد زوالالحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفياتي حيث اشتد التنافس بين الدول الغربية على مناطق النفـوذ فـي العالم ومنها منطقة المغرب العربي، ودخلت الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة هجومية معاكسـة علـى مناطق نفوذ حلفائها، وذلك لإحراز موقع هيمنة أكبر لإتصال ذلك بمصالحها الجديدة بالمنطقة المغاربيـة والمتمثلة في السيطرة على منابع الغاز والبترول، حيث نسجت علاقات متميزة مع الدول المنتجة ومنهـا الجزائر وأحكمت قبضتها على ليبيا عن طريق لوكربي، وهكذا ضمنت السيطرة المتدرجة على المـوارد الطاقوية في العالم من الخليج الفارسي إلى بحر قزوين ([44]).

إن هذا التوجه الجديد لأمريكا في منطقة المغرب العربي يتمثل في صد ظهور أية قـوة مماثلـة للإتحاد السوفياتي سابقا، تنازع الولايات المتحدة بإعتبارها القوة الأقوى على الساحة العالمية، أو  تكـون قادرة على منافستها أو مزاحمتها في المنطقة المغاربية، وقد تجلت ملامح هذا التوجه من خـلال عـدة مؤشرات منها: ربط علاقات قوية مع النظم السياسية في المغرب العربي مـن عـدة نـواحي سياسـية، عسكرية، اقتصادية.

فمن الناحية السياسية شجعت واشنطن في إرساء أسس الديمقراطية الغربية وحقـوق الإنسـان وإعـادة النظر في النظم الدستورية القائمة بما يحقق اختراقها للمنطقة واحتوائها للأنظمة السياسية القائمة، أما من الناحية العسكرية فنجد هناك القواعد العسكرية خاصة في المغرب الأقصى وإقامة مناورات عسكرية مع الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفيما يخص الجانب الإقتصادي، فنجد إطلاق مبـادرة ايزنستات والتي تتمثل في خلق نسيج من العلاقات الإقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكيـة خاصـة التجارية منها.

الفرع الثاني : مبادرة ايزنستات 

جاءت هذه المبادرة كرد فعل على مشروع برشلونة 1995م، والقاضي بإدماج منطقة المغـرب العربي فيما يسمى بالأورو-متوسطية الذي يتزعمه الإتحاد الأوروبي، حيث تم استثناء الولايات المتحـدة الأمريكية من مشروع برشلونة فبادرت الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع ايزنستات والذي يهدف إلى تنمية الشراكة الإقتصادية على المدى الطويل مع الدول المغاربية وهذا ضمن إستراتيجية شاملة للتـدخل الأمريكي في الخارج وذلك لتأمين أكثر للرأسمال الأمريكي من الإستحواذ على الأسواق والموارد الأولية الخارجية ومصادر الطاقة، وإنشاء جسور للأمن والإسـتقرار عـن طريـق حريـة التجـارة وتنميـةالإستثمارات الخارجية في المنطقة المغاربية (1).

وقد ساهمت المتغيرات الدولية الجديدة التي سارت بإتجاه العولمة الأمريكية وكذا دعـم القـادةالمغاربة للمسار السياسي الأمريكي المهيمن على العالم إلى تركيز الولايات المتحـدة الأمريكيـة علـى دبلوماسية التجارة كأداة لإختراق منطقة المغرب العربي، وقد اتضحت ملامح تلك السياسـة منـذ سـنة 1998م، حيث سعت إدارة كلينتون إلى تأسيس شراكة أمريكية مغاربية جديدة، ارتكزت علـى الموقـع الإستراتيجي والثروات الطبيعية وخطوط التجارة، وهي كلها عوامل لعبت على التأكيد على أهمية منطقة المغرب العربي في منظومة السياسة الكونية للولايات المتحدة الأمريكية وذلـك عـن طريـق مبـادرة ايزنستات والتي عملت على دفع عملية اندماج المغرب العربي في الإقتصاد العالمي والمتمثلة في التبادل التجاري وتشجيع الإستثمارات الأمريكية في المنطقـة خاصـة فـي مجـال المحروقـات والطاقــة والمصـارف ([45]).

وسميت هذه المبادرة الأمريكية للشراكة مع دول المغرب العربي بـ: مبادرة ايزنسـتات نسـبة إلى كاتب الدولة الأمريكي المكلف بالإقتصاد والشؤون الزراعية والذي قام بجولة في منطقـة المغـرب العربي من 12 إلى 18 جوان 1998م، حاملا لمشروع شراكة أمريكية مغاربية حيث أطلق تلك المبادرة من تونس في 17 جوان 1998م مع الدول الثلاثة الجزائر، تونس والمغرب إذ تعد برنامجا إفريقيا يشجع الشراكة الإقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمال إفريقيا ([46]).

والهدف من هذا المشروع هو دعم التعاون الإقتصادي والمالي والفني في هـذه الـدول لأجـل الوصول إلى إقامة فضاء اقتصادي مغاربي موحد مندمج ومتكامل يعمل على تشـجيع المبـادلات مـع السوق المشتركة لإتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية ALENA وترقية الشراكة التجارية والمالية مـا بين المجموعتين المغاربية و الأمريكية ([47]).

فعلى عكس أوروبا تعتبر أمريكا أن إقامة منطقة تبادل حر بين الدول المغاربية شرط ضروري للتبادل الحر بين أمريكا والمغرب العربي ورغم إبعادها موريتانيا وليبيا عن هذا المشروع فإن الولايـات المتحدة تبدو مستعدة لإدماجهما ولا تعتبر إبعادهما موقفا مبدئيا، وقد تم إدماج موريتانيا بالفعل حيث نظم الأمريكيون على هامش اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن اجتماعا ضـم وزراء الإقتصاد والمالية لكل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيـا مـع نظيـرهم الأمريكـي، ووضـع المجتمعون خطة لتكثيف الإستثمارات وتبادل وفود رجال الأعمال واعتبروا أن إقصاء ليبيا من المبـادرةمؤقت وليس موقفا مبدئيا ([48]).

وقد كانت واشنطن قد رصدت خمسة مليارات دولار في جانفي 2000م لتمويل مشاريع الشراكةمع دول شمال إفريقيا، وكان ذلك الإجراء أول خطوة ملموسة في مبادرة ايزنستات التي تطورت رسـميا إلى مشرع الشراكة الأمريكية – الشمال افريقية بمناسبة زيارة وزير التجارة الأمريكي السابق ” روبـرت ماليت ” إلى عواصم المنطقة بدايات عام 2000م.

وتبلورت بعد ذلك صيغة اللقاءات الوزارية (1+3) ابتداء من أفريل 2000م وتوسعت في عـام 2001م إلى صيغة (1+4) بإضافة موريتانيا إليها ويراهن الأمريكيون من خلال مبادرة الشـراكة هـذه على مزاحمة النفوذ الأوروبي في المنطقة، ويأملون كما قال السفير الأمريكـي السابق لــدى المغرب ” إدوارد غابرييل ” بإنشاء سوق مغاربية مشتركة لأن أوساط رجال الأعمال الأمريكيين ستكون مهتمـة بسوق قوامها 80 إلى 90 مليون نسمة أكثر من إهتمامها بسوق قوامها 10 ملايين كتونس أو 30 مليـون كالجزائر والمغرب ([49]).

ولأجل تحقيق هذه الأهداف وإنشاء سوق مشتركة ترتكز المبادرة الأمريكية على مجموعة مـن القواعد التي ينبغي الإلتزام بها خاصة من قبل الطرف المغاربي وهي :

  • ضرورة التعامل مع دول المغرب العربي كوحدة اقتصادية واحدة، وبصفة دورية ولا تقتصـر هـذه الشراكة على الجانب الإقتصادي فقط بل تتعداه لتشمل الجانب السياسي.
  • إبراز الدور المركزي للقطاع الخاص كمحرك للتجارة والإستثمار في المنطقة المغاربية.
  • ضرورة قيام الدول المغاربية بإصلاحات اقتصادية وتصحيحات هيكلية من أجل خلق مناخ مناسـب للإستثمار في المنطقة المغاربية ([50]).

ومما تقدم يبدو أن المبادرة الأمريكية تمثل من ناحية فرصة لتوسيع شبكة الشركاء الإقتصـاديين ودخول الأسواق الأمريكية الواسعة بما توفره من موارد مالية وتكنولوجية هائلة، أي أنها تمثـل فرصـة لتنشيط مسيرة التعاون والإندماج المغاربي ولكنها من ناحية ثانية تحمل محاذير السوق الهائلـة وآلياتهـا الجهنمية القادرة على ابتلاع اقتصاديات الدول الصغيرة مما يستلزم دعم الجهـود وتوحيـد الإمكانيـات لدخول هذه السوق كطرف واحد متشبث بالحد الأدنى من استقلالية مبادراته ومتمسك بمصالحه.

إن دخول السوق الأمريكية ومواجهة تحدياتها أمر لا يمكن أن تقوى عليه دولة ذات إمكانيـات كبيرة مثل فرنسا دون معاناة وصراعات فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدول محدودة الإمكانيات مثـل دول الإتحاد المغاربي، وهو ما يستلزم بالتالي حشد كل إمكانياتهـا وتنسـيق مواقفهـا  للإسـتجابة للمبـادرةالأمريكية التي هي في النهاية باب واسع للدخول في العولمة.

إذن باتت الدول المغاربية اليوم تواجه مشروعين لا يمكن تجاهـل فرصـهما وآفاقهمـا، همـامشروع الشراكة الأوروبية ومشروع ايزنستات الأمريكي، وإذا ما كانـت تـونس أولـى دول الضـفة الجنوبية للمتوسط التي وقعت اتفاقية شراكة مع الإتحاد الأوروبي فإن المغرب قد تبعها والجزائر مؤخرا وربما تكون ليبيا على الطريق ولا شك أن أهمية هذه الشراكة لا تكمن فقط في أن علاقة دول المنطقـة مع دول جنوب حوض البحر المتوسط هي علاقات تقليدية صنعها تاريخ مشترك بل لأن المصـالح قـد أصبحت بين دول الضفتين متشابكة على أكثر من صعيد، كما تطرح عليها رهانات متقاربة إن لم تكـن واحدة مثل انتقال الأيدي العاملة واستقرارها في مواطنها وجلب الإستثمارات الخارجية وتوظيفهـا فـي مشاريع تنموية بالإضافة إلى تنشيط الأسواق في الإتجاهين ولا شك أن تفعيل مؤسسات الإتحاد المغاربي وإحياء نشاطها وبناء مواقف مشتركة وموحدة يجعل دول المنطقة أكثر تأهلا لدخول الشراكة والإسـتفادة من فرصها بدلا من الخضوع لشروطها كما يجعلها أكثر قوة وقدرة على التفاوض علـى أيـة اتفاقيـات لاحقة.

كما أن ما ينطبق على الموقف من الشراكة الأوروبية ينطبق وربما وبدرجة أكبر على الموقـف من المشروع الأمريكي الذي مازال مجرد مشروع لم تتضح معالمه بعد.

إذن هاهي تحديات جديدة تواجه الإتحاد المغاربي تحديات تجعل التراجع عنه أمرا غير مقبـول بالمرة بل غير ممكن تماما لأنه يمثل ضرورة قصوى بل حتمية لنمو المنطقة وتطورها وصـمودها فـي وجه التحديات العاتية ([51]).

خلاصة

استطاعت الأمم الغربية الوصول إلى قمة التقدم الحضاري في ظل عملية تكامل واسع النطـاق بين مناطقها المتعددة والمتباينة، وأضحت عناصر الإنتاج تتحرك بلا قيود ودون أية حواجز أو حـدود،وهي أمم لا يجمع بين شعوبها لا وحدة دين ولا لغة، أما الدول العربية والمغاربية على وجه الخصـوص فهي ما تزال متفرقة في ظل ظروف وتحديات داخلية سياسية وإقتصادية ومالية ومؤسسـية مضـطربة وأوضاع دولية متجددة ذات تكتلات كبرى متنامية، والتي لا تفرز إلا تحديات تهـدد اقتصـاديات هـذه الدول فلقد واجهت وتواجه دول هذه المنطقة في ظل موجة العولمة وبروز العامل الإقتصادي بقوة تحدي الشراكة مع الدول المتقدمة وفي مقدمتها الشراكة الأورو- متوسطية والتي سارعت إليها الدول المغاربية متفرقة بدل أن تكون مجتمعة ومتكاملة فبدل أن تفاوض من مركز قوة وبإسم الإتحاد المغاربي والسـوق المغاربية لتحصل على أكبر الإمتيازات والعوائد من الشراكة فاوضت ودخلت الشراكة بإنتمائها القطـري الضيق ووقعت في شباك الشراكة غير المتكافئة، كذلك مشروع الشراكة الأمريكيـة المغاربيـة والـذي يصب في نفس الإتجاه للشراكة الأورو-متوسطية وكلاهما لا يرى في المنطقة إلا سوقا مفتوحا للتنـافس وحقلا خصبا للحصول على الثروات والإمكانيات لأجل أن تسخرها لزيادة قوتها وهيمنتها الإقتصادية.

وعليه فالوحدة المغاربية في ظل هذه التحديات لم تعد مجرد شعار يرفع بل هي فـرض علـى شعوب هذه الدول وعلى حكامها تقع مسؤولية تحقيقها بكل الوسائل خاصة وأنها تملك إمكانيات ضـخمة من موارد طبيعية زراعية معدنية وطاقوية وبشرية ومالية تجارية تؤهلها لتمثـل قطـب تكـاملي بـين التكتلات العالمية.

ومن هنا فالتكامل بين الدول المغاربية التي تجمع بينها وحدة الأصول والعادات والتقاليد والـدين واللغة، أصبح من الأصول الهامة التي يجب على شعوبها أن تعمل على تحقيقها طالما أنهم يعيشون فـي حالة من التخلف والتبعية وبوادر عودة الإستعمار التقليدي في أشكاله الحديثة ولـيس مـن المعقـول أن يستمر هذا التنافر في السياسات والتباعد في الإجراءات، بحيث تعيش كل دولة بمعزل عما يجـري فـي الدولة المجاورة.

المراجع

[1] – عماد محمد الليثي ،مرجع سابق. ص 161.

[2] – المرجع نفسه.

[3] – أحمد مهابة ،>> مشكلات الحدود في المغرب العربي <<، السياسة الدولية. العدد 111، 1993، ص ص ،239-246.

[4] – محمد محمود السرياني ،الحدود الدولية في الوطن العربي نشأتها وتطورها ومشكلاتها. الرياض : أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ،2001، ص ص ،306،307.

[5] – المرجع نفسه. ص ص ،307- 310.

[6] – المرجع نفسه. ص ص ،310،311.

[7] – Ahmed Rouadjia, L’union Du Maghreb Et Lesaccords D’association Avec L’union Europeenne. In :

Kerdoun Azzouz, Nemouchi Farouk, Euro-Mediterranee Le Processus De Barcelone Enquestion.

Algeria : Dar El Houda, 2004, p p, 183-.581

[8] – مصطفى عبد اﷲ خشيم ،التجارة العربية البينية من الحساسية السياسية إلى الفجوة الرقمية : دراسة حالة التجـارة الخارجيـة الليبية مع الدول العربية. في : التجارة العربية البينية والتكامل الإقتصادي. عمان : الجامعة الأردنية ،2004، ص .141

[9] – عبد الكريم عبدلاني ،مرجع سابق. ص 300.

[10] – محمد لمين لعجال أعجال ،>> معوقات التكامل في إطار الإتحاد المغاربي وسبل تجاوز ذلك <<، مجلة المفكـر . العـدد 5.

مارس 2010، ص ص ،20-36.

[11] – ديدي ولد السالك ،مرجع سابق. ص ص ،52-69.

[12] – عبد الكريم عبد لاني ،مرجع سابق. ص 300.

[13] – المرجع نفسه.

[14] –       محمد محمد مصطفى البنا ،التحديات                                          العالمية التي تواجه الصناعات التحويلية العربية ودور التكامل الإقتصادي في مواجهتها:

تجارة الأردن البينية مع الدول العربية. في : التجارة العربية البينية والتكامل الإقتصادي. عمان: الجامعة الأردنية ،2004، ص ص 18-22.

[15] – أ      حمد محفوظ بيه ،مقومات ومعوقات                                          التكامل في اتحاد المغرب العربي. في : محمد عاشور ،أحمد علي سالم (محرر). التكامل الإقليمي في إفريقيا رؤى وآفاق. القاهرة : مكتبة مشروع دعم التكامل الإفريقي ،2005، ص ص ،267،268.

2 – محمد لمين لعجال أعجال ،مرجع سابق. ص ص ،20- 36.

[16] أحمد محفوظ بيه ،مرجع سابق. ص ص ،266،267.

[17] منذر الشرع ،التحولات الإقتصادية العربية والألفية الثالثة. عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،2004، ص 104.

[18] عيسى حمد محمد الفارسي ،مرجع سابق. ص 403.

[19] – Mohamed B Telemcani, Sofiane Tahi, Op.Cit. P 6.

[20] محمد لمين لعجال أعجال ،مرجع سابق. ص ص ،32،31.

[21] علي القزويني ،مرجع سابق. ص 304.

[22] جمال عبد الناصر مانع ،مرجع سابق. ص 262.

[23] جمال عبد الناصر مانع ،مرجع سابق. ص 265.

[24] محمد لمين لعجال أعجال ،مرجع سابق. ص ص ،20-36.

[25] ديدي ولد السالك ،مرجع سابق. ص ص 52-69.

[26] – Abdnnour Benantar, Les Etas-Unis et Le Maghreb Regain D’interet ?. Algérie : C.R.E.A. D, 2007, P

.692

[27] – يوسف مسعداوي ،مرجع سابق. ص 120.

[28] – رابح خوني، رقية حساني ،مرجع سابق. ص 422.

[29] – Khader  Bichara, Le Grand-Magrébet L’europe, Enjeuet Perspectives. Paris: Publisud Ottignies,

1992, P 13.

[30] – المرجع نفسه. ص ص ،342،343.

[31] – عبد الوهاب شمام ،مرجع سابق. ص 344.

[32] – Abdellah Soufari, << Le Processus De Barcelone à L’origine Du Partenariat Euro-Méditerranéen.

>> Site Internet : www.algerie 2003.org . 10/01/2001.

[33] – Azzouz Kerdoun, Le Partenariat Politique Et De Securite En Mediterranee: Quel Bilan. In : Azzouz Kerdoun, Farouk Nemouchi, Euro-Mediterranee Le Processus De Barcelone Enquestion.

Algeria : Dar El Houda, 2004, P 17.

[34] – يوسف مسعداوي ،مرجع سابق. ص .128

[35] – المرجع نفسه. ص ص ،128،129.

[36] –       جمال عمورة، هلال رحمون ،                                        المنطقة  العربي وصراع المصالح الإقتصادية. في : التكامل الإقتصادي العربي كآلية لتحسـين وتفعيل الشراكة العربية-الأوروبية. [د.م.ن] : دار الهدى ،2005، ص ص ،531،532.

[37] – المرجع نفسه. ص 535.

[38] – صالح عمر فلاحي ،مرجع سابق. ص 59.

[39] – جمال عمورة، هلال رحمون ،مرجع سابق. ص ص ،535،536.

[40] – حسين بوقارة ،مرجع سابق. ص 86.

[41] –       مصطفى بن شنان ،>> الأمن                                          والتعاون في حوض المتوسط <<، مجلة انتقالية واستشفاف. ربع سنوية. العدد 2. 2001، ص ص ،9-15.

[42] – وليام زرتمان ،>> الولايات المتحدة الأمريكية : المصالح والآفاق << ، مجلة انتقالية واستشفاف. العدد 3. 2001، ص ص ،

.38-30

[43] –       ايان ليتسر ،>> دور المغرب                                         العربي  والبحر الأبيض المتوسط ومكانتهما في إستراتيجية الولايات المتحــدة الأمريكيـة << مجلة انتقالية واستشفاف. العدد 3. 2001، ص ص ،09،08.

[44] – سعيد اللاوندي ،أمريكا في مواجهة العالم: حرب باردة جديدة. القاهرة: نهضة مصر للطباعـة والنشــر، 2003، ص ص ،

.167،166

[45] – وليام زرتمان ،مرجع سابق. ص ص ،30-38.

[46] –  سعيد اللاوندي ،مرجع سابق.  ص .75

[47] – Nicolas Barto, << L’impérialisme Européen Et Le Libre échange: Les Accords Euro

méditerranéens. >> Site Internet: http//www.isometric.pree.fr, Le 20/06/2005.

[48] – نور الدين حامد، بشير بن عيشي ،مرجع سابق. ص ص ،.156،157

[49] – رابح خوني، رقية حساني ،مرجع سابق . ص 423.

[50] – جمال عمورة، هلال رحمون ،مرجع سابق. ص 529.

[51] – يوسف مسعداوي ،مرجع سابق. ص 122.

من اعداد رقية بلقاسمي، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية  والعلاقات الدولية، تخصص دراسات مغاربية بعنوان التكامل الإقليمي المغاربي :  دراسة في التحديات والآفاق المستقبلية