من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

ما هو الفكر؟ هو سلوك أو ملكة التفكير، الذهن، الذكاء، هو الكرامة وعزة النفس، حسب تعريف “باسكال”. كذلك طريقة للرؤيا، للحكم الخاص بالفرد أو الجماعة.

يدين الجنس البشري الذي مُنِحَ بسخاء ملكات فطرية متنوعة للاتصال، بنجاحه كجنس، لكل من قدرته التنظيمية، والقدرة التي أظهرها في تحسين وتطوير وتوسيع مواهبه الطبيعية. والتي يؤثر بها في تطوره البيولوجي الخاص. ولقد كان من اهتمامات الإنسان الأولى، أن يزيد من أثر وتنوع ووضوح وسائله، في الوقت الذي يطور فيه قدرته على تفسير وسائل الآخرين وفك رموزها.

وقد سعى الجنس البشري عبر التاريخ إلى تحسين القدرة على تلقي واستيعاب المعلومات عن البيئات المحيطة به. كما سعى في الوقت نفسه إلى زيادة سرعة ووضوح وتنوع أساليب أفراده في بث المعلومات. وقد كان هذا ضرورياً في البداية لخلق الوعي بالمخاطر التي يحتمل أنها كانت كامنة، ومن ثم المشاركة في رؤية الإمكانات الاجتماعية لمواجهة هذه المخاطر.

ولقد بدأ البشر بأبسط الإشارات الصوتية والحركية المرتبطة ببنيتهم الجسدية، وطوروا مجموعة كاملة من الوسائل غير اللفظية لنقل الرسائل: “الموسيقى، الرقص، وسائل الطبول، الإشارات النارية، الرسوم، والأشكال الأخرى، كالرموز المنقوشة، والتماثيل… الخ. وكذلك الصور “البكتو غرام” التي تمثل أفكاراً، والتي جاءت الرموز الكتابية، “الإيديو غرام” في أعقابها، وتتسم بأهمية خاصة لأنها ربطت عرض شيء ما بفكرة مجردة. لكن تطور اللغة، هو الذي جعل الاتصال الإنساني قوياً، على نحو خاص. وجعل الجنس البشري يتفوق على عالم الحيوان. وهو تطور هام من حيث الاتساع والعمق المحتملين اللذين أضفاهما على مضمون الاتصال، وكذلك بالنسبة إلى ما كفله من دقة وتفصيل في التعبير. وكانت هذه الطرق والوسائل مستخدمة في الوقت نفسه، ولا غنى عنها لإبقاء الأفراد الذين كانوا ينظمون أنفسهم في مجتمعات متنوعة، من ثم، كانت تتطلب، على حد سواء، أساليب لتبادل المعلومات فيما بين الأشخاص وفيما بين الجماعات.

والواقع إنه لا توجد حدود لتنوع وبراعة أساليب الاتصال التي استخدمها البشر حقاً. فقد تطورت أشكال الاتصال ومحتويات وسائله المستخدمة كما تنوعت باستمرار. وقد ظهرت لغات مختلفة نتيجة لعدم وجود الصلات بين شعوب المناطق المتباعدة. ولكنها ظهرت بصفة خاصة لأن المجتمعات ذات التقاليد الثقافية والاقتصادية والأخلاقية المتمايزة احتاجت إلى مجموعات خاصة من المفردات اللغوية، وإلى هياكل لغوية معينة. ولكن في الوقت نفسه، نجد أنَّ الفوارق بين الطبقات الاجتماعية- حتى داخل المجتمع الواحد- وخاصة بين الصفوة المسيطرة وجماهير السكان- قد انعكست على الاختلافات في الاصطلاحات وفي المفردات، وفي المعاني التي تضفي على كلمات معينة، وفي النطق كذلك. واليوم يتحدث الملايين من الناس لغات لا تفهمها المجموعات المجاورة لها، رغم أن صلات اقتصادية واجتماعية وثيقة قد أُقيمت فيما بينها، ورغم أن السكان قد امتزجوا. وهكذا، فإن الثراء والتنوع في اللغة، يمكن أن يجعلا من الاتصال أمراً صعباً تماماً، مثلما يمكن أن يؤدي تطويرها وإتقانها إلى دوام امتياز فئات أو مجتمعات على غيرها على ما في ذلك من تناقض بَيِّن.

إن بعض اللغات التي أدخلها الزعماء الدينيون والعلماء والغزاة واكتسب مكانة خاصة، أصبح أحياناً مصدراً للقوة والامتياز. ويمكن أن تصبح لغة تتحدث بها الأقلية أداة للثقافة والحفظ في السجلات والاحتفالات الدينية، مثل السنسكريتية في الهند، أو اللاتينية في أوربا، في العصور الوسطى، واللغة العربية في العالم الإسلامي، فاللغة التي أدخلها الغزاة الذين أصبحوا هم الصفوة الحاكمة المالكة للأرض، كان لابد وأن تستخدم في التجارة والإدارة والقانون. وخلال عصر الاستعمار، أمست لغات الدول الاستعمارية هي لغات الإدارة والقانون والتشريعات والتعليم العالي والعلم والتكنولوجيا في مستعمراتها. وبذلك أعاقت تطور اللغات القديمة التي استعيدت من هذه المجالات. ولا تزال لغات، مثل الإنجليزية والفرنسية، تحتفظ بهذه المنزلة، بدرجات متفاوتة، لدى بعض شعوب آسيا وأفريقيا المستقلة حالياً. وقد خلق ذلك مشكلات داخل هذه الدول، وكذلك فيما بين البلدان المتجاورة- خاصة في أفريقيا الغربية، ومنطقه الكاريبي- التي تخلصت من الخضوع للسلطات الأجنبية المختلفة.

ونظراً إلى أن الكلمات أصبحت رموزاً للتجربة الإنسانية، فإن المدركات المستمدة منها، قد تعرضت للتغيير المستمر، الذي يكون تدريجياً أحياناً وسريعاً أحياناً أخرى، وذلك أنها تستجيب للاحتياجات الفنية الإنتاجية وفي العلاقات الاجتماعية، وفي البنى الاقتصادية والسياسية، ومن ثم تتغير معاني الكلمات وتكتسب استخدامات متجددة، وتنتقل المصطلحات الفنية إلى دائرة الاستخدام العام، ويتم ابتكار كلمات جديدة. وفي أي وقت معين، هناك فارق بين اللغة الرسمية ولغة الحديث اليومي، وبين كلام الجيلين القديم والجديد، وتذكرنا هذه العملية، بأن اللغة ليست مجموعة كاملة من المعارف، بل هي أداة يتم تطويعها وفقاً لأغراض الإنسان.

وتُضفي الكتابة، ثانية كبريات الإنجاز البشري، صفة الدوام على الكلمة المنطوقة. وفي قديم الزمان تم تسجيل القوانين والقواعد الخاصة بطقوس الاحتفالات والشعائر- على لوائح من الصلصال، أو على أحجار، أو في لفائف الرق التي تعمر طويلاً. ولقد كان لتطور الكتابة فضل الحفاظ على أهم الرسائل المحملة بالرموز والتي كُفِلَتْ بدورها الوجود المستمر للجماعة. أما الكتب التي كتبت واسْتُنْسِخَت باليد، فإنها ترجع إلى ثلاثين قرناً مضت. وباتساع نطاقها، أصبح الكتاب مستودعاً لا تقدر قيمته بالنسبة للفكر والمعرفة في كثير من الحضارات في العصور القديمة الكلاسيكية. فمنذ ما يزيد عن ألفي عام، بدأ أباطرة الصين مشروعاً لتسجيل كل المعارف المتوافرة وقتذاك- العملية والتاريخية منها الخاصة- في سلاسل من الكتب، وكانت هذه أول موسوعة، ومع ذلك، فإنه يتعين الإشارة إلى أن المكتبات الكبيرة في العصور القديمة كانت مخصصة لاستخدام الدارسين، والعلمانيين والدينيين، والحاكمين. وقد مضى وقت طويل قبل أن تبدأ محاولة نشر هذه الكتب خارج هذه الدائرة المحفوظة.

ومنذ وقت مبكر، خضع الاتصال باعتباره وظيفة اجتماعية للتقاليد والشعائر والمحرمات في مجتمع معين أو قطاع محدد من المجتمع، ومن ثم، فإن وسائل الاتصال التقليدية ورموزها تباينت إلى حد كبير فيما بين الحضارات والثقافات. وتبين دراسة المجتمعات التقليدية- تلك التي تطورت منها المؤسسات الثقافية والقانونية والأخلاقية والدينية.

وعلى مدى قرون كثيرة، بل على مدى آلاف السنين في بعض الأماكن، عاشت الغالبية العظمى من سكان الكرة الأرضية كلية داخل إطار وحدتهم الاجتماعية الصغيرة- القبيلة والقرية- وكان الاتصال فيما بين الأشخاص هو الشكل الأساسي لصلاتهم الاجتماعية. وأدى الظهور النادر للغرباء “المسافرين، الحجاج، البدو، الجنود” إلى قدر من الاضطراب في نظام هذا الوجود الذي لا يتأثر بالنفوذ الخارجي. وكانت الأنباء التي يحملونها أمراً هاماً بالنسبة لمختلف جوانب الحياة العامة وبالتالي للحياة الخاصة. ولقد كان هذا الاتصال فيما بين الأشخاص موجوداً دائماً، ولم يتوقف داخل الجماعات الصغيرة بخاصة، ولم ينازعه في أهميته شيء آخر. ولابد أنه استخدم في الماضي لدعم قيم الزمالة والتعاون لموازنة التجربة التي يفرضها الخضوع لسلطة أجنبية. وعلى أي حال، فقد كان له على الدوام بُعْدٌ يتصل بالتنشئة الاجتماعية يشجع العمل والحياة المتجانسة للمجموعة التي تتكاتف معاً من أجل النضال ضد القوى الطبيعية وفي اتخاذ القرارات على نحو جماعي. وسيظل مظهراً لا غنى عنه للاتصال الإنساني.

وأصبح الاتصال مؤسسياً بالتدريج في داخل المجتمعات التقليدية شأنها شأن المجتمعات الحديثة، فقد تعايش الاتصال فيما بين الأشخاص والاتصال المؤسسي العام، في شكل نشر القواعد والعادات. وعندما أصبح الاتصال مؤسسياً على هذا النحو، ظهرت فئات مهنية قامت بدور الحارس على الذاكرة الجماعية واضطلعت بمسؤولية نقل أنواع معينة من الرسائل: الشعراء القبليون والتجار المتجولون ورؤساء مجالس القرى في الهند، والحكام المحليون والراقصون والكتبة، وما إلى ذلك. وقد سار التحول المبكر للاتصال إلى مؤسسة محاذياً لتطور مجتمعات أكثر تعقيداً على نحو متزايد كما دعم من هذا التطور.

ومن حيث البعد المكاني، كان الاتصال محدوداً بتأثير بطء خطواته. فالصوت الإنساني لم يكن يصل إلا إلى من هم في مداه. ولم تكن الرسالة المكتوبة تنقل إلا بسرعة العَدّاء أو الحصان أو الطيور أو السفينة الشراعية. والواقع أنه على الرغم من هذه السرعة المتأنية، ضربت المعارف والأفكار بجذورها عميقاً في مناطق تبعد كثيراً عن موطنها الأصلي. وتعد المعابد الهندوكية في بلدان جنوب شرقي آسيا برهاناً ساطعاً على انتشار الأفكار وتدفق المعلومات. وقد انتقلت تعاليم بوذا والمسيح والرسول العربي، بصورة فعالة إلى أماكن نائية في عصر كان السفر فيه بطيئاً وشاقاً وخطراً. ولم يتطلب الأمر موجات كهرومغناطيسية لإحداث تغييرات في فكر ومعتقدات الملايين من الناس. ومع ذلك، فإنه يتعين الربط بين بطء التغيير في معظم المجتمعات- حتى في المجتمعات التي أحرزت إنجازات ثقافية رفيعة- وبين بطء وسائل الاتصال سواء داخل المجتمعات أو فيما بينها.

ومع ذلك، فحتى في هذه المرحلة المبكرة، كان تداول الأنباء مظهراً لكل مجتمع منظم، يغطي مجالات كثيرة للحياة الاجتماعية. ومن العسير أن نتصور أي تقدم في الإدارة والتجارة والتعليم والتنمية الاقتصادية والفكرية كان يمكن تحقيقه بدون نشر الأنباء. ولكن الأنباء التي كانت تصل، اتسمت بأنها كانت محدودة النطاق، وبأنها كانت عشوائية، سواء بالنسبة لمصدرها، أو للجمهور الذي يتلقاها، وكانت على الأخص تَدْعَمُ التقاليد ومن ثم السلطة، وتشجيع السلبية والقدرية، وتقوي النظام القائم- سلطة الحكام أو الآلهة، أو سلطة الحكام المتسمين بصفات الألوهية، وهو الأمر الذي لم يكن نادر الحدوث. ومن ثم، فقد كان للاتصال داخل المجتمعات، وفيما بينها، أهمية حاسمة لنشر الأفكار العظيمة، والعلاقة بين السلطات وبين غالبية السكان- وكذلك الحفاظ على المجتمعات واستقرارها.

إن هذه النظرة السريعة إلى الماضي، ليست استعراضاً لا مبرر له، ذلك أنها تستهدف تبيان أن منافع الاتصال الحديث ومضاره تضرب بجذورها في الماضي البعيد، لكنه ماضٍ لا يزال موجوداً معنا اليوم، سواء في وسائل الاتصال التي لا تزال مستخدمة في أنحاء مختلفة من العالم، أو في التراث الاجتماعي الذي يعد نتيجة وسبباً لتطور الاتصال. إن أشكال الاتصال التقليدية لا تزال مقيدة في حد ذاتها في بعض الظروف. ليس هذا وحسب. بل يمكن أن يكون لها أيضاً تأثير تصحيحي على تشوهات الاتصال الحديث بصفة عامة. وإن تقييماً أفضل للطرق التي تطورت بها وسائل الاتصال، والأشكال التي اتخذتها في الماضي، وأهدافها، يمكن أن يبشر بالنجاح في المستقبل. ويمكن أيضاً، حتى في هذه المرحلة المبكرة من هذا الموضوع أن نحدد القضايا التي ستتكرر بالضرورة، وهذه القضايا هي:

آ-   القوة التي يملكها من يسيطرون على وسائل الاتصال ويوجهونها.

ب-  أثرها على الفروق الاجتماعية ومن ثم على العمل الاجتماعي.

ج-  عدم المساواة فيما بين المجموعات أو الطبقات المختلفة داخل كل مجتمع.

د-   السيطرة التي ترتبت على الحكم الاستعماري أو على الأقل المزايا المستخدمة من عملية تنمية أسرع وأسبق، غير أنه، عندما نتصدى لهذه المشكلات، يمكننا أن نعيد صياغتها على نحو أكثر إيجابية وأكثر مدعاة للأمل، ويمكن التفكير في:

1ً-  توزيع السلطة من خلال انتفاع أشمل وبمشاركة أوسع في عملية الاتصال.

2ً-  الانتفاع بوسائل كأدوات التعليم وللتنشئة الاجتماعية.

3ً-  خفض أوجه عدم المساواة من خلال إشاعة الديموقراطية

4ً-  القضاء على مخلفات السيطرة عندما يصيح التحرر القومي الكامل حقيقة واقعة.

بصفة عامة يُعَدُّ تاريخ اختراع الطباعة، بداية الاتصال في العصر الحديث، وفي حين أن لهذا الاختراع أو الافتراض مشروعيته، فإنه يتعين إيراد تحفَظيْنِ عليه.

1-الأول: هو أنه من المهم أن تبرز الأسلوب الفني للاستنساخ المتعدد عن طريق الطباعة للصور والكتابات التي حفرت أولاً على الحجر أو الخشب قد ظهرت للمرة الأولى منذ خمسةٍ وعشرين قرناً مضت.

2-والثاني، أن أثر هذا الاختراع، كان في أول الأمر أكثر وضوحاً في دعم نشر وتكاثر المعرفة والأفكار “من خلال الكتب” منه في تطوير الإعلام الجماهيري، وهو الأمر الذي أصبح مفهوماً فيما بعد.

لقد كان الكتاب، المستودع الذي لا يدانى للفكر والمعرفة في الحضارات، مثل الحضارات الصينية والهندية والإفريقية والرومانية. فقد أتاح وسيلة لجمع رصيد كبير من المعلومات في حيز ضيق وشكل معمر، وجاء أول تقدم هام في إنتاج الكتاب مع اختراع الورق، المادة التي حلت محل البردي القديم أو الرق. وقد بدأ استعمال الورق في الصين في القرن الأول بعد الميلاد، وفي العالم العربي في القرن الثامن، وفي أوربا في القرن الرابع عشر. ثم كانت الخطوة الكبرى التالية إلى الأمام، هي اختراع الطباعة، وهي فن نشأ في الصين في القرن التاسع، ثم ظهر في أوربا في القرن الخامس عشر، وأصبح من الممكن إنتاج نسخ كثيرة من الكتاب نفسه دون اللجوء إلى عملية النسخ اليدوي المجهدة. ولم تتم هذه التغييرات دون مقاومة من قبل حَفَظَةِ المذاهب الدينية والسياسية. فقد كانت حرية الفكر محل نزاع بين السلطات العامة والخاصة وبين ذوي الفكر المستقل.

وقد تبع ظهور الكتب، ظهور نشرات في موضوعات رئيسة في القرن السابع عشر، ثم ظهرت الصحف بعد ذلك. وفي القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، لم تكن هناك حرية للصحافة بعد في البلاد الواقعة تحت الحكم المطلق أو الاستبدادي، كما كان عليه الحال في روسيا القيصرية على سبيل المثال. وقد تعرضت تلك الصحف والصحفييون لجميع أنواع إجراءات القمع. وحينما ازدهرت الصحافة الجماهيرية، اختلط تأثيرها بتأثير العمليات والبنى الاجتماعية المتغيرة التي أدت إلى انتهاء العهود الطويلة التي استبعدت فيها غالبية الناس من الحياة السياسية، بسبب الجهل. وشهد العصر الحديث نمواً متزايداً في موارد جديدة وأساليب فنية ووسائل تكنولوجية حديثة في الاتصال، فقد تعاقبت الاكتشافات الواحد منها تلو الأخرى، بسرعة متزايدة. حيث اكتشف أديسون الحاكي “الفونوغراف” في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واخترع السير شارل هويتستون وصمويل موريس، البرق “التلغراف” نحو عام (1840). وأرسلت أول برقية عامة في عام (1844). وفي عام (1876)، أرسل بيل، أول رسالة تلفونية سلكية. وفي نحو عام (1895)، نجح ماركوني وبوفوف كل منهما مستقلاً عن الآخر، في إرسال واستقبال رسائل لاسلكية. وفي عام (1906) بث فيسندر، الصوت الإنساني عبر الإذاعة. وفي عام (1839)، اخترع داجير أسلوباً عملياً للتصوير الفوتوغرافي. وتم تصوير أول فيلم عام (1894).. وفي عام (1904) تَمَّ إرسال الصور الأولى بواسطة جهاز لنقل الصور برقياً.

في حين تمت إذاعة أول صورة تلفازية في عام (1923)، وأقيمت أولى شبكات الإرسال الإذاعي في العشرينات (1920)، وبدأ الإرسال التلفزيوني الملون عام (1954). وفي عام (1957)، بدأ الاتصال السريع فيما بين القارات مع مد الكابل البرقي الممتد تحت الماء بين أمريكا وأوربا، في حين لم يبدأ تشغيل أول كابل تليفوني عبر الأطلنطي إلا في عام (1956). وأخيراً، تم إطلاق “إيرلي بيرد”، أول تابع صناعي تجاري للاتصال عام (1962).

إن هذه التكنولوجيات الجديدة التي يتركز استخدامها في عدد قليل من البلاد الصناعية أساسية، قد مهدت السبيل لعصر جديد في مجال الاتصالات. وخاصة الانترنيت. ولا تكمن أهمية وأصالة هذه العمليات في تسهيل الإرسال وتلقي المعلومات، وبث الأفكار، في التحول الرئيس في طبيعة ولغة الاتصالات الإنسانية. بل يؤدي هذا المزج من المشكلات المُقْتَرِنَة بظهور التكنولوجيات الجديدة إلى بروز القضايا الأساسية التي ستواجهها جميع المجتمعات أو تواجهها بالفعل، إلا أنه في حين تُتيح التكنولوجيا الحديثة آفاقاً جديدة لتطوير وسائل الاتصال، فإنها تخلق أيضاً مشكلات وأخطاراً جسيمة-ويجب علينا أن نحذر إغراء اعتبار التكنولوجيات الخاصة بالاتصالات أدوات صالحة لجميع الأغراض، قادرة على الحلول محل الأعمال الاجتماعية والتفوق على الجهود المبذولة من أجل إحداث تحولات بنيوية في البلاد المتقدمة، والبلاد النامية- كبلادنا العربية، بل يجب النظر إليها بحذر شديد وبالتالي معالجة السلبيات التي تحدثها، لكن معالجات إيجابية والتفاعل معها بروح العصر بالفهم والإدراك.

ويتوقف المستقبل إلى حد كبير على الوعي بالاختيارات المتاحة وعلى توازن القوى الاجتماعية، وعلى الجهود الواعية لتوفير أفضل ظروف ممكنة لتنظيم الاتصالات داخل الأمم وفيما بينها..

ويتزايد اتساع الفجوة بين من لديهم كل المعلومات والإمكانيات وبين من يفتقرون إليها. كما يتأكد الاختلال بين من يبثون المعلومات وبين من يتلقونها. ومع أنه يجدر القول بأن التدفق الدولي قد ازداد كثيراً، وأن مصادر الإعلام قد أحدثت زيادات هائلة في ناتجها، فإنه من الضروري أيضاً التأكيد على أن العاملين بالاتصالات قد دعموا سلطاتهم للتحكم والتأثير بسبب ما يتم بثه من رسائل وبين الاختيار بين المعلومات المتوافرة. كذلك، فإن أوجه الاختلال وضروب التشويه المترتبة على ذلك. تعكس بصورة ما المصالح المسيطرة في المجتمعات التي تنبثق عنها تلك المعلومات.

ولا يمكن أن يستمر هذا الوضع دون إلحاق الأضرار الكبيرة بالتفاهم الدولي والتعاون بين الأمم- على حد سواء، ودون التأثير على الظروف السياسية- الاجتماعية والثقافية- الاجتماعية- الفكرية السائدة في البلاد المختلفة، ودون الإضرار بالجهود التي تبذل من أجل الوفاء بالاحتياجات الأساسية بين الأمم ولحل المشكلات الجوهرية لسكان العالم وصون السلام العالمي.

أولاً، وقبل كل شيء، فإن أوجه النقد التي تبديها البلدان النامية ويؤيدها كثير من الباحثين والمفكرين وعلماء الاجتماع، تقوم على أساس ما يلاحظ من أن دولاً معينة ومتقدمة تكنولوجياً تستغل مزاياها لممارسة شكل أو أشكال من الهيمنة الفكرية وبث المعلومات التي تقتضيها استراتيجيتها السياسية والثقافية والأيديولوجية، وبالتالي تُعَرِّضُ الذاتية القومية للبلدان الأخرى المتلقية لأخطار جسيمة. وهذا ما يعتبره العديد من المثقفين والمفكرين وعلماء الاجتماع غزواً ثقافياً، وهو نوع من التوغل الفكري، مما يشكل إحدى المشكلات الرئيسة التي يواجهها كل شخص يتعامل مع قضايا الاتصال والإعلام الدولية، حيث أخذت الأذواق الاجتماعية الثقافية، وحتى طرز الحياة في البلدان الأجنبية، تنتشر على نطاق واسع في البلدان العربية إلى درجة أن غَدَتْ مألوفة. وتحظى بإعجاب الكثيرين، ويقلدها الناس. وقد تتخذ كمعايير للسلوك البشري في البلدان التي تتعرض لها. لكن لا يشكل فرض القيود السلبية بطرق الزجر والردع والقمع أفضل الردود على التأثير الأجنبي الضار. ذلك أن مثل هذا التدفق تبلغ صعوبة مقاومته أشدها، عندما يتجه نحو فراغ نسبي، ولا يمكن لوم الناس عندما يرحبون بأكثر أشكال المواد الترفيهية الأجنبية تفاهة وسطحية “إذ تقدم كما نعلم في إطار فني راقٍ” إذا ما سمح لأشكال الثقافة الوطنية أن تضمحل، ولكي تبقى هذه الأشكال حية وشعبية حقاً وجذابة، ولها أنصارها يدافعون عنها يجب أن يتم تجديدها دائماً بقدرات ومواهب حديثة وبمحتويات جديدة، ويجب أن يلقى الكُتّاب والفنانون، المبدعون، وفنانو الأداء، تشجيعاً كاملاً من جانب المجتمع والهيئات الحكومية المعنية، وأن يسمح لهم بإعطاء أفضل ما عندهم في جو من الحرية والأمن، ودون خوف أو إرهاب، تلك هي الحماية الحقيقية للذاتية الثقافية.

إننا حين نوضح كل المشكلات المتصلة بالتدفقات في تبادل المعلومات والوسائل والمنتجات الفكرية، لا نسعى إلى أن نجعل من وسائل الإعلام كبش فداء لكل عيوب المجتمع، كما لا نرى مبرراً لقصر اهتماماتنا على العلل التي تصيب وسائل الإعلام وممارساتها في بعض المجتمعات دون غيرها. ونحن لا نستطيع في هذه المرحلة من معرفتنا لهذه القضايا أن نتجاهل أي عامل مؤثر، وخاصة إنها بوجه عام تتداخل بعضها في بعض، بحيث يجب أن يتقاسم المسؤولية عن كثير من أوجه القصور في الاتصال على الصعيدين الوطني والدولي؛ الجميع.

ويزداد إلحاح مختلف الأمم على منح الفكر القومي مكانه من الاعتبار والتأكيد والاحترام والتقدير، لا رغبة في الانكماش على الذات ولا امتيازاً قومياً لكل أمة، ولكن بوصف الفكر القومي جزءاً من كيان الأمة في الحياة، وثروة تضاف إلى ثروات الإنسانية والهوية الفكرية يمكن وصفها بأنها النواة الحية للشخصية الفردية والجماعية والعامل الذي يحدد السلوك ونوع القرارات والأفعال الأصيلة للفرد وللجماعة والعنصر المحرك الذي يسمح للأمة بمتابعة التطور والإبداع. وإن خصوصية الفكر القومي شرط إيجابي لتحقيق التبادل الفكري في التعاون البشري- لأنه إذا افتقدت الخصوصية الفكرية، اتسم الإنتاج الفكري بالمماثلة، ولم يعد ثمة منطق لفكرة المبادلة.

وهكذا، فإن العنصر الهام في الإنتاج الفكري، هو خصوصيته وأصالته، أي هويته التي تميزه، والتي تتأبى على التقليد وعلى الاستلاب، وتقوم على العطاء- بالإضافة الفكرية المتجددة.

إن الهوية الفكرية لكل أمة تقتضي عدداً من العناصر، منها:

آ-   وجود تراث روحي- مادي، يشعر كل فرد أنه جزء منه، وأنه مكون له، في الوقت نفسه.

ب-  انتماء إلى ثقافة معينة يشعر كل فرد بالوجود ضمن إطارها، وبالتوحد معها، وبالمشاركة فيها، وبالحرية ضمن أجوائها.

ج-  وجود شخصية اجتماعية محددة تربط أفراد الأمة بعضهم ببعض في لغة واحدة، وعادات وتقاليد متشابهة، وخصائص في العمل والتذوق وفي الإبداع الفكري والفني متماثلة. ومنظومة من القيم الروحية والأخلاقية الجماعية واحدة.

بهذا كان فكر الأمة العربية قوام شخصيتها والمعبر الأصيل عن تطلعاتها والدعامة الحقيقية لوحدتها الشاملة. وكان الحفاظ على تراثها وانتقاله بين الأجيال وتجديده، هو ضمانة تماسكها ونهوضها بدورها الإبداعي المتجدد.

وليست الهوية الفكرية مركباً جامداً من الخصائص والقيم والتقاليد، ولكنها مجموعة من المشاعر والأفعال، ومن السمات التاريخية والأبعاد الفكرية والفنية والروحية، ومن معطيات السلوك الحية النامية تُغْنى بالحوار وبالتطور وبالأخذ والعطاء والإبداع الذاتي. فهي تتجدد وتعيد خلق ذاتها في إطار خصائصها لأنها في حركة داخلية مستمرة، وَتَتَغَذّى بالموروثات العريقة للمجتمع، وبالقدرات الداخلية الإبداعية فيه، كما تتغذى، بالإسهامات الخارجية عن طريق الاستيعاب والتحوير والتمثل. إنها السعي الدائم إلى مشروع فكري جديد يكفل خلق المستقبل من أضلاع الماضي.

على أن المثقف العربي يواجه في أيامنا آفاق ثورة العلوم والمعارف، فيعي بأن أنواع الخبرات والممارسات في الحياة لا يوفرها له الفكر العربي في استمرارية خطوطه التقليدية، وثمة هوة متزايدة الاتساع باستمرار بين الفكر الذي نحياه والفكر الذي ترتسم ملامحه في الغد، وردم الهوة بين الفكرين من أولى الواجبات في أي تخطيط مستقبلي.

إن دور الفكر في حياتنا القومية المعاصرة والمستقبلية يَتَضَمّنُ بالضرورة:

آ-   زرع الثقة والأمل في الجماهير العربية من جديد، بعدما أصابها من الهزائم والنكبات والإحباطات. فبدون الثقة بالذات والأمل في الغد، لا يمكن عمل شيء لإخراج هذا الوطن العربي من واقعه.

ب-  وضع الأسس الفكرية للطفرة العلمية النوعية التي تحتاجها هذه الأمة، في هذا العصر، دون التفريط بالقيم الروحية والقومية والإنسانية التي تصوغ ذاتها وهويتها وتغني عطاءها الحضاري.

ج-  إعادة تأكيد المحاور الأساسية والأهداف الكبرى للأمة العربية التي دار حولها نضال جماهيرها منذ عصر النهضة، وهي:

1ً-  الاستقلال والتحرر في مواجهة الهيمنة الأجنبية والاستلاب.

2ً-  الوحدة القومية في مواجهة التجزئة والإقليمية الضيقة

3ً-  الديموقراطية في مواجهة الاستبداد والقمع.

4ً-  العدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال.

5ً-  التنمية الذاتية في مواجهة التخلف أو النمو المُشَوّه.

6ً-  الأصالة والاعتزاز بقيمها الأخلاقية في مواجهة التغريب والتبعية الثقافية.

7ً-  الحضور القومي بين الأمم والإنتاج في مواجهة حضارة الاستهلاك إن صح التعبير. والتقليد لم يكن ممكناً أن تمر قرون من التخلف ومن التفكك السياسي والاقتصادي على الأمة العربية دون روابطها، وبالتالي في إضعاف فاعلية هويتها الفكرية الموحدة، وخصائصها، وهبوط قيمها الأساسية، حتى أُنْسِيَتْ الأمة العربية أن الهوية الفكرية ككل كائن حي تتغير وتتحول أولاً من داخلها، ثم تتطور ثانياً بتأثير التلاؤم مع ظروف المجتمع، وتطور العصر، وحسب التأثيرات الخارجية التي تستوعبها عن وعي ودراية فكانت الدعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد في العصور المملوكية والعثمانية، وانتشار الفكر الغيبي، وانغلاق المجتمع العربي- الإسلامي عن العالم ثقافياً وفكرياً واجتماعياً، من أسباب سيادة التقليد في هذا المجتمع الذي لم يجد في داخله الحاجة ولا القدرة على تطوير مفاهيمه وتتغير أوضاعه من الداخل، فلاذ بقيم أصبح عاجزاً عن تطويرها.

وقد اتفق أن ظهرت حركة النهضة العربية منذ مطلعها مع زحف قوى غاشمة استعمارية عليها، فاصطرعت معها عسكرياً واقتصادياً وثقافياً. وإذا كانت قد انهزمت في المجالين الأولين، فإن عمق الجذور الفكرية العربية وقوتها الروحية واللغوية، استعصت على الهزيمة.

وانتابت العالم في فترة أواخر القرن العشرين موجة من التحولات، جعلت حياة المجتمعات كلها مختلفة، حتى في الجذور، عما كانت عليه في السابق. وهذه التحولات تشكل في حد ذاتها ثورة فكرية خطيرة، كما تفرض مجموعة من التحديات الفكرية لكل أمم الأرض.

وضمن معطيات العصر، وفي إطار الفيض من خطط التنمية الفكرية.

فلم يعد مقبولاً أن تسير هذه التنمية يوماً بعد يوم، حسب السياسات المحلية أو الإقليمية المتضاربة. كما لم يعد مقبولاً أن توضع القضية الفكرية في المركز الأخير من الاهتمام، سواء في التخطيط أو في التمويل، أو التنفيذ، أو أن توضع التنمية الفكرية في معزل عن خطط التنمية الأخرى.

بل يجب أن تكون هناك خطة فكرية للتنمية تستهدف:

آ-  إغناء شخصية المواطن العربي، وتأكيد وعيه بعقيدته وبذاته وبحريته وكرامته وقدرته على مواكبة التطور الإنساني المعاصر والمشاركة الفعالة فيه.

ب- تطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في الوطن العربي بوصفها ركن البناء الحضاري. والفكر ليس كياناً مغلقاً على ذاته، بل هو تفاعل دائم مع ما يحيط به.

ج- إبراز الهوية الحضارية العربية- الإسلامية وتنميتها والمحافظة عليها، بوصف الفكر مستودع الأصالة. والتراث الفكري العربي- الإسلامي كنز واسع من الخبرات والقيم والعطاء الحضاري والمادي والمعنوي، كما أنه الأساس الذي تقوم عليه الهوية الفكرية للأمة والجذر الذي يغذي طاقاتها الإبداعية، وثقتها بنفسها ويلهم تطورا لمستقبل.

د-  تأكيداً لوحدة بين أقطار الوطن العربي وزيادة أواصرها. والفكر العربي، هو النسيج المكون لرابطة التآخي بين العرب والسند المرجعي فيها.

هـ- التحرر القومي، بوصف الفكر العربي عنصر مقاومة للتبعية والاستلاب والتشويه، بقدر ما هو عنصر بناء وإبداع وتأكيد للهوية.

و-  تنمية التماسك الحضاري قومياً وإنسانياً، بوصف الفكر القومي مصدر إبداع وعطاء وسبيل تعاون مع مختلف الأفكار العالمية. وما من أمة تستطيع العيش في هذا العصر بعزلة حضارية. والأخذ والعطاء هما سمة هذا العصر الحديث وقانونه، وأكثر من أي عصر مضى، بسبب سرعة المواصلات والاتصالات، لدرجة أن أصبح العالم قرية صغيرة.

ز- ترسيخ المفهوم الصحيح للفكر العربي القومي من حيث هو فكر قومي وإنساني، يستند إلى أصول الأمة العربية وتراثها. ويستوعب في الوقت نفسه، تيارات العصر، ويدرك آفاقها، ويشارك مشاركة إيجابية لا سلبية متفتحة أخذاً وعطاءً في تقدم الحضارة الإنسانية بالكامل.

ح- تكوين الشخصية المتكاملة للإنسان العربي، وتهيئته للوعي بتراثه، والانتماء إلى أمته وقيمه الأصيلة. وإعداده لمعايشة عصره واستيعاب معطيات الفكر الحديث والثقافات العالمية المعاصرة، وصقل فكره ووجدانه ليكونا قوة فعالة في التقدم الحضاري لوطنه.

ط- تحقيق الديموقراطية الفكرية بالوسائل التي تكفل رسوخها وتجعلها عقداً مبروماً بين كل شرائح المجتمع العربي وأصحاب القرار فيه.

أما المبادئ الأساسية لتحقيق ما تقدم، فتقوم على:

1ً-  إن الفكر هو من إبداع الشعب الحر الذي يرتبط به، ويعود إليه، وحياة الشعب، هي المنبع الأساس لكل إبداع فكري.

2ً-  إن الفكر هو ما يميز أمة من غيرها، لذا فإن تنمية الفكر العربي تنمية تُمَيِّزُ أبناءها والعاملين فيه، ونعطيه دوره الخاص في النشاط القومي والإنساني، فهو أحد المبادئ الذي يحقق هذه التنمية.

3ً-  حق الإنسان العربي في اكتساب الفكر الحر، وفي حرية التعبير عنه، والتمتع به. وهذا يعني تفتيح الآفاق أمام المبدعين، والالتزام بنشر إنتاجهم للجماهير.

4ً-  إن عملية التخطيط التنموي الفكري، عملية متكاملة شاملة، وهذا يعني، أن الفكر بعد أساسي من أبعاد التنمية، وعلى علاقة تأثير متبادل وعضوي مع نواحي التنمية الأخرى.

5ً-  إن التراث الحضاري العربي- الإسلامي، هو الركن الأساسي في تكوين الفكر العربي والنسج الأصيل فيه، قيماً وبنىً.

6ً-  إن الصلة بين اللغة العربية والفكر الإسلامي، تفوق كل صلة بين أية لغة، وأي تفكير تعبر عنه تلك اللغة، ولقد أثر الفكر الإسلامي في كل الاتجاهات الفكرية من الفلسفة إلى الطب، إلى الفلك، وفي ألوانها الفنية من العمارة إلى الزخرفة… الخ.

7ً-  ديموقراطية الفكر، تعني الحق الإنساني في المشاركة الفردية والجماهيرية الواسعة على السواء في مجالي إنتاج الفكر والإفادة منه، باعتبار أنه مكان في الإبداع مفتوح للجميع، وغذاء مباح للجميع.

8ً-  قومية الفكر، وهذا يعني، وحدة الفكر العربي، واللغة العربية هي المعبرة عنه، والتراث العربي هو ذلك التراث العريق الأصيل الموروث الذي يجده كل عربي في داخل ذاته بشكل عفوي.

9ً-  تحديث الفكر: بمعنى الارتباط بتطورات اليوم والغد، واستيعاب تيارات العصر ومواكبة تحولاته عربياً وعالمياً في التحديث، مع الحفاظ على الأصالة والهوية الحضارية العربية والقيم الفكرية للأمة.

10ً- عالمية الفكر: بمعنى أن الفكر العربي متفاعل مع الأفكار الأخرى، ويشارك المشاركة الإيجابية المتفتحة أخذاً وعطاءً في تقدم الحضارة الإنسانية.

11ً- إنسانية الفكر: بمعنى أن للفكر العربي خصائص وقيماً وآفاقاً إنسانية متفردة، تجري فيها مجرى العناصر المكونة.

وتستند تلك المبادئ على ترسيخ الهوية القومية العربية، وتمتين الوحدة القومية. فالوحدة هي الشعور العميق الذي يسكن الوجدان القومي للجماهير العربية، ويشكل صور تعاطفها وأفراحها وأحزانها المشتركة. فالوحدة العربية، بمقدار ما هي واقع وجداني، هي في الوقت نفسه، هدف قومي. والوحدة قضية جماهيرية، لا في منطلقاتها فحسب، ولكن في مردودها أيضاً. إنها تبدأ مع الجماهير، لتعود فتصب فيها. لكن هذه الدورة الفكرية، لا تنبثق عفواً، ولا تتحرك بشكل ذاتي، بل تحتاج إلى قيادات فكرية تواكبها، وسياسات وأجهزة ووسائل وميزانيات سخية.

إن تقوية أواصر الوحدة فكرياً، عن طريق التنمية الثقافية الشاملة مطلب قومي. وهذا يعني أنه ينبغي أن تجند له جميع الوسائل الثقافية. من الكتاب إلى المسرح، ومن البيت إلى المدرسة، إلى وسائل الإعلام… الخ. وهناك عناصر ذات شأن في توطيد الوحدة ودعمها، ومن ذلك:

آ-   التاريخ القومي: الذي يجب أن تتوحد مفاهيمه ومناهجه العلمية والتعليمية، لا على الأساس الذي يجري عليه من التجزئة والاقتطاع وإبراز الجوانب السلبية، لكن على أسس إبراز وحدته الحضارية الواحدة، المتصلة بعصور الماضي.

ب-  إحياء الأساليب الفنية والجمالية التراثية، ونشر تذوقها وتحليلها وتقليدها وتطويرها.

ج-  تدوين التراث الشعبي العربي، سواء بتسجيله ونشره واستيعابه بتعدد ألوانه وتنوع مجالاته.

د-   توسيع التواصل بين الأقطار العربية وتعميقه، ونشر المعلومات عن كل قطر لدى الأقطار الأخرى، وتيسير إجراءات التدفق الفكري فيما بينها.

ونستنتج مما تقدم أن مفهوم الوحدة القومية يرتكز على مفهوم الوعي بالانتماء القومي لدى المواطن العربي- وبقدر ما يكون الوعي بهذا الانتماء حيّاً، يكون اللقاء العربي، في سبيل العمل العربي الواحد، وبناء الكيان العربي الحضاري الموحد، أقرب إلى المنال والتحقيق.

علماً أن الانتماء القومي، في واقعه ومعطياته الراهنة، يتطلب اهتماماً خاصاً من القائمين على شؤون الفكر العربي، ذلك أن كثيراً من الباحثين والمفكرين العرب المعاصرين في دراساتهم لنزعات الشباب واهتماماتهم في الوطن العربي، خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، لاحظوا ظاهرة انقسام الانتماء القومي، في شتى مجالات الحياة العربية، بنوع من الفتور، بل لاحظوا الظاهرة ذاتها بالنسبة إلى شعور الانتماء القطري لدى هؤلاء الشباب.

لاشك أن هذه الظواهر تثير الاهتمام وبعض القلق، من سلوك الشباب بخاصة، وسلوك المواطن العربي بعامة، وهي تتجلى بسمات عديدة:

من هذه السمات، تنامي الشعور بالفردية والأنانية، كذلك تفكك الروابط الاجتماعية. ومن هذه الدلالات شعور الشباب بإهمال المؤسسات الرسمية لهم وعدم اهتمامها الكافي بتوفير العمل لهم أو تقديم المعونة لهم على الحياة الكريمة. إن ثمة نوعاً من الانفصام أو من الثنائية، أخذ يتكون في المجتمع العربي المعاصر؛ ثُنائيّة السلطة الحاكمة وأجهزتها وأتباعها، في مواجهة المواطن، كان كلاً منهما عالم مختلف يساوي الآخر، كما أن من أهم السمات في مشكلة ضمور الانتماء القومي- لدى الشباب- نزعتهم المتزايدة إلى الهجرة، فما يلفت الانتباه أن يكون من أولى أمنيات معظمهم، وبخاصة الشباب المتعلمين والاختصاصيين، أن يجدوا بلداً من البلاد المتقدمة، يقبل بهم ليقيموا فيه ويعملوا دون رغبة بالعودة إلى الوطن.

إن لهذه الظواهر أسباباً عديدة، يمكن أن نجمعها في فئتين:

-أسباب عربية داخلية، وأسباب خارجية عالمية:

1-  في طليعة الأسباب الداخلية، تبرز قلة العناية التي توليها الدولة بالمواطنين، إذ هي في الغالب ستستغل طاقاتهم في أنشطة موجهة للإشادة بالسلطة الحاكمة، بدلاً من الأنشطة التي تشيد ببناء الوطن وتقدس أهداف الأمة.

2-  ازدياد التوتر والتباين في الرؤية والفهم والسلوك بين جيل الشباب وجيل الآباء.

3-  كثرة الخصومات بين الأنظمة العربية وتعدد أسبابها والمواقف منها. وتدعيم هذه الأسباب الداخلية في الوقت ذاته أسباب خارجية عالمية.

1)  استمرار الضغط الدولي على الحكام العرب لتفتيت تماسكهم وإثارة النزاعات المفتعلة بينهم.

2)  تحريض الدول العظمى الدول العربية على الدخول فيما بينها في صراعات ترتدي الطابع الاقتصادي أو العقائدي، أو ترتد إلى خلافات على حدود، وهي في ذاتها حدود لم يقررها عربي.

ثم إن حماية الهوية القومية العربية من التفتت تتطلب الاهتمام الحقيقي بكل ما هو قومي، وإعطاء الأولوية على حساب الاهتمامات القطرية. وأول ذلك:

آ-   الدعوة إلى قيام النظام الديموقراطي الحقيقي في البلاد العربية. لقد حان الوقت لقيام هذا النظام الذي يعود إليه أمر إعادة الاعتبار للمواطن والاعتراف بكرامته وحقوقه في بناء مستقبل أمته من خلال عمل قومي مشترك.

ب- والثاني: فتح الحدود، وإلغاء مختلف الحواجز بين الأقطار العربية ليسمح للمجموعة الفكرية العربية، أن تنتعش في مدى حيوي واسع، ويسمح للإنتاج الفكري وغيره أن ينتقل بين هذه الأقطار بحرية ويُسْرٍ لمجموعات المواطنين والشباب العرب أن تتلاقى وتتعاون وتنشط في أعمال ومشاريع قومية هامة.

ج- الثالث، نشر الفكر القومي الصحيح في أوساط المواطنين والشباب في المدرسة، والجامعة، والمعمل، والحقل، إن العواطف والأفكار لا تنشأ بالمجان، ولا من فراغ، ونشر الفكر القومي يحتاج إلى جهد دؤوب كثيف، لأنه الغذاء والركن الذي تقيم عليه الأجيال المستقبلية مستقبلها ومستقبل الوطن والأمة. وكلمة أخيرة، إن تطور الفكر العربي في إطار مواجهة العصر الذي نعيش فيه- وفي إطار قيمنا الروحية والاجتماعية، يتم من خلال البحث الفكري المستمر لفهم التراث الماضي، ولمتابعة ما يجري من تطور في الحاضر، وللرؤية الصحيحة في المستقبل، وتعتبر مراكز البحوث بأنواعها، الوسيلة الناجعة لمعالجة هذه المعادلة المعقدة.

ولقد انتهى الوقت الذي تعتبر فيه البحوث الفكرية أمراً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه، إلى أمور أكثر جدوى، والاكتفاء بإسهامات واجتهادات الماليين ورجال المكاتب حول الحاجات الفكرية، كما يجري الآن في معظم أرجاء الوطن العربي- فلا مستقبل فكرياً جدياً دون بحوث أساسية جدية.

على أن ثمة ضرورة إلى إقامة التنسيق بين مراكز البحوث الفكرية العربية والتكامل فيما بينها، من خلال توجيه مركزي تقوم به مؤسسة قومية عليا، وإلا تعرض جهدنا في البحوث إلى التشتت والتكرار، وما يرافقهما من تبديد لا مبرر له في الوقت والجهد والمال، ونحن أحوج ما نكون إلى كل ذلك. لذا فإن التكامل القومي العربي يعتبر أمراً أساسياً في العمليات الفكرية وبحوثها، على اختلاف ميادينها، ولعلنا لا نخطئ القول حين نرى في هذا التكامل الركيزة الأساسية لتقديم الفكر القومي، والمفاهيم القومية، بوصفها وحدة متجانسة موحدة. كما أننا لا نخطئ القول حين نطالب بوضع قوانين جديدة، وتعديل ما هو موجود منها، لجعل هذا التكامل والتوجه القومي أمرين واقعين ونافذين في مختلف الأقطار العربية.

ثم إن طرح الخطة الفكرية العربية الشاملة، إنما يتم على شكله المرجو، من خلال البحث العلمي المتعمق والمستمر في شؤونها، ومن المتابعة لهذه البحوث على المستوى القومي، فذلك هو السبيل إلى تنمية الفكر العربي بشكل متجانس، وإغناء السمات الفكرية الذاتية، وتحديدها بغير حدود. وفيها يمكن التوازن بين الأنواع الفكرية، وتنويع الاهتمام بها، والتوجه للنواقص في عملياتها. وهذا كله يتم بتكثيف البحوث وتعاونها القومي، وتوحيد اتجاهاتها، وتبادل معلوماتها بقصد:

آ-    توفير الوقت والجهد والمال، وتجمع الجهود المتشابهة في ميدان محدد للوصول إلى الإنتاج الفكري الأفضل.

ب-  قيام بنى ومؤسسات فكرية قومية، تتمتع بالاستقلال الاقتصادي، وتعمل على التقدم الاجتماعي.

ج-  تحديد الوحدة الفكرية التامة لهذه الأمة.

د-   التكامل مع مراكز البحوث الفكرية العربية الأخرى- إن وجدت- وتبادل الخبرات.

هـ-   مراكز التوثيق وتسجيل الخبرات الفكرية والإفادة من تجاربها.

و-   الدراسة المقارنة للنشاطات الفكرية، ومدى تغلغلها بين الجماهير العربية، وقياس ردود أفعالها وتوقعاتها.

ز-   على أن يوجه البحث الفكري من أجل التكامل بين الفكر والعمل، وبين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع.

ح-  وتوجيه التربية القومية لإعداد المواطن ليكون واعياً لحقوقه ولحقوق أمته عليه، متين الانتماء القومي، مدركاً لضرورة التعاون والتكافل، بين شعوب الأقطار العربية.

ط-  التركيز على الكيف بقدر الكم، وعلى الفكر العملي بقدر النظري وعلى الطريقة والمنهج، بقدر التركيز على المعلومة والمعرفة.

إن حاجة المجتمع العربي الملحة إلى تنمية القوى البشرية فكرياً، تتطلب الاهتمام بالمبدع، والجمهور المشارك والمنشط الفكري.

والمبدع سواء أكان مفكراً أم عالماً أم أديباً أم فناناً، يقدم طاقاته الإبداعية، إلى مجتمعه إذا حقق له المجتمع المناخ الذي تسود فيه حرية التعبير، وأنزله المنزلة الاعتبارية المكافئة له، على أن الجمهور العربي، بسبب عوامل داخلية وتأثيرات خارجية- مصدرها الغزو الفكري الأجنبي من جهة، ورواج إنتاج فكري عالمي رخيص ذي طابع تجاري من جهة أخرى، هو جمهور متلق، يقبل ما يقدم له، ولا يؤثر في الإنتاج بالنقد أو الرفض وتحويل هذا الجمهور إلى جمهور واع، مشارك، نقّاد ينتخب ما يروقه وهناك مشكلة هجرة الكفايات والكفاءات العلمية، إلى بلاد الغرب المتقدمة، وما ينتج عنها من خسائر مالية وقومية وحضارية وفكرية.

ولعل أهم من ذلك كله.. أن هجرة الكفايات والكفاءات تجرف دون انقطاع طبقات الطلائع الفكرية، وتمنع تراكمها في بلادها- كما تمنع وجود نواة فكرية صلدة تقوم عليها التنمية الفكرية الضرورية:

ومن دوافع الهجرة عديدة، وقد تكون:

اً-   دوافع اقتصادية، بسبب قلة العائد في البلدان النامية عموماً قياساً بارتفاعه في الدول المتقدمة وإغراءات القوى المهيمنة.

2ً-  دوافع وظيفية- اجتماعية، كالاستقرار الوظيفي، والعمل وفق التخصص، وتوفر الإمكان للعمل، وأساليب وتنظيم العمل، مقابل فوضى ذلك كله في الدول النامية.

3ً-  دوافع سياسية، بسبب التضييق على المفكرين والعلماء والطلائع الثقافية بحجة صيانة الأمن الوطني، وليس ثمة من حل قصير المدى لنزيف الكفايات والكفاءات وخسارتها، ولكن، يمكن النضال من أجل حل في إطار عملية تنمية شاملة. إن دعوة الكفايات واستيعابها لا يتم إلا في إطار التحامها عضوياً بمشروع قومي للتنمية. وبشكل يجعل لها دوراً مجتمعياً فاعلاً في مجتمعها الأصلي. وإنها لا تعود بمجرد الدعوة القومية وتحريض الانتماء، ولا بإغراء الرفاه المادي وحده، ولكن بالعمل على كسر طوق التبعية للغرب الرأسمالي وتطوير التعليم بمختلف مراحله، واستخدام اللغة القومية فيه، وتحوير نظام التعليم لإنتاج الكفايات والمهارات الدائمة للحاجات الإقليمية والقومية. فالنظام الحالي لا يؤدي إلا زيادة النزيف، وخسارة الطبقات المثقفة والمتخصصة باستمرار.

والفكر المبدع والمحصن والمنتج لا ينمو إلا في الوسط الاجتماعي الملائم الذي تتوافر فيه حرية التعبير، وينعتق من الكبت والقمع بمختلف أنواعه. وكانت هذه المعاناة سبباً أساسياً في إلهاء الإنسان العربي عن الاهتمام بقضايا وطنه المصيرية، كما أثرت تأثيراً سلبياً، وأدَّت إلى نوع من الاغتراب.

ومن أجل أن يكون الموضوع متكاملاً، لابد من إلقاء بعض الضوء على ما يجب أن يكون عليه دور المفكر العربي، أو الباحث أو الكاتب أو الفنان… الخ. والمساهمة أيضاً في تحصين الفكر العربي، من الفكر الدخيل.

إن ما يريده المفكر العربي عموماً، أو المبدع، هو تطوير المحتوى الحضاري للأمة العربية، وخدمته قضاياها المصيرية، لتحتل المكانة اللائقة بها، في اتجاهات التقدم الإنساني، بحيث لا يتكون المستقبل من بقايا الماضي وفتات أمجاده. ومن أضغاث أحلام الحالمين، فيه، بل يكون بالفعل، بديلاً عن الماضي، طامحاً إلى التفوق عليه وهذه النظرة إلى هذا الموقف، يفترض فيها أن تحملنا إلى المشاركة فيما نسميه بالعالم الخارجي، مشاركة هذا العالم في التربية والبحث والاختيار والاختراع والهندسة والتصنيع والخلق. مشاركة فعالة، حرة خلاقة. لكن يتطلب ذلك نظاماً ديناميكياً حراً ومتحرراً من كل خوف، ويسير بالعلاقات العربية نحو المزيد من الارتباط والتوحيد تدريجياً، وذلك على الصُّعد السياسية والثقافية والإنمائية والاستراتيجية، علماً أن محور الإنماء في مفهومه الحديث، هو إنماء شخصية الإنسان وذاته، بحيث يتحقق نضوجه الكلي في المجتمع المتكامل.

لا شيء تخافه معظم الأنظمة العربية، إن لم نقل كلها، أكثر من الثقافة الحقة، فهي لا تصادر فقط حرية الثقافة والمثقفين من خلال مؤسساتها هي وإنما تسعى إلى خلق “نجوم” في معركتها، أو أن تشتريهم، إذا اقتضى الأمر، بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك، استئجار نُقّاد للحط من قيمة كتاب أو مفكرين يمتلكون شجاعة لقول الحقائق، أو محاولة طمس أسمائهم بوسائل مختلفة، وكأنهم لم يوجدوا، إن أفضل كُتّاب ومفكري العربية، هم الملعونون المنسيون المجوعون المهملون، الذين تحاول الأنظمة تحويلهم إلى حطام بألف طريقة وطريقة. إن ثمة فارقاً في ثقافة ينعدم فيها شرط الحرية بين كاتب يخدم القمع، وكاتب يفضحه ويعريه ويراهن على حياته كلها من أجل أن يكون في مستوى الشرف الذي يرتبط بالمفكر أو الكاتب أو الفنان…

فالكاتب أو المفكر يقول أفكاراً أو شهادات تمتلك عيوناً، لكن قبل كل شيء ضميراً، وحرية ضمير. وإن كاتباً يدمج شرف الحقيقة بعار القمع، مهما كانت مبرراته، ينتهي إلى الجريمة أو يبدأ بها.

وإذا افترضنا الجهل أو السذاجة عند هؤلاء الكتاب، وهذا هو الجانب الأسوأ في ثقافتنا، بل واعترفنا باعتبارات بعضهم الوطنية والقومية، فإنهم يكرسون كتاباتهم للدفاع عن أنظمة القمع والاستبداد التي يتواجدون على أرضها، أو يتواطؤون معها في تبرير مواقفها وهزائمها وجرائمها، بالاستناد إلى اعتبارات مضللة، خاصة عندما يكذبون حتى على أنفسهم، ويدعون أن تلك الأنظمة تمثلهم وتتطابق مع أفكارهم السياسية وعقائدهم الفكرية، ومثلهم الثقافية. إن كاتبا يَخْرَس أمام القمع الذي يتعرض له المجتمع العربي، أو حالة التجويع والإفقار، في أي قطر عربي كان، أو يختبئ وراء أعذار واهية وتبريرات زائفة ومزيفة، يكون بعمله هذا، يخون الاسم الذي يحمله، كاتب أو مفكر أو فنان.

ومهما كانت الظروف المحيطة بالمثقف العربي والثقافة العربية، فإن الكتابة ليست مهنة حيادية، مثل بقية المهن الأخرى، يمكن أن يتقنها صاحب المهنة بالتدريب والممارسة.

في الوقت نفسه، إن عدم الاهتمام بِدَوْرِ الثقافة والمفكرين المبدعين الأحرار، وتسخيرهم في بناء أسس الدولة الديموقراطية والمجتمع المدني الحر، وترك المجالات لقيادات انتهازية، لا تعمل إلا من أجل مصلحتها فقط، سيؤدي في النهاية، ليس فقط إلى دمار بنية الاتجاهات الديموقراطية، إن وجدت بقايا لها، في قطر ما، بل إلى زوالها نهائياً، وهنا الطامة الكبرى. والأكثر من ذلك إلى تدمير المجتمع بكامله، والسير به في اتجاهات ومتاهات قاتلة.

لكن لا يمكن للمفكر أو غيره من المبدعين أن يقف وحيداً ليواجه الوحش الذي يفترس ضحاياه، بل إن ما أريد التأكيد عليه أيضاً، من خلال هذه الرؤية المنهاجية، هو التأكيد على تلك العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع. فأي تطور في أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر، سيؤدي حتماً إلى إحداث خلل في توازن الطرفين معاً. وهذا الخلل، هو في حقيقة الأمر، من صلب عملية التطور التاريخي، خاصة إذا حدث هذا الخلل بصورة طبيعية، أي جاء نتيجة لتطور الوجود المادي أولاً. أما إذا كان هناك تطور في الفكر على حساب الوجود المادي، فسيحدث بالضرورة تشوه في عملية التطور، وسيبقى الفكر هنا غريباً غير منسجم مع حركة الواقع.

إن الحديث عن معوقات التطبيق الديموقراطي في الوطن العربي، يتطلب بالضرورة، من المفكرين والمثقفين والمبدعين، أن يضعوا في حسابهم طبيعة العلاقة بين الواقع والفكر عموماً، وبين الديموقراطية كشكل من أشكال الوعي، وبين الواقع العربي في جملة أوضاعه الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. وينبغي أن نقول هنا، إن المفكر أو المثقف العربي، عاش ويعيش في خطر داهم، فإذا لم يسقط تحت وطأة فقدان الأمل واليأس والقنوط، لأن ما تريده الأنظمة العربية في أغلبها، من المفكر أو المثقف عموماً الحقيقي، هو أن يصبح من دعاة ذلك النظام، يستخدم في دعاياتها السياسية والدفاع عن تصرفاتها القمعية- وأن يقبل أن يتحول إلى طبل يجلس النظام فوقه، ويقرع عليه، أو بوقاً ينفخ فيه، كلما احتاج إلى طبل أو مزمار. إن المعركة الحقيقية في الوطن العربي، تدور داخل الثقافة، قبل أن تدور في أي مجال آخر. وفي جميع الأحوال، فإن قوة الأنظمة العربية، أو معظمها لا تكمن في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الغائبه فعلاً، والتي يمكن أن يقبلها الجمهور، أو أن يرفضها، وإنما في أكاذيبها، الإيديولوجية وإنجازاتها المزيفة، التي تقدمها لتبرير وجودها على رأس السلطة القمعية، وهي أكاذيب، تقوم دائماً على شعارات وطنية وقومية أو دينية عامة خادعة، مثل النضال ضد الإمبريالية والدعوة إلى الوحدة العربية، والالتزام بالقيم العربية، إلى غير ذلك من الشعارات الجذابة. لكن إن حياة الدكتاتوريات العسكرية والإقطاعية الأوتوقراطية، أو العشائرية، أو المذهبية، مرتبطة في حقيقة الأمر بقضية على غاية من الأهمية: وهي أن تبدو أنها ملتزمة حقاً بهذه الشعارات، لأنها من دون ذلك، لن تجد ما تقوله في دعاياتها الثقافية، حتى إذا كانت هي نفسها العائق الرئيس أمام تحقيق الشعارات التي ترفعها. ولذلك فإن هذه الأنظمة لا يمكن أن تنظر إلى العمل الفكري، إلا من الزاوية التي يبرر فيها وجودها، ويدافع عن أكاذيبها الإيديولوجية. إن الخطوة الأولى، إلى الإبداع العربي، تبدأ من الخطوة الأولى، في تحرير الفكر العربي من الابتزاز، وتحرير المجتمع العربي من سطوة ثقافة اللاحرية، وجميع مظاهر القمع الفكري والإنساني، وتحويل المفكرين والمثقفين إلى شحاذين يقفون على أبواب السلاطين، ولكن قبل أن يصبح المفكرون والمثقفون في الطليعة، ويحملون أفكاراً جريئة، ويعملون ويتعاملون مع الناس بحرية، ينبغي أن يمتلكوا الجرأة والتحدي. وأن يتحملوا مسؤولياتهم في مواجهة الزمن الذي يعيشون فيه، والمساهمة في تحرير الفكر العربي من الأوهام والأباطيل والأضاليل، والدفاع عن كرامة الإنسان، والمشاركة بفعالية في القضاء على سلطة القرون الوسطى المُحْتَقِرة للوعي، وأن يعتبروا الحرية جوهر كل إبداع.

إن دور المفكر أو المثقف أو… هو الكشف وتبيان الحقائق والمساهمة بفعالية، لا المشاركة في الأضاليل والتضليل، وإن كل حصار أو تقييم لدوره، يجب أن لا يدفعه إلى أن يَنصرِف وينكفئ على نفسه، كالجرذ المذعور، ويبتعد عن جملة القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطنين، ويستغرق في ترهات الكسب الرخيص، كملاحقة القضايا الصغيرة، كستار لخوفه وجزعه من السلطة.

كما أن ابتعاد المفكر أو المثقف أو الشاعر أو… عن ممارسة دور الطليعي، بتقدُّمه المسحوقين والمظلومين، لا يستحق الاسم الذي يحمله، وإلا انقلب دوره إلى بهلوان وشطارة ومراوغة. ولذلك، على هؤلاء الذين ارتضوا أن يحملوا هموم أمتهم أن يعملوا على كشف الشعارات الكاذبة، وتوضيح معاناة الجماهير التي تلهث وراء لقمة العيش. إن تكاتف المفكرين والمثقفين، يؤدي بالنتيجة إلى حصار المتسلطين مهما بغوا، ومهما صادروا الرأي الآخر. وعلى المبدعين، ومن أجل أن يصبحوا جزءاً من عصرهم، ومن أجل أن ينالوا شرف هذا الاسم، أن يتقدموا خطوتين إلى الأمام، تفرض الخطوة الأولى نزع العباءة الدينية والقومية عن بعض الحكام، والحكم عليهم من خلال البرامج الاجتماعية والثقافية والسياسية وموقفهم من احترامهم لحقوق الإنسان والحرية والديموقراطية، قبل كل شيء. وتفرض الخطوة الثانية إنقاذ الدين من الأسطورية التي ترتبط بأولئك الحكام، ونزع هالة التقديس عنهم، بل تعريتهم وإظهارهم على حقيقتهم، وكذلك إبعاد الجهلة وأيتام الثقافة عنهم. إن مأزق المفكرين والمبدعين العرب ليس في موهبة فكرهم وإبداعهم، وإنما في مأزق الشرط الثقافي المفقود الذي يتحملون مسؤوليته مع الأنظمة العربية.

إن كاتباً ليس حراً في أن يكتب بحرية، ودون خوف من سلطة تعتقله أو تمنع كتابه، فيسيء بذلك إلى رسالته أكثر من كاتب يلجأ إلى الصمت خوفاً ورعباً، ويعتصم بسلامه الداخلي مع نفسه.

كما أن قارئاً لا يملك الحرية فيما يقرأ، وكما يشاء، ينمسخ هو الآخر، روحياً وثقافياً، ويصبح بهلواناً، يرقص على أنغام السلطة التي تريد منه أن يكون كذلك.

إن ممارسة المفكر أو الكاتب لدوره الحقيقي في الحياة العامة بالشكل الديموقراطي، دون خوف، سيجعله قادراً على كشف، معظم العوامل الإيجابية والسلبية التي تعترض طريق مجتمعه في التقدم وصون كرامته الإنسانية، وممارسة حريته ومشاركته في تطوير بلاده، وحتى الإنسانية بكاملها. ويكشف المفكر أو المثقف، أن تحقيق الطموحات يتطلب جهوداً كبيرة من قبل كل الأطراف المعنية في المجتمع كما على المجتمع أن يشارك المشاركة الإيجابية بالنشاطات التي تؤدي إلى خدمة مجتمعه بالكامل. أما في حال غياب هذه الحرية، فسيعمل المفكر أو المثقف، وبوعي، في حديثه أو صمته أو نشاطه على اتخاذ مواقف سلبية. وما هذا إلا سيزيد من ظهور الاندفاعات الهوجاء المدمرة نتيجة القهر والتزوير والقمع.