قضايا سياسية

تحليل استشرافي للواقع الأمني العربي – وليد عبد الحي

يشعر العرب غالبا بنوع من “القلق والتوجس” عند حديث الأقليات التي تعيش في العالم العربي عن “حقوقها القومية”،لكن إسرائيل تنظر إلى تفتت الكيانات السياسية العربية ،لاسيما المجاور لها،كإحدى آليات إنهاك الجسد العربي وتعزيز شعورها بالأمن.
وتلتقي “النزعة القومية” للأقليات في الوطن العربي مع مشروع الشرق الأوسط الكبير(الأمريكي) من ناحية ،ومع مشروع “يهودية الدولة” الذي يطرحه نيتنياهو من ناحية أخرى ، لكنه يصطدم مع مفهوم “الوحدة العضوية” للدول العربية ولكل من تركيا وإيران من ناحية أخرى بينما يستفيد من تنامي ثقافة “الحقوق القومية،وحق تقرير المصير،وحقوق الإنسان،والتدخل الإنساني..الخ من أدبيات القانون الدولي المعاصر”،ويبدو لي أن نزعة الديمقراطية “قد” تقود لنزعة الانفصال،فيصبح الكيان السياسي بين قومية تريد تجسيد ذاتها بكيانية سياسية،ورغبة من الكيان في الحفاظ على وحدته،ويبدو أن كليهما حق،لكنهما حقان متعارضان ينفي كل منهما الآخر.
ويشكل الأكراد الظاهرة الأكثر حيوية في الوقت الحالي بعد نجاح جنوب السودان في الانفصال،بينما اقليات المغرب العربي أو تنوعاته الإثنية ما تزال في درجة “إنجاز” أقل من باقي أقليات العالم العربي.
وعند النظر في احتمالات نجاح الأكراد في غرب آسيا في إقامة دولة كردية،لا بد من تحديد عوامل نجاحه وعوامل فشله:
أولا: وجود الأكراد على أطراف الدول التي يعيشون فيها ييسر نجاح مشروعهم(جنوب تركيا، شمال سوريا، شمال العراق،الشمال الغربي الإيراني)،وطبقا لدراسة الأقليات فإن العامل الجغرافي يمثل أحد عوامل نجاح الانفصال القوية،فكلما كانت الأقلية على أطراف الكيان السياسي كانت النزعة أقوى،بينما تضعف هذه النزعة في أقليات الوسط.
ثانيا:وجود موارد اقتصادية لدى الأقلية تساعدها على تغطية احتياجات الكيان الجديد في حالة قيامه ،وهو ما يتضح في أكراد العراق،لكن هذا العامل تتحكم فيه الحكومة العراقية المركزية من خلال عاملين هما التحكم في نقل نفط الأكراد من شمال العراق إلى الجنوب لنقله للأسواق الدولية،إلى جانب التحكم في استفادة الأكراد من مرافق النفط التي توجد عند الحكومة المركزية،ولعل ذلك هو الذي دفع أكراد العراق للتعاون مع تركيا لتمديد أنبوبين عبر الأراضي التركية أو المرافق التركية،ويسير النفط في شمال العراق بشكل شبه كامل للخروج من أية سيطرة للحكومة المركزية،وهو ما يتضح في طبيعة نصوص عقود الامتياز التي تمنح للشركات الأجنبية في كردستان العراق.
ثالثا:وجود الأقلية في منطقة جغرافية واحدة،وهو ما يعزز المشاعر القومية للأكراد،بل وييسر شظايا هذه الأقلية لمساندة بعضها بعضا بسبب التجاور،وهو ما يتضح حاليا في مساندة أكراد العراق لأكراد سوريا،وما كان سابقا من مساندة-ولو نسبية- من أكراد العراق لحزب العمال الكردستاني التركي.
رابعا :وجود سند دولي أو إقليمي للأقلية،ويتضح هذا في الدعم الغربي-إلى حد ما- وفي الدعم الإسرائيلي، ناهيك عن استغلال الدول الأقليمية للاكراد ضد بعضهم البعض.
ولكن بالمقابل هناك عوامل كابحة وهي:
أولا:الرفض القوي للدول التي يتواجد فيها الأكراد(تركيا، 15 مليون،إيران 7 ملايين،العراق 6،2 مليون ،وسوريا 2مليون)،ولهذا الرفض مبرراته، فالدول التي يعيش فيها الأكراد هي دول ذات تنوع إثني كبير(قوميات ومذاهب)، فكل منها ينطوي على اكثر من اربع تنوعات ثقافية كبرى(ناهيك عن الصغرى)،ويشكل نجاح أقلية في الانفصال مدخلا ونموذجا يغذي النزعة الانفصالية للآخرين في الدولة،مما قد يتنهي لدول على غرار يوغسلافيا التي تقسمت لست دول،أو الاتحاد السوفييتي الذي أصبح 15 دولة.ويتجسد كل ذلك في العقدة الجيواستراتيجية للاقليم، فاقليم كردستان يقع جغرافيا في وسط تطوقه من كل الجهات دول معادية تماما لانفصاله( تركيا وايران والعراق وسوريا)، وهو ما يعني ان اتفاق هذه الدول على التنكر لما يسمى بحق الارتفاق(البر) ناهيك عن حق المرور البرئ(البحر غير الموجود او حق الوصول له) متوافر تماما في شروطه الموضوعية، وهو ما يعني ان هذا الاقليم لا يستطيع الوصول للخارج إلا عبر اراضي هذه الدول او عبر اجوائها لا سيما انها ستكون دولة “حبيسة”(landlocked) ، وهو ما يعني ثانية ان بترول الاقليم غير قادر على المرور للاسواق الدولية دون موافقة دول الطوق ، .
2- التداخل السكاني بين الاكراد والقوميات الاخرى بخاصة التركمان، وهو امر سيفتح مجالا لمطالبة هذه القومية بنفس الحق الذي تمتع به الاكراد مما يخلق ميدانا لصراع تركي كردي داخل الاقليم، لا سيما ان حدود الاقليم الكردسياني مع العرب ومع التركمان لا تزال موضع تنافس.
ثانيا:الخبرة التاريخية للأكراد مع الوعود الغربية ليست مشجعة، ففي عام 1946 اقام أكراد إيران أول دولة كردية في العصر الحديث بقيادة القاضي محمد ،لكن المشروع الكردي انتهى بإعدام قائد الدولة ،ثم تدمير عاصمة تلك الدولة(مهاباد أو سندج) بينما فر وزير دفاع الدولة الكردية الملا مصطفى البارزاني (والد مسعود البارزاني) إلى الاتحاد السوفياتي السابق سيرا على الأقدام.ولم تساند الدول الغربية تلك الدولة الكردية ،وكثيرا ما أوحت القوى الغربية للأكراد لا سيما في القرن الماضي باحتمال الوصول بهم للدولة الكردية لكن ذلك لم يتحقق،وكان الموقف الغربي يتبدل بمجرد تغير الظروف،بل إن الاتحاد الأوروبي حاليا يجعل من قضية الأكراد احد مبررات تلكؤه في احتضان تركيا كدولة في الاتحاد.
ثالثا:غير أن الربيع العربي عزز فرصة الأكراد في تحقيق حلمهم التاريخي من خلال:
أ-أدى الربيع العربي لمزيد من الضعف العربي(بسبب الصراع الداخلي لا سيما في العراق وسوريا) بينما يزداد التنسيق بين فروع الأكراد في دول المنطقة،وهو ما يعكسه مؤتمر القومية الكردية الذي عقد في سيبتمبر 2013، والذي كشف عن محاولة جعل “مسروع الدولة الكردية في العراق” هي الدولة القاعدة للدولة الكردية الكبرى المستقبلية ،ويبدو أن اكراد تركيا يأتون في المكانة الثانية بعد الاتفاق بين الحكومة التركية والزعيم الكردي التركي أوجلان عام 2009،ثم يلي ذلك أكراد سوريا الذين يسعون لاستثمار الوضع في شمال سوريا من خلال استغلال غياب الدولة في أماكن تواجدهم،ومحاولتهم تصفية الحركات الإسلامية بدعم يتلقونه من أكراد العراق ،بينما ما زال دور الاكراد في إيران هو الأقل نشاطا،ويبدو أن الطرف العربي(سوريا والعراق) في القضية الكردية هو الطرف الأضعف،لذا فإن حرية الحركة لاكراد الدول العربية أكثر قدرة على وضع اسس الانفصال،بينما ما تزال ثقل اليد الإيرانية والتركية تضغط لخنق الحلم الكردي.
ب- بينما أدى الربيع العربي لنشوة الحركات الدينية العربية،فغلب على الربيع العربي النمط الديني،فإنه أخذ في الحراك الكردي شكلا مختلفا،فعبر الأكراد عن أنفسهم تعبيرا قوميا وهو ما تجسد في الحركات”القومية” الكردية منذ 2005،وهو ما يعزز وبقوة نظرية التجزؤ الهرمي التي يعرفها اساتذة علم الاجتماع.
ج-بينما تراجعت المكانة الدولية للدول العربية ،فإن دور الدولة الكردية المستقبلية يبدو أنه يتزايد في الاستراتيجيات الدولية الخاصة بالصراع على غرب آسيا،وإن كان التصور الأمريكي الجديد(التوجه نحو شرق آسيا والتحلل من الارتهان للبترول العربي) يضعف هذه المكانة..
د-أن تحالفات الأكراد مع القوى الإقليمية بين الحين والآخر،ومحاولة استغلال ذلك في لحظات تناحر القوى الإقليمية،يجعل تحالفات الأكراد قصيرة المدى،وتتفكك بسرعة لمجرد تغير العلاقات بين القوى الإقليمية.
هـ- يبدو أن الصراع بين السنة والشيعة يجعل الأكراد في وضع افضل نظرا لانشغال القوى الإقليمية ببعضها.
ماذا يعني ذلك:
يبدو أن المدى القصير(الخمس سنوات القادمة) لن يكون فيه دولة كردية بالمعنى المنشود،وقد نشهد فيما بعد(لاسيما إذا تمكنت الحكومة العراقية من وقف العنف الداخلي في وسطها وجنوبها) مواجهات جديدة بين الحكومة المركزية وقوات البيشمركة الكردية العراقية ، لكن استمرار انهاك العراق قد يعزز انفصال الأكراد،وفي حالة عودة القوى القومية التركية للسلطة في تركيا سيزيد الأمور تعقيدا أمام مشروع الدولة الكردية،أما إيران فمن الواضح انها الأكثر رفضا لأية تحركات كردية،بينما في سوريا فمن الواضح أن الأمل الاكبر للاكراد هو الحصول من الدولة السورية على مزيد من التنازلات دون الوصول لمرحة الانفصال.
بناء عليه فإن الدولة الكردية ستواجه صعوبة كبيرة للتحقق،لكن الحقوق القومية لهم ستجد قبولا أقوى خلال الفترة القادمة..بمعنى أن وضعهم الداخلي سيتحسن،لكن تجسيدا ذلك كيانيا قد يتأخر أكثر مما يبدو للوهلة الأولى،وقد يغرقون في معارك دامية خلال العشر سنوات القادمة نظرا لملابسات دولية وإقليمية يطول شرحها.

وليد عبد الحي

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock