تحليل العلاقات الدولية بين اللغة والمناهج العلمية
وليد عبد الحي

يتوهم كثير من الدارسين-ولا اقول الباحثين- أن معرفة لغة مجتمع أجنبي تكفي لفهم الظواهر السياسية في ذلك المجتمع، ومع اقراري بان اكتساب لغة المجتمع الذي تدرسه أمر مهم، إلا ان المبالغة في ذلك فيه وهم كبير، ففي العالم العربي هناك أكثر من 3 آلاف باحث ودارس في اقسام العلوم السياسية في جامعاتنا العربية، يعرفون لغة بلادهم العربية وباتقان كبير، ولكن أغلب ما تتم كتابته –للاسف- في مجال العلوم السياسية لا يستحق القراءة، فلماذا لم تسعفهم معرفتهم بلغتهم في فهم تعقيدات الظواهر السياسية في بلادهم؟
مرة أخرى ، معرفة لغة الدولة التي تدرسها أمر جيد ومهم، لكن الأهم من ذلك هي معرفة مناهج البحث في العلاقات الدولية أولا، فهذه أكثر اهمية وبشكل كبير من معرفة لغة تلك الدولة موضوع الدراسة، بل إن بعض المناهج في العلاقات الدولية بخاصة الكمية منها لا تشكل اللغة الاجنبية ضرورة ذات شأن، بينما في المناهج الكيفية بخاصة النصوص الأدبية – تكون الاهمية لمعرفة اللغة أكبر فائدة منها في المناهج الكمية ، لأن اللغة في هذا النمط من البحوث الكيفية تجعلك اقرب “للروح العامة” للمجتمع ، لكنها قد تكون مفيدة في بعض المناهج الأخرى او تقنيات المناهج مثل تحليل المضمون او تفكيك الخطاب السياسي.
من زاوية أخرى ، افقدت الترجمة من اللغات المختلفة أهمية اللغة الأصلية نسبيا ولا اقول بشكل مطلق، كما أن التأليف عن الدول الاخرى بلغات غير لغاتها يكاد أحيانا يزاحم عدد ما نشر بلغة المنطقة او الدولة ذاتها، فما كتب عن الشرق الاوسط مثلا باللغة الانجليزية يشكل زادا ” فوق الكافي” لدراسة الشرق الاوسط.
نعم ،إن معرفة اللغة الصينية لمن يدرس الصين ، أو اللغة التركية لمن يدرس تركيا ، او الفارسية لمن يدرس إيران ، او البرتغالية لمن يدرس البرازيل..الخ، أمر مهم، لكن المعرفة المتعمقة بمناهج البحث في مجال العلاقات الدولية هي الاساس وبدونها لا تجدي اللغة شيئا، ومعرفة المناهج يمكنها بالترجمات ان تستعيض عن اللغة الاصلية رغم ان المعرفة باللغة الاصلية قد يكون أفضل ولكن ليس بفارق كبير.
أعتقد –ولتسمح لي ربما هذه المرة- ان الضعف الرئيسي في العلوم السياسية في عالمنا العربي ليس فقط في توفر المادة العلمية او البيانات او المعلومات عنا او عن العالم أو الضعف في معرفة لغات الدول التي ندرسها، إن الضعف الرئيسي يكمن في مناهج البحث وفهمها بالشكل المطلوب..تلك هي المعضلة، اما اللغة فقد اصبحت الانجليزية وكأنها الوسيط بين كل ثقافات العالم، مما افقد اتقان لغات الدول او الظواهر السياسية موضوع البحث الكثير من أهميتها دون أن ننفي ان معرفة تلك اللغات يشكل رصيدا داعما ولكن دون “أوهام”.