لطالما شكل موضوع تقاسم المسؤولية بين الأزواج معضلة حقيقية، وخاصة في المجتمع الشرقي، حيث تجد المرأة نفسها في الكثير من الأحيان رهينة للمسؤوليات المتراكمة عليها يوميا، خصوصا إذا كانت عاملة، نفس الحالة بالنسبة لبعض الرجال الذين لبسوا هم أيضا ثوب المسؤولية عوض نسائهم، في وقت كان من المفروض أن يتقاسم الاثنان المسؤولية، لا أن تكون النساء من الزهرة والرجال من كوكب المريخ.

تشتكي معظم النساء الجزائريات من حجم المسؤولية المفروضة عليهن، خاصة العاملات، كيف لا وهن يقضين يوما كاملا في العمل ليجدن لدى العودة إلى المنزل أعمالا أخرى في انتظارهن، ربما أكثر شقاء من ساعات الدوام الطويلة مثل التنظيف، الغسيل، الطبخ، تربية الأطفال وتدريسهم… وقائمة غير منتهية من الواجبات ضاعت في ثناياها قائمة من الحقوق، نسيت أن تستفيد منها في خضم انشغالاتها اللامتناهية.

حكايات وقصص لا تنتهي تحكيها نساء يكابدن الحياة لوحدهن مع وجود أزواج يعتقدون أن البيت ليس سوى فندق فقط…

السيدة بن جدو حنان، 31 سنة وأم لطفلين موظفة بوكالة سياحية خاصة، هي من بين النساء الجزائريات اللواتي لبسن ثوب المسؤولية بعدما خلعه أزواجهن، تقول بتذمر “يا إلاهي” واش نقول على المسؤولية” زوجي لا يفعل شيئا يعود من العمل على الساعة الرابعة والنصف كونه يعمل بالقرب من المنزل، يستحم ثم يصلي، يأخذ قهوته بكل ارتياح مقابل الشاشة ثم يتصفح ما يريد، حتى أعود أنا من العمل عند الساعة الخامسة والنصف، وأحيانا أزيد عن ذلك حسب حركة المرور، وأكون عادة محملة بالمشتريات وبصحبتي طفلاي، ما إن ندخل حتى تنطلق أسطوانة النكد “أريد ماء، أريد أن آكل، أسكتي الصغيرين، أنا متعب و… سلسلة طويلة نهايتها تناول وجبة العشاء والخلود في نوم عميق، وهكذا هي باقي الأيام، إنها الحقيقة المحزنة، لقد صارت المرأة آلة أو روبوت بدون توقف”.

 السيدة علايلي نادية، 40 سنة موظفة بإحدى وكالات البنوك، تعاني هي الأخرى من مشكل تمرد الزوج فتقول “أقطن ببلدية العاشور وأعمل ببلدية بئر مراد رايس، أنا أم لثلاثة أطفال، يومي الطويل يبدأ على الساعة الخامسة أو الخامسة والنصف صباحا، أخرج من المنزل على الساعة السادسة والنصف بعدما أحضر كل صغيرة وكبيرة للأولاد، وحتى للزوج الذي يستيقظ على الساعة الثامنة كونه يبدأ العمل على العاشرة، وعند نهاية اليوم أصل إلى المنزل في حدود آذان المغرب، لأبدأ مهام أخرى مع تدريس أبنائي، الطبخ، الغسيل، التنظيم والتنظيف، فما إن يحين موعد النوم، حتى أدخل فراشي كالجثة الهامدة في انتظار يوم متعب آخر أسخره للزوج والأولاد”. وأضافت محدثتنا “وفي حال طلبت المساعدة من زوجي، فإنه يجيبني بأنه تعبان ويذهب مباشرة للنوم”.

لا يسعنا المقام لذكر الحالات الكثيرة لنساء لبسن ثوب المسؤولية لوحدهن وتحولن إلى آلات لتوفير الرفاهية والراحة لأفراد العائلة  …حتى لا نظلم وحتى نكون حياديين تقربنا من حالات كثيرة تخلت فيها المرأة كذلك عن دورها في المنزل وفي الحياة اليومية لأطفالها وزوجها، وتحولت إلى دمية لا تفارق صالونات الحلاقة ومراكز التسوق، تاركة المسؤولية كلها على زوجها في صورة جديدة تحكي عن العدل والمساواة بين الرجل والمرأة.

جيدي عبد الرحمن، 41 سنة أستاذ جامعي أب لطفلتين، يتكفل بكل صغيرة وكبيرة حيالهما بعدما تخلت والدتهما عن دورها، فيقول “العملية الجراحية التي خضعت لها زوجتي قبل خمس سنوات قلبت حياتنا رأسا على عقب، فقد تكفلت بتربية البنتين وحدي كما حرصت على توفير كل شيء لهما بحكم مرض زوجتي، وهذا قبل خمس سنوات كما ذكرت.

ويضيف “وحتى بعد شفائها واستعادة صحتها وجدت نفسي أقوم بنفس المهام، أطبخ، أنظف، أحمم طفلتيّ وأسرح شعرهما، وكل هذا وزوجتي المصونة إما تتكلم في الهاتف مع صديقاتها أو أهلها لساعات متتالية وغير منتهية، وإما تتسوق وتتجول عبر المحلات… فكرت لمرات عديدة أن أواجهها وأترك لها المسؤولية، لكن البنتين تعودتا على وجودي الدائم بينهما، وبالتالي، فإن التنازل عن مهامي صعب من أجلهما فقط”.

من جهته بلقاسم إلياس، صاحب الثلاثين سنة تاجر، يقول “بالنسبة لي أصطحب ابني ذي الثلاث سنوات أينما أذهب، كوني عامل حر”، مؤكدا أن زوجته ماكثة بالبيت، لكن ابنه متعلق به لدرجة كبيرة، حتى أنه ينام بجنبه ويقضي كامل اليوم معه، يغير له ملابسه ويطعمه، ويقوم بكل واجباته اتجاهه، مضيفا أنه لا يمل ولا يتعب من ذلك، كما أنه لا يتذمر بل يجد مرافقته لابنه أمرا رائعا”.

“الضغوطات اليومية التي تتعرض لها المرأة تصيبها بالقوقعة الروتينية”

تقول الأستاذة صبرينة بوغمبوز أن المشاكل الاجتماعية التي تتعرض لها المرأة على وجه الخصوص، وتخلي الأزواج عن مسؤوليتهم والاتكال على الزوجة في أداء كل المهام، يدخلها فيما يسمى في علم النفس بالقوقعة الروتينية التي تعيش داخلها.

وتضيف أن المرأة بعد ذلك تجد نفسها مضطرة لمواصلة مسيرتها في أداء مهام يومية شاقة، كالتسوق وقضاء المشتريات اليومية من البقالة ومحل الخضروات، كما تجدها تنظف البيت باستمرار وتحضر أبناءها ودروسهم وقت الامتحان، فيما تسعى جاهدة لتحضير أحسن أكل لعائلتها، وكل هذا يجعلها تنسى نفسها، وحتى إن حاولت التفكير بنفسها قليلا، فإنها تجد في ذلك تضييعا لمستقبل أبنائها وحتى زوجها وعائلتها بأكملها.

كما أضافت المتحدثة أن المرأة في أمس الحاجة لالتفاتة توعوية وندوات تحسيسية، لإدراك المجتمع بمدى أهميتها وتحملها لشتى أنواع الضغوطات والأمراض النفسية، كل هذا فقط لتحافظ على كيان أسرتها وسمعتها.

“الزوجة ليست خادمة لزوجها بل هي شريكة حياة في إنشاء أسرة متكاملة”

يقول الشيخ محمد تيكاروشين “لن تكون هناك حياة ولا حركة ولا إنتاج إلا باحتكاك وتناسب وتوافق عنصرين أساسيين (الموجب والسالب) في معظم مجالات الحياة، وهذا الذي حدث في بداية البشرية حينما خلق الله تعالى آدم وحواء حتى يتشاركان على مهام الحياة، بقوله تعالى “ومن آياته أن خلق لكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون”. الروم/21.

ثم إن الإسلام ولو أنه قيد بعض المهام وجعل لكل جنس عمله كقوله تعالى “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض”، النساء/34، إلا أن الحياة بين الزوجين لن تستمر إلا إذا أطلق تنافس على العمل الصالح في ميدان الحياة، فقال “من عمل عملا صالحا من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يفعلون”. النحل/97 .

ومن خلال فهم مثل هذه النصوص، تتحرك النوايا الصالحة في اقتسام مهام البيت بين الزوجين، خاصة إذا كانت الزوجة تشتغل خارج البيت، كما هو الحال اليوم، ثم أن إعانة الزوج لزوجته ـ دون تكلفة منها ـ ليس نقصا من قيمة الرجل، بل هو في حد ذاته اتباع للشريعة الإسلامية، كما رأيناه متجليا في أفضل خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قالت عنه زوجته عائشة رضي الله عنها، أنه كان يخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجل في بيته. وهو الذي رفع شعار الزوجة ليست خادمة لزوجها بل هي شريكة الحياة في التعاون على إنشاء أسرة متكاملة.