تشهد الفلسفة المعاصرة نشاطا مخصوصا في مساءلاتها و تفكراتها ومساراتها، هذه المخصوصية تتأتى من التحولات التي مسّت نماذج الفهم ومقولات التفكير، بخاصة تلك التي صاغتها عقلانية الحداثة الفلسفية مع لحظة التأسيس الذاتي الديكارتية وتوابعها المعرفية والتاريخية: الإصلاح الديني والثورة العلمية والثورة السياسية وعصر النهضة و عصر الأنوار وصولا إلى الإغلاق الفلسفي مع هيجل Hegel، إنه إغلاق لأنه رفع هذه المعقولية بمحدداتها المشهورة : الحق في النقد، الحرية، استقلال العمل، المنزع المثالي في الفلسفة، رفعها إلى مرتبة الوعي المطلق بالذات، هذا الوعي تعد الحرية ملمحا جوهريا عليه في عناصر الثقافة الغربية المختلفة: السياسة، القانون، الأخلاق، الفلسفة، الدين…

     إن هذه المخاطرة الفلسفية الكبرى التي طوّرها هيجل تكمن في أنها تعالت بهذه المعقولية إلى رتبة الميتافيزيقا، وأقصد بمفردة الميتافيزيقا في هذا المقام أية فكرة مجتثّة عن أصولها، حاجبة لتاريخيتها ومركبات تكوينها، لقد صار للميتافيزيقا تاريخ كما قرأ ذلك هيدجر gerHeideg، هذه المعقولية الفلسفية ليست في الحقيقة من نواتج المنظورات الفلسفية الحداثية فقط ، فإلى جانب هذه المحددات ثمة نسل معرفي يوناني كامن قوامه الثقة في العقل وفي مقولاته ومحاكمة كافة أشكال اللامعقول باسمه (كالدين و الحس الأخلاقي مثلا ).

     هذا ما دفع أحد المهتمين الفرنسيين بالفلسفة المعاصرة ” بيير هيبر سوفرين” إلى التصريح بأن النموذج العقلاني بخاصة الذاتي منه، يجد مكوناته وبواكيره الأولى في فلسفة سقراط، إنها النظرة التي امتدت خلال مسار الفلسفة في التاريخ بأشكال متعددة، وتحت مسمى واحد هو العقلانية، هذه العقلانية السقراطية هي التي مهدت لظهور نظرية ثنائية العالم عند أفلاطون، وهي التي جمّدت على امتداد ألفي عام أطر أفكارها في منطق أرسطو، وهي التي أدخلها اللاهوتيون في الدين، وهي التي تجددت وابتدعت العلم مع الطريقة الديكارتية، وهي التي نقع عليها من جديد في ديالكتيك هيجل، وعبارته المشهورة”ما هو عقلاني هو واقعي، وما هو واقعي إنما هو عقلاني”.

إن هذه الرؤية لم تبقى في دائرة الفلسفة فقط، لقد تمظهرت في أشكال التعابير الثقافية المختلفة، وكوّنت لنفسها تمركزا ثقافيا ذاتيا هو التمركز الثقافي الغربي، بما هو تكثف مجموعة من الرؤى في مجال فكري و شعوري مخصوص، أين تكون الذات هي المرجعية الفاعلة في أي نشاط سواء باستكشاف أبعاد نفسها أو بمعرفة الآخر.

     لكن مع نهاية القرن التاسع عشر، الذي كان يلوح بمعالم فكر فلسفي مختلف، تبدّلت هذه النظرة إلى نماذج العقلانية بخاصة الفلسفة الذاتية وريثة الديكارتية، وصارت هذه الذاتية ينظر إليها كتهمة لا ينفك الفكر الفلسفي المعاصر على ترديدها و نقدها، وأضحت نُذرا على حلول عصر العدمية الآتي لا محالة، وبشارة على تصدع التمركز الثقافي الغربي وريث فلسفة الذاتية ومثل التنوير الفلسفي ونظريات التقدم الحضاري.

ثم إن إعادة الاعتبار لمقولات التعددية و الاعتراف، والخصوصية الفلسفية واللامعقول و الدين … لم تصبح ممكنة إلا خارج الخريطة الإشكالية التي رسمتها خطاطة الأنوار.

     هذه النتيجة تجد ضماناتها ومبرراتها المعرفية في المفاعيل العكسية التي لم ينتبه إليها العقل الغربي، لأنها كانت تعمل في الخفاء، إنها آلت إلى نقيض مقصودها كما يقول علماء الأصول. فإذا كان الإنسان الغربي قد أسّس مشروعه الحداثي الذاتي على مجموعة مسلمات منها: عقلنة الأسطورة وأنسنة المفارق وعلمنة القداسة، أو بتحديد آخر نترصّده في مبادئ ثلاث:مبدأ التوجه إلى الإنسان (وحده) والانفصال عن الإله، ومبدأ الثقة في العقل (وحده) والانفصال عن الوحي، ومبدأ التعلّق بالدنيا أو الدنيوية ( وحدها)، والانفصال عن أية دلالة أخروية، فإن مآلات هذا الفعل الانفصالي انتهت به إقرارا إلى استمرار ما ثار ضده، مع تغيّر الأمكنة و المواقع :أي أسطرة العقل وتقديس العلمنة وتأليه الإنسان، حتى صرنا نجد في الفلسفة المعاصرة من يدعو بناء على هذه الخلاصات المعرفية إلى انتفاء التأسيس و الاندراج في دوامة التأويل اللامتناهي للأشياء، والبحث في المقابل لشكل من أشكال العقلانية في الخطابات التي كانت تصنّف سابقا على أنها تتغذى على الوهم :كالخيال والتصوف و الأسطورة والخرافة وكافة أشكال اللامعقول الأخرى، ثم إيجاد نوع من التساوي في القيمة بينها و بين التفكير الفلسفي العقلاني والعلمي، فهم جميعا يحكمهم ناظما أو واصلا مشتركا هو كونهم منظورات أو تقنيات للسيطرة على الأشياء وإعادة تأويلها بشكل مختلف.

              لتتحول هذه التوجسات و الانتقادات إلى منظورات في الهدم والتقويض للتراث الثقافي الغربي

من جهة إفراز تقنيات مختلفة في التأويل و الفهم، يتمظهر هذا في القطائع و الإنفصالات التي نظّر لها فلاسفة الارتياب “ماركس، نيتشه، فرويد”، الذين هم بحسب منظورية ميشيل فوكو M-Foukaultلم يضيفوا معاني جديدة على أشياءلم يكن لها معنى، إنما طرحوا أمامنا إمكانية أخرى للتأويل أو إنهم أسسوا إمكانية قيام تأويل جديد، تغيّرت معه طبيعة الدليل وتبدّلت الكيفية التي كان بإمكان الدليل أن يؤول بها.

       إنه مسعى مختلف عن الفلسفة بمعناها الأنواري والعقلاني، فهو يقوم على صيرورة البحث، عن معنى عميق ،كامن، غير مباشر، تحت المعنى الظاهر والواعي بصورة مباشرة للأحداث الإنسانية، فخلف سلوك ما مثلما يحلل فرويد دافعا نفسيا غير واع، أو مثلما يفضح ماركس إيديولوجية استغلالية، ومع نيتشه يتم اعتبار كل شيء كجملة من القوى التي تنجز فعلا، وينتج عن هذا كله أن تحليل أي اعتقاد أو مؤسسة أو سلوك إنما هو بادئ ذي بدئ النظر إليها كقدرات، كنشاطات فعّالة، ومن ثمة التساؤل من أين تأتي هذه القدرات، ومن أية نية تنبثق؟ و إلى أين تتجه؟ وماذا يريد ذلك الذي يعتقد هكذا ؟.

       بناء على ماسبق بيانه، فإن مرادنا من خلال هذه المقاربات ذات المنحى الفلسفي، رصد لحظة التحول الجذري العميق والمساءلات النقدية العنيفة لنماذج العقل بمعناه الحداثي، وقيم التنوير الفلسفي، ونظريات التقدم الحضاري، بخاصة تلك التي طورتها عناوين الحداثة الغربية المختلفة، متبوعة بإرادة تأصيلها حضاريا، أوفي جعلها كونية أو شمولية، وسيكون رصدنا لهذا النقد يجمع بين الداخلي والخارجي، داخلي يستثمر العدة المعرفية و المنهجية التي أفرزتها تحوّلات العلوم الإنسانية المعاصرة والقراءات التأويلية المختلفة كقراءة نيتشه Nietzsche الجينيالوجية و مقاربة فوكو – Foucaultالحفرية و نقدية جون بودريارJen baudrillardالتي تتوسط الفلسفة و السوسيولوجيا ….

   وخارجي: يعتمد على الخصوصية الثقافية في شكلها الأخلاقي، لتقويم الحداثة الغربية وكشف الآفات الأخلاقية التي لحقت بها وألحقتها بالإنسان.

أخيرا، فإننا توصلنا إلى بناء الهيكل المشكّل لموضوع مقاربات هذا الكتاب على النحو التالي:

الباب الأول: خصّصنا فيه البحث حول تحولات المفهوم في الفلسفة من منطق الكلية و التجرُّدية إلى المنظورية و الرهان التداولي :

     اختص الفصل الأول منه بالكلام في إشكالية المصطلح الفلسفي: من جهة العلاقة بين الإرادة و الكلمة و المعنى، و قد بيّنا فيه أن البرنامج الذي أفرزته هذه المقاربة يتأسس على قاعدة إطلاق التسمية من أسر الإتباع و الكشف عن تحيّز سياقات ومقامات المصطلحية لتحصيل القدرة على تسمية الأشياء وترتيبها على ضوء الجهاز المقولاتي الخاص والنموذج المعرفي التوليدي المبدع.

كما اختص الفصل الثاني بالكلام في “سؤال الحداثة عند طه عبد الرحمن ” أردنا من خلاله الوقوف على نموذج لغوي تداولي يهدف بمشروعه المسمّى: “إعادة إبداع المفاهيم” إلى نهوض الهمة إلى الإبداع، وتخليص القول الفلسفي العربي الإسلامي من قلق العبارة والإتباع، حيث قمنا بتشخيص هذه الدعوى ثم نقدها.

   لننعطف بعدها إلى نموذج آخر يتعرّض بالتوصيف و التحليل لفكرة التداخل بين المفهوم الفلسفي وتمظهراته في فروع المعرفة الأخرى، بخاصة أدب الطفل لدى عبد الوهاب المسيري، ثم نقد مفاهيم المسيري التي يتوسل بها في مقارباته المختلفة.

     واختص الفصل الثالث بتوضيح كيف أن المفهوم الفلسفي يسهم في الوصل بين العلوم الإجتماعية من أجل فعل تواصلي يراعي معايير منطق الخطاب، هذا المنظور كان قد ركب عناصره الفيلسوف الألماني : يورغن هابرماس.Habermas. وبهذا الإجراء التداولي يدخل المفهوم الفلسفي عالم الحياة و يعمل على إغنائها وتوجيهها.

   ويتناول الباب الثانيتحولات العلاقة بين الفلسفة و الحداثة: من التوحد وتأسيس المشروعية إلى النقد الجذري والمواجهة.

وتفرّد الفصل الأول منه بالحديث عن نظريات النقد المابعد حداثية، التي رأينا أنها تجد أصولها في المساءلة الفلسفية النيتشوية بثورتها النقدية العنيفة على التراث الثقافي الغربي، ثم امتداد هذه المسائلة لدى تقنيات النقد المابعد حداثية.

   وتفرّد الفصل الثاني من هذا الباب بتتبع خطاب الاستشراق و النظر إليه لا من زاوية تقاليد النقد التي تربطه بالاستعمار والدوافع اللاعقلانية، إنما النّظر إليه باعتباره خطابا يجد ضماناته التأسيسية في الفلسفة الذاتية، التي أضحت تهمة معرفية في الفلسفة المعاصرة، أين تحولت الفلسفة من تأسيس المشروعية للخطاب الإستشراقي إلى الثورة عليه و المواجهة مع مسلماته.

كما تفرّد الفصل الثالث بالحديث عن المعنى الفلسفي لعودة المكبوت الديني في الثقافات المعاصرة: خصّصنا فيه التحليل عن أزمة المعنى وعودة هذا المضطهد بأشكال متعددة (في الفلسفة، الأخلاق النظرية، الصراعات الدولية، عودة نقرأ فيها الفراغ الذي أورثته التقنية من ناحية، وتخلي الفلسفة عن البحث في الأساس و المعنى و القيمة، وعمق الشعور الديني لدى الإنسان من ناحية أخرى.

و أخيرا يتناول الباب الثالثروح العولمة وتحولات مهمّة للفلسفة.عالجنا فيه:الأبعاد الكونية للتجربة الصوفية: الهدف من هذه المقاربة هو تحيين و تشخيص راهينية النص الصوفي كما تقرأه شبكة العلوم الإنسانية المعاصرة بخاصة ميشيل دوسارتو في الفكر الغربي، إنها ملمح جوهري على الاعتراف باللامعقول في الدرس الفلسفي المعاصر بخاصة في زمن العولمة، زمن تسليع الإنسان.

   وتفرّد الفصل الثاني بالحديث عن مفاعيل العولمة وكيف أعادت بناء العديد من المفاهيم، من أبرزها حضورا في الدرس السوسيولوجي و الفلسفي المعاصر : مفهوم المجتمع المدني الذي أضحي مفهوما كونيا أومابعد قومي يتجاوز المضائق الاقليمية إلى الفضاءات العالمية، قمنا برصد مفاعيل التحول في المفهوم ثم تشخيصه ونقده في مستوى قيمته المفهومية و تحققاته الواقعية.

     واختص الفصل الثالث من هذا الباب الأخير بتوضيح كيف أن أخلاقيات التواصل ممكنة من منظور البحث تداولي، لأنها”أي التداولية” تهدف إلى وضع الشروط المنطقية واللغوية والأخلاقية التي بواسطتها نرسم لغة التسامح بتحريره من أية وصاية مزعومة أو سلطة مهيمنة.

   وتفرّد الفصل الرابع بتوصيف العولمة في القول الفلسفي العربي المعاصر ، وطرافة هذه المقاربة تأتي من تنوّع المواقف الفلسفية العربية من لغة العولمة: بين من يدعو إلى الانخراط في عصرها و إتقان لغتها و الخروج من وهم العولمة البديلة إلى العقلانية المختلفة.وبين من يؤسس لترشيدها وإعادة بنائها، بفك الارتباط بينها وبين نتائجها التي تضر بالبعد الأخلاقي في الإنسان من حيث هو كذلك. فضلا على موقف آخر يبصر فيها “أي العولمة” زمن التحقّق الأقصى لمتتالية الترشيد العلماني باجتثاثها لعنصر القداسة عن الإنسان و الحياة، وإدراجهما ضمن عالم الأشياء.

     أخيرا، نسأل المولى عز و وجلّ، أن يكون عملنا هذا لبنة من لبنات البناء، وإسهاما من إسهامات التوجيه والتعمير والتكثير في العاجل و الآجل. والله من وراء القصد وهويهدي السبيل.

Theme:تحولات الفكر الفلسفي المعاصر

Author: BelagrouzAbderrezak

  • للكاتب :د/ بن سليمان الصادقأستاذ الفلسفة بقسم العلوم الإنسانيةجامعة الجلفة
  • صعوبة تحديد اتجاهات الفلسفة المعاصرة :
  • النشاط الفلسفي المكثف للفلسفة المعاصرة :
  • إحتفاء المذاهب والانساق المعتادة :
  • التمرد علي النزعة المثالية :
  • – أصبحت الفلسفات المعاصرة أكثر ارتباطا بالعلم:
  • – العودة إلى الإنسان كموضوع خصب للدراسة:
  • أبرز سمات فلاسفة الحياة :
  • المصادر:

للكاتب :د/ بن سليمان الصادقأستاذ الفلسفة بقسم العلوم الإنسانية – جامعة الجلفة

صعوبة تحديد اتجاهات الفلسفة المعاصرة :

إنه من العسير على الباحث في الفلسفة المعاصرة أن يحدد بدقة اتجاهات الفلسفة المعاصرة، وضم فلاسفتها تحت أسماء معينة. فالفيلسوف المعاصر يقف على بوابة واسعة تنفتح على تراث فكري غريزي أفرزه العقل الإنساني على مدى قرون من الزمن. فهو أما تراث يوناني تظهر فيه عبقرية اليونان، وتعلو فيه آراء أفلاطون وأرسطو ومن قبلهم ومن بعدهم.

 حتى إن «نتشه» يرى أن «كافة الشعوب تشعر بالخجل حين تتناول مجتمعا نموذجيا من الفلاسفة بهذا الشكل البديع، مجتمع المعلمين الأول في اليونان» (18).

وهو كذلك أمام تراث ديني فلسفي يعود إلى العصر الوسيط. ومن جهة أخرى أمام نتاج علمي هائل بدأت تنكشف أضواءه منذ القرن السادس عشر. وما أفرزه وما ترتب عليه من حركات فكرية، وتطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية. لذلك وجد الفيلسوف المعاصر نفسه في بيئة تموج بكل أنواع التيارات التي تتعارض حينا، وتلتقي حينا آخر، ومن ثم هو مطالب باتخاذ مواقف معينة بإزاء هذه الروافد.
سواء بالقبول أو الرفض أو الإضافة. فعقلية الفيلسوف المعاصر تكونت من مصادر شتى يصعب الإحاطة بها كلها. ومع ذلك نحاول قدر المستطاع تحديد بعض العلامات العامة التي كانت عنوانا مميزا لهذا العصر عن غيره، وتشكل نسقا فكريا تتحرك فيه رحى الفلسفة. ورحما خصبا تولد منه الأفكار والنظريات.

النشاط الفلسفي المكثف للفلسفة المعاصرة :

– فهو عصر نشاط فلسفي مكثف. نجد فيه أسماء كثيرة لفلاسفة كبار، وعلى ذلك لم يشهد أي عصر سابق هذا الكم الضخم من الاتجاهات الفلسفية المتباينة والمتشابهة أحيانا.
 لذا من الصعب إطلاق صفة معينة على هذا العصر تعبر عن روحه. فإن جاز لنا أن نقول إن القرن السابع عشر هو عصر المذاهب الفلسفية الشامخة، وأن القرن الثامن عشر كان عصر تنوير، والتاسع عشر هو عصر سيادة الفلسفات المادية بأنواعها، فإنه ليس بمقدورنا أن نسحب وصفا كهذا على هذا العصر.

إحتفاء المذاهب والانساق المعتادة :

– نلاحظ اختفاء المذاهب والأنساق الفلسفية الكبرى التي تميزت بها الفترات الماضية. إذ بدأ الاهتمام بالمنهج والحرص على الوضوح في الفكرة والمعنى، وبدأ الاستخدام الدقيق للغة يطغى على اهتمام فلاسفة هذا العصر. فقد ظهر المنهج الفينومنولوجي، والمنهج المنطق الرياضي.

التمرد علي النزعة المثالية :

– التمرد على النزعة المثالية الذي عبر عن نفسه في أشكال عديدة من التفكير سادت في الفلسفة المعاصرة: الماركسية، الوضعية، الفلسفة التحليلية، البراغماتية، الوجودية وغيرها من المذاهب. ولعل هذا التمرد هو في حقيقته رد فعل وثورة على النزعة العقلية بوجه عام. وكان من نتائج رفض الفلسفة المثالية أن أصبح الاتجاه إلى الواقع وإلى الإنسان أمرا طبيعيا. فنزع كثير من الفلاسفة المعاصرين إلى الواقعية، وترتب على هذا نقد فكرة المطلق لدى معظم الفلاسفة، وازدياد الاهتمام بالإنسان الفرد.

– أصبحت الفلسفات المعاصرة أكثر ارتباطا بالعلم:

، وظهر ذلك في اعتماد المنهج العلمي، والاستعانة بنتائج العلوم الطبيعية والنظريات العلمية. وإن كان الاهتمام بالمنهج يعود إلى ديكارت وهيوم، إلا أن هذا العصر نجح كثيرا في تحليل المفاهيم، وتصنيف أشكال التفكير والتحرر من الميتافيزيقا التقليدية، التي كانت محل نقد شديد من طرف أغلب الفلاسفة.

– العودة إلى الإنسان كموضوع خصب للدراسة:

وكانت الحاجة شديدة إلى ذلك. هذه الحاجة التي لم تشبعها فلسفة «هربرت سبنسر» المادية، أو أفكار المثاليين. وكانت النهضة العلمية السابقة على هذا العصر قد هبطت بالإنسان إلى مستوى الموضوع، فأصبح بعدئذ إشكالا مستمرا بالنسبة إلى نفسه. وصاحب هذا الاهتمام بالإنسان الاهتمام بما هو عيني بدلا من الإيغال في عملية التجريد أو الإغراق في المثالية المطلقة.
 ولم يصبح موضوع الفلسفة الطبيعة والعقل، إنما الإنسان في وجوده الحقيقي المشخص. لكن الذي ينبغي التنبيه إليه أن الإنسان الذي أصبح مصدر بحث ودراسة ليس هو الإنسان كما كان يتصوره «ديكارت» في «تأملاته»، يتشكل على نحو منهجي من أجزاء يضاف بعضها إلى بعض، إذ يأتي التفكير أولا ثم الروح المتحدة بالبدن والأهواء، إنما هو إنسان قذف به في منحى معين من الكون بعظمته وبؤسه. وصار يبدو في نظر نفسه مشكلة من المشاكل.
 الإنسان في الفلسفة الحديثة بدء من ديكارت هو الإنسان المجرد الذي يكاد ينقطع عن تاريخه وصلاته بالآخرين، وعلاقاته. وعلى ذلك انصبت أبحاث الفلاسفة على تعديله أكثر من تركيز اهتمامهم على معرفته. ففلسفات التاريخ السابقة خاصة لدى هيجل تتجاهل الفرد. وان اهتمت ببعض العظماء الذين تمكنوا من تحديد المراحل التاريخية، فإنها نظرت إليهم على أنهم ممثلين لأفكار، لا مجرد أفراد.
لقد غابت في هذا العصر النظرة إلى التاريخ على أنه نوع من الحقائق العلوية المفروضة على الأفراد بشكل يحدد طريقة سيرهم في الحياة، وتعتبرهم مجرد أدوات تنفذ بها أهدافها. وظهرت آراء تتخذ الحاضر أساسا لبناء الأفكار لا المستقبل كما هو الحال لدى «كروتشه». فالأولى أن يخلق المرء شعوره الخاص، وتفكيره الخاص، بل إن النظرة إلى الزمن تحولت من النظرة المسيحية التي تجعل حاضر الإنسان محصورا بين الماضي والمستقبل، ومن ثم يفقد استقلاله بذاته، إلى النظرة التي تعتبر الزمن الحاضر الحافل بالماضي والمتجه نحو المستقبل هو البنية الحقيقة للزمن، أو ما يعرف بالزمن الإنساني على حد تعبير «هيدجر».
ورغم وجود حالة اتصال واستمرار في الفكر في هذا العصر مع الذي يليه، إلا أن هناك مفكرين كبارا كان لهم فضل في ظهور أفكار جديدة انتشرت وذاعت.

 يقول بوشنسكي: «وبعض هؤلاء المفكرين ونقصد برجسون على الأخص وهسرل إلى حد ما أصبحوا بالفعل موضع التكريم الكبير» (19).

ويضيف في موطن آخر: «ثم يأتي بعد ذلك مذهبان قطعا كل حبال الاتصال مع القرن التاسع عشر الميلادي وهما فلسفة الحياة وفلسفة الماهيات والفينمومينولوجيا» (20).

أبرز سمات فلاسفة الحياة :

 ولعل أبرز سمات فلاسفة الحياة أنهم ينأون بعيدا عن النزعة الميكانيكية بقدر ابتعادهم عن النزعة المثالية. فلا يوجد عندهم إلا الحركة والصيرورة. وكان «برغسون» أكثر التعبير عنهم. فهم يرفضون التصورات والقوانين القبلية والاستنباطات المنطقية. ولا يرضون للفلسفة أن يكون منهجها هو المنهج العقلي إنما منهجها «الحدس» والنشاط والفهم الحي للتاريخ. وهذا يقودنا إلى البحث في الحدس في النسق المعرفي.

المصادر:

14) رينيه مونييه. البحث عن الحقيقة. ترجمة هاشم الحبيسي، منشورات دار مكتبة الحياة لبنان، 1985. ص 39
15) الإشارة هنا إلى نظرة أوجست كونت إلى الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء
16) فرويد. قلق في الحضارة. ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت، ط4، 1996. ص73
17) فرويد. تفسير الأحلام. ترجمة مصطفي صفوان، مراجعة مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة. ص595-594
18) نتشه. الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي. تقديم ميشل فوكو، تعريب د/سهيل القش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2، 1982. ص41
19) بوشنسكي. الفلسفة المعاصرة في أوروبا. ترجمة عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة 1992. ص 48
20) المرجع نفسه. ص 56