مقدمة

يشهد إقليم شرق آسيا تحولات استراتيجية عميقة في توازنات القوى البحرية، نتيجة تصاعد المنافسة الإقليمية والاستقطاب بين الدول الكبرى. ويُعد الإعلان الأخير عن اتفاق دفاعي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية تحولًا نوعيًا في السياسة الدفاعية الوطنية لسيول، بما يتجاوز تعزيز الردع تجاه كوريا الشمالية، ليشمل إعادة تحديد مكانة كوريا الجنوبية في الأمن الإقليمي، وتغيير طبيعة التحالف مع واشنطن، وتسريع سباق التسلح في المنطقة، إضافةً إلى تأثيره المحتمل على توازنات القوى الكبرى ضمن النظام الدولي.

محفزات الصفقة الدفاعية

1. سياسة الاستقلال الدفاعي

ترتبط خطوة كوريا الجنوبية نحو الغواصات النووية بسعيها لتعظيم قدراتها الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على الحلفاء، في ضوء فقدان الثقة بالالتزامات الدفاعية الأمريكية. وقد انعكس ذلك في زيادة الإنفاق العسكري الوطني، وتطوير المقاتلة KF-21 المحلية، ونظم الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات L-SAM، فضلاً عن تعزيز قدرات القيادة العسكرية الكورية وتوسيع صادرات الأسلحة (SIPRI, 2025).

جدول 1: تطور الإنفاق العسكري الكوري الجنوبي (تريليون وون)

السنةالميزانية المقررةالميزانية المنفذةنسبة النمو السنوي
202460.560.55.0%
202563.062.83.7%
202666.2965.864.9%

المصدر: وزارة الدفاع الكورية، 2025.

2. الحفاظ على تماسك التحالف الكوري – الأمريكي

رغم التحول نحو الاعتماد على الذات، تهدف الصفقة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الانخراط الأمريكي، وفق التغيرات في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2026 التي دعت كوريا الجنوبية لتحمل مسؤولية الردع، مع استمرار الالتزامات الدفاعية الثنائية (Lee, 2025).


3. التحول إلى نموذج “الجيش الذكي” كثيف التسليح

يسعى الجيش الكوري الجنوبي للانتقال من جيش كثيف العدد إلى نموذج يعتمد على التكنولوجيا والمنظومات النوعية. ويأتي اقتناء الغواصات النووية ضمن استراتيجية “القوة الذكية النخبوية”، في ظل تراجع أعداد الجيش إلى 450 ألف جندي مقارنةً بـ1.28 مليون جندي في كوريا الشمالية، مع توقع انخفاض عدد المؤهلين للتجنيد مستقبلاً (Ministry of Defense, 2025).

4. مواجهة التطور البحري لكوريا الشمالية

يعد تطور القدرات البحرية لكوريا الشمالية، بما في ذلك الفرقاطات والغواصات الهجومية والصواريخ الباليستية، محركًا رئيسيًا للصفقة. وعززت سيول من قدرات برنامج الغواصات KSS-3 بالتوازي مع السعي لامتلاك غواصات نووية لتعزيز القدرة على الردع والبقاء في البحر لفترات أطول.

جدول 2: مقارنة أسطول الغواصات بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية

النوعكوريا الجنوبيةكوريا الشمالية
غواصات هجومية تقليدية1870
غواصات نووية (قيد التطوير)01
فرقاطات حديثة1225

المصدر: Jane’s Defence Weekly, 2025.

5. تعزيز مكانة كوريا الجنوبية في التصنيع الدفاعي

يمثل تصنيع الغواصات النووية فرصة لتعزيز مكانة كوريا الجنوبية ضمن الدول الرائدة في الصناعات الدفاعية الدقيقة، مع تطوير مفاعلات نووية عسكرية دقيقة وأنظمة تشغيل متقدمة. وتهدف سيول إلى تحقيق المركز الرابع عالميًا في صادرات الأسلحة بحلول عام 2027 (SIPRI, 2025).

6. مواجهة تهديدات الأمن البحري الإقليمي

تسعى كوريا الجنوبية للردع في البحر الأصفر وبحر اليابان ضد التحديات المتزايدة من الصين وكوريا الشمالية، عبر رفع تكلفة المواجهة البحرية وإظهار قدرة الردع النوعي (Admiral D. Kode, 2025).

التداعيات المحتملة

1. الضغوط الداخلية للتشدد تجاه بيونج يانج

قد تؤدي الصفقة إلى ضغوط سياسية داخلية من التيار المحافظ حول تعامل الحكومة مع كوريا الشمالية، ما يتطلب موازنة دقيقة بين السياسة الداخلية والخارجية.

2. أعباء الإنفاق العسكري على الاقتصاد

يتوقع أن يؤدي تخصيص موارد مالية إضافية للصفقة إلى زيادة الضغوط على الميزانية الوطنية، كما ظهر في تخفيض ميزانية الدفاع 2026 من 66.29 إلى 65.86 تريليون وون.

3. الاحتياج لتدريب القوات على مهارات متقدمة

تشغيل الغواصات النووية يتطلب تدريبًا متخصصًا للقوات، بما يتجاوز القدرات الحالية، مع استثمارات كبيرة لتطوير المهارات التشغيلية.

4. مخاطر العمليات التخريبية الكورية الشمالية

قد تتعرض مشاريع الغواصات النووية لتهديدات تخريبية أو عمليات تجسس، كما أظهرت الهجمات السيبرانية السابقة ضد مؤسسات دفاعية وصناعية.

5. توسع سباق التسلح النووي الإقليمي

من المتوقع أن تؤدي الصفقة إلى تحفيز كوريا الشمالية والصين وربما اليابان لتطوير برامج الغواصات النووية، بما يعزز ديناميكيات سباق التسلح في شرق آسيا.

6. احتمالات تقليص الحماية النووية الأمريكية

قد تمثل الصفقة بداية التحول نحو استقلالية دفاعية خارج المظلة النووية الأمريكية، في إطار إعادة تحديد الالتزامات الدفاعية الأمريكية بالخارج.

خاتمة

تشكل صفقة الغواصات النووية الكورية تحولًا استراتيجيًا عميقًا في العقيدة الدفاعية لكوريا الجنوبية، من الاعتماد التقليدي على المظلة الأمريكية إلى مسار مستقل يقوم على بناء قدرات ردع نوعية. وبينما توفر الصفقة فوائد كبيرة في الردع البحري والتحول نحو “جيش ذكي”، فإنها تزيد من تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية، وتسرّع سباق التسلح في شرق آسيا، وتفرض تحديات اقتصادية وتقنية تتطلب إدارة دقيقة لضمان التوازن بين الردع والاستدامة الاقتصادية.

المراجع

  • SIPRI. (2025). Stockholm International Peace Research Institute: Arms Transfers Database 2020-2025. Stockholm.
  • Ministry of Defense, Republic of Korea. (2025). Annual Defense White Paper. Seoul.
  • Lee, J. M. (2025). Remarks on National Defense Strategy. Seoul: Government Press.
  • Jane’s Defence Weekly. (2025). Naval Forces in East Asia 2025. London.
  • Admiral D. Kode. (2025, November). Statement on Nuclear Submarines and Regional Deterrence. U.S. Navy Press.